بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

قراءة في البرنامج الاقتصادي لحزب الحرية والعدالة

ارتفعت الهتافات في الثورة المصرية "عيش – حرية – عدالة اجتماعية – كرامة إنسانية"، ولكن تختلف قراءة القوى السياسية لهذه الشعارات وآليات تنفيذها وفقا لانحيازاتها الطبقية. وهكذا يمكن النظر إلى البرنامج الاقتصادي والاجتماعي لجماعة الإخوان المسلمون "حزب الحرية والعدالة" كبرجوازية كبيرة ومتوسطة عانت من الإقصاء والاضطهاد في عصر مبارك وتسعى لاستبدال – أو على الاقل مشاركة – أركان نظام مبارك في السلطة والثروة في مصر. وكي نستطيع القراءة السليمة للبرنامج الاقتصادي سوف يتم التعامل معه على أربع مستويات مرتبطة بالصراع الاجتماعي الدائر وبالتوازنات الدولية، وكذا لن نتجاهل الأداء البرلماني لحزب الحرية والعدالة كتطبيق عملي لبنود هذا البرنامج.

الملكية الخاصة جوهر الإسلام !

ينطلق البرنامج من مجموعة من الشعارات التي تغازل الحس الديني للمتلقي المصري وتحمل بداخلها ثلاث محاور رئيسية: الأول وهو الملكية الخاصة باعتبارها أصل من أصول الإسلام، وكما يذكر برنامج الحزب فإن: "الملكية الخاصة هي جوهر موضوع الملكية في الإسلام".

أما المحور الثاني فيتحدث عن المسئولية الفردية الأخلاقية، وكذا التعزيز من قيمة الفرد ومسئوليته عن أفعاله ومبادراته وبالتالي فإن الغني يستحق ما هو فيه والفقير مسئول عن فقره:

– "يقوم هذا النظام على أخلاقيات الإسلام كمتغير داخلي في آليته، ومحرك رئيسي لفاعليته".
– "ينطلق النظام من حقيقة إيمانية، وهي أن الإنسان خليفة الله سبحانه وتعالى في الأرض: ملكيةً، وتثميرًا، وتعميرًا، وتكافلاً، وشورى، وتربيةً، وإخاءً وقدوةً".
– "يقوم النظام من خلال رقابة ذاتية متيقظة على التنفيذ في كافة المستويات".
– "القيم والأخلاق لا ينفصلان عن عملية التنمية الاقتصادية المادية فكلاهما وجهان لعملة واحدة".
– "إعلاء قيمة المصلحة العامة دون الإضرار بحقوق الفرد وحريته الاقتصادية".

وأما المحور الثالث فهو إعلاء النزعات الدينية والقومية متجاهلا اعتماد الزعماء العرب بالكامل على الغرب:

– "التعاون الاقتصادي لمصر في محيطها العربي والأفريقي والإسلامي بعدًا استراتيجيا في بناء سياستها الاقتصادية الخارجية".

برنامج متوافق مع سياسات البنك الدولي

مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، تم تأسيس صندوق النقد والبنك الدوليين في مؤتمر عقد في"بروتون وودذ" بالولايات المتحدة الأمريكية. وفي نفس المؤتمر تحدد الإطار الأوليّ لمنظمة التجارة العالمية، وقد نشأت هذه المؤسسات وفقا لنموذج الحصص لكل الدول المشاركة في البنك والصندوق.

وكان الغرض من هذه المؤسسات تقديم السيولة اللازمة للتنمية في البلدان التي تحتاج للسيولة، مع إبداء المشورة الاقتصادية لها. ولكن نظرا لسيطرة نادي باريس الذي يضم الدول العشرين الدائنة الكبرى على معظم الحصص (أمريكا وحدها لها 17%)، تحولت المؤسستان إلى أدوات لفرض السياسات الاقتصادية لهذه الدول التي تسعى لفتح أسواق الدول المدينة أمام شركاتها الاحتكارية الكبري بوضع شروط على تقديم القروض كشرط لصرف القروض ومنها حرية تغلل رأسمال الأجنبي في أسواق الدول المدينة، ووقف السياسات الحمائية لهذه الدول، وإلزامها باتباع سياسات توفر مناخ ملائم للاستثمار الأجنبي والسوق الحر، وتحرير سعر الصرف، وتعويم العملة وبرنامج الخصخصة، وتقزيم دور الدول واختصاره في توفير المناخ الملائم للاستثمار.

