بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

اقتصاد

بمناسبة الأزمة الاقتصادية العالمية

قراءة في نظريات الأزمة الماركسية

*بقلم شارلي بوست، ناشط في نقابة جامعة مدينة نيويورك ، وعضو في تضامن، وهي منظمة اشتراكية ثورية أمريكية. وقد تم تقديم نسخة من هذه الورقة في فرع نيويورك لتضامن في 19 أكتوبر 2008

هناك عدد من الأفكار بخصوص الانهيار المالي الراهن أعتقد أن معظم، إن لم يكن كل، الاشتراكيين الثوريين في العالم يتفقون بشأنها. هذه الأفكار هي كما يلي:

• الأزمة المالية الحالية ليست فقط مجرد نتيجة لتحرير القطاع المالي وفقا لسياسات “الليبرالية الجديدة”؛ الأزمة المالية الحالية تعكس – أساسا – أزمة في الآليات الأكثر عمقا للرأسمالية كنظام اقتصادي.

• الحدة التي اندلعت بها الأزمة المالية الحالية ليست فقط مجرد نتيجة لتخلف حوالي 10% إلى 15% من المدينين العقاريين في أسواق الرهن العقاري الثانوية (التي تمثل أقل من 25% من إجمالي أسواق الرهونات العقارية) عن دفع ديونهم؛ الحدة التي اندلعت بها الأزمة الحالية ناجمة عن الأزمة الجوهرية في الربحية والتراكم في “الاقتصاد الحقيقي”. فحتى لو تم تجنب الانهيار المالي، وهو أمر أعتقد أنه في الأغلب سيكون ممكنا، فإن علينا أن نتوقع كسادا حادا وطويل الأجل خلال الأشهر الـ18 إلى الـ36 القادمة.

• لا يوجد حل للأزمة الحالية يفيد كل من الرأسماليين والعمال في نفس الوقت. فعلى خلاف كثيرين على اليسار، أنا لا أعتقد أن اتباع حزمة سياسات محققة لمصالح العمال (مثل تأجيل دفع الديون في حالة اضطرار الحاصلين على قروض عقارية إلى إخلاء منازلهم، أو مثل زيادة الإنفاق الاجتماعي، الخ) سوف يحسن صحة شيء مجرد اسمه “الاقتصاد”. فالحقيقة أن أي سياسة مفيدة للعمال سوف تكون مضرة بالربحية والتراكم، وأي سياسية في صالح الربحية والتراكم سوف يكون وجهها الآخر هو الهجوم على العمال. بصياغة أبسط: لا يمكن تحقيق أي إصلاحات لمصلحة الطبقة العاملة إلا من خلال النضال الجماهيري الجذري من أسفل، وليس من خلال التحالفات بين بيروقراطيي النقابات وموظفي الحركات الاجتماعية وساسة الحزب الديمقراطي.

• يأتي اندلاع الأزمة المالية في وقت أصبحت فيه الأشكال التنظيمية التي تضم العمال والفئات المضطهدة في الولايات المتحدة في أضعف حالاتها بالمقارنة بأي مرحلة أخرى يمكن أن تعيها الذاكرة التاريخية. ضعف العمال والمضطهدين يضعنا أمام خطر انتشار الأفكار اليمينية (كالعنصرية والفردية وازدراء النساء وكراهية الآخر وكراهية المهاجرين الأجانب، الخ) في الأوساط الشعبية. لكن الأزمة من ناحية أخرى يمكنها أن تفتح الباب لاتساع نطاق النضال الجماعي الموجه ضد رأس المال (وليس ضد أقسام أخرى من الطبقة العاملة)، بالتحديد النضالات الجماعية ضد الطرد والإغلاقات، ومن أجل زيادة تعويضات البطالة، وضد تقليص التعليم والخدمات الأخرى.

• الأزمة أيضا توفر لنا فرصة للانغماس في أنشطة التثقيف والتربية المناهضة للرأسمالية والمدافعة عن الاشتراكية. الأزمة سوف تساعد على خلق جمهور لما يطلق عليه تراثنا الاشتراكي الثوري “المطالب الانتقالية” (الدفاع عن الملكية العامة والتأمين صحي الشامل، الخ)، وهي أيضا سوف تخلق فرصا للاشتراكيين أن يعرضوا نقدهم للرأسمالية كنظام اجتماعي غير مستقر وغير قادر على تلبية احتياجات البشر.

