بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

إسكان عمال القطاع العام في عصر الخصخصة

في السنوات الأخيرة – ومع بدء تطبيق برامج “الإصلاح” والخصخصة – برزت إلى السطح مسألة إسكان العاملين في القطاع العام. كانت بعض شركات القطاع العام الكبرى في سنوات الستينات وأوائل السبعينات – مرحلة رأسمالية الدولة – قد قامت ببناء وحدات إسكان لأعداد من العاملين فيها من العمال والإداريين والفنيين. وفي هذا السياق أصبحت الشركات المملوكة للدولة تواجه العمال ليس فقط كصاحب عمل مستغل، وإنما أيضًا كمستثمر عقاري يمتلك وحدات السكن المؤجرة أو المباعة بالقسط. وقد كان قيام الشركات بهذا الدور الإضافي مفيدًا للشركات الاحتكارية الكبرى في القطاع العام في ظل إستراتيجية رأسمالية الدولة. حيث أن توظيف جزء من رأسمال الشركات في الاستثمار العقاري لإسكان العمال والإداريين أدى إلى أن أصبحت الشركات تنهب الريع العقاري إلى جانب الربح الرأسمالي من دخول العمال. هذا إضافة على تحقيق الاستقرار للعمال وارتباطهم بمصانعهم وقربهم منها وهي أمور تمثل كلها جزء لا يتجزأ من إستراتيجية التراكم في ظل رأسمالية الدولة.

على أن أزمات نقص الربحية وارتفاع المديونية التي اكتوي القطاع العام بنارها على مدى سنوات الكساد في الثمانينات وأوائل التسعينات دفعت الدولة أكثر فأكثر في اتجاه إعادة هيكلة شركات القطاع العام لتقليل تكلفة العمل ورفع الإنتاجية – الخ، ودفعتها في اتجاه الخصخصة. وقد تضمنت هذه السياسات الجديدة بالضرورة إعادة للنظر في أسلوب الاستثمار العقاري الذي اتبعته الشركات سابقًا. فكأي مستثمر عقاري بدأت الشركات تعيد النظر في حساب ربحية استثماراتها. فوجدت أن الحساب سلبي حيث أن الإيجارات هزيلة والريع العائد محدود وبينما أسعار الأراضي في ارتفاع مستمر. وقد غذي من هذه الضغوط مديونية الشركات التي تطلبت إدارة أفضل للأصول – ومن ضمنها الأصول العقارية التي يمكنها أن تدر فعلاً.

ولذلك بدأت الشركات تضغط في اتجاه طرد بعض السكان، أو في اتجاه بيع الوحدات السكنية لمؤجريها من العمال السابقين أو الحاليين، وذلك في سياق إعادة هيكلة وإعداد الشركات للبيع.

في هذا التحقيق نحاول النظر إلى مسألة الإسكان الصناعي من أوجهها المختلفة وعلى مدى مراحلها التاريخية المتعددة. ونسأل هل استفاد معظم العمال من الإسكان الصناعي؟ وكيف بدأت المشاكل في الظهور على السطح؟ وماذا كان موقف الدولة من محاولات العمال للاحتجاج على طردهم؟ وما هي خطط وأساليب الدولة حيال مسألة إسكان الشركات بعد تصفية القطاع العام؟

في هذا السياق نحب أن تؤكد أننا بذلنا جهدًا للحصول على معلومات دقيقة وكانت مصادرنا هي ألسنة العمال وبعض ما كتب عن المسألة في الصحف والمجلات، وفقنا أحيانًا وأخفقنا بدرجات في أحيان أخرى. ولكن إثارة تلك القضية على صفحات الجرائد في العامين السابقين ووجود بعض العمال منذ زمن في تلك الوحدات السكنية، علاوة على ظهور بعض الاحتجاجات العمالية في مواجهة سياسة طردهم، سمح لنا بدرجات في فهم الصورة عن قرب وبشكل أكثر وضوحًا.

