بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عن أي مصر تتحدثون

“هذا هو الربا بعينه” هكذا تحدث محمد مرسي نائب مجلس الشعب في عام 2005 تحت قبة المجلس رافضا الاقتراض من البنك الدولي.. ومع ذلك يصدر عن حزب الحرية والعدالة بيانا بشأن التفاوض مع البنك الدولي يأتي في ختامه جملة تراهن على ضعف ذاكرة المصريين حيث يقول البيان: “ويؤكد الحزب أن هذا هو موقفه الثابت من المؤسسات الدولية منذ بداية التفاوض مع صندوق النقد الدولي، حيث لم يرفض مبدأ قبول تسهيلات الصندوق وفقا لما تقرره المصالح الاقتصادية العليا لمصر”.

فعن أي مصر يتحدثون: مصر المنتجعات والقصور والسيارات الفارهة وأصحاب المصانع وسلاسل السوبرماركت، أم مصر التي يعيش أكثر من نصف سكانها تحت خط الفقر ويعيش 7 ملايين منهم في المقابر وعشش الصفيح.. وتفتقد أغلبية شعبها لحقوقها الأساسية في العلاج والتعليم والعمل والسكن.. مصر التي تتظاهر احتجاجا على العطش والبطالة والفقر وقريبا على رفع الدعم المنهوب عن العيش الذي نادت به ثورة 25 يناير الباسلة.. عن أي مصر يتحدثون؟ 

اليوم تتفاوض حكومة مرسي برئاسة هشام قنديل على قرض جديد من البنك الدولي ذاته الذي رفضه مرسي عام 2005، يبلغ حجمه 4.8 بليون دولار أمريكي، ويصدر حزب الحرية والعدالة بيانا على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي (الفايسبوك) ليشرح لنا أهمية الاقتراض بل ومزاياه وكيف أنه حق من حقوق مصر على الصندوق. 

يبدأ الحزب بيانه برصد لثقل الإرث الذي ورثته “مصر” عن النظام السابق فيتحدث عن عجز الموازنة وتراكم الديون ويحدثنا – دون تحديد – عن إصلاحات هيكلية ضرورية لمعالجة مشاكل الاقتصاد المصري، ويطالب الحكومة، التي يشكل أكثر من نصفها إضافة إلى رئيسها، بالمصارحة والشفافية بشأن الوضع المالي الموروث.

يلي ذلك خمس فقرات تؤكد أن لمصر حق على صندوق النقد الدولي وأن التعامل مع الصندوق يكسبنا ثقة العالم الخارجي ويؤكد على أهمية الاستفادة الكبرى من الاتفاقية معه بحيث يضمن المسار التنموي وعدم الإضرار بمحدودي الدخل. 

لا يرد في بيان الحرية والعدالة مرة واحدة ذكر مصطلح “القرض” ويستبدل بمصطلحات فضفاضة مثل التعاون والتسهيلات والتفاهم.. الخ. 

يتحدثون عن الشفافية بشأن قرض قيمته 4.8 بليون دولار رغم أننا لا نعرف شيئا عن مصير ما دخل مصر من قروض وهبات خلال العام الماضي بلغت قيمتها 6 بليون دولار أمريكي ناهيك عما جمعه صفوت حجازي من الناس وبلغ قدره 80 مليون جنيها مصريا دعما للمجلس الأعلى للقوات المسلحة في مواجهة “التهديدات” الأمريكية المتكررة بقطع المعونة التي لم تقطعها أبدا نظرا لما تلعبه مصر من دور استراتيجي كحليف لها. 

ورغم كل ذلك الجهد المبذول في تجميل عملية الاقتراض التي تزيد الأغنياء ثراءا والفقراء فقرا بسبب تحملهم عبء تسديدها إضافة إلى الفوائد التي اخترع لها الإخوان اسما جديدا هو “المصاريف الإدارية”، رغم كل ذلك تتسرب في البيان بعض من شروط القرض المتفق عليه: إصلاح منظومة الدعم وترشيد الإنفاق الحكومي وتنمية سوق الصكوك الإسلامية.. الخ

الغالبية العظمى من المصريين إذا بصدد مرحلة سوف يطالبون فيها بشد الأحزمة على البطون ومزيد من التقشف والحرمان والإفقار وقد بدأت بوادر هذا “التوفير في الإنفاق على حساب الفقراء” فعليا تمهيدا “لإصلاح اقتصادي” جديد يستهدف جذب الاستثمارات ولو على حساب الفقراء والمهمشين والقطاعات الأكثر احتياجا.. 

فكان قرار رئيس هيئة التأمين الصحي “السري جدا” بمنع استقبال الأطفال أقل من 6 سنوات في مستشفيات التأمين الصحي وقصر علاج الأطفال بالتأمين الصحي منذ بداية المرحلة الابتدائية فقط، الأمر الذي نتوقع معه زيادة معدل الوفيات لمن هم تحت سن 6 سنوات.. ثم تصريح وزير التموين أن الحكومة قررت تحرير سعر الدقيق الخاص بالخبز المدعم وتحديد قيمة دعم رغيف العيش فئة 10 قروش بنحو 19 قرشا مما سيترتب عليه إنتاج رغيف جديد بقيمة 10 قروش!! وقد جاء هذا القرار بعد مفاوضات طويلة بين وزير التموين الحالي وممثلين عن حزب الحرية والعدالة والرئاسة ورئيس اتحاد الغرف التجارية وممثلي الشعبة العامة للمخابز؟ ولا عزاء لفقراء المستهلكين.

وفي إطار ما سوف تشهده البلاد من “إصلاح اقتصادي” و”قروض” و”ترشيد استهلاك” وسياسات تقشف” كان لابد للنظام الجديد أن يستعد.. لا بسياسات خاصة لضمان الحد الأدنى من العيش الكريم لغالبية المصريين، ولا بضرائب تصاعدية على الأثرياء ولا بحد أدنى وأقصى للأجور وإنما بقانون طوارئ جديد ليكون جاهزا للتصدي لما سوف يترتب على تلك السياسات من احتجاجات شعبية واسعة قد تكون شرارة الثورة الاجتماعية القادمة.