أعتقد أن هذه النقاط هي كل ما نحتاج أن نتفق عليه (كاشتراكيين) لنتحرك سويا. فالاشتراكيون الثوريون ليس لديهم، ولا ينبغي أن يكون لديهم، منظور موحد في مسألة نظرية الأزمة. لكن من ناحية أخرى، يحتاج كل منا أن يشرح أفكاره حول الأسباب العميقة للأزمة: ما الذي يؤدي بالأرباح أن تنخفض بشكل دوري؟ وما الذي يجعل التراكم في “الاقتصاد الحقيقي” يصاب بالركود؟

نحن نحتاج إلى هذا الشرح لسببين على الأقل. أولا لأننا سنجد أن الأشخاص الذين نتفاعل معهم في معرِض نشاطنا السياسي يبحثون عن تحليل يوضح الـ”صورة كبيرة” الكامنة وراء الفوضى الاقتصادية الراهنة. وكل واحد منا سيحتاج أن يكون قادرا على إعطائهم “تفسير ما” أكثر وأعمق من الأطروحة العامة (والصحيحة) القائلة أن “الرأسمالية مقرفة”!

ثانيا، نحن نحتاج أن نكون قادرين على مساجلة الآخرين على اليسار، في النقابات والحركات الاجتماعية، الذين يطرحون أن هناك حلا للأزمة يحقق مصلحة كل الأطراف، من العمال إلى الرأسماليين! هؤلاء الناس يتمسكون بواحدة أو بأخرى من التفسيرات (النظريات) حول الأزمة، ويستخدمونها لدعم أطروحاتهم السياسية. نحن في المقابل نحتاج أن نكون قادرين على طرح أطروحات مضادة تفند الإدعاءات القائلة إن هناك حل يمكن أن يحقق مصلحة كل الأطراف في نفس الوقت بإقامة تحالف بين مسئولي النقابات العمالية وموظفي الحركات الاجتماعية وساسة الحزب الديمقراطي.

من هنا، فإني سأقوم فيما يلي بتقديم عرض تخطيطي مختصر جدا (وغير أصيل تماما – انظر الببلوجرافيا) للنظريات الماركسية والراديكالية الأربعة الرئيسية للأزمة: عجز الاستهلاك، تقلص الأرباح، المنافسة الزائدة، وهبوط معدل الربح كنتيجة لزيادة ميكنة/رسملة رأس المال. وبعد عرض كل نظرية، سوف أحاول أن أقيّمها من زاوية نتائجها السياسية وبنيانها المنطقي وصلاحيتها الإمبريقية/الواقعية.

عليّ أن أشير هنا إلى أنه لا يوجد تناظر أوتوماتيكي بين “نظرية ما للأزمة و”استراتيجية سياسية” بعينها. ففي حين أن كل من أطروحتي عجز الاستهلاك وتقلص الأرباح عادة ما تكونان مرتبطتين بالسياسات الإصلاحية / الاشتراكية الديمقراطية، فإن ثوريين مثل روزا لكسمبورج وجلين وساتكليف تبنوا هذه النظريات. لكن لابد أيضا أن أؤكد أن كل نظرية من النظريات الأربعة المطروحة هنا تحدد نطاقا من الحلول الممكنة للأزمة، وتحدد الإطار العام للبرنامج الملموس الذي ينبغي النضال من أجله، وكذلك القوى الاجتماعية المتوقع أن تنفذ هذا البرنامج.

عجز الاستهلاك

النظرية السائدة تاريخيا في أوساط اليسار الإصلاحي والليبرالي (الحزب الشيوعي، مجموعة مجلة الـ”مونثلي ريفيو”، ليبراليو الحزب الديمقراطي في سنوات الثمانينيات) هي تنويعة أو أخرى من نظرية “عجز الاستهلاك”. الفكرة الجوهرية الكامنة في قلب تلك النظرية هي أن الرأسمالية تفتقر إلى أي آلية داخلية لتوليد طلب كلي كاف لشراء العرض الكلي المتزايد من السلع. ما تطرحه هذه النظرية في أبسط أشكالها هو التالي: لأن الأجر المدفوع للعمال أقل من قيمة ما ينتجونه، فإنه لهذا السبب تنشأ فجوة بين الطلب والعرض في نظام اقتصادي يتوسع. أما في أكثر أشكالها تعقيدا فإن النظرية تقول أن الندرة الدورية لفرص الاستثمار تؤدي إلى وجود فترات من الطلب الكلي غير المناسب.

