بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

توشكى

إن الأنظمة الرأسمالية الحاكمة وخاصة الديكتاتورية منها دائماً ما تحب إنجاز المشروعات القومية العملاقة وعادة في بلدان العالم الثالث يقترن المشروع برغبة الحاكم الديكتاتور أن يترك بصمته على تاريخ البلد التي يحكمها. أحياناً تكون المشروعات ناجحة من الناحية الرأسمالية كمشروع السد العالي في مصر ومشروع صناعة السفن في كوريا الجنوبية وفي الحالتين أقترن المشروع بديكتاتور عسكري يريد ترك بصمة كبيره في التاريخ ولكن في أغلب الحالات تكون المشروعات هذه عبارة عن بلاعة للاستثمارات العامة وعبئ ثقيل علي ميزانية الدولة وينتهي بها الحال كمدن أشباح غير مكتملة وغير منتجة وسرعان ما تصبح في طي النسيان. ويبرر الديكتاتور عدم اكتمال أو استمرار مثل هذه المشاريع بالمؤامرات الخارجية أو أولويات الدفاع أو الحرب وأن المشروع مؤجل لحين الخروج من الأزمة أو عنق الزجاجة أو حالة الحرب أيهم كان أنسب كمبرر.

والدراسة الأولية لمشروع توشكى تشير إلى أنه من النوع الثاني أي الفاشل؟؟ من المشروعات العملاقة. والجدير بالملاحظة كيف تتصاعد الحملة الإعلامية للمشروع بحيث أصبحت حديث كل يوم في الجرنان والمجلات وفي الإذاعة والتليفزيون. أصبح مشروع توشكى هو المخلص من كل المشكلات فالتصدير من توشكى سيحل مشكلة العجز في الميزان التجاري والتعمير في توشكى سيحل مشكلة التضخم السكاني والعمل في توشكى سيحل مشكلة البطالة في الجنوب وبالتالي سيقضي علي مظاهرات التطرف والإرهاب.الخ. أنه المشروع السحري الذي تنتظره البلاد منذ عقود. لم يكن ناقصاً غير القائد الحربي العبقري الذي يأخذ القرار.

ومن المهم ملاحظة أن المشكلة هي مثل هذه المشروعات ليست حول جدواها العلمية ولكن جدواها الاقتصادية فمن الناحية العلمية ليس هناك ما يعوق تحويل الصحراء إلي أرض زراعية فالسعودية تزرع القمح في أرض صحراوية من خلال تحليا مياه البحر وليبيا تفعل نفس الشيء ومشروع توشكى من الناحية مشروعاً ممكناً ولكن المشكلة هي أن التكلفة لا تسمح بنجاح المشروع من الناحية الاقتصادية. إنها نفس الفكرة التي تطبق علي استخراج البترول فتكلفة استخراج برميل البترول لابد أن تكون أقل من سعر برميل البترول في السوق العالمي حتى يصبح استخراجه ممكناً من الناحية الاقتصادية. والسؤال حول توشكي هو: هل ستكون تكلفة إنتاج طن الطماطم مثلاً في توشكى بما يشمل ذلك من ري وصرف وحرث ونقل وتخزين أقل من سعر طن الطماطم في السوق العالمي؟ والسؤال ليس إذا كان ممكناً علمياً زراعة الطماطم في توشكى.

أن أول سؤال بديهي يسأل حول المشروع هو من أين تأتي المياه؟ فمصر لها حصة محددة من مياه النيل لا تزيد عن 55 مليار متر مكعب سنوياً وهذه الكمية بالكاد تكفي لزراعة الدلتا والصعيد خاصة في شهور الصيف. والحكومة تطرح أن المياه اللازمة لمشروع توشكى ستوفر من مياه الصرف الزراعي والمياه الجوفية والترشيد وتخفيض حاد في المساحة المزروعة بالأرز والقصب اللذان يستهلكان كميات كبيرة من المياه.

ولكن من المعروف أن غالبية مياه الصرف يتم إعادة استخدامها في الزراعة خاصة في الدلتا وخاصة في شهور الصيف ولا يمكن استخدام هذه المياه مره ثالثة لزيادة ملوحتها وبالتالي ففي أحسن التقديرات لن يتوفر أكثر من 1,5 مليار متر مكعب سنوياً من مياه الصرف وهناك جزء من هذه الكمية سيتم استخدامه في ترعة السلام. أما المياه الجوفية فهي مصدر محدود وتكلفة رفعها واستخدامها عالية جداً من ناحية استهلاك الطاقة.