والملاحظ في البرنامج الاقتصادي لحزب الحرية والعدالة الالتزام الكامل بهذه الشروط التي لم تجلب لمصر سوى المزيد من الفقر والبطالة وغيرها من المآسي الاجتماعية الأخرى، فنجد في النصوص:

– "احترام مصر لكافة اتفاقياتها الدولية والإقليمية، المتعلقة بالجوانب الاقتصادية".
– "يتم النشاط الاقتصادي، وفقًا لهذا النظام من خلال السوق الإسلامية، التي تعتمد على المنافسة العادلة وحرية اقتصادية مقيدة، تحكم إنتاج "الطيبات"، ومن خلال قوى العرض والطلب، وميكانيكية الأثمان، ووفقًا للمفاوضات المالية العادلة المؤسسة على المشاركة في الربح والخسارة".
– "الدور الرئيسي في الاستخدام الكفء للموارد وإحداث التنمية المستدامة، كهدفٍ لهذا النظام، فهو مسئولية القطاع الخاص، أي الأفراد، أو الناس، الذين يقومون بتبعة الاستخلاف".
– "إعادة النظر في منظومة الضرائب المصرية على نحو يضمن تحقيق العدالة الضريبية ويزيد من الإيرادات العامة لمواجهة متطلبات الإنفاق المتزايد، على أن يكون النظام الضريبى أداة جاذبة للاستثمار". وطبعا لا حديث عن الضرائب التصاعدية.
– "البنك المركزي دوراً رئيسياً في حماية الجنيه المصري من أزمات ميزان المدفوعات في ظل حرية تحديد سعر الصرف."
– "تحفيز النمو الاقتصادي والانطلاق نحو اقتصاد قادر على المنافسة الاقتصادية في السوق العالمي لن يتأتى إلا من خلال سياسة تجارية تشجع على الإبداع والابتكار والمنافسة على صعيد كل من التجارة الداخلية والخارجية".
– "تقوية دور جمعيات المستثمرين واتحاد الغرف التجارية وجمعيات رجال الأعمال وغيرها من المؤسسات، في خلق قطاع متطور للتجارة الداخلية."
– "توفير الأسواق المتخصصة لكل مستوى من مستويات التجارة، من خلال القطاع الخاص".
– "يؤمن حزب الحرية والعدالة بأن الاستثمار هو المحرك الرئيس لأي نشاط اقتصادي، وقد شهدت مصر خلال الفترة الماضية وجود ترسانة من التشريعات الاقتصادية التي تشجع على مساهمة القطاع الخاص، ومساهمته في النشاط الاقتصادي والتنموي، ولكن المردود من هذه الإصلاحات لم يكن وفقًا للتوقعات".

وكذا إشادة حزب الحرية والعدالة بسياسات النظام السابق في تحقيق التنمية، وإن شابها الفساد "بالرغم من الإصلاحات المالية التي قام بها النظام السابق فإنها ظلت إصلاحات مبتورة لم تفلح في السيطرة على عجز الموازنة"، بحسب ما ذكره برنامج الحزب.

كما نجد تصريحات قيادات الإخوان والحرية والعدالة التي تؤكد على اقتصاد السوق وتشجيع الاستثمارات، وإرسال التطمينات لرجال الأعمال بالداخل والخارج بعدم الحديث عن ضرائب تصاعدية أو ضرائب على الأرباح الرأسمالية، أو عودة الشركات التي تمت خصخصتها للقطاع العام، وعدم الحديث عن حد أدنى للأجور أو تثبيت للمؤقتين بالقطاع الخاص. علاوة على التصريحات المتكررة باحترام الحزب لكل الاتفاقات الدولية الاقتصادية والاجتماعية التي وقعت عليها الدولة المصرية في عهد مبارك، بل والتصريح المتكرر بسلامة سياسات عصر مبارك وإن شابها الفساد وانشاءهم لجمعية ابدأ لرجال الأعمال والتي ترسل التطمينات المتوالية للرأسمالية العالمية بل وقبول الحرية والعدالة بقروض صندوق النقد الدولي.

الإخوان والعسكر والصراع على الثروة والسلطة

يدور اليوم صراعا داخل الطبقة الحاكمة، ما بين رجال عصر مبارك من رجال أعمال وكبار الجهاز البيروقراطي والأمني للدولة، وما بين البرجوازية الصاعدة من الإسلاميين الذين عانوا الكثير من القمع والتهميش في عصر مبارك، فنجد نصوص البرنامج الاقتصادي لحزب الحرية والعدالة تمثل تجسيدا واضحا لهذا الصراع الدائر.