وفي حين أن نظرية “عجز الاستهلاك” تُعجب كثير من الاشتراكيين لأنها تجعل الإفقار النسبي للعمال سببا وراء اندلاع الأزمات الاقتصادية، إلا أنها عادة ما تقترن بمفهوم “الرأسمالية المنظمة”. إذ أن تلك النظرية غالبا ما تُوظف لدعم إجراءات رأسماليات الدولة لإعادة توزيع الدخل وتخطيط الاستثمار (السياسات الكينزية التي اتبعتها معظم الدول الرأسمالية المتقدمة بين ثلاثينيات وسبعينيات القرن الفائت)، وهي السياسات التي تعطي الاستثمار الرأسمالي الحوافز التي يفشل السوق نفسه في توفيرها له.

من هنا فإن هذه النظرية تميل إلى اعتبار أن هناك حل للأزمة الرسمالية مريح ومربح لكل الأطراف – أي لكل من العمال والرأسماليين؛ حل يمكن وضعه موضع التنفيذ من خلال إجراءات يقوم بها تحالف يضم بيروقراطيي النقابات وقيادات الحركة الاجتماعية وساسة الحزب الديمقراطي “التقدميين”. بعبارة أبسط: عادة ما تؤدي نظرية “عجز الاستهلاك” إلى الاستنتاج الإصلاحي القائل إن أزمات الرأسمالية ممكن تفاديها إذا استطاعت الدولة، كحكم محايد، أن توازن بين مصالح رأس المال والعمل.

لكن الحقيقة أن نظريات عجز الاستهلاك تقوم على افتراض خاطئ تماما بشأن الرأسمالية، هو أن كل الرأسماليين ينتجون فقط سلعا استهلاكية، وأن “السوق” الوحيد للسلع الاستهلاكية هو العمال. لكن الواقع مختلف. فالرأسماليون ينتجون سلعا استهلاكية وكذلك سلعا رأسمالية – آلات، مبان، مواد خام، وما شابه. وعلى جانب آخر، فإن العمال في كل من قطاعي السلع الاستهلاكية والرأسمالية يمكنهم كسب ما يكفي لشراء ناتج قطاع السلع الاستهلاكية؛ في حين أن الرأسماليين في قطاعي السلع الاستهلاكية والرأسمالية يمكنهم إنفاق ما يكفي لشراء ناتج قطاع السلع الرأسمالية. وطالما ظل الرأسماليين في قطاعي السلع الاستهلاكية والاستثمارية يقومون باستثمارات، فمن الممكن موازنة العرض والطلب.

وفي هذا السياق، فإن الاستثمار المستمر – أي التراكم الرأسمالي – يعتمد على تعاظم الأرباح. وعندما تهبط الأرباح، يتباطأ الاستثمار، ويتراجع التوظيف، وكذلك الطلب على كل من السلع الاستهلاكية والاستثمارية، ويكون هناك “فيض إنتاج”. بصياغة مبسطة يمكننا أن نقول أن “فيض إنتاج” السلع هو نتيجة، وليس سببا، لتراجع الأرباح.

أما من الناحية الواقعية، فهناك دلائل قوية تفنّد المفهوم القائل أن الطلب غير الكاف يؤدي إلى هبوط الربحية. فمعظم الاقتصاديين يعرفون أن المؤسسات الرأسمالية تقوم بتعديل قراراتها استجابة لتقلبات الطلب على السلع التي تنتجها، وذلك عن طريق تعديل معدلات توظيف الطاقة لديها، أي عن طريق زيادة أو تخفيض عدد العمال، أو عن طريق زيادة أو تقليل ورديات العمل. ولقد طور الاقتصادي الماركسي أنور شيخ منهجا إحصائيا يحسب العلاقة بين معدل الربح وتوظيف الطاقة الإنتاجية. والنتيجة التي وصل إليها هي أن الأرباح، حتى عندما يتم تعديلها على أساس توظيف الطاقة، أي على أساس تقلبات الطلب، تستمر في الهبوط.

تقلص الأرباح

نظريات “تقلص الأرباح” تقول أن زيادة قوة العمال في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الفائت أدت إلى هبوط حاد وعام في الأرباح في كل المجتمعات الرأسمالية الصناعية. ولقد طرح اثنان من الاشتراكيين الثوريين، هما جلين وساتكليف، في مطلع السبعينيات أن زيادة أجور العمال أدت إلى هبوط (تقليص) الربحية الرأسمالية. أما في الثمانينيات، فقد ادعى ثلاثة من الاشتراكيين الديمقراطيين اليساريين، باولز وجوردون ووايزكوف، أن قدرة العمال على زيادة أجورهم وعلى كسب إصلاحات اجتماعية واسعة وعلى عرقلة محاولات الشركات الرأسمالية لإعادة تنظيم عملية العمل، كانوا أسبابا رئيسية وراء اندلاع أزمة السبعينيات. فمن وجهة نظرهم، أدت نضالات العمال إلى تناقص معدل نمو إنتاجية العمل، وإلى زيادة تكلفة السيطرة الرأسمالية على العمال، وكذلك إلى زيادة “الأجر الاجتماعي” (أي مدفوعات الرفاهة الاجتماعية)، وكل هذه أمور أدت إلى تقلص وانخفاض أرباح الشركات.

