بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

أموال المصريين التي لا تعود

مر ما يقرب من ثلاث سنوات على ثورة المصريين في يناير 2011.. استبدلت الميادين مبارك بطنطاوي بمرسي، ثم أخيراً السيسي ودميته منصور، وحتى الآن لم تستعد الدولة المصرية أموال الشعب المُهربة إلى الخارج طوال عقود من حكم نظام مبارك.

القضية التي شغلت الرأي العام بعد خلع مبارك، وسط تقديرات غير دقيقة بأن حجم الأموال المُهربة والتي يملكها مبارك تبلغ 70 مليار دولار ترتفع لـ200 مليار بإضافة رموز نظامه، انتهت إلى لا شيء وسط لجان لا تنتهي لتقصي الحقائق واستعادة الأموال المُهربة.

وفي أحدث تقرير لمنظمة النزاهة المالية العالمية، قالت المنظمة أن “الدول النامية خسرت حوالي تريليون دولار بسبب الاحتيال والفساد والصفقات المشبوهة في 2011، ما يتجاوز حجم المساعدات الأجنبية التي تلقتها، ويعني هذا أنه مقابل كل دولار من المساعدات تضيع عشرة دولارات عبر تدفقات الأموال القذرة”.

وشهدت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أسرع زيادة في “الأموال القذرة” التي تدرها الصفقات غير المشروعة والجريمة والفساد، وارتفعت التدفقات غير المشروعة من دول المنطقة 31,5% بين 2002 و2011، وهو العقد الذي أسهم في تفجر انتفاضات الربيع العربي.

مسيرة استعادة الأموال المُهربة بدأت بتشكيل لجنة لاسترداد الأموال المُهربة في الخارج في عهد المجلس العسكرى السابق برئاسة المستشار عاصم الجوهري، ثم إصدار حكومة الإخوان قانون يسمح باسترداد الأموال تبعته لجنة برئاسة الوزير السابق محمد محسوب لم تنته إلى شيء.

الفشل المصري في استعادة الأموال المُهربة مستمر رغم أن الحكومات الدولية مُلزمة برد الأموال المنهوبة وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد. ولكن تغير الأنظمة الحاكمة في مصر والضغوط على السلطة القضائية بتغيير النائب العام وتعديل قوانينها يجعل مصر دولة لا تتوافر فيها شروط المساعدة من أجل استرداد الأموال المُهربة، خاصة أنه لم يصدر حكم نهائي يدين أركان نظام مبارك حتى الآن، ما لا يمكنها من إقامة دعوى قضائية أمام المحاكم الدولية في الدول الموجود بها هذه الأموال.

إلى جانب ذلك، فشلت مصر في تقصي حقيقة فساد نظام مبارك وتحديد قيمة الأموال المُهربة في الخارج، كما لم تتوافر أدلة إدانة قوية في القضايا المنظورة حالياً والتي تتعلق بهدايا الأهرام أو فيلات في شرم الشيخ، وهي إجمالياً لا تُقارن بفساد نظام استمر في الحكم لثلاثة عقود.

وعلى أرض الواقع، فإن الرقم الرسمي المعلن عن حجم الأموال التي جمدها الاتحاد الأوروبي لرموز نظام مبارك بلغ 1,1 مليار دولار، منهم 750 مليون فرنك سويسري جمدها النائب العام السويسري للمخلوع مبارك وأسرته و19 مسئولا من نظام حكمه.

إلا أن الإعلان الدستوري الذي أصدره مرسي وعزل بموجبه النائب العام الأسبق عبد المجيد محمود دفع عدداً من الدول الأجنبية إلى تعليق قرارات تجميد أموال رموز النظام الأسبق، وقامت المحكمة الدستورية الإسبانية برفض تسليم حسين سالم وأبنائه إلى مصر بعدما أصدرت المحكمة الوطنية الإسبانية قراراً بتسليمه، بحجة وجود ضغوط على القضاء المصري مما يجعل قراراته مشوبة بعدم الحيادية.

وحتى الآن وبعد عزل مرسي، لم تقم حكومة الببلاوي بأي جهود ملموسة لاستعادة الأموال المُهربة إلى الخارج، حتى أنها لم تقم بإعادة تفعيل اللجان التي سبق تشكيلها لاستردادها وسط صعوبات تتعلق بأنظمة التقاضي في الخارج وضرورة صدور أحكام نهائية من القضاء المصري تتعلق بفساد نظام مبارك وحصر دقيق لها ومتابعة لطرق ووسائل إخفائها والتي تقوم بها شركات وبنوك دولية تُصعّب من عملية الكشف عنها لوجودها بشكل متفرق في أكثر من حساب وبأسماء وبيانات مختلفة.

