بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

صفقة بيع ماسبيرو

خلافًا لتوقعات الكثيرين بدأت الحكومة في التخطيط لبيع الجهاز الذي يقوم بمهمة تزييف الوعي عن طريق الترويج لإنجازات يعرف الجميع أنها كاذبة. تتابع دينا حشمت مخططات تفكيك وبيع اتحاد الإذاعة والتليفزيون وترى أن السبيل الوحيد لمقاومة هذا الاتجاه هو تضافر العاملين للتصدي لمحاولات تشريدهم والعمل على خلق إعلام بديل.

اتخذ مجلس الوزراء خطوات جديدة تشير إلى نية بيع ماسبيرو، وهي “إنشاء جهاز مستقل لتنظيم الإعلام” وينظم رئيس الوزراء حاليًا سلسلة من الاجتماعات بهدف مناقشة دمج وزارتي الإعلام والثقافة وخصخصة القطاع. فلم يعد ماسبيرو، هذا الكيان الضخم، بعيدًا عما يجري في البلد من بيع وخصخصة، وها هي أيدي الطامعين قد طالت أحد رموز هيبة الدولة الناصرية، أكبر بنية إعلامية في الشرق الأوسط.

لكن لا أحد يعلم بالضبط ما هي الخطط المطروحة فيما يخص التليفزيون المصري. لا يعلم الـ37 ألف موظف في مبنى الإذاعة والتليفزيون ماذا سيكون مصيرهم في حالة خصخصة الجهاز. “الناس كلها بتحاول تفهم اللي بيحصل، بس ما حدش عارف” يقول ى. ع. وهو يعمل كمعد في قناة النيل للمنوعات: “بس أنا حاسس إن الظروف مش ممكن تبقى أسوأ من اللي هي عليه.. إحنا ما قبضناش من شهر يونيو.. يعني الفلوس اللي إحنا بناخذها على إنتاج الحلقات.. ما أخذنهاش.. وكل اللي كان عليه الدور يتعين.. إتوقف تعيينه”. التساؤلات والقلق الذي يسيطر على العاملين في ماسبيرو جاء نتيجة لتدهور ظروف العمل في السنوات الماضية وخاصة الشهور الأخيرة، وأيضًا بسبب المعلومات التي تسربت مؤخرًا حول بيع القنوات المتخصصة.

القصة تتعلق بأربع قنوات، هي المنوعات، والدراما، والأسرة والطفل، والرياضة. وانكشفت عندما نشرت جريدة صوت الأمة في عددها الصادر يوم 19/9/2005 عقد بيع القنوات الأربع لعماد الدين أديب. يشير التقرير إلى البنود الأخيرة في العقد، فينص البند السابع منه إلى أن “الثمن الإجمالي للقنوات الأربع مئتين وواحد وثلاثون مليون جنيه مصري لا غير، تسدد بالكامل قبل حلول شهر أغسطس 2006”. كما ينص البند الثامن “على أن يلتزم الطرف الثاني (المشتري) بالحفاظ على العاملين بالقنوات محل العقد بحد أدنى 35% من إجمالي العدد الموجود الحالي”. أما البند العاشر فينص على أن “يلتزم الطرف الثاني بعدم إذاعة أية مواد إعلامية: دراما/ برامج/ أخبار، من شأنها التعرض لرئيس الجمهورية أو أسرته”. وينص البند الحادي عشر على أن يلتزم الطرف الثاني “بسياسة الدولة الخارجية، ولا يحق له التعرض لها في القنوات محل العقد”.

أحدث نشر هذه الوثيقة نقاشًا عنيفًا حول مصير التليفزيون، فأسرع وزير الإعلام أنس الفقي بتقديم تصريحات تنفي هذه المعلومات مؤكدًا أن “الإعلام المصري ليس للبيع” وأن “قانون اتحاد الإذاعة والتليفزيون يمنع بيع القنوات التليفزيونية أو الشباكت الإذاعية المملوكة للدولة”.

لكن في مذكرته المقدمة إلى رئيس الوزراء، التي نشرتها أيضًا جريدة صوت الأمة في نفس العدد، يكتب أنس الفقي أن عماد الدين أديب هو الذي سرب خبر ما يسميه هو نفسه “الصفقة”: “الأمر الذي خالف به الاتفاق الذي تم بيننا بعدم الإعلان عن الصفقة إلا بعد تعديل قانون اتحاد الإذاعة والتليفزيون المزمع تقديمه إلى مجلس الشعب بعد انتخابات مجلس الشعب القادمة”.

