بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

سمير أمين: التغيير الاجتماعي والسياسي ضرورة لمقاومة العولمة الليبرالية

لا زالت حركة مناهضة العولمة الرأسمالية، منذ انطلاقها في نهاية التسعينات، تمثل الأفق الأكثر رحابة لمجمل الإنسانية، والمادة التي يمكن منها تشكيل بديل لليبرالية الجديدة والرأسمالية برمتها. وقد أجرت «أوراق اشتراكية» هذا الحوار مع المفكر الماركسي الدكتور سمير أمين، حول آفاق حركة مناهضة العولمة الرأسمالية وإمكانيات التحرر في ظل الوضع الراهن.

*حركة مناهضة العولمة الليبرالية حققت نجاحات متعددة في مناهضتها للمؤسسات الرأسمالية الكبرى. هل يمكن أن تفرز هذه الحركة آليات لتغيير جذري للمجتمع وما هذه الآليات في رأيك؟

**لا شك أن تنفيذ سياسات الليبرالية الجديدة، وطنيا وإقليميا وعالميا، أدى خلال العقدين الأخيرين على الأقل إلى تفاقم المشاكل الاجتماعية في كل أنحاء العالم، في الشمال والجنوب. من الطبيعي إذن أن يحدث أمام هذا التدهور إنعاشا للحركات الاجتماعية. ظهرت هذه الحركات، في المرحلة الأولى، كتجليات للاحتجاج ضد النتائج المترتبة على تنفيذ هذه السياسات. ثم بالتدريج وبدرجات مختلفة نضج الوعي السياسي الذي يربط بين هذه النتائج الاجتماعية وبين منطق سيادة رأس المال في المرحلة الراهنة والجوانب السياسية ومنها الهيمنة الأمريكية وعسكرة العولمة. وحققت هذه الحركات انتصارات ونجاحات، بمعنى أن نظم الحكم لا تستطيع الآن أن تتجاهل وجود هذه الحركات. هذه الحركة أدت إلى إسقاط بعض مشروعات الليبرالية المعولمة، كما رأينا مؤخرا في كانكون. ولكن بالرغم من هذه الانتصارات، إلا أنها لا تزال بعيدة عن بلورة بديل متماسك ومتكامل، على صعيد عالمي. ولكنها تطرح بدائل هنا وهناك. لماذا؟ هذه هي النقطة الرئيسية التي تحتاج إلى المزيد من التحليل والنقاش. أنا لي أطروحة في هذه النقطة. إن ما حدث من تغيرات عميقة في الهيكل الاجتماعي الطبقي في كل من الشمال والجنوب، وإن كان بأشكال مختلفة، هو مصدر هذا التفتت في القوى الاجتماعية ومصدر الأزمة السياسية والإيديولوجية التي يعيشها اليسار بشكل عام بما فيه اليسار الموروث من المرحلة السابقة.

*ما هي هذا التغيرات؟

**أقترح أن نتأمل هيكل الطبقات الشعبية في أعقاب الحرب العالمية الثانية والآن بعد خمسين سنة. هنا نتحدث عن الطبقات الشعبية العاملة، ليس الطبقة العاملة الصناعية بالمعنى التقليدي للاشتراكية والشيوعية لكن الطبقات العاملة الواسعة، أي أولئك الذين لا ينتمون إلى الفئات الوسطى وبالأحرى إلى البرجوازية وهم يمثلون حوالي 75% من سكان الحضر. إذا نظرنا إلى هذه الطبقات العاملة وطرحنا معيار التثبيت أي درجة الثبات النسبي في العمل: عمل مستمر ودائم بدون ضمان مطلق (لا يوجد ضمان من هذا النوع في الرأسمالية) ولكن بشيء من الثبات في العمل وعدد من الحقوق في قوانين العمل، وفي بعض الظروف توفير نظم الضمان الاجتماعي، سنجد أنه في أعقاب 1950 كان الجميع تقريبا في المراكز في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية واليابان يتمتعون بهذا النوع من التثبيت. وفي الأطراف حتى قبل موجة حركات التحرر الوطني ومشروعات التنمية الجديدة، كانت نسبة المثبتين في الجماهير الشعبية الحضرية لا تقل عن 50% حتى في بلد مثل مصر. كان هناك فقراء ومهمشين بالطبع، ولكن لم تكن تزيد نسبتهم عن 50%. معظم الطبقات الشعبية الحضرية كانت إما عمال مصانع حديثة أو عاملين في التجارة، أو موظفين في الدولة أو حرفيين يتمتعون بنوع من الثبات. عندما ننظر بنفس المعيار إلى هيكل التكوين الطبقي الآن نجد نسب مختلفة تماما. أولا حتى في المراكز المتقدمة نسبة غير المثبتين تصل إلى 40% ـ من العاطلين والعاملين في الأعمال من الباطن والعمل غير الثابت، إلخ. كل هذه الظواهر تفاقمت خاصة في العقدين الأخيرين. ففي الأطراف نسبة غير المثبتين ارتفعت من 50% إلى 80 أو 90%.