وكما هو الحال فيما يتعلق بنظرية “عجز الاستهلاك”، فإن نظرية “تقلص الأرباح” تُعجب الراديكاليين والاشتراكيين لأنها تجعل الصراع الطبقي – قوة رأس المال (في حالة عجز الاستهلاك)، أو قوة العمال (في حالة تقلص الأرباح) – هي المحدد الرئيسي للربحية. لكن، كذلك كما هو الحال بالنسبة لنظريات عجز الاستهلاك، فإن الدور المركزي ظاهريا الذي يلعبه الصراع الطبقي في تحديد معدلات التراكم وفي تفجير الأزمة، يؤدي بسهولة، عمليا، إلى سياسات التواطؤ الطبقي.

والمثل على ذلك هو جوردون وباولز ووايزكوف. فلقد كانوا من مؤيدي أشكال متنوعة من سياسة “الإدارة المشتركة بين العمال والرأسماليين”، أو “التعاون بين العمال والإدارة”. وكانوا يدّعون أن مثل تلك التجارب المبنية على ما أسموه “ديمقراطية مكان العمل” سوف ترفع الإنتاجية، مما سوف يؤدي إلى زيادة كل من أرباح رأس المال ومستويات حياة وشروط عمل العمال في وقت واحد.

ولقد اعتقد كثير من مؤيدي نظرية تقلص الأرباح، تماما مثل مؤيدي نظريات عجز الاستهلاك، أن “ديمقراطية مكان العمل” يمكن أن يتم تحقيقها من خلال إقامة تحالف بين بيروقراطيي النقابات والديمقراطيين الليبراليين. ولكن كما نعلم جميعا، فإن مثل تلك التجارب من التعاون بين العمال والإدارة كانت، في أحسن الحالات، مجرد غطاء لإدخال ونشر ما يسمى بـ”نظام الإنتاج الأكثر كفاءة”، وهو النظام الذي يهدف إلى تكثيف استغلال الطبقة العاملة، إلى مواقع العمل التي بها نقابات عمالية (انظر مايك باركر وجين سلوتر، العمل بذكاء: دليل نقابي لبرامج المشاركة وإعادة الهندسة، ديترويت، إم آي، كتب لابور نوتس، 1994).

ومن الناحيتين المنطقية والنظرية، فإن تناقص الأرباح كنتيجة إما لزيادة الأجور أو لانخفاض جهد العمال في الإنتاج هو، في أحسن الأحوال، أمر مؤقت وقطاعي. فالرأسماليون في صناعة بعينها يمكنهم أن يستجيبوا لزيادة الأجور أو لجهد العمال المتناقص من خلال إما إدخال آلات جديدة أكثر إنتاجية، أو – إذا لم يكن هذا ممكنا في الحال – من خلال توجيه استثماراتهم الجديدة إلى صناعات تكون فيها الأجور أقل أو جهد العمال أكبر والأرباح أكثر. بصياغة أبسط: لا الأجور المتزايدة ولا جهد العمال المتناقص يمكنهما أن يؤديا إلى أزمة ربحية عامة وطويلة الأجل.

ومن ناحية أخرى، فإن المعلومات الواقعية أيضا تفنّد النسختين المطروحتين من نظرية تقلص الأرباح. ففي منتصف الستينيات من القرن الفائت – أي في وقت مبكر جدا عن التصاعد الكبير في النضالات العمالية في السبعينيات – بدأ معدل نمو الإنتاجية ينخفض كنتيجة لانخفاض الاستثمار الرأسمالي. هذا الانخفاض في الاستثمار الرأسمالي كان ردا على انخفاض الأرباح. أي بصياغة بسيطة يمكننا القول: إن تباطؤ نمو الإنتاجية كان نتيجة وليس سببا وراء اندلاع الأزمة في منتصف الستينيات (أنور شيخ، 1989، 12، 17-18).

المنافسة الزائدة

مؤخرا، قدم روبرت برينر، وهو اشتراكي ثوري ورئيس تحرير مجلة “ضد التيار”، إضافة إلى نظرية الأزمة. وفقا لبرينر، أدت المنافسة الزائدة في نهاية الستينيات ومطلع السبعينيات، بين رؤوس الأموال الجديدة نسبيا في اليابان وألمانيا الغربية والقديمة نسبيا في الولايات المتحدة، إلى انخفاض معمم وطويل الأجل في الربحية في مجمل العالم الرأسمالي الصناعي.

