بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الاقتصاد السلعي والعمل المأجور

التالي »

الإنتاج السلعي

إن المعضلة التي حددنا لأنفسنا مهمة حلها هي التالية: ليس بوسع أي مجتمع أن يبقى قائما من دون عمل مشترك، أي عمل مخطط ومنظم. ولقد سبق لنا أن وجدنا أشكالا لمجتمعات بالغة التنوع وتنتمي لكل العصور… أما في المجتمع الراهن فإننا لا نعثر على أي أثر لأي تنظيم: فليس هناك هيمنة ولا قانون ولا أثر لتخطيط أو لتنظيم: إنها الفوضى. فكيف يمكن للمجتمع الرأسمالي أن يكون حقا؟

-1-

لكي نكشف كيف بُني برج بابل الرأسمالي، دعونا نتصور للحظة مجتمعا تم فيه تخطيط العمل وتنظيمه. وليكن مجتمعا تطور فيه تقسيم العمل تطورا كبيرا بحيث لم يعد التمايز قائما فقط بين الصناعة والزراعة، بل حيث حتى في داخل كل من هذين القطاعين أصبح كل فرع من اختصاص مجموعة معينة من العمال. إذن في داخل هذا المجتمع هناك مزارعون وحطابون وصيادون وعمال حدائق، واسكافيون وخياطون وقفالون وحدادون وصانعو شباكٍِِ وحائكون الخ. أي أن المجتمع بأسره يتمتع بكل أنواع الأشغال والمنتوجات. وهذه المنتجات تفيد، بنسب متفاوتة، كل أفراد المجتمع لأن العمل عمل مشترك، إذن فهو موزَّع ومنظم ٌُ بطريقة مخطط لها على يد سلطة ما- ولتكن هذه السلطة قانونا استبداديا لحكومة ما، أو سلطة عبودية أو أي شكل آخر من أشكال التنظيم. وفي سبيل تنظيم الأمور لنتصور أننا إزاء مجتمعٍ مشاعي أملاكه مشتركة شبيه بالمجتمع الذي رأيناه في المثال الهندي.

ولنفترض لوهلة أن تقسيم العمل داخل تلك الجماعة هو أكثر تطورا مما تقوله الحقيقة التاريخية، ولنفترض بأن جزء من أعضاء الجماعة يكرس نفسه فقط لأشغال الزراعة، فيما يقوم حرفيون مختصون ببقية الأعمال. إن اقتصاد هذه الجماعة واضحٌ بالنسبة إلينا: فأعضاؤها هم الذين يمتلكون شراكة، الأرض وكل وسائل الإنتاج، وإرادتهم المشتركة هي التي تقرر صنع هذه المنتوجات أو تلك في فترة معينة وبكمية معينة. أما كمية المنتوجات الجاهزة، التي تخص الجميع، فإنها توزع عليهم جميعا تبعا لاحتياجاتهم. ولنتخيل الآن أن الملكية المشتركة داخل تلك الجماعة المشاعية، كفت ذات صباح جميل عن الوجود واختفى معها العمل المشترك والإرادة المشتركة التي كانت تنظم الإنتاج. وواضح هنا أن التقسيم المتطور للعمل سيبقى على حاله. فالإسكافي لن يجد أمامه سوى القالب، والخباز سوى الفرن، والحداد لن يعرف سوى الحديد وسوى حمل المطرقة والضرب بها، الخ. أما السلسلة التي كانت في الماضي تربط كل هذه الأشغال المختصة في عملٍ مشترك وفي اقتصادٍ اجتماعي، فقد تحطمت ولم يعد لكل واحدٍ سوى الاعتماد على نفسه: المزارع، الاسكافي، الخباز، القفال، والحائك.. كل واحد منهم صار حرا ومستقلا. ولم يعد لدى الجماعة ما تقوله له، ولم يعد بإمكان أحد أن يطلب منه الاشتغال من أجل الجماعة، كذلك لم يعد أحد يهتم بتلبية احتياجاته.

إن الجماعة التي تشكل كلا واحدا تفككت الآن إلى جماعات صغيرة مثل مرآة تحطمت واستمالت ألف شظية. وصار كل إنسان معلقا في الهواء مثل حبة الغبار، مستقلا، وما عليه سوى أن يدبر نفسه بنفسه.