رصد بعض السمات المختلفة الخاصة بالإسكان الصناعي
بدأ العمال في استلام الوحدات السكنية، والتي هي في معظم الأحوال عبارة عن حجرتان وصالة أو ثلاث حجرات في أحيان قليلة، مع بداية إنشائها في مطلع الستينيات. وكان يتم خصم 40% من قيمة الأرباح المنصرفة سنويًا لجميع العمال تحت بند بناء وحدات سكنية، بينما كانت نسبة العمال المستفيدين فعليًا من المساكن تتراوح ما بين 6 % إلى 20 % من إجمالي العمال في أفضل الأحوال. هذه الوحدات عمومًا لم تشيد في وقت واحد، وفي معظم الأحوال لم تقم الشركات ببنائها بنفسها إنما كانت تسند تلك العملية لمجالس الخدمات التابعة لمجالس المدن، وفي بعض الأحيان كانت تقوم بشراء حصص من المساكن التي تبنيها مجالس الخدمات لبيعها للشركات أو التي تبنيها الدولة في إطار مشروعات أخرى غير الإسكان الصناعي. بعض الشركات سلمت الوحدات السكنية في الستينات مثل الحديد والصلب بحلوان والنصر للسيارات بوادي حوف و36 الحربي التابع للهيئة العربية للتصنيع وحددت إيجارات شهرية على التوالي 2، 4.5، 2.75 جنيه وهذه المبالغ وقتها شكلت نسبة من 20: 25 % من أجور العمال الشهرية. وكما ذكرنا لم يحصل إلا نسبة قليلة جدًا من العمال على وحدات سكنية، أما الباقون، فبعضهم اضطروا للإقامة في بيوت صغيرة في المناطق المحيطة بالشركات، والبعض الآخر ظل يعيش في مواقع سكنه البعيدة. وهؤلاء كانوا يضطرون إلى الانتقال لمواقع عملهم على نفقتهم الخاصة في حالات كثيرة، وفي بعض الحالات بواسطة أتوبيسات الشركة.

وعلى الرغم من عدم وجود تمييز واضح في ذلك الوقت في توزيع تلك الوحدات – على حد تعبير العمال أنفسهم – إلا إنه من الملاحظ أن الأولوية كانت للإداريين والعمال القدامى والمهرة الذين من الجائز دائمًا استدعائهم في غير أوقات العمال. وفي بعض الشركات مثل الحديد والصلب كانت تبني وحدات متميزة على هيئة فيلات للمديرين والمهندسين فقط، وأيضًا شيدت شركة النصر للسيارات نوعين من الوحدات: الأولى إسكان اقتصادي للعمال والسائقين والعتالين، والثانية إسكان نصف لوكس للإداريين. في السنوات الأخيرة – التسعينيات – بدأت شركة الحديد والصلب في بناء وحدات جديدة ولكن بهدف تمليكها للعمال بمقدم يتراوح بين 3 – 5 آلاف جنيه وقسط شهري من 60: 90 جنيه. أما شركة النصر للسيارات فحصلت من حوالي عشر سنوات على حصة من إسكان الحكومة في أحياء أطلس ومايو بحلوان وقامت بتمليكهم لجزء من عمالها قاموا بدفع مقدمات لها وأقساط شهرية تصل إلى 85 جنيه شهريًا.

بعض الشركات الأخرى قامت بتسليم وحدات سكنية لعمالها في أوائل السبعينات مثل اسكو وولتكس والقاهرة للصباغة والتجهيز بشبرا الخيمة وأسمنت بورتلاند حلوان. وأيضًا مثل الشركات الأولى حددت هذه الشركات إيجار شهريًا قدرة على التوالي 1.8، 1.6، 2، 3 جنيه. وفي القاهرة للصباغة أعتبر القسط الشهري قسط تمليك، وملكت المساكن للعمال المستفيدين بالفعل والذين لم يزيدوا عن 3.7 % من عمال الشركة. أما في أسمنت بورتلاند حلوان فقد تصاعد الإيجار ليصل إلى 40 جنيه شهريًا، حيث كان يتم إنهاء علاقة الإيجار بمجرد انتهاء علاقة العمل – سواء بالوفاة أو بالخروج على المعاش – بعدها يتم إخلاء الوحدة السكنية وتمنح لعامل آخر بأجر أعلى. وهذه الشركات جميعًا لم تيني أي وحدات جديدة بعد ذلك، إذا استثنينا الوحدات القليلة التي حصلت عليها أسكو وولتكس من مجلس خدمات شبرا الخيمة في مطلع التسعينات وقامت بتأجيرها بـ 8.5 جنيه شهريًا لعمالها. ولأنها جميعًا لم تعد تستطيع – بعد الخسائر الفادحة التي تكبدتها على مدار السنوات الماضية – شراء وحدات سكنية جديدة أو دفع قيمة ما حصلت عليه بالفعل في الماضي من مجلس الخدمات فقد امتنع المجلس عن تزويدها بدفعات جديدة. وفي بعض هذه الشركات كانت الوحدات توزع بالمحسوبية من خلال قوائم معدة، بينما في بعضها الآخر كانت تجري أبحاث حالة اجتماعية على العمال وأسرهم لتحديد أصحاب الأولوية.