يشترك تفسير برينر للأزمة في عدد من الافتراضات مع أطروحة انخفاض معدل الربح التي سنناقشها في القسم التالي. ففي كل من النظريتين، يجبر التنافس الرأسماليين على البحث بشكل دائم عن طرق جديدة وأكثر كفاءة للإنتاج. وقد كانت رؤوس الأموال الأكثر جدة (في دول مثل اليابان وألمانيا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية)، في أفضل وضع لاتباع أحدث الطرق في الإنتاج، حيث أن الاستثمار الرأسمالي الثابت لديهم كان قليلا أو منعدما. من هنا، فقد كانوا قادرين على تخفيض التكاليف والأسعار وزيادة الأرباح بالمقارنة برؤوس الأموال الأقدم (مثل الولايات المتحدة)، التي لم تكن قادرة على التخلص من استثماراتها الثابتة القديمة إلى حين يتم استهلاكها اقتصاديا.

لكن على الوجه المقابل، فإن برينر يرفض الفكرة القائلة أن ميكنة متزايدة للإنتاج تؤدي إلى تناقص الأرباح بالنسبة لكل رؤوس الأموال. وهو يعتنق المفهوم القائل أن الرأسماليين يختارون تقنيات جديدة من أجل أن يخفضوا تكلفة الوحدة ويزيدوا الأرباح في آن واحد.

ووفقا لبرينر، فإن رؤوس الأموال الأقدم، عندما تواجهها الأسعار المنخفضة التي تفرضها رؤوس الأموال الأحدث والأكثر كفاءة على السوق، تعاني من أرباح أقل وطاقة زائدة. وتصبح الأرباح المنخفضة والطاقة الزائدة ظاهرة عامة في مجمل الاقتصاد الرأسمالي العالمي في الفترات التي تحتدم فيها المنافسة العالمية وتنتج مرحلة طويلة من الركود الاقتصادي، مثل نهاية الستينيات ومطلع السبعينيات. ويدعي برينر أنه أيّما كان معدل التزايد في الربحية منذ مطلع السبعينيات، فقد كان هذا التزايد قصير الأجل وهزيل لأنه لم يكن هناك، وفقا لتقديره، إهلاك كاف لرأس المال الأقدم والأقل كفاءة من خلال إفلاسات واسعة النطاق.

ومن الناحية السياسية فإن برينر يصل إلى استنتاجات ثورية من تحليله للأزمة. ففي رأيه لا يمكن للرأسماليين استعادة أرباحهم، إلا فقط من خلال هجوم واسع النطاق على مستويات معيشة الطبقة العاملة، ممتزج بتدمير واسع النطاق لرؤوس الأموال الأقدم والأقل كفاءة. ولا يوجد حل يحقق مصلحة كل من العمال والرأسماليين في الوقت نفسه. وتماما كما ترى نظرية انخفاض معدل الربح التي سنناقشها لاحقا، فإن برينر كذلك يرى أن مفهوم “الرأسمالية المنظمة”، بمعنى أن الدولة قادرة على منع الأزمة، هو مفهوم طوباوي غير ممكن التحقيق.

لكن رغم ذلك، هناك مشاكل رئيسية في نظرية برينر حول “المنافسة الزائدة” من الناحيتين المنطقية والمعلوماتية/الواقعية (أنور شيخ 1999). فمن الناحية النظرية، تعاني أطروحة برينر من مشاكل مشابهة لمشاكل نظرية “تقلص الربح” التي يرفضها هو عن حق. فكما أن الأجور المتزايدة وجهد العمال المتناقص لابد أن يؤديا بالرأسماليين في قطاع اقتصادي معين إلى إحلال رأس المال محل العمل أو إلى تحويل الاستثمارات الجديدة إلى مجالات ذات أرباح أعلى، فإن المنافسة المحتدمة والمعممة لابد أن تدفع الرأسماليين الأقدم إلى استقدام أحدث التقنيات الإنتاجية، أو إلى تخفيض الطاقة، أو إلى تحويل الاستثمار إلى فروع جديدة للإنتاج.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن مفهوم برينر القائل إن الرأسماليين أحرار في اختيار التقنيات التي تؤدي إلى تخفيض تكاليف الوحدة المنتجة، أي إلى تحسين وضعهم التنافسي، وكذلك إلى زيادة الأرباح على استثماراتهم، هو مفهوم إشكالي. فهذا المفهوم يتناقض مع واقع التنافس الرأسمالي، الذي يجبر كل رأسمالي على “اختيار” التقنية التي تسمح بأقل تكلفة للوحدة المنتجة، حتى ولو كان هذا يؤدي إلى زيادة إجمالي الاستثمار الرأسمالي ومن ثم إلى انخفاض المعدل العام للأرباح.