ها هو إذن أول تضارب وأول تناقض في تصريحات الوزير المغامر. فمن الواضح أن الوزير يسعى إلى تغيير قانون الاتحاد هذا الذي يتحامى به اليوم كي يدعو أن البيع ليس مطروحًا من أصله. وإذا تجاوزنا عن تضارب التصريحات هذا، سنجد أنفسنا أمام وقائع واضحة في هذه القضية، هي التغييرات التي أجريت مؤخرًا على هيكل اتحاد الإذاعة والتليفزيون، ومنها تحويل القنوات الأربع من قنوات فضائية إلى أرضية، الذي يستوفي شروط المشتري، ومنها طبعًا إنشاء جهاز مستقل للإعلام الذي سبق الإشارة إليه. هذه الخطوة الأخيرة تشبه بالضبط تلك التي أخذتها الحكومة في مجال الاتصالات، حينما أنشأت جهازًا للاتصالات تمهيدًا لخصخصتها.

من المتوقع يطرح مجلس الوزراء إجراءات تهدف إلى تفكيك الكيان الضخم الذي يمثله ماسبيرو، مثل تأجير القناة الثالثة لنجيب ساويرس، وإدارة القنوات المحلية من قبل المحافظات التابعة لها. وبهذا التفكيك تتحقق خطوة ضرورية على طريق الخصخصة مثلما حدث في قطاعات أخرى، على غرار الحديد والصلب، كي تتمكن الدولة من بيعها “مفتتة” للمستثمرين. في حالتنا هذه ظهرت هذه المعلومات حول خطط بيع “الاتحاد” في ظرف يعاني فيه التليفزيون من أزمة عنيفة ناتجة عن عقود من النهب والفساد، التي أدت إلى أن تراكمت ديون وزارة الإعلام لدى بنك الاستثمار حتى بلغت 5 مليار جنيه. ويرى رجال لجنة السياسات أن تفكيك الاتحاد إلى “قطاعات مفتتة”، ثم بيعها وتحويلها إلى شركات مساهمة يمتلك القطاع الخاص 51% منها (مثلما هو الحال في حالة الأربع قنوات المتخصصة) هو حل لهذه الأزمة. فستسمح هذه المبالغ بجدولة الديون حتى عام 2010 (في حالة الأربع القنوات) ومن المفترض أنها ستسمح بتسديد كافة الديون في النهاية. كما يرى منظرو الليبرالية الجديدة أن الخصخصة ستؤدي إلى حل المشاكل التي تواجه الإعلام المملوك للدولة بشكل عام والتليفزيون بشكل خاص، كعدم الكفاءة وعدم القدرة على منافسة القنوات الفضائية العربية التي ظهرت في السوق. فلا تمتلك القنوات الإخبارية المصرية القدرة على تقديم سبق صحفي مثلاً في أي مجال كان، ولا تعتمد فيما يكفي على البث على الهواء. هذا طبعًا بسبب ضعف الإمكانيات المادية وأيضًا، وبشكل أساسي، بسبب نظام الرقابة (فليس من السهل التحكم في البرامج التي تبث على الهواء) والسيطرة الشديدة على كل البرامج، مما يعرقل ويخنق ظهور المواهب الجديدة، ويقلل من هامش المبادرة والطاقات الإبداعية لدى المعدين والمخرجين والمذيعين في ممارسة عملهم.

ذلك هو الذي أوصلنا إلى الصورة التي نراها اليوم، صورة تليفزيون يقدم برامج جامدة غير قادرة على مواكبة تحولات الإعلام الحديثة. ومما زاد المشكلة عمقًا هو ظاهرة الفساد الذي استشرى في كيان التليفزيون مثلما استشرى في البلد كلها، من انتشار الواسطة في اختيار المذيعين والمسئولين، إلى استمرار التعامل مع شركات إعلانات بالرغم من الديون التي لم تسددها هذه الشركات للتليفزيون. ويقال مثلاً أن البلتاجي رحل من وزارة الإعلام لأنه كان قد أوقف التعامل مع وكالة إعلانية مديونة بأكثر من 80 مليون جنيه.