شركات أخرى بدأت في بناء سكنية لعمالها في الثمانينات وألحقتها بدفعات إضافية في أوائل التسعينات مثل شركة سيجوارت والنصر بشبرا الخيمة. ويؤكد عمال تلك الشركات على انتشار المحسوبية في توزيع المساكن لصالح الإداريين والعمال القريبين من الإدارة. شركة النصر للزجاج والبلور حصل عمالها حوالي 600 شقة من الإسكان الصناعي، 45 منهم في الإسكان الصناعي بمسطرد والباقي في منطقة شبرا المظلات، أي حوالي 15 % من عمال الشركة حصلوا على وحدات سكنية. أما عمال سيجوارت – وبسبب ربحية الشركة – فقد تملكوا الوحدات بنظام القسط الشهري، واستفاد من المساكن حوالي 28 % من إجمالي العمال.

أما عن حالة المساكن وصيانتها المستمرة والخدمات الموجودة فيها فتختلف من شركة لأخرى. مثلاً شركة الحديد والصلب لها عدة مساكن في مناطق مختلفة، مساكن المدينة القديمة تنقسم إلى قسمين: القسم الأول، مساكن العمال الروس وكانت محاطة بسور وتم توزيعها على العمال المصريين فيما بعد، والقسم الثاني مساكن الصلب القديمة والفيلات المخصصة للإداريين ومساكن الصلب الجديدة التي تم بناؤها منذ حوالي خمس سنوات، وحالتهم جميعًا شبه جيدة وملحق بهم نادي ومركز شباب ومستشفى وعدد من المدارس. أما مساكن الشركة بالمرازيق فهي أسوأ مساكنها على الإطلاق وهي الوحيدة التي تم تمليكها للعمال بموجب تصريح من الشركة لرئاسة الحي الذي آلت إليه ملكيتها وأصبحت بعد ذلك تضم عدد من عمال شركات أخرى مثل الكوك والمطروقات. وهناك أيضًا مساكن للشركة تم توزيعها على شركات أخرى مثل شركات المياه والكهرباء. في مقابل بعض الخدمات التي تقوم بها تلك الشركات لشركة الحديد والصلب في مناطق الإسكان، وكانت حالة تلك المساكن سيئة والخدمات بها قليلة.

الوضع مختلف بالنسبة لمساكن 360 الحربي والنصر للسيارات. فهذه الشركات نفضت أيديها منذ زمن بعيد عن عمل أي صيانة تذكر للمساكن، والعمال هم الذين يقومون بعمل الإصلاحات والصيانة الدورية، ولأن التنسيق حول هذه الأمور غائب بين العمال لذا أصبحت المساكن في حالة سيئة جدًا. ونفس الأوضاع سنجدها في مساكن شركات مثل اسكو وأسمنت بورتلاند حلوان. أما مساكن وولتكس القديمة وأيضًا النصر للزجاج والبلور فكانت تعاني من مشكلة رئيسية هي عدم صعود المياه للأدوار العليا، وهذه المشكلة منتشرة في منطقة الإسكان الصناعي بمسطرد مما اضطر السكان إلى تركيب طلمبات لرفع المساه ة وبعد حل المشكلة لم تصبح للطلمبات أي فائدة.

محاولات الدولة ومواجهات العمال
حاولت الدولة في أوقات كثيرة إخلاء الوحدات السكنية الخاصة بالعمال من شاغليها، ونفذت ذلك بطرق مختلفة. في كثير من الشركات تم حل مسألة الإسكان بتمليك العمال الوحدات التي يشغلونها وتسديد قيمتها على أقساط شهرية، وذلك ما حدث مع عمال سيجورات والقاهرة للصباغة والتجهيز بصدد الوحدات التي يشغلونها في منطقة الإسكان الصناعي بحي غرب شبرا الخيمة. أو عن طريق طرح وحدات جديدة بنظام التمليك مقابل دفعة مقدمة والباقي على أقساط شهرية كما حدث في الحديد والصلب والنصر للسيارات. وفي شركات أخرى كان يتم إنهاء إقامة العامل بالوحدات وإعادة تسكينها لعامل آخر بمجرد انتهاء علاقة العمل كما كان يحدث في مساكن أسمنت بورتلاند حلوان.