أما من الناحية المعلوماتية/ الواقعية، فإن هناك أكثر من مشكلة مع نظرية برينر. فأولا، احتدام المنافسة العالمية في مطلع السبعينيات لا يمكنه أن يفسر انخفاض الأرباح في الولايات المتحدة وفي البلدان المصنعة الأخرى في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وثانيا، لا يوجد مؤشر واضح على حصول زيادة حادة في المنافسة العالمية قبل أن تبدأ الأرباح الكلية في الركود في الولايات المتحدة في منتصف الستينيات. بل إن الدلائل تشير، في الواقع، إلى أن المنافسة الدولية (والمحلية) المتزايدة الاحتدام كانت نتيجة، وليست سببا، لانخفاض الاستثمارات بعد منتصف الستينيات. ثالثا، انخفضت معدلات الأرباح في نهاية الستينيات ومطلع السبعينيات بسرعة أكبر في اليابان (موقع رؤوس الأموال الأحدث والأكثر كفاءة) عنها في الولايات المتحدة (موقع الشركات الأقدم والأقل كفاءة). وأخيرا، هناك أدلة كثيرة حول استرداد الأرباح لعافيتها على المدى الطويل في الثمانينيات والتسعينيات، وهو أمر ينكره طرح برينر (انظر الرسم البياني).

انخفاض معدل الربح كنتيجة لتزايد ميكنة/ رسملة رأس المال

تعتمد نظرية انخفاض معدل الربح في تحليلها، بشكل مركزي، على الآليات الأكثر أساسية في الرأسمالية (أنور شيخ، 1989: 3-10). إذ يجبر التنافس الرأسمالي الرأسماليين على إدخال طرق إنتاج جديدة أكثر تقدما، وذلك من أجل تقليص التكلفة التي يتكلفونها لكل وحدة منتجة. والنتيجة هي تزايد “ميكنة الإنتاج”، أو ما أطلق ماركس عليه “التركيب العضوي لرأس المال”. ولكن هذه الميكنة، أي إحلال الآلات محل العمال، أو بعبارة أخرى إحلال العمل الميت محل العمل الحي، تؤدي إلى انخفاض معدل الربح.

ينخفض معدل الربح – وهو يساوي الأرباح الكلية مقسومة على مجموع رأس المال الكلي المستثمر والأجور الكلية – في كل من المراحل الطويلة للنمو الرأسمالي والمراحل الطويلة للركود.

تنخفض معدلات الأرباح خلال موجات النمو الطويل لأن الكثافة الرأسمالية للإنتاج – ما يساوي رأس المال الكلي مقسوما على الأجور الكلية – تزيد. وبينما تنخفض معدلات الأرباح، ينخفض معدل زيادة الاستثمارات كذلك.

خلال مراحل الانتعاش الطويل، ينخفض معدل زيادة الاستثمار الكلي بمعدل أبطأ من انخفاض معدلات الأرباح. والنتيجة تكون أن الأرباح الكلية – أي الربح الإجمالي – تستمر في النمو. وتترجم الأرباح الكلية المتزايدة في معدلات أرباح موجبة (وإن كانت متناقصة) على الاستثمارت الأجدد التي يقوم بها الرأسماليون. وطالما ظلت الأرباح على الاستثمارات الجديدة موجبة، يظل هناك دافع لدى الرأسماليين للمراكمة. بصياغة أبسط: تزايد الكتلة الإجمالية للأرباح يسمح لرأس المال بالتمتع بموجة طويلة من التوسع تتخللها كسادات قصيرة وضحلة، بالرغم من استمرار معدل الربح في النقصان.

لكن، عند نقطة معينة يؤدي هبوط معدل الربح إلى هبوط متسارع في معدل نمو الاستثمارات. وعندما يصبح معدل تناقص النمو في الاستثمار أكبر من تناقص معدل الربح، يصاب الربح الإجمالي بالركود. وعندما تتوقف الأرباح الإجمالية عن النمو، يصبح معدل الربح على الاستثمارات الجديدة سالبا، ومن ثم يتوقف الرأسماليون عن الاستثمار. وكنتيجة لذلك، تتحول الموجة الطويلة من التوسع إلى موجة طويلة من الركود تتخلها كسادات أكثر طولا وعمقا. (للإطلاع على دلائل على هذه الاتجاهات من 1948 إلى 1980، انظر أنور شيخ، 1989: 10-16).

