بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

أزمة الرأسمالية وسكن الفقراء

39.3% من سكان الحضر في مصر يعيشون في أحياء تفتقر إلى كل أنواع الخدمات يحب الحكام والدولة أن يسموها “عشوائيات”. وتشير بعض الدراسات إلى أن 62% من سكان الجيزة و40% من سكان القاهرة و91% من سكان بني سويف يقطنون في عشوائيات. فبينما تنفق مئات الملايين من الجنيهات سنويًا على إنشاء وتعمير سكن الأغنياء، نجد في المقابل أن سكن الفقراء في مصر يفتقر إلى أي شرط من شروط الحياة الإنسانية اللائقة.

السمة الرئيسية للحياة في الأحياء الفقيرة هي السكن في غرف مستقلة، أي أن تقطن أسرة كاملة في غرفة واحدة كجزء من وحدة سكنية تشترك في منافعها مع أسر أخرى. فطبقًا لتعداد 1986 هناك 673517 أسرة تكسن في غرف مستقلة. هذا بالإضافة إلى سكن العشش التي يشيدها الأهالي باستخدام المخلفات مثل الكرتون وإلى سكن القوارب والمخابئ والدكاكين واقبية السلالم والمساجد والمباني والمنهارة القبور.

دعونا أولاً نتحدث عن تسمية عشوائيات. الحقيقة أن تسمية سكن الفقراء والمستغلون بالعشوائيات تعكس في حد ذاتها وجهة نظر حكومتنا الرأسمالية في مسألة السكن. يروج كتاب النظام ورجال أمنه أن العشوائيات هي تجمعات عمرانية تنشأن نتيجة لتعدي الأهالي علي قوانين الأراضي والبناء. تحاول الطبقة الحاكمة أن توهمنا أن سبب وجود العشوائيات هو عدم احترام المواطنين للقانون، وأن سكان العشوائيات لا يستحقون التعاطف. أما الحقيقة فهي أن الفقر والاستغلال الرأسمالي هما المسئولان الوحيدان عن “العشوائيات”. حيث يضطر والنازحون من الريف الذين يعملون في أعمال متدنية وغير مستقرة، يضطر كل هؤلاء إلى السكن داخل المدن الكبرى وعلى أطرافها في شروط لا إنسانية على كل المستويات بسبب – بل كنتيجة طبيعية وحتمية – لما يفعله فيهم الاستغلال الرأسمالي.

إذن فحكامنا الكذابون يسمون سكن الفقراء بالعشوائيات ليوهمونا بأن المشكلة هي مشكلة مخالفة القوانين (أو مشكلة وجه مدننا الحضاري). ولكن إذا كانت المشكلة هي فعلاً فقط في مخالفة القوانين فعلى الحكام أن يضموا مصر الجديدة ومدينة نصر (بل ومصر كلها) إلى قائمة العشوائيات. كل مباني هذه الأحياء الغنية مخالفة للقوانين.. ورغم ذلك فهي ليست عشوائيات: سكانها هم حكام المجتمع، وخدماتها على أعلى المستويات.

أما سكن الفقراء – الذي تشير إليه الدولة دائمًا عندما تتحدث كذبًا عن العشوائية والعشوائيات – فتسكنه طبقة أخرى وظروف نشوءه مرتبطة بتطور الاستغلال الرأسمالي.

لنأخذ القاهرة الكبرى على سبيل المثال. سنجد بها مناطق كانت في الأصل قرى فلاحية دخلت إلى كردون المدينة مع التوسع الرأسمالي وتحول أصحاب أراضيها إلى ملاك عقارات بينما تحول فلاحوها الفقراء إلى عمالة غير مستقرة، مثل منطقة بولاق الدكرور والقرى المحيطة بها غرب شريط سكة حديد الصعيد بمدينة الجيزة. على حين أن هناك مناطق أخرى أنشأتها الدولة على أطراف المدن كمساكن إيواء “مؤقتة”، ثم استقرت هذه المناطق ونمت بعد جذبها لعدد واسع ممن حرمتهم الرأسمالية من فرصة إيجاد سكن لائق، مثل منطقة الدويقة. وأخرى أنشأها السكان الذين انهارت منازلهم بأنفسهم لكن في قلب العاصمة، مثل عشش أيضًا مناطق نشأت ونمت نتيجة لنزوح جماعات من فقراء الفلاحين إلى العاصمة بحثًا عن الرزق، مثل عزبة الصعايدة. وأخيرًا فبعض المناطق نشأت في الأصل كتجمع للخارجين على القانون كاللصوص أو الشحاذين، مثل منطقة المواصلة بحلوان.