آخر حادثة في مجال الفساد هي “صفقة” البيع هذه بين أنس الفقي وعماد أديب (التي لا نعلم حتى اليوم ما إذا تمت أم لا) حيث أنها تظهر كمجاملة للرجل الذي شارك بفعالية في إدارة الحملة الإعلامية لمبارك في انتخابات الرئاسة الأخيرة. فالسعر المطروح للصفقة يقل كثيرًا عن قيمة هذه القنوات الأربع من يدرك هذه الخلفية لا يتعجب من موافقة عماد الدين أديب (إذا افترضنا أنه وقع فعلاً على العقد) على البندين الأخيرين في النص الذين حاول فيهما أنس الفقي أن يرسخ مبدأ رقابة الدولة على الإعلام الخاص، يعني أن يحتفظ بمزايا الإعلام المملوكة للدولة في الوقت الذي يتخلى فيه عن “عبء” الناتج في الحقيقة عن سوء إدارة دامت لمدة عقود. ويرى أنه سيتخلص من هذا العبء عندما يترك شركات مثل جود نيوز تدير الإعلام المصري كله. وشركة جود نيوز هي الشركة التي يمتلكها عماد الدين أديب، وهي شركة عملاقة في مجال الإعلام، أشبه بالإمبراطورية، أسست منذ 15 عامًا وتمتلك عدة جرائد مثل العالم اليوم وكل الناس، وإذاعات مثل نجوم FM ونيل أون راديو إلى جانب وكالات الإعلانات والأفلام والموسيقى وكل ما يخص الإنترنت والموبايل.

لكن السؤال هو إلى أي مدى سيشكل هذا البيع حلاً للمشاكل المطروحة؟ يرى مجدي مهنا أنه لا بد من تحويل الإعلام الحكومي إلى إعلام مستقل وأن الخصخصة يمكن أن تشكل إحدى المراحل للوصول إلى هذا الهدف. “فحرية الصحافة والإعلام لا بد وأن يكون لها منظومة متكاملة” ويقترح “البحث في قضية الملكية”، و”إطلاق أقمار صناعية أو محطات جديدة”. ويرى أن مشكلة العاملين لن تكون مطروحة في هذه الحالة فسوف يكون بإمكانهم العمل في هذه المحطات الجديدة. لكن إذا رجعنا ونظرنا مرة أخرى إلى العقد ما بين عماد الدين أديب وأنس الفقي كنموذج للصفقات التي يمكن أن تتم في مجال الإعلام المرئي والمسموع، وإذا رجعنا بالذات إلى البندين الأخيرين، فسوف نجد أن الخصخصة ليست ضمانًا على الإطلاق لاستقلال الإعلام عن السياسات الحكومية، فتداخل المصالح بين الدوائر الحكومية وكبار رجال الأعمال سيؤدي إلى توظيف قطاع الإذاعة والتليفزيون في خدمة احتياجات حيتان الرأسمالية المصرية، من ساويرس إلى عماد الدين أديب. ولن ينشغل هؤلاء كثيرًا بإعادة تشغيل “العمالة الزائدة” في أقمار صناعية أو محطات جديدة، بل سيبحثون عن أكبر هامش ممكن من الربح، سيحققونه من خلال تسريح أكبر عدد من العمالة وتوسيع مساحات الإعلانات. وقد يفرضون أيضًا رسم أو اشتراك كي يتمكن المواطن من مشاهدة التليفزيون.

لكن ذلك ليس هو البديل الذي نريده للتليفزيون، كي نحقق بعض الخطوات إلى الأمام. لا يوجد بديل آخر غير تضافر العاملين بالقطاع من أجل مواجهة الفساد والمطالبة بحقوقهم، وذلك ليس منفصلاً عن حق المواطن في إعلام نزيه يقدم له شيئًا مختلفًا عن دعاية الدولة، أو غسيل المخ على طريقة الحزب الوطني أو الشركات المتعددة للجنسيات – وهو غسيل مخ أيضًا مع أنه أكثر كفاءة وخبثًا – الذي يستهدف إقناع البشر بأن كل شيء قابل للبيع والشراء، بما في ذلك الوسيلة نفسها التي تنقل إليهم هذا الكلام. ولن نحصل على هذا الإعلام البديل إلا بالمقاومة من أجل وقف مشاريع الخصخصة، المقاومة التي تسمح ببلورة اقتراحات من أجل إعلام يساهم في تحرر الإنسان بدلاً من اغترابه.