*كيف أثر ذلك على اليسار؟

**هذا تغيير كيفي في هيكل النظام الرأسمالي والنظام الطبقي الملازم له. هذا التغيير هو مصدر أزمة اليسار. لأن الكتلة المثبتة كانت تمثل القاعدة الموضوعية لليسار، سواء اليسار الاشتراكي الديموقراطي في الغرب، أو اليسار الشيوعي، أو اليسار الذي اتخذ شكل الحركات الوطنية الشعبوية كالناصرية، يعني اشتراكيات العالم الثالث كانت تعتمد على قوة اجتماعية موجودة وإن لم تكن تشمل الجميع. كانت قوية جدا، ثابتة وكانت تمثل الجماهير القابلة للتسييس وللتعبئة. اليسار كان له قاعدة موضوعية. هذه القاعدة غير موجودة الآن أو آخذة إلى التفكك. أمام هذه الأوضاع على اليسار وخاصة اليسار المنظم أي الذي تبقى من الأحزاب الشيوعية والمنظمات الصغيرة أن يدرك تماما أن التاريخ لا يعيد نفسه. إن الحديث عن قيادة الطبقة العاملة للحركات الاجتماعية يحتاج إلى إعادة نظر. في المرحلة السابقة كانت أشكال التنظيم وأشكال العمل السياسي من أحزاب اشتراكية ونقابات، ومنظمات مثل البعث والجبهة الوطنية في الجزائر، وغيرها، ملائمة لوجود هذه القاعدة الموضوعية وقادرة على تعبئة هذا الجزء المثبت. نفس الشيء ينطبق على أشكال العمل السياسي مثل الإضراب، والمظاهرة، وفي بعض الأحيان الانتخاب، والانتفاضة، وحرب التحرير. إذن أزمة اليسار هي كيفية إبداع أشكال تنظيم وأشكال عمل سياسي تتلاءم مع التغيير الجوهري الذي حدث في الهيكل الاجتماعي. وهو ما سيولد من العلاقة الجدلية بين التنظير والعمل، بين التجارب الشعبية والتنظير حول هذه التجارب. وهناك شرط أساسي، هو الديموقراطية. نحن الآن في حاجة إلى كسب الطبقات الشعبية. كيف ذلك بدون ديموقراطية، يعني بدون تفاعل حقيقي وعميق بين الطلائع والجماهير.

*ما هي قراءتك لفشل مؤتمر منظمة التجارة العالمية في كانكون؟

**يرتبط ذلك بمشكلة الفلاحين التي كانت مطروحة في كانكون. أصبحت الليبرالية تهدد استمرار وجود المجتمعات الفلاحية. متوسط الإنتاج السنوي للمزارع ـ هو ليس فلاحا ـ في المراكز الشمالية شمال أمريكا وأوروبا واليابان هو عشرة أضعاف نظيره في النصف الأكثر تقدما من الفلاحين في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، ويزيد عن ذلك بكثير فيمن لم تشملهم الثورة الخضراء. إن الليبرالية الجديدة تريد أن تفرض مبدأ المنافسة على صعيد عالمي وحتى بالنسبة للمنتجات الزراعية والغذائية باعتبار أن السلع الزراعية هي سلع شأنها شأن السلع الأخرى وأن الأرض، أيضا، لا بد أن تعتبر سلعة قابلة للبيع والشراء. هذا من شأنه أن يؤدي إلى إبادة 3 مليار نسمة من أجل فتح أسواق إضافية لـ5 مليون ـ لا أكثر من ذلك ـ من المزارعين الجدد.

