بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

قراءة في مشروع التأمين الصحي الجديد

يعد مشروع التأمين الصحي الجديد أحد ركائز برنامج الإصلاح الصحي لسنة 1997، والمتفق عليه ما بين وزارة الصحة والمانحين الأجانب (هيئة المعونة الأمريكية – البنك الدولي – الاتحاد الأوروبي)، والذي تنص بنوده على تخلي وزارة الصحة بشكل تدريجي عن تقديم الخدمة العلاجية، والاقتصار على رسم السياسات الصحية والوقائية العامة، بالإضافة إلى التعامل مع حوادث الطرق وإخلاء الساحة أمام القطاع الخاص، بحجة أن تدخل الدولة يخلق مناخاً غير تنافسياً وطارداً للاستثمار.

حيث تملك وزارة الصحة حوالي 490 مستشفى ما بين العام، والمركزي، والتعليمي، والتخصصي، والحميات، هذا بالإضافة إلى 411 مستشفى تكاملي، و2971 وحدة صحية على مستوى الجمهورية، و37 مستشفى تابعة للهيئة العامة للتأمين الصحي، و 76 مستشفى جامعي تم بناؤها على مدار السنين الماضية، من عرق ودم المصريين، لتقدم حوالي 87% من الخدمة الصحية، مما يعني أن القطاع الحكومي يستحوذ على معظم العملاء بمنطق السوق.

شركة قابضة

يقوم برنامج الإصلاح الصحي على ثلاثة من الركائز الأساسية، بالإضافة إلى عدد من القرارات والقوانين المكملة، وفي القلب منه مشروع التأمين الصحي الجديد، حيث يأتي هذا المشروع في محاولة من القطاع الخاص، مدفوعاً بالرأسمالية العالمية، لتحييد هذا الكيان العملاق، تمهيداً للاستيلاء عليه، بداية بسلك سياسات إدارية هادفة إلى الهبوط بمستوى الخدمة، ومن ثم يأتي قرار رئيس الوزراء رقم 637 لسنة 2007 (الركيزة الأولى)، بعد محاولات عدة بدأت منذ عام 2000م، بإنشاء الشركة القابضة للرعاية الصحية، وسعي الوزارة إلى سحب ذراعها التمويلية من هذا القطاع، والاكتفاء بالدور الرقابي، مع تحويل هذه المستشفيات إلى وحدات لا مركزية ذاتية التمويل، وبالتالي يتم رفع عبء تكلفة الخدمة عن كاهل الوزارة، وتحميلها على المواطن بحجة تحسين الخدمة، ويعد هذا أحد أشكال تصدير الأزمة لأسفل، وتحويل الصراع من صراع ما بين الوزارة والمنتفعين، إلى صراع ما بين مقدمي الخدمة والمنتفع مباشرةً، وإيجاد شكل من أشكال الشراكة مع القطاع الخاص داخلها، تمهيداً لتحويلها إلى شركات منفصلة، وطرحها جزئياً أو كلياً للبيع، مع إمكان طرحها كأسهم بالبورصة، فنجد خطة الوزارة لطرح 102مستشفى تكامل (تكلفة المستشفى 15 مليون جنيه) للبيع بحد أدني نصف مليون جنيه، وتحويل الباقي إلى مراكز طب أسرة، مع إغلاق الأقسام الداخلية والعمليات، كما تم طرح مستشفى حميات التل الكبير وأبو خليفة العام بالإسماعيلية للبيع، كذلك إعلان إغلاق حوالي 70 مستشفى حميات من أصل 102مستشفى، وتحويلها إلى أقسام داخل المستشفيات العامة تمهيداً لطرحها للبيع.

التأمين والقطاع الخاص

تأتي الركيزة الثانية والثالثة، بشكل متكامل بحجة السعي من أجل إيجاد الشراكة مع القطاع الخاص، وذلك عبر تمرير قانون التأمين الصحي الجديد متزامناً مع قانون شركات التأمين الصحي الخاص، فنجد ذلك الصرح الصحي، الذي بدأ عام 1964م بـ 3 مليون مشترك ليصل عام 2008م إلى 37 مليون مشترك، ويقدم حزمة شاملة لجميع الأمراض، عبر 37مستشفى على مستوى الجمهورية، بقوة 10 آلاف سرير، بميزانية وصلت إلى 2 مليار جنيه، وفائض يصل إلى نصف مليار جنيه، وفقاً للبنك المركزي عام 2006م، فيسعى النظام الحاكم عبر سلسلة من القرارات، انتهت بقرار رئيس الهيئة رقم 769 لسنة 2009م بزيادة الرسوم على المنتفعين من الأشعة والتحاليل، و كذلك مصاريف الإقامة، وخلافه، يتم سدادها بشكل مباشر من المنتفعين، وتطبيق هذا المشروع بشكل مبدأي في محافظات السويس والإسكندرية وسوهاج .

ينص القانون الجديد على رفع قيمة اشتراك العامل إلى 4% بدلاً من 1.5% وفقا للقانون رقم75 لسنة1975 مع تخفيض اشتراك صاحب العمل من 3% إلى 1%، بالإضافة إلى تحميل المنتفع 30% من القيمة السوقية للخدمة سواء أشعة، أو تحاليل، أو علاج، وغيره، كما تتسم بنوده بالالتفاف، حيث تنص المادة 2 من القانون على أن يغطي المشروع الجديد حزمة من الأمراض، يتم تحديدها وفقاً لقرار من رئيس الوزراء، وما يقع خارج هذه الحزمة يتم التعامل معه، وفقاً لبوالص التأمين الصحي الخاصة ( شركات التأمين الصحي الخاصة )، وفقاً لتعبير وزير الصحة، في إطار سعيه لإيجاد الشراكة مع القطاع الخاص، ولا عجب في ذلك فهو نفسه رئيس غرفة مقدمي خدمة الرعاية الصحية بالقطاع الخاص، باتحاد الصناعات المصرية منذ 2002م .