ما الذي يجمع بين كل هذه المناطق “العشوائية”؟ هل يجمع بينها مخالفة سكانها لقوانين البناء؟ أم يجمع بينها انتماء سكانها إلى فقراء ومستغلي ومضطهدي هذا المجتمع؟

لقد تضاعف عدد سكان مدينة القاهرة من 2 مليون نسمة عام 1946 إلى 5 مليون نسمة عام 76 إلى أكثر من 10 مليون نسمة في الوقت الحالي . لكن هذه الزيادة الكبيرة في عدد سكان المدينة الرئيسية في مصر لم تكن نتيجة لتوسع وزيادة جاذبية الإنتاج الصناعي، وإنما كانت نتيجة لتزايد الفقر في الريف مما أدى إلى نزوح عدد واسع من سكانه – خاصة من الصعيد – إلى المدن الكبرى سعيًا وراء الرزق. فهل وجد هؤلاء الفلاحون والمعدمون الريفيون فرصة العمل التي هاجروا بحثًا عنها؟ أم وجدوا البطالة والفقر والعمل غير المستقر الإجابة بالطبع واضحة.

هذا البحر الواسع من العمالة الفقيرة وغير الماهرة أو المدربة الذي هاجر إلى المدن في الستينات – لم بشكل متزايد في السبعينات والثمانينات – لم يجد صعوبة فقط في إيجاد فرصة عمل، وفي استقرارها (أن وجدها)، وإنما وجد صعوبة أيضًا في توفير المسكن المناسب. لقد ترك هؤلاء الفقراء لأنفسهم “ليدبروا حالهم”.. ولم تنفق الرأسمالية المصرية إلا ملاليم قليلة لتوفير السكن الملائم للعمال الذين تسرق بشكل منظم عرقهم وجهدهم.

أما الدولة التي وجهت كل جهودها لحماية مصالح الرأسماليين وأصحاب الأعمال، فلم تفعل هي الأخرى شيئًا يذكر. بل أنها تراجعت عن التزامها بتوفير السكن لعمال بعض مصانع القطاع العام. وتشير بعض الأرقام المسجلة لعام 83 / 84 أن 25% فقط من إجمالي إنشاءات شكات مقاولات القطاع العام كان إسكان شعبي و20% إسكان متوسط، أما الباقي (55%) فهو إسكان فوق المتوسط!! هذا بينما كانت تقديرات منظمة اليونيسيف لنفس العام (1984) أن 51% من سكان الحضر ف يمصر يعيشون تحت خط الفقر!

وفي نفس الوقت الذي كانت فيه أزمة سكن الفقراء تفاقم إلى درجة لا توصف في السبعينات، كانت صناعة البناء والتشييد تشهد طفرة نمو كبيرة! لقد استثمرت في هذه الفترة أموال طائلة في حركة تشييد هائلة بدأت تحت شعار “تعمير مدن القناة” ثم انتشرت في كل مدن مصر الكبرى. وبينما كانت شركات مقاولات القطاع العام ومقاولو القطاع الخاص وتجار سماسرة الأراضي منهمكين في بناء العمارات والمجمعات السكنية وفي المضاربة على أسعار الأراضي – وبالتالي في تحقيق أرباح هائلة ساهمت في خلق عدد وافر من “القطط السمان” – كان عمال كل “طايفة المعمار” (وكل فقراء مصر معهم) الذين بنوا بسواعدهم هذه العمائر مقابل أجور بخسة وفي شروط عمل متدنية.. كان كل هؤلاء غير قادرين على توفير سكن ملائم لأنفسهم لأن المباني التي بنوها على أكتافهم – والتي ظل معظمها غير مسكون انتظارًا لفرصة ملائمة للبيع – لم تكن مبنية أصلاً لهم.

وكيف ستطيع هؤلاء المستغلون الذين لا يملكون إلا قوة عملهم أن يسكنوا في هذه المساكن إذا كانت تكلفة إنشاء المتر المسطح من الإسكان المتوسط قد ارتفعت من 10 جنيهات في الستينات إلى 100 جنيه في السبعينات؟ من أين لهم بهذه المبالغ الضخمة في ظل ظروف المضاربة وزيادة الاستغلال؟

لم يكن أما هؤلاء من سبيل إلا الشروع – بالذات بدءًا من الثمانينات – في استيطان المناطق الهامشية الفقيرة سيئة الخدمات. ولم يكن أمامهم إلا أن يتولوا بأنفسهم بناء مساكن فقيرة لا تليق بحياة الإنسان. وتشير الأرقام الرسمية إلى أن 84% من الوحدات السكنية التي شيدت في الثمانينات كانت في مناطق عشوائية. حيث أدى احتدام الأزمة الاقتصادية إلى تقليص التشغيل الحكومي وتخفيض الأجور الحقيقية وارتفاع معدلات البطالة. وأدى أيضًا على تقليص الإنفاق الاستثماري في قطاع التشييد. وأصبح مصير الملايين من العمال وصغار الموظفين والمهمشين هو السكن في مناطق فقيرة.