ما معنى ذلك؟ لو نظرنا إلى ما يمكن أن نسميها المصالح الوطنية، بمعنى مصالح الوطن ككل متماسك، ثم الطبقات الشعبية بالمعنى الواسع دون أن نتعدى ذلك إلى الحديث عن تغيير جوهري في نمط الملكية، سنجد أن هذه المصالح الوطنية تفترض سياسات تحمي الفلاحين من منافسة السوق العالمية عن طريق إعطائهم وسائل للتنمية، لكن هذه الوسائل لن تؤدي إلى اللحاق بالدول المتقدمة لا في خلال خمس سنوات ولا في خلال 50 سنة. فهذه العملية ستستغرق قرنا أو أكثر، ومن ثم، فلا بد من الحماية لهذه العملية الطويلة. الليبرالية المعولمة قائمة على إنكار هذه الضرورة. الذي حدث في كانكون هو رفض الجنوب لهذا الطرح. وهذا يعد انتصارا، ولكن هناك حدود لهذا الانتصار. فالذي تم رفضه في كانكون ليس مبدأ فتح الأسواق ولكن شكل أو نوعية وتنفيذ هذه العملية والتي كان يطرحها الشمال بغطرسة، وبدون مفاوضات وبشكل منافق، يعني “الكيل بمكيلين”. فكانت هناك مطالبة بفتح أسواق الجنوب فورا ودون شروط في مقابل استمرار تمتع أسواق الشمال بدرجة من الحماية. دول الجنوب قالت إما فتح الأسواق بالتساوي بين شمال وجنوب وإما لا. إنني أقول أنه لو كان الغرب وافق على فتح الأسواق ـ أشك أنه يستطيع ـ كنا سنبقى ضحايا أيضا. ففي مقابل ارتفاع قليل في صادراتنا كانوا سيغزون القطاعات الأساسية في إنتاج الأغذية. لكن نحن نحتاج إلى أن نرفض الليبرالية كمبدأ ثم نبدع أشكالا من التقنين على صعيد وطني ـ صعيد سياسي واجتماعي ـ وهو الإطار الذي يمكن أن تظهر فيه منظمات اجتماعية، ثم تدعيم هذا التقنين بتقنين على صعيد إقليمي ثم عالمي. والسؤال الآن هو هل نرفض المفاوضات؟ بالتأكيد لا. لكن لا بد أن نستجمع عناصر القوة لدينا، فلابد من حدوث تغيير اجتماعي وسياسي في الداخل، ثم إقامة تكتلات إقليمية، وإنعاش روح التضامن الأفرو/أسيوي، ثم بعد ذلك نفكر في مفاوضات على صعيد عالمي.

*كيف ترى المشكلة الفلاحية في مصر؟

**أنا ربطت هذا بحركة احتجاج متوسطي الفلاحين في مصر في التسعينات. الأغنياء سيستفيدون من الليبرالية. هناك الآن قطاع من الزراعة المصرية، حديثة تماما، استفادوا، حتى من القانون الجديد. الفلاحون المتوسطون ليس لديهم أموال لكي يشتروا الأرض التي يستأجرونها. وبالتالي القانون الجديد للإيجار وإطلاق الحرية التامة في تحديد الريع ـ العلاقة ما بين المالك والمستأجر ـ يشكل تهديدا لهم. الحركة كانت حركة واسعة ولكن هذه الحركة لم تشمل الفقراء. الفقراء ليسوا مستأجرين، ليس لديهم أرض ولا شيء. كانوا مستبعدين تماما. إدخال الفلاحين الفقراء في مصر في أي حركة اجتماعية معناها حدوث تغيير جذري لأنهم يمثلون 60% من سكان الريف و50% من سكان المدن في العشوائيات.