قوانين وقرارات مكملة

لا يمكن فهم هذا المشروع إلا في ظل الغياب التام والمتعمد لدور لجنة وزارة الصحة المسئولة عن تحديد تكلفة الخدمة الصحية المقدمة بالقطاع الخاص، حسب قانون الرعاية الصحية الخاصة، وفتح الباب أمام الاحتكارات عبر بعض القوانين والقرارات المكملة، مثل قانون المنشآت الطبية الجديد رقم 153 لسنة 2004م، وكذلك قرار وزير الصحة رقم 380 لسنة 2009م، واللذان يفرضان شروطاً مجحفة على إنشاء المستشفيات والصيدليات، ليصب في صالح أصحاب المستشفيات الكبيرة وسلاسل الصيدليات الكبرى، وكذلك قرار وزير الصحة رقم 373 لسنة 2009م والساعي لتحرير سعر الدواء .

قوانين حكومة رجال الأعمال

يأتي هذا المشروع ضمن توجه عام من النظام لفتح الباب أمام القطاع الخاص للاستثمار في مجال الخدمات، التي كانت تقدم سابقاً بشكل مجاني أو شبه مجاني، عبر:

أولاً : تحويل الشركات التي تقدم الخدمة على أساس التعريفة من ماء واتصالات ونقل وطاقة إلى شركات مساهمة فنجد:

1- قرار رئيس الجمهورية رقم 135 لسنة 2004م بتحويل الهيئة العامة لمرفق مياه الشرب والصرف الصحي إلى شركة قابضة وكان أول قراراتها هو رفع تعريفة مياه الشرب ثلاثة أضعاف وكذلك تمليك محطة مياه الشرب والصرف الصحي بمدينة القاهرة الجديدة للقطاع الخاص.

2- القانون رقم 19 لسنة 1998م بتحويل الهيئة القومية للاتصالات السلكية واللاسلكية إلى شركة مساهمة وطرح 20% من أسهم المصرية للاتصالات للاكتتاب العام سنة 2005م .

3- تعديل أحكام القانون رقم 152 لسنة 1980م الخاص بإنشاء الهيئة القومية للسكة الحديد وإضافة نص إلى المادة 4 من القانون، تجيز منح التزامات المرافق العامة للمستثمرين سواء أشخاص طبيعيين أو اعتباريين لإنشاء وتشغيل خطوط وشبكات السكك الحديد الجديدة، وألا تزيد مدة الالتزام عن 99 عام.

4- حصول 14 شركة خاصة على تعاقدات مع هيئة النقل العام، لتسيير خطوطها وفقاً لتعريفة مختلفة.

ثانياً : فتح الباب أمام القطاع الخاص للاستثمار في مجالات الصحة والتعليم، ولا ننسى تصريح السيدة سوزان مبارك، خلال المنتدى الاقتصادي العالمي بشرم الشيخ، بالمبادرة المصرية لتطوير التعليم، والتي تقوم على الشراكة ما بين القطاعين الحكومي والخاص لتطوير التعليم في مصر .

ثالثاً : خصخصة نظم الحماية الاجتماعية مثل التأمين الصحي والتأمينات الاجتماعية وسوف يتم تمرير مشروع التأمينات الاجتماعية الجديد هذه الدورة أيضاً.

ويعد هذا التوجه أحد مراحل سياسات إعادة الهيكلة داخل القطاع العام، والتي بدأت بقانون قطاع الأعمال العام رقم 203 لسنة 1991م، والذي يحول القطاع العام إلى 17 شركة قابضة بشكل نوعي، مع إمكان طرحها كأسهم بالبورصة، وإمكانية الشراكة مع القطاع الخاص، أو طرحها للبيع بشكل جزئي أو كلي .

سوف يؤدي تمرير هذه السلسلة من القوانين الهادفة إلى خصخصة القطاع الخدمي داخل الدولة إلى رفع تكلفة الحياة على المواطن أضعافـا مضاعفة، وستعاني الطبقة المعدمة وكذلك الفئات الوسطى، في بلد وصل فيه من هم تحت خط الفقر (أقل من 2 دولار يومياً) إلى 45 مليون نسمة، وتصل به نسبة البطالة إلى 22% والتضخم إلى 25%، وبما يتناقض مع أي مفهوم عن العدالة الاجتماعية، والتي ينص عليها الدستور المصري في مواده، (المادة-16) حيث تكفل الدولة الخدمات الثقافية والاجتماعية والصحية، (المادة-17) تكفل الدولة خدمات التأمين الصحي، والاجتماعي، ومعاشات العجز عن العمل، والبطالة، والشيخوخة للمواطنين جميعاً.

ولذا وجب علينا جميعاً الوقوف في مواجهة هذه الهجمة الشرسة، وذلك عبر العمل داخل كافة النقابات، والهيئات المعنية بمصلحة المواطن، من أجل حشد رأي عام رافض للمشروع، وطرح بديل يهدف إلى إيجاد إدارة رشيدة داخل الهيئة، ورقابة شعبية سواء على أموالها، وإدارتها، وأدائها، مما سيرفع من مستوى الخدمة، كبداية لحمله لمناهضة خصخصة الخدمات الأساسية، ولنكن أكثر إيماناً بأنفسنا وقدرتنا على إحداث التغيير.