وفي حالات أخرى قامت الشركات برفع دعاوي قضائية على عمال انتهت علاقة العمل بينهم لطردهم من مساكنهم. مثلاً قامت شركة وولتكس منذ حوالي عشر سنوات برفع دعوى لاسترداد الوحدات السكنية من مجموعة صغيرة من العمال قاموا بتسوية معاشهم وخسرت الدعوى واستمر العمال في السكن. مثال آخر قامت به شركة الحديد والصلب حينما حاولت طرد أصحاب المعاشات من المساكن وهم يشكلون حوالي 50 % من السكان ورفض العمال بالطبع، وخسرت الشركة الدعوى. وهناك سابقة حدثت في الحديد والصلب عام 1979، حيث قامت الشركة بالضغط على عدد من عمالها القاطنين في وحدات الشركة للانتقال إلى قراهم ومدنهم الأصلية مقابل حصولهم على وحدات بديلة للسكن في تلك المناطق ونقلهم إلى شركات أخرى لها فروع في بلدانهم تلك. وقام العمال في ذلك الوقت برفع دعوى قضائية ضد الشركة وصدر لصالحهم حكم بالبقاء في مساكنهم.

وفي عام 1982 حصلت شركة إسكو على حكم قضائي بطرد العمال المحالين إلى المعاش بالرفت الطبي من مساكن الشركة. ولم تنفذ الشركة وقتها الحكم بسبب حالة التصاعد النضالي بين عمالها في ذلك الوقت، الذين كانوا في طريقهم لاستصدار حكم قضائي بصرف أجور عن أيام الراحات أسوة بعمال القطاع الخاص كما نص قانون العمل رقم 137 لسنة 1981، هذا الحكم الذي أدى إلى اعتصام إسكو الشهير في فبراير 1986 والإضراب الذي حدث في ابريل من نفس العام. لكن مع تصفية الشركة وتراجع نضالات عمالها قررت إدارتها البدء في تنفيذ هذا الحكم، وفي سبتمبر عام 1997 جاءت قوات الأمن مع ممثلين لإدارة الشركة لتنفيذ حكم الطرد ضد وحدتان سكنيتان – لم يكن العمال يعلمون شيئًا عن الدعاوي المرفوعة بطردهم إلا وقت الطرد – وبالفعل تم طرد أسرتي العاملات بعد تهديدهم وضربهم في قسم الشرطة قبلها بأيام. وفي 16/11/1997 ذهبت جحافل من قوات الأمن لتنفيذ الطرد في وحدتين سكنيتين آخرتين، ولكن تجمع أهالي المساكن وهددوا قوات الأمن بتفجير أنابيب البوتاجاز في وجههم إذا أقدموا على ضرب السكان أو طرد أسر العاملان، وبالفعل تراجع الأمن ولم ينفذ الطرد. وتأتي محاولة شركة اسكو لتنفيذ هذا الحكم بالرغم من المنشور الذي صدر عن مجلس خدمات شبرا الخيمة في 7/6/82 ويقضي بوقف كل الإجراءات القانونية التي تمت أو سوف تتم بصدد طرد العمال من مساكنهم وإقرار حقهم في شغل تلك المساكن بعد إحالتهم إلى المعاش أو بسبب الوفاة أو الاستقالة أو الفصل أو النقل. في مواجهة ذلك المنشور أصدرت شركة إسكو منشورًا آخر يعلن عدم وجود تعليمات بوقف الطرد إلا للعمال المحالين للمعاش الطبيعي بناء على كتاب وزير الصناعة الصادر في 10/9/1975. ولكن أمام صمود الأهالي وبالرغم من استثناء مساكنهم من حكم المحاكمة الدستورية – رقم 95/18 دستورية – ا لصادر بشأن تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر فقد رأي وزير قطاع الأعمال العام في منشور أصدره في 14/6/98 لمحافظ القليوبية “مراعاة للظروف الأمنية والاجتماعية والسياسية فقد رؤى الموافقة من حيث المبدأ على تمليك شاغلي الوحدات السكنية طالمًا تقع هذه الوحدات خارج أسوار الشركات….”.

