بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

اقتصاد

عرض كتاب:

انهيار الرأسمالية

 اسم الكتاب: “انهيار الرأسمالية: أسباب إخفاق اقتصاد السوق المحررة من القيود”.

الكاتب: أوليفر شيفر

سلسلة عالم المعرفة – عدد 371 / يناير 2010
لم يعد الأمر بحاجة إلي خبراء في الاقتصاد لإدراك أن هناك أزمة. فعلى كل المستويات أصبحت الأزمة الاقتصادية ملموسة بشكل لا يقبل الجدل وعند كل الناس. وتعدى الأمر كونه مجموعة من المجادلات الثقافية بين عناصر النخبة لتصبح الأزمة الاقتصادية هي المحور الأساسي في حياة الجميع. لكن لماذا تحدث الأزمة؟ رغم تعدد الأقلام التي تناولت موضوع الأزمة المالية، إلا أن معظم التفسيرات لم تخرج عن كونها نوعا من اثنين: التفسير الأول يري أن الأزمة تنبع من طبيعة النظام الرأسمالي نفسه وأن عوامل حدوث هذه الأزمة متجذرة في نظام السوق، وأنه لا مفر – مهما بلغت الاحتياطات – من حدوث هذه الأزمة بصورة دورية، وهو التفسير الذي يتبناه معظم الاشتراكيين الراديكاليين في العالم. التفسير الثاني هو أن الأزمة تحدث بسبب “حياد الرأسمالية عن طريقها”. ويرى هذا التفسير أن الرأسمالية ليست بطبيعتها “شريرة” ولكن الأزمات تحدث لأن الدولة قد “تركت الحبل علي غاربه” للشركات لتفعل فعلها دون أي رقابة علي سلوكها. لمناقشة هذه التفسيرات، كتب أولريش شيفر كتابه “انهيار الرأسمالية: أسباب إخفاق اقتصاد السوق المحررة من القيود”. يبدأ الكتاب بعرض لما تسببت فيه السياسات الرأسمالية من ازدياد لنسب البطالة وتفاوت الثروات وازدياد الفوارق الطبقية وانهيار فرص التعليم والصحة وغيرها. ينحدر شيفر بعدها للحديث عن مدرسة شيكاغو “ميلتون فريدمان وزملائه” وعن بداية الطريق لتحول الرأسمالية من اقتصاد سوق تتدخل الدولة فيه بقدر ما ( الإقتصاد الكينيزي ) إلي اقتصاد سوق لا يوجد للدولة فيه أدني دور ( الليبرالية الجديدة ). بعدها يتعرض شيفر لما أسماه “ازدهار الرأسمالية” في فترة التسعينات، ثم يبدأ في عرض حديث الأزمة عبر أربعة فصول لبداية حدوث الأزمة والترنح الإقتصادي انتهاءا بما أسماه “الانهيار الكبير”. ثم ينتهي الكتاب بمحاولة للبحث عن “برنامج مضاد للسقوط في الهاوية”. البرنامج الذي يقدمه شيفر يتلخص في أنه يتحتم العودة لتدخلات الدولة في العملية الإقتصادية وتبني مبادئ الاقتصاد الكينزي مرة أخري. المشكلة فيما يطرحه شيفر أن عرضه يفتقد تحليلا نظريا دقيقا لأسباب الأزمات الاقتصادية المتكررة في النظام الرأسمالي وبالتالي يفتقد برنامجه مخرجا سليما من هذه الأزمات. يعتمد نظام السوق بصفة مبدأية ودورية ومتكررة في النظام الرأسمالي وهو قانون ثابت في كل أنظمة السوق بغض النظر عما إذا كانت الدولة تتدخل في العملية الإقتصادية أم لا. بفعل قانون العرض والطلب هذا تحدث الأزمات بصورة دورية ومتكررة في النظام الرأسمالي. فعندما يزداد الطلب علي سلعة ما يزيد الإنتاج لمقابلة الزيادة في الطلب بعرض مكافئ، وبالتالي يزيد التوسع في العمالة وتزداد معدلات الاستهلاك ويزيد الانتاج أكثر وهكذا لتبدأ دورة انتعاش اقتصادي. يحدث هذا إلي أن يتشبع السوق – وهو أمر لا مفر من حدوثه – وبالتالي يقل الطلب ويقل تبعا له العرض – أي يقل الإنتاج وبالتالي يقل معدل التشغيل وتزداد البطالة وتنخفض الدخول وبالتالي تنخفض القدرة علي الاستهلاك لتبدأ دورة ركود اقتصادي. بالطبع هناك العديد من الأحداث والأسباب الأخري التي تؤدي لتفاقم الأزمات الإقتصادية كسلوك البنوك والمؤسسات المالية مثلا وغيرها لكن كل هذا يدور في فلك السبب الأساسي لحدوث الأزمات الاقتصادية وهو قانون العرض والطلب بشكل أساسي. وتبعا لهذه الطبيعة, نجد أن الأزمة متجذرة في هيكل النظام الرأسمالي باعتماده علي قانون العرض والطلب، وليس في بعض الممارسات الخاطئةالتي يمكن تصحيحها لتفادي الأزمات.
هناك نقطة ضعف أخري في تحليل شيفر لما أسماه “الازدهار الإقتصادي” في فترة التسعينات. ففي هذه الفترة لم يكن هناك أي نوع من أنواع الازدهار. علي العكس، فإحدى أشهر الأزمات الاقتصادية في العصر الحديث هي الأزمة الآسيوية والتي حدثت في عام 1997م وكادت تعصف بالإقتصاد العالمي كله. لكن ما توهمه شيفر وغيره علي أنه ازدهار اقتصادي إنما كان في الواقع فورة حدثت بسبب انضمام أسواق جديدة من دول الإتحاد السوفيتي ودول شرق أوروبا بعد انهيار الإتحاد السوفيتي وسقوط سور برلين وموجة الثورات البرتقالية هناك. أضف إلي هذا دخول أنواع جديدة من الأعمال الخاصة بالتكنولوجيا وغيرها، لنجد أن ما حدث عبارة عن “فورة” وليس “ازدهارا”، عادت الأمور بعدها إلي “طبيعتها!!”.

ولأن التحليل الذي قدمه شيفر – والذي نقرأه ونسمعه في كثير من الكتابات والتحليلات – يفتقر إلي الدقة، فبالتالي كانت كل البرامج التي قدمت لتجاوز هذه الأزمة سطحية وتفتقد الدقة هي الأخري. فالأمور لا يمكن أن تعود إلي نصابها ابدا بمجرد أن تتدخل الدولة في العملية الاقتصادية لأن هذا يتجاهل الأسباب لحدوث الأزمة.

عند فهم الأسباب المتجذرة في طبيعة النظام الرأسمالي والتي لابد أن تؤدي إلي حدوث الأزمات، فإن الحاجة لبرنامج جذري حقيقي لتجاوز النظام الرأسمالي نفسه تبدو ملحة. هناك حاجة حقيقية لبرنامج يقدم تصورا جديدا للمجتمع يقوم الإقتصاد فيه علي وظيقته الأساسية وهي سد حاجات البشر وتقديم حاية كريمة لهم دون أن يصبح العالم كله عبارة عن آلة يحترق فيها معظم سكان العالم لكي تتكدس الأموال في يد القلة الحاكمة كما يحدث في النظام الرأسمالي.