الدولة العاجزة
ما عجزت عنه الدولة المصرية قامت به قناة بي بي سي العربية، حيث أعدت تحقيقاً في سبتمبر 2012 حول الأموال المصرية المُهربة إلى الخارج شارك فيه العديد من الخبراء والقانونيين من عدة عواصم عالمية.

ووفق تقديرات لخبراء من البنك الدولي شاركوا في التحقيق المطول، بلغ حجم الأموال المصرية المُهربة أكثر من 134 مليار دولار على مدى 30 عاماً، وكشفت بي بي سي عن مستندات حول كيفية استيلاء وتهريب كبار رجال الأعمال ورجال الحكومة بسرقة الأموال على مدى 30 عاماً هي مدة حكم مبارك.

والتقى التقرير المدعي العام السويسري والمسئول عن تجميد تلك الأموال المُهربة الذي قال إنه قد تم تجميد أكثر من 4 مليارات و458 مليون جنيه مصري، وأن هذه الأموال تخضع للتحقيق، وأن هناك أكثر من 20 ضابط شرطة ومحققين ماليين لإسراع سير التحقيقات قدر المستطاع.

وقال التقرير أن الأصول المصرية عرفت طريقها إلى مناطق مثل الرياض والدوحة ودبي ولندن ومدريد وبنما وسويسرا، وتفاوتت ردود الفعل والإرادة السياسية من هذه الجهات في المساعدة وأن سويسرا مثال صارخ للاستجابة السياسية.

والتقى معد التقرير بمدير قسم القانون الدولي بوزارة الخارجية السويسرية والذي أصدر قراراً بتجميد أرصدة رموز النظام السابق بعد تنحي مبارك بنصف ساعة، وقال أنه عند إعلان التنحي كانت القائمة جاهزة وكانت تحتوي الأشخاص الذي يشتبه بقيامهم بأعمال غير قانونية.

وأضاف التقرير أن البنك الدولي قال أن “ربع سكان مصر يعيشون على دولارين للفرد في اليوم الواحد وأن آمال المصريين في فرص الحياة تتبدد بشكل يومي”، مشيراً إلى أن تجميد الأموال لا يعني عودتها إلى مصر مرة أخرى، خاصة أنه على القاهرة تقديم براهين تثبت أن منبع هذه الأموال غير مشروع.. وهنا تكمن المهمة الصعبة في ظل النظام الراهن بزعامة السيسي.

وكشف تقرير البي بي سي عن أن بريطانيا لم تقم بإجراء التحريات أو المراجعات الأساسية حول أصول أصحاب تلك الملفات في بريطانيا، حيث تم اكتشاف أنه لم يتم تجميد تلك الأصول. وأوضح التقرير أن بريطانيا تعد من أقل الدول تعاوناً مع مصر في ملف استعادة الأموال المُهربة إلى الخارج، حيث تمكن فريق إعداد من البرنامج من إيجاد مستندات تثبت امتلاك جمال مبارك لشركة ميدين فيست، ولو كانت السلطات البريطانية أجرت بعض التحريات لتم اكتشاف الكثير عنها.

وأشار التحقيق إلى أن هناك فارقاً كبيراً بين الخطوات التي اتخذتها سويسرا حول تجميد الأموال والخطوات التي اتخذتها بريطانيا، حيث أن سويسرا بدأت تلك الخطوات عقب التنحي بنصف ساعة وتمكنت من تجميد ما يزيد على 730 مليون دولار في حين انتظرت بريطانيا 37 يوماً انتظاراً لخطاب الاتحاد الأوروبي حيث تمكنت من تجميد 134 مليون دولار.

الجهود المصرية لعودة أموال المصريين المُهربة إلى الخارج لا يتحدث عنها أي مسئول رسمي في الدولة، باستثناء تصريح مقتضب لمسئولي وزارة العدل أن هناك 6 لجان تعمل على استرداد هذه الأموال، دون أن يقدرها أو يفصل مجهودات هذه اللجان وطريقة عملها.

ولكن تدني ترتيب مصر على مؤشر النزاهة والشفافية الدولية وتدخلات السلطة المتكررة في النظام القضائي، وعدم وجود لجان محترفة لحصر الأموال المُهربة والاستعانة بشركات دولية متخصصة في الكشف عن التدفقات المالية المصرية للخارج وتقصي طرق إخفائها، يجعل استعادة هذه الأموال أمر من الصعب تحقيقه على المدى المنظور في ظل النظام الراهن الذي يستكمل طريق مبارك نفسه.