تُرى ما الذي ستصير إليه تلك الجماعة التي حلت بها مثل هذه الكارثة فجأة، وما الذي سيفعله كل أولئك الرجال الذين صار كل منهم قيما على نفسه؟ ثمة شيء واحد أكيدٌ، فهم جميعا سوف يستمرون غداة الكارثة في العمل تماما كما كانوا يفعلون من قبل. فيما أنه ليس بالامكان الاستجابة لاحتياجات البشر من دون عمل، من الواضح أن كل مجتمع إنساني مجبرٌ على العمل. ومهما كان حجم الاهتزازات والتبدلات التي تصيب المجتمع، ليس بوسع العمل أن يتوقف ولو للحظة واحدة. إذن فالأعضاء السابقون في المجتمع المشاعي سيستمرون جميعا في العمل حتى بعد انقطاع الروابط التي كانت تربط فيما بينهم وبعد أن صار كل منهم منصرفا لذاته، وبما أننا قد افترضنا بأن كل عمل كان من عمل اختصاصي، من المؤكد أن كل واحد منهم لن يمكنه الاستمرار سوى في القيام بالعمل الذي صار من اختصاصه، ويملك بالتالي أدوات إنتاجه: فالاسكافي سيضع أحذية والخباز سيخبز خبزا، والحائك سيضع أقمشة، والمزارع سيطلع القمح من الأرض الخ. غير أن ثمة صعوبة ستظهر عما قريب: إن كل واحد من هؤلاء المنتجين سيصنع بالتأكيد بضائع بالغة الأهمية ومفيدة بشكلٍ مباشر، وكل هؤلاء الاختصاصيين (الاسكافي، والخباز والحداد، والحائك) كانوا حتى الأمس أعضاء متساوي الفائدة ومحترمين من قبل الجماعة التي لم يكن بامكانها الاستغناء عنهم. كان لكل منهم مكانته الهامة وسط الكل. أما اليوم فلم يعد الكل موجودا، صار كل واحد موجودا من أجل ذاته. غير أن أيا منهم لا يستطيع العيش بفضل منتجات عمله وحدها. فالاسكافي لا يستطيع استهلاك كل الأحذية، والخباز يعرف أن الخبز وحده لا يمكنه الاستجابة لكل احتياجاته، والمزارع قد يموت بردا وجوعا رغم امتلاء مخزنه بالقمح، فهو لا يمتلك سوى القمح، إن كل واحد من هؤلاء له احتياجات عديدة، ليس بوسعه بمفرده أن يستجيب لسوى واحدة منها. وكل واحد بحاجة إلى كمية معينة من منتجات الآخرين. إذن فهم مرتبطون بعضهم ببعض. فكيف العمل طالما أنه لم يعد ثمة وجود لأية رابطة، كما نعرف، بين مختلف المنتجين الفرديين؟ إن الاسكافي بحاجة ماسة إلى خبز الخباز، لكنه غير قادر على إجبار الخباز على إعطائه خبزا لأنهما معا حران ومستقلان. فإذا كان الإسكافي قادرا على الاستفادة من ثمرات عمل الخباز فإن مثل هذا الأمر لا يمكنه أن يقوم إلا على مبدأ التبادل، أي سيتوجب عليه هو نفسه أن يعطي للخباز منتوجا يستفيد منه هذا الأخير. بيد أن الخباز يحتاج كذلك إلى منتوجات الإسكافي وهو بالتالي يجد نفسه في موقف الآخر تماما. إذن فأساس التبادل قائم: الاسكافي يعطي الخباز أحذية ويأخذ منه خبزا. أي أن الإسكافي والخباز يتبادلان منتوجاتهما مما يجعلهما قادرين، بالتالي، على سد احتياجاتهما في هذا المجال. فإذا كان تقسيم العمل بالغ التطور والمنتجون مستقلين واحدهم عن الآخر، وإذا كان ثمة غياب لأي تنظيم فيما بينهم، من الواضح أن الوسيلة الوحيدة التي تجعل الجميع قادرين على الحصول على ما تنتجه، كافة الأشغال هو… التبادل (المقايضة) فعبر المقايضة يتبادل الإسكافي والخباز والمزارع وصانع الشباك والحائك والقفال منتجاتهم ويستجيبون بالتالي لاحتياجاتهم المتعددة. وعلى هذا النحو يكون التبادل قد خلق رابطة جديدة بين المنتجين الخاصين المشتتين والمعزولين والمنفصلين عن بعضهم البعض، أما العمل والاستهلاك وحياة الجماعة التي تحطمت، فإن بوسعها أن تنطلق من جديد، وذلك لأن التبادل قد وفر لهم إمكانية العمل من جديد من أجل بعضهم البعض، أي أنه جعل التعاون الاجتماعي والإنتاج الاجتماعي، ممكنين من جديد، حتى ولو على شكل إنتاج خاص مشتت. إن أمامنا