بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

أزمة الاقتصاد المصري

كان الحديث عن الاقتصاد المصري حتى بدايات العام الماضي يتسم بنوع من الهستريا، ففجأة أصبحت مصر “نمر على ضفاف النيل” وعلى مشارف نمو اقتصادي غير مسبوق وبدأ النظام يخطط ليس للعام القادم بل لعام 2017 حيث سيتمكن النظام من خلال المشاريع العملاقة من تحويل مصر إلى دولة متقدمة اقتصادياً واجتماعياً!

وحتى في أثناء الأزمة الاقتصادية العنيفة التي احتاجت جنوب شرق آسيا في 97 و98 تفاخر النظام بقدرة الاقتصاد المصري على تجنب الأزمة وأن معدلات النمو لن تتأثر بالمرة بمال يحدث في بقية العالم.

والغريب أن الكثير من الاقتصاديين حتى من الذين يسمون أنفسهم يساريين كانوا قد بدءوا في تصديق هلاوس النظام واعتبر الكثيرون منهم إن ما نطرحه في جريدة «الاشتراكية الثورية» حول أزمة الاقتصاد وأكاذيب النظام من باب المبالغات المفرطة وغير العلمية.

ولكن مع منتصف العام الماضي عندما أصبح من الواضح أن النظام المصري لن يستطيع الاستمرار في أكاذيبه ودعايته الأسطورية كان من الضروري إيجاد كبش فداء وتم إقالة كمال الجنزوري وأصبح فجأة هذا الرجل هو المسئول عن الأزمة الاقتصادية بل وتصاعدت الدعوات من أصدقاء الأمس من أجل محاكمة الرجل لما فعله بالاقتصاد المصري.

واليوم اختفى تمامًا حيث النمو والمعجزة الاقتصادية، وبات كل ما نسمعه، حتى من أبوقه النظام هو الركود وأزمة السيولة وتساؤل عن إمكانية أن تتجاوز مصر أزمتها عام 2002 أم 2003.

الأسباب المباشرة للأزمة:
كل معدل النمو الذي وصل إلى 5% في عام 98 – 99 وتفاخرت به الحكومة وأعلنت أن المعدل سيصل إلى 7% في العاميين التاليين تعبيرًا ليس عن انتعاش عام في الاقتصاد المصري أو نجاحًا في الاندماج في الاقتصاد العالمي يجذب الاستثمارات وزيادة الصادرات.

كان معدل النمو انعكاسا لموجة المشاريع الكبرى – توشكي والسويس وشرق التفريعة – فقد سحبت هذه المشاريع استثمارات ضخمه انعكست في تضخيم مصطنع لمعدل نمو الاقتصاد ككل (كان من المخطط أن يتم استثمار 120 بليون دولار المشاريع – أي أكثر من 100 مرة مما تم استثماره في السد العالي).

وكان نجاح المرحلة الأولى من عملية الخصخصة وما أتي بع من بلايين الجنيهات إلى خزينة الدولة قد خلق توسعات وهمية حول إمكانيات النمو في الاقتصاد وأدت هذه التوقعات بدورها إلى توسع غير مسبوق في مشاريع الإنشاءات سواء السياحية منها في سيناء وساحل البحر الأحمر والساحل الشمالي أو العقارات السكنية في القاهرة وتمت تمويل هذه المشاريع من خلال قروض ميسرة من البنوك. وكانت النتيجة أن العرض من الإنشاءات وصل إلى أضعاف الطلب عليها وكان توقعات الشركات الإنشائية هي تدفق الاستثمارات الأجنبية من جانب وزيادة السياحة من الجانب الآخر فالسوق المصرية بمفردها لم تكن مستعدة لهذا التوسع الضخم في الإنشاءات.

ومما زاد الطين بله وقوع مذبحة الأقصر التي أدت إلى انهيار سوق السياحة ليس فقط بانخفاض إعداد السياح ولكن أيضًا نتيجة عدم استعداد الشركات السياحية الأجنبية المغامرة بضخ استثمارات في قطاع السياحة المصري.

ومن جانب آخر أدت الانهيارات المتتالية خلال 97 و98 لاقتصاديات دول جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية على عزوف الشركات العالمية عن ضخ أي استثمارات في الأسواق الناشئة عمومًا ومنها السوق المصري والعودة إلى السوق الأمريكي المزدهر وخاصة البورصة.