وعلى عكس النظريات الأخرى للأزمة الرأسمالية، فإن نظرية هبوط معدل الربح لا ترى في العوامل العارضة أو الصدفية، مثل عدم التوازن بين العرض والطلب، أو زيادة الأجور/ انخفاض الجهود، أو تزايد المنافسة، أسبابا لانخفاض الأرباح. على العكس، ينتج انخفاض الأرباح عن الآليات الأكثر أساسية وضرورية في الرأسمالية. لكن على الرغم من أن آليات الرأسمالية تخلق لا محالة أزمات الربحية والتراكم، فإن أن هذا لا يعني حدوث انهيار تلقائي في الرأسمالية.

فالرأسمالية يمكنها أن تستعيد حيويتها وتعيش مراحل جديدة من النمو طويل الأجل إذا حدثت زيادة حادة في معدل الربح. وهذا يمكن أن يتحقق فقط إن حدثت زيادة هائلة في معدل الاستغلال، أو تدمير واسع النطاق للرأسماليين معدومي الكفاءة، أو كان هناك توسعا كبيرا في نطاق الاقتصاد الرأسمالي العالمي. والمعنى العملي لهذا هو: إما نجاح أصحاب الأعمال في تخفيض الأجور وإعادة تنظيم علاقات العمل لمصلحتهم، أو قيام الدولة بتخفيض إنفاق الرفاهة الاجتماعية، أو حدوث موجة من الإفلاسات والاندماجات والاستحواذات، أو حدوث توسع جغرافي في الإنتاج الرأسمالي. وكل هذا يعني أن مفهوم “الرأسمالية المنظمة” – حيث تؤدي سياسات الدولة إلى زيادة مستويات معيشة الطبقة العاملة وأرباح الرأسماليين في نفس الوقت – هو مفهوم طوباوي غير قابل للتحقيق.

والحقيقة أن اجتماع العوامل الأربعة المذكورة سابقا أدى إلى انتعاش معدلات الأرباح في مجمل العالم الرأسمالي – وبالذات في الولايات المتحدة – منذ مطلع الثمانينيات. إذ أن تعميم “نظام الإنتاج الأكثر كفاءة” في كل من الصناعة والخدمات أدى إلى زيادة حادة في إنتاجية العمل، أي في معدل الاستغلال. ثم أن تتالي موجات من الإفلاسات والاندماجات والاستحواذات (المصدر الأساسي لنمو القطاع المالي) قد أدى إلى تخريد رؤوس الأموال الأكثر قدما والأقل كفاءة. وفي نفس الوقت تم تخفيض الطاقة الإنتاجية في بعض الصناعات، وتحول الاستثمار إلى فروع جديدة من الإنتاج. كذلك أدت عولمة عملية الإنتاج إلى زيادة حدود الاقتصاد العالمي، مما سمح بتحويل الصناعات كثيفة العمل إلى البلدان ذات الأجور المنخفضة في الجنوب.

وعلى مدى العقود القليلة الأخيرة، أدى صعود السياسات الاقتصادية الليبرالية الجديدة إلى المضي قدما بشكل منهجي في عملية إعادة هيكلة رأس المال وفقا للاتجاهات المشروحة سابقا. فقد ضمن تحرير أسواق رأس المال والعمل، ممزوجا بسياسة مالية مكافحة للتضخم، أن المشروعات الرأسمالية استجابت لارتفاع الأرباح بمواصلة الاستثمار في بناء مصانع وشراء آلات جديدة (بالذات الحواسب الآلية والآلات الإلكترونية ونظم التخزين)، وبمواصلة إعادة تنظيم علاقات العمل وفقا لـ”نظام الإنتاج الأكثر كفاءة”. وقد أدى تحرير رأس المال إلى تحفيز نمو عولمة الإنتاج العابر للقوميات، بينما أدى تحرير أسواق العمل (تخفيض إنفاق الرفاهة الاجتماعية، الخ) إلى زيادة التنافس بين العمال والمساهمة في ركود أو انخفاض الأجور الحقيقية.

لكن موجة الانتعاش الرأسمالي الطويلة التي بدأت في منتصف الثمانينيات لم تكن دائمة، ولم يكن ممكنا أن تكون كذلك. فبينما زادت الأرباح، بدأ التراكم الرأسمالي ينتعش من جديد. وقد أدت الميكنة المتزايدة لرأس المال التي نتجت عن ذلك إلى انخفاض معدلات الأرباح، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى ركود في الكتلة الإجمالية للأرباح في الأعوام القليلة الماضية. لقد دخل العالم الرأسمالي موجة طويلة من الركود – وهو ما يعني أرباحا أقل على الاستثمارات الجديدة. وسيؤدي هذا إلى مراحل كساد أطول وأعمق. إن هذا السياق الاقتصادي الجديد هو بالضبط الذي يجعل الانهيار المالي الحالي شديد الخطر على رأس المال.