هنا نوعا جديدا وفريدا من نوعه من التعاون الاجتماعي، يتوجب علينا دراسته عن قرب. فكل فرد يشتغل الآن تبعا لإرادته الخاصة وينتج لحسابه تبعا لتلك الإرادة. وهو لكي يعيش ينبغي عليه أن ينتج أشياء لا يحتاج إليها هو نفسه، ولكن ثمة آخرين يحتاجونها. وعلى هذا النحو يشتغل كل واحد من أجل الآخرين، وليس في هذا أي جديد على أي حال. فلدى الجماعة المشاعية أيضا، كان الجميع يشتغلون من أجل بعضهم البعض. الأمر الجديد هنا هو أن كل واحد منهم لا يعطي إنتاجه للآخرين إلا عبر التبادل ولا يمكنه أن ينال إنتاج الآخرين إلا بنفس الطريقة، ولكي يتم حصول الجميع على المنتجات التي يحتاجونها ينبغي على كل واحد أن يصنع بعمله الخاص منتجات مكرسة للتبادل. فالاسكافي ينبغي عليه أن ينتج، باستمرار، أحذية ليس ذات فائدة بالنسبة إليه شخصيا. فبالنسبة له ليس لها من غرض آخر وفائدة أخرى غير تمكينه من مبادلتها بمنتوجات أخرى يحتاج إليها. إذن فهو ينتج، مسبقا، أحذيته للتبادل، أي أنه ينتجها كسلعة. والآن ليس بوسع أي واحد أن يستجيب لكل ما يحتاجه، أي أن يحصل على المنتوجات التي يصنعها الآخرون إلا إذا تقدم بدوره بمنتوج يحتاجه الآخرون وهو لم يصنعه إلا بهذا القصد، بمعنىً آخر أنه لا يمكن لكل واحد أن يحصل على حصته من منتوجات الآخرين، أي من الناتج الاجتماعي، إلا إذا تقدم هو نفسه بسلعة ما. فالمنتوج الذي صنعه من أجل التبادل يعطيه الحق في المطالبة بحصته من النتاج الاجتماعي. وهذا النتاج الاجتماعي لم يعد موجودا على شكله السابق، على الشكل الذي كان يوجد به في المجتمع المشاعي حيث كان وقبل أن يقتسم، يمثل وبشكل مباشر في كميته ومجموعه، ثروة الجماعة كلها. كان هذا الناتج قد جُمع بشكل مشترك من قبل الجميع لحساب الجماعة وتحت إدارتها، وما أنتج كان منذ البداية منتوجا مشتركا. بعد ذلك كان اقتسام الأفراد لهذا المنتوج، وعند ذلك فقط صار أعضاء الجماعة، وبصفتهم الفردية، مالكين للمنتوج الذي كُرس لاستخدامهم له. من الآن وصاعدا صارت العملية مقلوبة: إن كل واحد الآن ينتج بصفته الفردية، والمنتوجات التي أنجزت هي التي تشكل معا ثروة الجماعة، إن حصة كل واحد، سواء من وجهة نظر العمل الاجتماعي، أو من وجهة نظر الثروة الاجتماعية، يتمثل في السلعة الخاصة التي أنتجها بفضل عمله وتقدم بها ليتبادل مع الآخرين. إذن فإن حصة كل واحد من العمل الاجتماعي لم تعد تتمثل في كمية معينة من العمل الذي سبق أن حدد مسبقا، بل في المنتوج المنجز، في السلعة التي يقدمها تبعا لإرادته الحرة. فإذا لم يشأ، من الواضح أنه ليس مجبرا على العمل إطلاقا، بامكانه أن يتنزه ما طاب له الهوى، فلن يندد به أحد ولن يعاقبه أحد كما كان يحدث بالنسبة إلى الأعضاء الكسالى في الجماعة المشاعية، إذ كانوا يعاقبون على يد زعيم الجماعة أو يصبحون موضع الاحتقار العام من قبل المجموعة كلها. من الآن وصاعدا صار كل واحد سيد نفسه، فالجماعة لم تعد موجودة بوصفها سلطة. ومع هذا إذا لم يشتغل الفرد لن يكون بوسعه أن ينال أي شيء بالتبادل مع منتوج الآخرين. ومن جهة أخرى لم يعد الفرد واثقا، حتى ولو استغل بصلابة، في أنه سينال وسائل البقاء الضرورية له، وذلك لأن لا أحد مجبر على إعطائه تلك الوسائل حتى ولو بالتبادل مع منتوجاته. لا يتم التبادل إلا إذا كان ثمة حاجة متبادلة. فإذا كانت الجماعة، وبشكل مؤقت، بغير ما حاجة إلى الأحذية، صحيح أن الاسكافي سيكون قد اشتغل بجدية لصنع أجمل الأحذية الممكنة، لكن لا أحد سيأخذ منه تلك الأحذية ليعطيه في مقابلها خبزا أو لحما الخ، وسيجد بالتالي أنه لا يمتلك الحد الأدنى الضروري لعيشه.