وكان لانهيار اقتصاديات جنوب شرق آسيا نتيجة أخرى وهي أن هذه البلدان اضطرت إلى إجراء تخفيضات ضخمة على قيمة عملاتها بالنسبة للدولار مما أدى إلى تخفيضات هائلة في أسعار منتجاتها الصناعية وأدى ذلك إلى قيام شركات الاستيراد المصرية باستيراد كميات هائلة من هذه المنتجات أيضًا على أساس التوقعات الوردية الوهمية حول توسع الاقتصاد المصري وكانت عمليات الاستيراد هذه أيضًا ممولة من خلال قروض من البنوك. وفي نفس الوقت انهارت أسعار البترول في 98 وهو أمر لم تتوقعه الحكومة كانت النتيجة إذا أن البنوك قدمت قروضًا لشراء سلع لم تباع وبالتالي لم يستطع الموردين دفع أقساطهم لها وقدمت قروضًا لبناء أيضًا لم تسترد أموالها ودخل بالتالي القطاع التمويلي أزمة غير مسبوقة ومن الجانب الآخر دخلت الدولة مشاريع عملاقة لا أساس اقتصادي لها تحتاج إلى البلايين من العملة الصعبة في وقت انهارت في إيراداتها من العملة الصعبة بسبب أزمة السياحة والبترول وعزفت الاستثمارات الأجنبية وبالتالي لم تعد قادرة على دفع ديونها الداخلية مما أدى إلى ما يسمى أزمة السيولة. فديون الدولة للقطاع الخاص وحده قد وصلت إلى 25 بليون جنيه.

كل هذه التطورات أدت إلى ضغوط هائلة على قيمة جنيه المصري فالحكومة تمول استقرار العملة بالنسبة للدولار وتتمسك بهذا الاستقرار بشكل متشدد خوفًا من خلق حالة ذعر في الأسواق إذا تم تخفيضه من جانب وخوفًا من الانزلاق مجددًا في حفرة التضخم الذي سيحدث بلا شك إذا تم تخفيض الجنيه.

ولكن الأمر لم يعد يحتمل فالحكومة لم تعد قادرة على المحافظة على قيمة الجنيه فمخزونها الاستراتيجي من العملة الأجنبية والتي كانت تتفاخر به قد انخفض في عام 99 وحده من عام 1908 بليون دولار إلى 1506 بليون دولار وهناك عامل خارجي إضافي يضغط على قيمة الجنيه فأسعار الفائدة على الدولار الأمريكي تقترب الآن من 7% في حين أن سعر الفائدة على الجنيه المصري لا تتعدى الـ10%. في بداية التسعينيات كان سعر الفائدة على الدولار لا يزيد عن 3% وكان ذلك حافزًا للمدخرين في الحافظ على مدخراتهم بالجنيه المصري ولكن اليوم الفارق قد انخفض إلى 3% فهل يعقل أن يستمر بالادخار بالجنيه المصري غير المستقر والقابل للانهيار في حين أن الادخار بالدولار قد وصل إلى 7%.

ولكن لماذا لا تقوم الحكومة برفع أسعار الفائدة على الجنيه حتى تنقذ الموقف؟

والجواب بسيط، فإذا قامت بذلك سيسحب المستثمرين أموالهم من البورصة ومن السوق ويضعونها في البنوك. مما سيؤدي إلى انهيار مباشر في سوق البورصة.

والبورصة التي كانت مفخرة الحكومة حتى وقت قريب في وضع مأساوي، فقد انخفضت قيمة الأسهم خلال الشهور الست الأخيرة بنسبة أكثر من 20% وكان الارتفاع خلال عام 99 والذي وصل إلى أكثر من 30% سببه الأوحد هو أسهم شركة واحدة وهي موبينيل والتي زادت قيمة أسهمها بأكثر من 400%.

وقد أصبحت البورصة المصرية اليوم من أضعف البورصات في ما يسمى بالأسواق الناشئة، فمن 1033 شركة مسجلة بالبورصة فقط 120 شركة يتم تداولها بشكل نشط ومن هذه الشركات فقط 40 شركة يتم تداول أسهمها بشكل يومي.

وإذا انتقلنا إلى مجال التجارة الخارجية فنجد أن إجمالي الواردات لعام 98/99 وصل إلى 17 بليون دولار في حين أن إجمالي الصادرات بما فيها البترول والغاز الطبيعي بلغ أقل من 4.5 بليون دولار، أي أن العجز في الميزان التجاري وصل إلى أكثر من 12 بليون دولار.

