بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

مؤتمر شرم الشيخ.. وعملية الإسراع في النهب

من يستمع إلى كلام وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس بالمؤتمر الصحفي الذي عقب الانتهاء من مؤتمر شرم الشيخ، يتصور أن الصواريخ الأمريكية لم تقصف أبدا أرض العراق وتقتل عشرات الآلاف من أبنائه وبناته، وأن بغداد صدام حسين سقطت لتوها، ولم يمر على سقوطها أكثر من أربعة أعوام. بمستوى من التبجح منقطع النظير تقول الوزيرة: «إن الولايات المتحدة فخورة جدا بأنها اشتركت في تحرير العراق من صدام حسين. لقد قدمت الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، ودول أخرى من أعضاء التحالف دما ومالا لتحرير العراق، وبصدق، لتحرير المنطقة من ديكتاتور تسبب في وقوع حربين خلال أكثر قليلا من عقد من الزمن … وعليه نحن فخورون جدا لأن نكون قد اشتركنا في تحرير العراق».

وثيقة التعهد الدولي

لكن بغض النظر عن التبجح والعجرفة الأمريكيين، الذين قد أصبحا من طبائع الأمور، عقد اجتماعين بمدينة شرم الشيخ في يومي 3 و 4 مايو الماضيين لبحث الوضع في العراق، وأنهى هذا المؤتمر أعماله بتبني «وثيقة للعهد الدولي». ومن العنوان، يبرز أن هناك تعهـدا دوليا للعراق، وفي المضمون يظهر أن العهد ليس في اتجاه واحد، بل في اتجاهين، أحدهما من العالم في اتجاه العراق، والآخر من العراق، وبالتحديد، حكومته برئاسة المالكي في اتجاه نفسه أولا والآخرين ثانيا.

فيما يخص شق التعهد الدولي، فالمسألة تبدو وكأن الهدف هو تعزيز وإنعاش الاقتصاد العراقي بتقديم الدول الكبرى لإعفاءات من الديون العائدة إلى عهد صدام حسين. لكن الواقع هو أن الشطب لم يتجاوز 30 بليون دولار من أصل 140 بليون. وعلى صعيد آخر، فمثل هذه الصيغة النظرية ليست بجديدة، فهي مطروحة منذ ثلاثة أعوام، حين عقد مؤتمر مدريد 2004 بشأن الدعم الاقتصادي الدولي للعراق. أما على مستوى استعدادات المجتمع الدولي للوقوف مع الحكومة العراقية فهي لا تزال مقرونة بنجاحها في الإيفاء بالتزاماتها.

أما الاتجاه الآخر للتعهد الدولي، وهو الأهم على مستوى الساحة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العراق، فهو ظاهريا لم يأت بجديد، نظرا لمحدودية الدور الذي يمكن أن يلعبه المالكي والائتلاف الذي ينتمي له، سواء على صعيد العمل من أجل « عملية مصالحة حقيقية تضم كل فئات الشعب العراقي» أو «إنهاء مظاهر الطائفية» أو «تفكيك المليشيات». لكن المطلب الأبرز في الوقت الراهن من جملة المطالب التي تقع على عاتق الحكومة العراقية، إذا ما أرادت أن تحظى بدعم الإدارة الأمريكية وحلفائها، هو بند « إصدار عدة قوانين تضمن التوزيع العادل للثورات الطبيعية على كل العراقيين وكل المناطق».

نهب النفط العراقي

سارعت حكومة المالكي المدعومة من الإدارة الأمريكية مؤخرا بتقديم نص قانون جديد إلى البرلمان العراقي بهدف التصديق عليه، تنص فقرته الأولى على أن « الغاز والنفط العراقيين هما ملك للشعب العراقي بكافة الأقاليم والمناطق». فبحسب الحكومة العراقية سيقلل القانون الجديد من النزاع الطائفي عبر تخصيص دخل من النفط إلى كل من ال 18 إقليم الموجودين بالعراق. لكن في الواقع، سيقوم القانون، لا محالة، بتعزيز الانقسام بالبلاد ويزيد من النزاع ما بين الطوائف والأقاليم.

فبالنظر إلى تفاصيل القانون الجديد يتضح معكوس المعنى الموجود بالفقرة الأولى. المسألة لا تتوقف عند حد المنافسة ما بين الأقاليم المختلفة على العقود والصفقات الأفضل، بل تتجاوزه إلى شعور بعض فئات الشعب العراقي بالغبن الشديد نتيجة لوجودهم بإقليم لا يحوي نفس مقدار النفط الموجود بأقاليم أخرى.

أيضا، القانون الجديد يحدد من صلاحيات الحكومة المركزية في إدارة صناعة النفط ويسمح للسلطات الإقليمية بتوقيع عقود الاستكشاف والتنقيب والإنتاج مع الشركات المتعددة الجنسيات. وبالطبع، تلك السلطات الإقليمية، التي تفتقر للمصادر والموقفالقانوني الذي تتمتع به الحكومة الوطنية، سوف تكون في موقع تفاوضي أضعف بكثير. يتضح ذلك جليا بالنظر إلى العقود التي أبرمت ما بين السلطات الكردية وشركات النفط، والتي منحت بها الشركات نسب أرباح تتراوح ما بين 60 و99% – بالمقارنة بنسبة 15% المتعارف عليها بدول النفط الأخرى.

باختصار، لقد صمم القانون بغرض تسريع وتيرة استغلال مصادر النفط العراقية بحسب مصالح الشركات المتعددة الجنسيات، وبعيدا عن أي رؤية لاحتياجات الشعب العراقي لخطة اقتصادية طويلة الأجل تفي بمتطلباته. ومما يزيد الطين بللا، هو كون هذا القانون يسمح للحكومة بتعيين ممثلين لشركات النفط المتعددة الجنسيات بالكيان المنوط بمتابعة ومراقبة صناعة النفط ككل. فضلا عن واقع أنه في حالة قيام نزاع حول العقود ما بين المسئولين بإقليم ما وإدارة الشركة المتعددة الجنسية، فعلى الطرفين اللجوء إلى محكمة ضرائب دولية نظرا لعدم خضوع الشركة للقانون العراقي.

مؤتمر شرم الشيخ لم ينقذ الرئيس الأمريكي بوش – المتهالك داخليا – حين جاءت توصياته متطابقة مع شرعية وجود القوات الأمريكية وعدم الرغبة في جدولة انسحابها منه فحسب، بل وتجاوزه بتمهيد الأرض لنهب أوسع نطاقا لنفط العراق.واليوم، يطوف نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني عددا من البلدان العربية – السعودية والإمارات العربية المتحدة والأردن ومصر – فهو المبعوث الأمثل بفضل علاقاته منذ كان وزيرا للدفاع أثناء حرب الخليج لعام 1990-1991 أو عندما كان يشرف على إدارة مجموعة هاليبورتن للصناعات النفطية.