أولا: السعي لتحجيم واالتضييق على كبار الجهاز البيروقراطي للدولة والذين يتقاضون الملايين كبدل ولاء وتحت أيديهم المليارات في الصناديق الخاصة، فنجد في برنامج الحرية والعدالة محاولة لكسرهم بنصه في بنوده على:

– "مكافحة الفساد، وتفعيل دور المؤسسات الرقابية الحالية، والتنسيق بينها، ومنحها الاستقلال اللازم لكي تؤدي دورها بشكل حقيقي".
– "ترشيد الإنفاق الحكومى، وأن تكون الإدارة العليا بالسلطة التنفيذية هى القدوة فى هذا الترشيد، وذلك بالتخلص من المؤسسات التى تشكل عبئا على ميزانية الدولة دون فائدة تذكر مثل مجلس الشورى، وقوات الأمن المركزى وجهاز أمن الدولة، والتصرف فى الصحف القومية، والقنوات التليفزيونية والإذاعية، وكذلك التصرف فى معظم القصور والاستراحات الرئاسية والحكومية والسفريات الخارجية غير المجدية، وضبط قضية العلاج فى الخارج على نفقة الدولة، وتنظيم فوضى تعيين المستشارين ."
– "تحقيق الاستقلال التام للجهاز المركزي للمحاسبات باعتباره الأداة الأساسية للرقابة على المال العام، وتخويله حق تحويل الانحرافات المالية للنائب العام مباشرة".
– "مكافحة الفساد، وتفعيل دور المؤسسات الرقابية الحالية، والتنسيق بينها، ومنحها الاستقلال اللازم لكي تؤدي دورها بشكل حقيقي".
– "تحجيم الفساد في الجهاز المصرفي، وإعادة هيكلة البنوك العامة إداريًا وماليا".
– "محاربة الفساد بتطبيق صارم للقوانين المتعلقة بمكافحته كقانون الإفصاح عن الذمم المالية، وقانون الكسب غير المشروع، وقانون حرية الوصول إلى المعلومات، وتطوير دور الرقابة للهيئات التشريعية، وتعزيز دور هيئات الرقابة العامة، ورفع السرية عن تقاريرها، مما يعالج التشوهات الحادة في مناخ الاستثمار ويقلل من الخسائر في قطاع الأعمال والمؤسسات العامة، ويزيد من القدرة الادخارية للمجتمع".

كما نجد مناقشة البرلمان المتكررة لموضع الصناديق الخاصة وكذا سعيه لوضع حد أقصى للأجور 50 ألف جنيها فقط دون تحديد حد أدنى.

ثانيا: رجال أعمال مبارك والمرتبطين بالنظام القديم والرأسمالية العالمية بشكل قوي، ويشكلون الرأسمالية الاحتكارية المصرية في عصر مبارك، ويسيطرون على الكثير من الصناعات، كما يسيطرون على اتحاد الصناعات وكافة تنظيمات رجال الأعمال، تسعى الرأسمالية الإسلامية الصاعدة إلى تقليم أظافرهم تمهيدا لاقتلاعهم أو على الأقل مشاركتهم السوق فنجد النصوص:

– "رفض الحزب إنشاء بعض البرامج الخاصة بالدعم لصالح رجال الأعمال والمستفيدين من النظام السابق "بلغ دعم الصادرات 4 مليار جنيه سنويًا، ويبلغ دعم الطاقة الذي يستفيد منه الأغنياء بنسبة كبيرة 67 مليار جنيه".
– "تفعيل دور الرقابة الحكومية وغير الحكومية على السوق لمنع الممارسات الاحتكارية".
– "تقوية دور جمعيات المستثمرين واتحاد الغرف التجارية وجمعيات رجال الأعمال وغيرها من المؤسسات، في خلق قطاع متطور للتجارة الداخلية".
– "لاستثمار المحلي هو عماد التنمية المستقلة، ولذلك يجب أن يتم العمل على تهيئة مناخ الاستثمار لتطلق المساهمات المحلية".