وتعد قيمة الصادرات المصرية مثير للضحك، إذا ما قورن بصادرات البلدان الأخرى فالمكسيك تصدر ما قيمته 117 بليون دولار وماليزيا 73 بليون دولار واندونيسيا رغم الأزمة 49 بليون وتركيا 25 بليون والهند 32 بليون. حتى البلدان الصغيرة المحتلة تجاوزت صادراتها الصادرات المصرية فتونس تصدر 6 بليون وكوستاريكا 505 بليون وفيتنام 9 بليون (أي ضعف ما تصدره الرأسمالية المصرية!!).

أما الاستثمارات الأجنبية المباشرة فهي لم تتجاوز 1.5 بليون دولار عام 1999 وهو الرقم الذي تجاوزته بأضعاف كل الدول السابقة الذكر. فالمكسيك وحدها وصلت الاستثمارات الأجنبية المباشرة فيها عام 99 إلى 70 بليون دولار.

إذ فنحن لسنا أمام مجرد أزمة سيولة أو بعض الأخطاء في السياسات الاقتصادية، نحن أمام أزمة اقتصادية عنيفة ستؤدي على انكماش الاقتصاد المصري في العامين القادمين (أي معدل نمو سالب).

هذه الأزمة سببها الجوهري هو عدم قدرة الرأسمالية المصرية على الاندماج التنافسي في النظام العالمي، فليس صحيحًا أن كل من يتبع سياسات صندوق النقد سيجد له مكانًا محفوظًا في السوق العالمي. فهذا السوق شديد التقلبات وقد أصبح مليئًا بمنافسين ينتجون نفس السلع ويتقاتلون لتخفيض الأجور وتكلفة الإنتاج حتى يبقوا على في السوق أعلى في السوق، والرأسمالية المصرية تأخرت كثيرًا عن منافسيها، تأخرت ليس فقط في التحرير الاقتصادي بل أيضًا في خلق بنية تحتية وشبكة مواصلات ومواني وعمالة ماهرة ومدربة وكل ذلك يأخذ عقود من الزمان لإنجازه وحتى إذا أنجزت كل ذلك فالسوق العالمي لا يسع جميع اللاعبين في أحسن حالاته.

هذه الأزمة البنيوية وهي عدم القدرة على التراكم التنافسي في السوق العالمي ليس لها حلول رأسمالية لا بالانغلاق ولا بالانفتاح. المسألة ليست مسألة هذه السياسة الاقتصادية أم تلك، فأزمة الرأسمالية المصرية هي جزء من أزمة الاقتصاد الرأسمالي العالمي، وإن كان فشل الرأسمالية المصرية فشلاً متميزًا فالمصير الوحيد.

ستكون آثار الأزمة على المدى القريب هي:

  1. نسبة الافلاسات زادت بنسبة 50% عام 99 مما يعني أن آلاف العمال في شركات القطاع الخاص سيفقدون وظائفهم وسيشردون بدون أي أمل منظور لإيجاد وظائف أخرى.
  2. الشركات التي لم تشهر إفلاسها ستقلل بشكل عنيف العمالة وستخفض من الأجور لأقصى درجة ممكنة لتتمكن من البقاء في السوق.
  3. الحكومة ذاتها على وشك الإفلاس مما يعني أن خططها من أجل تصفية بقية شركات القطاع العام أو بيعها سيتم بدون وجود ما يكفي من النقد لتمويل المعاش المبكر للتخلص السلمي من العمال. كيف ستدفع الحكومة عشرات الآلاف من الجنيهات إلى العمال وهي غير قادرة على دفع ديونها لشركات القطاع الخاص؟
  4. مع تخفيض قيمة الجنيه المصري ستتلاشى قيمة المبالغ التي أخذها عمال المعاش المبكر وسيتضح أكثر فأكثر ما يشكله المعاش المبكر من كارثة على العمال.
  5. ما يترتب على كل ما سيق هو زيادة جادة في البطالة متزامنة مع زيادات حادة في الأسعار.
  6. إن الرأسمالية المصرية ستحاول الخروج من هذه الأزمة الطاحنة من خلال جعل الطبقة العاملة وفقراء الفلاحين يدفعون الثمن، مئات الآلاف سيشردون ويفقدون وظائفهم وأجورهم، ومن سيبقى له مكان في سوق العمل سيدفع إلى قبول تخفيض الأجور وتكثيف استغلالهم.

إن الطريق الوحيد أمام جماهير العمال هو الاستقتال للدفاع عن عملهم وعن أجورهم وعن حقوقهم ولعل الاعتصام البطولي لعمال شركة المتحدة للكيماويات العاشر من رمضان هو أكبر دليل على أن النضال والوحدة هو الطريق الوحيد أمام العمال ولتدفع الرأسمالية المصرية ثمن هذه الأزمة والتي هي المولود الطبيعي لسلطة رأس المال