إن تخفيض مساحات الأرز والسكر سيوفر بعض المياه ولكن عدم زراعة هذه المحاصيل الأساسية يعني ضرورة استيرادها فهي سلع غذائية أساسية مما سيزيد من عبئ إجمالي الواردات وسيضاعف العجز في الميزان التجاري. أما ترشيد استخدام المياه بشكل عام فيستلزم تغير راديكالي في أساليب الزراعة وهو أمر يحتاج إلي عدة عقود من التطوير الزراعي. ومن المهم ملاحظة أن المدن تستهلك أقل من 2% من إجمالي استهلاك المياه وبالتالي فالترشيد في استخراج المياه في المدن لن يكون مصدراً مهماً للمياه.

لقد قدرت الحكومة تكلفة المشروع بشكل كامل بنحو 500 مليار جنية والمرحلة الأولي من المشروع بنحو 5,5 جنية. من أين ستأتي هذه المبالغ الضخمة؟ تعتمد خطة الحكومة علي مصدرين أساسيين الأول هو القروض الداخلية والخارجية والثاني هو تدفق الاستثمارات الأجنبية. أما عن القرض فقد رفض البنك الدولي وصندوق النقد المشاركة في المشروع لما يحمله من مجازفات اقتصادية والمصادر الأخرى للقروض تعني فوائد عاليا وإضافة أعباء كبيرة علي خدمات الديون المتضخمة أصلاً. أما عن الاستثمارات الأجنبية فلم يجازف حتى الآن إلا الأمير السعودي الوليد بن طلال ومن البديهي والواضح أن هذه المشاركة هي مشاركة سياسية بالأساس لا تختلف عن تمويل الشيخ زايد للعديد من المشروعات بغض النظر عن جدواها الاقتصادية.

إذاً فتمويل هذا المشروع سيعني عبئ اقتصادي ضخم علي ميزانية الدولة المحدودة وتحويل التمويلات من مشروعات أخري.

والجدير بالذكر أن المشروع يحتاج غلي أكثر من 300 ؟؟كهربائية سنوياً ويحتاج إلي إنشاء محطة كهرباء برأسمال 250 مليون دولار هذا إلي جانب 175 مليون جنية ثمن نقل الكهرباء من أسوان إلي موقع المشروع.

ولم تتحدث الحكومة حتى الآن عن أي خطة لصرف المياه فالصرف هي المشكلة الأزلية للزراعة المصرية في الدلتا والصعيد وهي من المشاكل الأساسية التي أدت إلي فشل مشروعات استصلاح سابقة مثل الوادي الجديد.

أما الحديث عن دور المشروع في مواجهة التكدس السكاني والبطالة فهو من العبث الشديد في المشروع سيعتمد علي زراعة رأسمالية أساسها الميكنة الحديثة وأصغر مساحة اقتصادية في المشروع مثل هذا ستكون بمئات الفدادين وبالتالي فحجم العمالة التي سوف توفرها أكثر القطاعات طارده كقوة العمل وكثيفة رأس المال. سيكون حجم العمالة الإجمالية بعشرات الآلاف وليس بالملايين كما تدعي الحكومة. إن التكلفة في هذا المشروع بالنسبة للفدان الواحد ستكون عده أضعاف تكلفة الإنتاج في الدلتا أو الصعيد وإذا أضفنا تكلفة تخزين ونقل المحاصيل إلي المواني للتصدير سيكون من الواضح أن سعر كيلو الخضار أو الفاكهة التشكاوي سيكون أضعاف السعر العالمي خاصة إذا وضعنا في الاعتبار انهيار الأسعار العالمية للسلع الزراعية والمواد الخام في فترة التسعينات فقد انهارت أسعار القطن بنسبة 51% وأسعار السكر بنسبة 50% وأسعار القمح بنسبة 41% وأسعار الذرة بنسبة 57%.

إذاً فالحكومة تقيم مشروع زراعي ضخم لإنتاج سلع عالية التكلفة ولتصديرها في سوق عالمي تنهار فيه الأسعار إذا كانت محاصيل الدلتا والصعيد لم تعد قادرة علي المنافسة العالمية فكيف ستستطيع ذلك المحاصيل التوشكاوية.

أن التفسير الوحيد لما تفعله الحكومة هو أنها تفترض أن الأسعار العالمية ستعود للارتفاع الشديد كما حدث في السبعينات وأن قصر نظر الاستثمارات الأجنبية أو حب المستثمرين لمغامرات المأساوية سيؤدي إلي إنجاح المشروع ولكن في حالة فشل هذه النظرية التفاضلية الساذجة فستكون النتيجة مدن أشباح ومزارع جرداء.