فكما طرحت في سياقات أخرى، فإن اندلاع الأزمات المالية كنتيجة للاستثمار الزائد في رأس المال “التخييلي” fictitious capital – الحقوق على الثروة المستقبلية – يعد سمة من سمات نقطة الذروة في كل دورة أعمال. لكن هناك فارق بين ظرف وظرف. فإن كان السياق الأعمق المتعلق بظروف الربحية والتراكم صحيا بالنسبة لرأس المال، فإن الأزمات المالية تكون معتدلة نسبيا وتؤدي إلى دورة جديدة من النمو القوي. هكذا كان الحال في أزمة أسواق المال في 1987، وفي أزمة المدخرات والقروض في مطلع التسعينيات، وفي فقاعة الـ”دوت كوم” في بدايات العقد الحالي. لكن عندما يكون السياق الأعمق المتعلق بالربحية والتراكم غير صحي بالنسبة لرأس المال – وهو الحال اليوم – فإن الأزمات المالية تحمل معها أخطارا أكبر بكثير.

وفي اعتقادي أن الدعم الذي تقدمه الدولة حاليا للنظام المالي – بما في ذلك التأميم الجزئي للبنوك – غالبا ما سوف يمنع الانهيار الكامل للنظام المالي أو اندلاع كساد كبير على غرار كساد الثلاثينيات. لكنه لن يمنع ركودا شديد الحدة وطويل الأجل: بطالة عالية ومستمرة وانخفاضات حادة في الناتج والاستثمار خلال الأشهر الثمانية عشرة إلى الستة وثلاثين القادمة. وسوف يكون التحسن اللاحق على الأغلب هزيلا. كذلك سوف يؤدي استمرار الأرباح المنخفضة كنتيجة للميكنة الزائدة إلى تباطؤ النمو. وفي الوقت نفسه، فإن ضخ المال في الاقتصاد من خلال عمليات الإنقاذ سوف يؤجج التضخم. وبصياغة بسيطة يمكننا قول الآتي: نحن في الأغلب مقبلون على مرحلة جديدة من الركود التضخمي شبيهة بالتي شهدها العالم الرأسمالي في نهاية الستينيات ومطلع السبعينيات.

وتماما كما كان الحال في مطلع الثمانينيات، فإنه لن يكون هناك حلا للأزمة يمكنه أن يحقق مصالح كل رأس المال والعمل في الوقت نفسه. الطريق الوحيد للخروج من مرحلة طويلة من الركود هو موجة جديدة من الإفلاسات والاندماجات والاستحواذات، مع تعميم أكثر لـ”نظام الإنتاج الأكثر كفاءة”، وكذلك تخفيضات كبيرة في البقية الباقية من الإنفاق على الخدمات الاجتماعية.

الأزمة الحالية، مثل كل الأزمات، تطرح فرصا ومخاطر: فرصا لنضالات عمالية وشعبية جماعية ضد رأس المال، ومخاطر أنه إذا لم تنجح مثل هذه النضالات في احتلال مقدمة المشهد، فربما تحاول الأقسام المختلفة من الطبقة العاملة الدفاع عن نفسها ضد هبوط وضعها الاجتماعي إلى أسفل بمهاجمة أقسام أخرى من الطبقة العاملة.

المصدر:

BEA, Corporate Profits, NIPA Table 1.13, line 7; Corporate Current Cost Capital Stock, Fixed Assets Table 4.1, line 13 (Corporate Nonresidential) plus Table 5.1, line 3 (Corporate Residential)

ببلوجرافيا:

Anwar Shaikh, 1978. “An Introduction to the History of Crisis Theories” in URPE, U.S. Capitalism in Crisis (New York: Union of Radical Political Economists)

http://homepage.newschool.edu/~AShaikh/crisis_theories.pdf.

Anwar Shaikh, 1989. The Current Economic Crisis: Causes and Implications (Against the Current Pamphlet)

http://homepage.newschool.edu/~AShaikh/The%20current%20economic%20crisis.pdf

Anwar Shaikh, 1999. “Explaining the Global Economic Crisis: A Critique of Brenner,” Historical Materialism, 5.

http://homepage.newschool.edu/~AShaikh/Explaining%20the%20Global%20Economic%20Crisis.pdf