ووقع العمال بين شقي رحى فالوزارة تبغي تمليكهم الشقق ولكن مجلس الخدمات بشبرا الخيمة أرسل في 13/5/98 خطابًا لجميع الشركات يوصيها بعدم التصرف بالبيع في الوحدات السكنية وذلك لأن مجلس خدمات شبرا الخيمة هو الجهة الوحيدة صاحبة حق التصرف فيها وأي إجراء آخر يصبح غير قانوني ولا يعتد به. وهذا ما حدث بالفعل مع عمال النصر للزجاج والبلور فقد قامت الشركة في نهاية النصف الأول من العام الحالي بطرح مشروع المعاش المبكر على دفعات وبخروج العمال اتضح وجود 17 عامل منهم يشغلون وحدات سكنية مملوكة للشركة بمسطرد، فأوقفت الشركة صرف تعويضاتهم لحين تنازل كل منهم عن عشرة آلاف جنيه من حصته للشركة مقابل تملك وحدته السكنية ووافق عدد من العمال وعند تقديم العقود الجديدة – عقود التمليك – للشهر العقاري رفض توثيقها لأن الشركة ليست مالكة للعقارات الموضحة بالعقد. هذا على الرغم من قيام ثماني عمال بدفع مبلغ العشرة آلاف جنيه، أما الباقون فرفضوا وقاموا برفع دعاوي قضائية على الشركة. وبالطبع تم إيقاف شيكات صرف مبلغ التعويض لحين البت في الأمر.

أيضًا حاولت شركة النصر للسيارات طرد مجموعة من عمالها من مساكنهم، استنادًا على عقد الإيجار المؤقت القائم بينها وبينهم. وتحت ضغط احتجاج العمال على هذا العقد وعلى محاولات طردهم، قررت الشركة مساومتهم بتمليكهم الوحدات مقابل دفع ثلاثة آلاف جنيه عن كل وحدة. وقبل العمال هذه المساومة إلا أنهم ناقمون بشدة على هذا الوضع ويشعرون أن الشركة تسرقهم بالفعل. ويذكر لنا أحدهم: “دفعنا أيجار لمدة تزيد على 23 سنة، أخذوا ثلاثة آلاف جنيه عن كل شقة وأصبحنا الآن ندفع حساب الكهرباء والمياه والغاز الطبيعي الذي كانت تتحملهم الشركة، هذا استغلال وسرقة. كان يكفي الإيجار اللي دفعناه ويبقى زيادة عليهم كمان”. وفي مصنع 36 الحربي حيث شيء شبيه بذلك عندما حاولت الشركة طرد عدد من العمال من المساكن، فاحتجوا أيضًا ولم يتركوا الشقق فبدأ المصنع في تمليكها لهم مقابل دفع مبلغ 1500 جنيه لمن هم على المعاش، وتقسيط نفس المبلغ مع خصمه من الأجر الشهري لمن لا زالوا يعملون بالشركة.

ولا زال عمال إسكو في انتظار حسم المعركة الشكلية المفتعلة بين وزارة قطاع الأعمال العام وإدارة الشركة من جهة ومجلس خدمات شبرا الخيمة من جهة أخرى. وما زال أيضًا مصير العمال الذين خرجوا على المعاش المبكر في النصر للزجاج والبلور معلق لحين فض الخلاف السابق. ولا زال عمال الحديد والصلب بحلوان يعيشون على أمل تمليك الوحدات السكنية لهم كما وعدتهم الشركة مؤخرًا.

سياسات الدولة والشركات
في ظل بيع القطاع العام وتصفية العمال بالشركات المباعة أو المصفاة، تحاول الدولة جاهدة بشتى الطرق انتزاع حقهم في البقاء في مساكنهم. تارة بمحاولة طردهم من الشقق وطرحها في سوق العقارات، أو برفع قيمة إيجارها على عمال جدد كما يحدث في اسمنت بورتلاند حلوان. وتارة أخرى بمحاولة تمليكها لهم بنظام القسط الشهري كما حدث مع بعض الوحدات المملوكة للحديد والصلب والنصر للسيارات وسيجوارت والقاهرة للصباغة والتجهيز. أو بالنصب على العمال المحالين للمعاش المبكر وذلك باستقطاع جزء من قيمة التعويضات الخاصة بهم مثلما حدث في النصر للزجاج والبلور.

جميع هذه المحاولات هدفها رفع أرباح الشركات وقيمة أصولها بتحصيلها لثمن الوحدات السكنية المملوكة لها. على الرغم من أن هذه الوحدات تم بناءها من مخصصات أرباح العمال الذين سددوا إيجارات شهرية عن حيازاتهم لها على مدى عشرين عامًا.