وهاكم فارق أساسي يظهر أمامنا هنا يميز الوضع الجديد عن العلاقات التي كانت قائمة لدى الجماعة المشاعية البدائية. فالجماعة كانت تقيم أود الإسكافي كانت بحاجة إلى أحذيته. وعدد الأحذية التي ينبغي عليه صنعها كان يتقرر من قبل سلطات الجماعة، ولم يكن يشتغل سوى خادم لدى الجماعة، مستخدم لدى الجماعة، والجميع كانوا يعيشون هذا الوضع نفسه. وإذا كانت الجماعة قد اعتادت إعالة الإسكافي، من الطبيعي أنها كانت مرغمة على تغذيته. وكان ينال، مثله في هذا مثل كل واحد آخر، حصته من الثروة المشتركة، لكن هذه الحصة لم تكن على علاقة مباشرة بحصته في العمل، كان مجبرا على العمل لكنه كان يُطعم لأنه كان عضوا نافعا لدى الجماعة، فإذا كان في شهرٍ من الأشهر مضطرا لصناعة عددٍ أكبر من الأحذية، أو لعدم صناعة أي حذاء على الإطلاق، فإنه كان على أي حال ينال ما يحتاج إليه، ينال حصته من وسائل العيش المشتركة. اليوم لا ينال إلا بقدر ما ثمة حاجة لعمله، أي بقدر ما يتم قبول تبادل منتوجه من قبل الآخرين. إن كل واحدٍ يشتغل كما يريد، بقدر ما يريد، وبالعمل الذي يريده. وفقط واقع أن منتوجه يؤخذ من قبل الآخرين هو الذي يؤكد له بأنه ينتج ما يحتاج المجتمع إليه، أي أنه أنجز بالفعل عملا مفيداً من الناحية الاجتماعية. إن العمل، مهما كان جدياً وصلبا، ليست له أية غاية وأية قيمة من وجهة النظر الاجتماعية، فقط المنتوج الذي يمكن مبادلته هو الذي له قيمة، أما المنتوج الذي لا يقبل أحد مبادلته فهو من دون أية قيمة، عملٌ ضائع، مهما كان صلبا وجيدا.