وهنا نجد الصراع الذي دار في البرلمان على قانون التصالح مع المستثمريين رقم 4 لسنة 2012، والذي أصدره المجلس العسكري ليسمح بالتصالح مع رجال أعمال مبارك في أي درجة من درجات التقاضي وبسعر لحظة الشراء، حيث بينما أيده أحزاب الوفد والمصريين الأحرار، في حين رفضه حزب الحرية والعدالة بكل قوة، وكذا المعركة الدائرة الآن على قانون منع الاحتكار، وكذا إنشاء جمعية "ابدأ" لرجال الأعمال، والتي تسعى للحلول محل جمعيات رجال الأعمال في عصر مبارك، وبالفعل يندفع رجال الأعمال حتي الفلول منهم للالتحاق بها الآن.

ثالثا: فيما يخص المجلس العسكري، لا يوجد أي ذكر في البرنامج الاقتصادي لكيفية التعامل مع الـ35% من اقتصاد مصرالذي يسيطر عليه الجيش والذي صرح أحد لواءات المجلس العسكري بكونه "عرق الجيش" وأنه "خط أحمر" أمام أي قوة سياسية. وفي المقابل وضمن التصريحات المتكررة لقيادات جماعة الإخوان والحرية والعدالة حول وضع خاص للقوات المسلحة في الدستور، نجد رفضهم تعديل المادة 8 أ من قانون المحاكم العسكرية والتي تحمي أعضاء القوات المسلحة من المحاكمة أمام المحاكم المدنية، سواء أثناء الخدمة أو بعدها في أي تهمة وكذا استثناء وزراء مبارك – وطبعا المقصود طنطاوي – من قانون العزل السياسي والتصريحات المتتالية لقياداتهم حول الخروج الآمن للمجلس العسكري.

ولا عزاء للفقراء

المستوى الأخير هو مستوى المعركة الدائرة ما بين الطبقة الحاكمة ككل من رجال أعمال وما بين الجماهير، من عمال وفلاحين وشباب ثورة وعاطلين؛ فنجد تصريحات مطاطة حول العدالة الاجتماعية وشبكات تكافل الاجتماعي لجمع وإعادة توزيع الزكاة وفقط من الأغنياء وإلى الفقراء، فنجد نصوص تشبه تماما نصوص برنامج الحزب الوطني حول البطالة وترشيد الدعم وخفض الإنفاق الحكومي وتوصيل الدعم إلى مستحقيه مع كلام حول زيادة ميزانية الصحة والتعليم والصرف على ها من أموال الزكاة. ولا يسعنا هنا سوى الاستعانة ببعض النقاط التي ذكرها برنامج الحزب في ذلك:

– "إنشاء صناديق استثمار مستقلة لجزء من أموال الزكاة والوقف للإنفاق على الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية للفئات الفقيرة، ومن ثم تحرير جزء من دخولهم المحدودة، مما يساعدهم على التوفير والادخار والاستثمار."
– "ترشيد الدعم بحصر المستحقين الحقيقيين له وفقًا لمعايير واضحة، والتأكد من وصوله فعلاً إلى مستحقيه مما يشجعهم على تخصيص جزءٍ من دخولهم المحدودة لأغراض الادخار والاستثمار".
– "توفير فرص العمل وتخفيض معدلات البطالة إلى أدنى حدودها مع اقتران ذلك بنظام يضمن دخلا للعاطلين لحين حصولهم على فرصة عمل من خلال نظام متقدم من تعويضات البطالة يشجع على العمل ويحارب السلبية، والاهتمام بالتدريب والتدريب التحويلى".
– "عادة تخصيص الإنفاق بالموازنة العامة، لتعطي أولوية الإنفاق لمجالات الصحة والتعليم والتنمية البشرية".

وفي المقابل نجد الأداء البرلماني متناقضا مع حتي هذه النصوص المطاطة؛ فيتجاهل الحكم القضائي بالحد الأدنى للأجور 1200 جنيه ولا يتحدث عن حد أدنى وحتي حين تكلم عن تثبيت 600 ألف مؤقتا تكلم عن القطاع الحكومي ولم يتحدث عن القطاع الخاص ولم يطالب البرلمان ببدل للبطالة أو عودة الشركات المنهوبة كما أعاد تقديم مشروع حاتم الجبلي لخصخصة التـأمين الصحي.

ليس ذلك وحسب، بل لقد حاول الإخوان المسلمون عبر البرلمان إصدار قانون لتجريم التظاهرات والاعتصامات والإضرابات أشد من مرسوم المجلس العسكري ووصفت قياداته الاحتجاجات الاجتماعية من اليوم الأول للثورة بالفئوية والخبيثة والأنانية والمخربة، ووقفوا ضد قانون الحريات النقابية في البرلمان مما أعاد مصر إلى القائمة السوداء للاتحاد الدولي للعمل.