من الواضح تمامًا أن الدولة تحاول فيما يتعلق بمسألة الإسكان الصناعي تحقيق واحد من هدفين: أما تمليك العمال تلك الوحدات نظير مبالغ كبيرة تجمعها منهم في مساومات يكون فيها العمال الطرف الأضعف المهدد بالطرد. أو الإبقاء عليها مؤجرة لصالح مجالس الخدمات بالمدن الصناعية. انتظارًا لقانون الإيجارات الجدد الذي سيرفع من قيمة إيجار هذه الوحدات أضعاف. وفي الأغلب، ستلجأ في معظم الحالات إلى الاختيار الأول، خوفًا من أي مواجهات يمكن أن تحدث مع العمال وأسرهم في مناطق الإسكان الصناعي كما حدث مع عمال إسكو في العام الماضي.

ما العمل؟
هناك حقيقة لا شك فيها هي أن تكلفة إنشاء تلك المساكن قد انتزعت من عرق العمال ومن أجورهم على مدى سنوات طويلة، وأن المستفيدين منها كانوا قلة صغيرة من عمال الشركات المختلفة. وعندما تحاول الدولة الآن طردهم منها أنو النصب عليهم بإعادة بيعها لهم، يصبح لا مفر أمامهم إلا النضال ضد ذلك حيث الاختيار الآخر هو إلقائهم هم وأسرهم في الشارع. فهل سيلجأ العمال إلى النضال أم سيخضعون للضغوط التي تمارسها عليهم الدولة؟

ذكرنا في عدد سابق من “الشرارة” (العدد 15، أحوال العمال – المعاش المبكر والإسكان الصناعي) أن قضية السكن واحدة من القضايا المطلبية المطروحة على جدول أعمال الحركة العمالية اليوم. ولا بد للعمال من خلق أوسع تضامن بينهم من أجل الوقوف ضد أي محاولة لطردهم أو لمساومتهم عليها. ولكن كيف يتحقق هذا؟ كيف يمكن في لحظات بعينها عندما تكون القضية متأججة هنا أو هناك، من تحويلها إلى معركة مطلبية أوسع حول حق السكن؟ أي كيف يمكن للثوريين أن يلعبوا دورًا تعبويًا في وسط تذمر أو احتجاج عمالي بسبب طرد بعض العمال من مساكنهم أو مساومتهم على تمليكها لهم؟

في الأغلب لو دارت مصادمات فستكون بسبب محاولات الطرد، وليس بسبب المساومة على التملك. وبالطبع فأن درجة سخونة المواجهة ودرجة الوعي والاستعداد لدى جماهير العمال في مناطق الإسكان الصناعي لتصعيد احتجاجاتهم، بالإضافة إلى قوة الثوريين ودرجة ارتباطهم بمواقع بعينها، هي التي ستحدد حجم الدور الذي يمكن التأثير به. وبالتأكيد في حالة الطرد فأن أجساد السكان ستتصدر المواجهة. كما فعل سكان مساكن إسكو. لكن يجب تطوير المواجهة لتمتد إلى إجبار الدولة على الوصول إلى حل نهائي للمشكلة، الذي يجب ألا يكون المساومة على تملك الوحدات نظير مبالغ بعينها من العمال.

بالطبع يجب أن يقوم الثوريون المرتبطون بدرجة أو بأخرى بعمال المساكن، بفضح الدولة الرأسمالية القذرة والتشهير بها على محاولاتها القضاء على حياة العمال وانتزاعها لحق السكن منهم، وبمحاولة ربط تلك القضية في دعايتهم الثورية وسط العمال بقضايا أخرى مثل المعاش المبكر أو قانون العمال الموحد. ولكن هذا لا يكفي. إذ أيضًا من القيام بمحاولة لتطوير أساليب عمل بين سكان المساكن الصناعية تهدف لحمايتها ولتنظيم جموع السكان في معركتهم مع الشركات أو الدولة. أن وضع مثل ذلك من الممكن أن يحمس بعض العمال في مصانعهم على طرح قضايا مهمة وملحة على جدول أعمالهم بدافع الحماس والثقة. ولكن كما أكدنا في العدد المذكور من “الشرارة” أن توسيع قاعدة التضامن العمالي من جميع ساكن الشركات هو السلاح الفعال لكسب المعركة. أن قوة السكان بالفعل تكمن في تلاحمهم المهم في الأمر أن تدور المعركة (مواجهة – مفاوضة) في منطقة الإسكان أي بين أسر وأهالي العمال.