إن المرء لكي يشاطر الآخرين ثمار الناتج الاجتماعي. ويقاسمهم العمل الاجتماعي، عليه أن ينتج سلعا. بيد أن ما من أحد يقول لأحد أن عمله معترف به وضروري اجتماعيا، فالفرد يختبر هذا الأمر حين يتم القبول بسلعته تبادليا. أم مشاركته في عمل وإنتاج الجماعة فلا يمكن ضمانه إلا إذا كانت تلك المنتوجات مدفوعة بطابع العمل الضروري اجتماعيا، أي بطابع القيمة التبادلية. فإذا كان ما ينتجه غير قابل للتبادل يكون صاحبنا قد صنع منتوجا لا قيمة له، ويكون عمله بالتالي ذي قيمة اجتماعيا. ولا يكون آنئذٍ سوى اسكافي خاض قطع الجلد وصنع الأحذية لمجرد تمضية الوقت، اسكافي يضع نفسه خارج المجتمع، وذلك لأن المجتمع يتجاهل إنتاجه وهو بالتالي غير قادرٍ على الحصول على منتوجات ذلك المجتمع. أما إذا كان اسكافيا، ويا لسعادته، قد بادل أحذيته وحصل في مقابلها على مؤن، سيكون بامكانه أن يعود إلى منزله مرتاحا شبعانا مكسواً وفخوراً: لقد اعتُرف به كعضو نافع في المجتمع وتم الاعتراف بعمله كعمل ضروري. أما إذا عاد إلى منزله ومعه الأحذية التي لم يشأ أحدٌ أخذها منه، فإنه سيكون على حقٍ إن بدا تعيساً، لأنه في مثل هذه الحال لن يتناول العشاء. لقد قيل له، ولو عن طريق الصمت البارد: «إن المجتمع ليس بحاجة إليك يا صديقي العزيز، وعملك ليس ضروريا أبدا، إذن فأنت شخصٌ تافه بوسعك أن تذهب وتشنق نفسك بكل هدوء!». إن هذا الاسكافي لا يمكنه أن يحتك بالمجتمع إلا بفضل زوج من الأحذية القابلة للتبادل، أو بشكلٍ أكثر عمومية، بفضل سلعة لها قيمة تعادلية. والخباز، والحائك، والمزارع جميعهم يعيشون نفس الوضع الذي يعيشه الاسكافي، فالمجتمع، الذي يعترف تارة بالاسكافي، ويطرده ببرود تارة، ليس في حقيقته سوى مجموع كل هؤلاء الأفراد الذين ينتجون السلع ويعملون في سبيل التبادل. ولهذا نجد أن مجموع العمل الاجتماعي الذي نتوصل إليه على هذا النحو، لا يتعادل أبدا مع مجموع كل أشغال وكل منتوجات أعضاء المجتمع كما كان الحال في الماضي أيام الاقتصاد المشاعي البدائي. اليوم قد يشتغل واحدٌ بدأب ومع هذا قد لا يكون إنتاجه سوى إنتاج ضائع، لا قيمة له إن لم يجد من يأخذه. فالتبادل، فقط، هو الذي يحدد الأشغال والمنتوجات ذات النفع والقيمة الاجتماعيين. الأمر هو تماماً كما لو كان كل واحدٍ يشتغل في بيته واضعاً ما أمامه نصب عينيه. غير مبصرٍ للآخرين، ثم يحمل منتوجاته الخاصة المنجزة إلى ساحة يتم فيها تفحص المنتوجات لتحديد سعرها: لهذا، ولذاك، كان العمل ضروريا من الناحية الاجتماعية، لقد قبل الاثنان التبادل فيما بينهما، لكن ثمة آخرين لم يكن العمل ضروريا لهم فلم يتبادلوا أي شيء ولم يكسبوا بالتالي أي شيء. إن القانون التبادلي يقول: هذا له قيمة، وذاك ليست له أية قيمة، والنتيجة: سعادة أو تعاسة لمن هو معني بالأمر.