عدد كبير من سكان هذه المناطق ينتمي إلى طابور العاطلين الذي يزداد طوله يومًا بعد يوم في مصر. وعدد أخر هو من العمالة غير المستقرة (أزرقية) التي اضطرها ازدياد البطالة إلى القبول بأي عمل بأي أجر. وهناك أيضًا عدد يتزايد من المجرمين الفقراء الذين اضطرهم الجوع لاحتراف الجريمة الصغيرة (سرقات صغيرة – نشل – بلطجية – ترويج مخدرات).

إن حياة هؤلاء ومعاناتهم اليومية أكبر دليل على تفسخ ولا إنسانية الرأسمالية المصرية، وأكبر دليل على فشلها النهائي في تحقيق شروط حياة ملائمة لأغلبية هذا المجتمع. إن سكان العشوائيات لا يمثلون بالنسبة لحكومة مبارك إلا إزعاجًا وعبثًا تقيلاً، ولا يمثلون بالنسبة لأصحاب الأعمال إلا قوة عمل لا تكلف إلا قوت يومها، وليس لها أي حقوق. ولذا فقد سعى الرأسماليون المحتكرون الكبار إلى توظيف عدد متزايد من المنتجين الصغار وأشباه المعدمين من سكان هذه المناطق (الحرفيين، ملاك الورش الصغيرة، العاملون في منازلهم) داخل آله إنتاجهم الكبير توفيرًا للجهد والتمويل.

أما حكومة مبارك القمعية والخادمة الذليلة للرأسماليين فقد وجدت نفسها في أوائل التسعينات. في مأزق كبير. فقد أدت سياساتها المعادية لمصالح جموع الفقراء والمستغلين إلى أتسع حجم ونطاق العشوائيات وإلى تدهور ظروف الحياة بها. لكن هذه العشوائيات نفسها أصبحت تحتضن بؤر للسخط والتمرد وضد هذا النظام. ومع بداية العمليات المسلحة للجماعات الإسلامية “اكتشفت” الحكومة أن الغالبية العظمى من أعضاء الجماعات يسكنون في “عشوائيات”. فعلى سبيل المثال يسكن 31% منهم في المناطق الهامشية بإمبابة، و24.2% في بولاق الدكرور، و14% في الساحل.

فما كان من الدولة إلا اتخاذ مجموعة من التدابير هدفها الأول والأخير هو تطويق بؤر التمرد وليس على الإطلاق توفير حياة كريمة ولائقة لسكان العشوائيات. من هذه الإجراءات: إزالة التجمعات الأصغر والأقل أهمية، غالبًا بغرض تمهيد الطريق أمام توسع الاستثمار العقاري في المباني الفاخرة والأبراج الإدارية، مثل عزبة أولاد علام بالدقي وعشش قلعة الكبش بالسيدة زينب؛ وقف نمو العشوائيات الرئيسية باتخاذ قرارات وأوامر عسكرية بتجريم البناء على الأراضي الزراعية، مثل حالتي بولاق الدكرور والمرج؛ وشق مجموعة من الطرق الرئيسية وإنارتها وترقيم المنازل والشوارع وذلك لتسهيل فرض الأمن وتعقب المتمردين، مثل حالتي المنيرة الغربية بإمبابة والطالبية بالهرم؛ وأخيرًا تكثيف الدعاية الأيديولوجية أن “الرأسمالية هي الحل” وأن كل المتعطلين مشكلتهم أنهم كسالى في حين أن بمقدرهم الاقتراض من مؤسسات التنمية الدولية أومن الصندوق الاجتماعي للتنمية للبدء في مشروعات صغيرة تحقق لهم وللمجتمع الرخاء!!

إن سياسات دولة مبارك الرأسمالية هي السبب الأول والأخير وراء حقيقة أن هناك الملايين من العمال والمنتجين والباحثين عن عمل يعيشون مكدسين في أحياء بلا خدمات (كهرباء – مياه نظيفة – مجاري – شوارع نظيفة). هذه الدولة تدعم وتحمي الرأسمالية والملاك وتصرف البلايين على بنية أساسية غرضها هو جذب الاستثمارات والمستثمرين، بينما تقوم في نفس الوقت بتكثيف استغلال العمال وكل الفقراء ليس فقط عن طريق تخفيض الأجور الحقيقية وإنما أيضًا عن طريق التراجع عن توفير الخدمات الأساسية للجماهير. وإذا كان الفقراء يشيعون في القبور والعشش وفي بيوت بلا خدمات، فالمسئول الوحيد هو الدولة والطبقة الرأسمالية. وإذا كان هؤلاء هم المسئولون عن الحياة اللا إنسانية التي نحياها، إذن المخرج الوحيد لنا هو إن نناضل ضدهم بلا هوادة.