والآن لنلخص هذه العناصر المختلفة: يبدو أن واقع تبادل السلع نفسه، ومن دون أي تدخل أو تنظيم، يحدد ثلاث علاقات هامة:
حصة العمل الاجتماعي، التي ينالها كل واحد من أعضاء المجتمع. إن هذه الحصة، كميا ونوعيا، لا تعطي للفرد تبعا لتحديد مسبق تقوم به الجماعة، إن له حصة أو ليست له حصة تبعا للمنتوج المنجز. في الماضي كان كل زوج من الأحذية يصنعه اسكافينا، يعتبر عملا اجتماعيا. الآن لم تعد أحذيته سوى عمل خاص لا يعني أحدا. بعد ذلك تُفحص الأحذية في سوق التبادل، أما الجهد الذي بذله الاسكافي في سبيلها. فلا يتم الاعتراف به كعمل اجتماعي إلا إذا تم القبول به ضمن الإطار التبادلي. وإلا فإن تلك الأحذية ستبقى عملا خاصا بدون أية قيمة.

حصة كل فرد من الثروة الاجتماعية: في الماضي كان الاسكافي ينال حصته من الإنتاج الذي تحققه الجماعة ككل. وكانت تلك الحصة تحدد تبعا للوضع العام، وتبعا لحالة الثروة المشتركة وأخيرا تبعا لاحتياجات أفراد المجتمع. كانت العائلة كثيرة العدد تنال أكثر مما تنال عائلة قليلة العدد. ففي عملية توزيع الأراضي التي غزتها القبائل الجرمانية التي أتت أوربا إبان الهجرات الكبرى وأقامت على أطلال الإمبراطورية الرومانية كان حجم العائلة يلعب دوراً كبيرا. والجماعة الروسية التي قامت في عهد سنوات الثمانين في القرن الماضي، بعمليات توزيع وإعادة توزيع للملكية العامة أخذت في اعتبارها عدد الأفراد أو عدد “الأفواه” داخل كل أسرة. ومع تعميم التبادل، اختفت كل علاقة بين احتياجات أعضاء المجتمع وحصتهم من الثروة كما اختفت كل علاقة بين حجم تلك الحصة والحجم الإجمالي لثروة المجتمع المشتركة. إن الشيء الوحيد المحدد بالنسبة إلى حصة الثروة الاجتماعية التي ينالها كل فرد، هي المنتوج الذي يقدمه هذا الفرد في السوق. وفقط إذا ما تم القبول بمنتوجه كبضاعة تبادلية ضرورية اجتماعيا.

وأخيرا نجد أن أوالية التبادل تنظيم كذلك التقسيم الاجتماعي للعمل. في الماضي كانت الجماعة هي التي تقرر أنها بحاجة إلى هذا القدر من العاملين في المزرعة وإلى هذا القدر من الاسكافيين والخبازين والقفالين والحدادين الخ. فالنسبة الصحيحة بين مختلف المهن كانت تحددها الجماعة التي كانت تسهر على تنفيذ كل الأشغال الضرورية. ولقد بلغنا بالطبع خبر ذلك الاسكافي الذي حكم عليه بالموت ثم جاء مندوبو جماعة القرية سائلين إطلاق سراحه وأخذ حداد مكانه لأنه كان ثمة حدادان في الضيعة. وما هذا سوى مثل جيد على العناية التي بها كانت الجماعة تسهر على تطبيق تقسيم جيد للعمل. (ولقد رأينا كيف أن شارلمان كان في القرون الوسطى يحدد عدد وأنواع الحرفيين في أملاكه. كذلك رأينا كيف أن القرى القروسطية كانت تحدد أنظمة منغلقات حرفية تنص على أن تمارس مختلف المهن ضمن نسبة توزيع عادلة أما ما ينقص من الحرفيين فكان يؤتى بهم من الخارج). أما حين يكون التبادل الحر بغير حدود فإن عملية التبادل نفسها هي التي تنظم الأمور. فلا أحد بوسعه أن يطلب من اسكافينا ممارسة مهنته كاسكافي. فهو إن شاء بوسعه أن يصنع الصابون أو طيارات الهواء، وبامكانه، إذا خطرت الفكرة في رأسه، أن يشتغل في النسيج وفي صنع الشباك وكجوهرجي، بدلا من الإشتغال في صنع الأحذية. فلا أحد يقول له بأن المجتمع بحاجة إليه بشكل عام وبحاجة إليه كاسكافي بشكل خاص. من المؤكد أن المجتمع بحاجة إلى أحذية، تجد أن لا أحد من شأنه أن يحدد عدد الاسكافيين الذين بوسعهم سد حاجة المجتمع في هذا المجال. لا أحد يقول لاسكافينا، ما إذا كان هذا الاسكافي ضروري، وما إذا لم تكن ثمة حاجة إلى حائك أو حداد. إن الشيء الذي لا يقوله له أحد، لا يمكن لصاحبنا أن يتعلمه إلا في السوق، فإذا تم القبول بأحذيته للتبادل، سيكون قد علم بأن المجتمع بحاجة إليه كاسكافي. وهو حتى لو صنع أفضل سلعة في العالم، ستكون بضاعته غير ذات قيمة إذا ما كان اسكافيون آخرون قد سبقوه لسد احتياجات المجتمع. إما إذا تكرر الأمر فيسكون عليه الاستغناء عن مهنته. فالاسكافي الفائض عن الحاجة سيقوم المجتمع بإلغائه بنفس الميكانيكية التي يلغي بها الجسم المادة غير الضرورية له: المجتمع لا يقبل بعمله كعمل اجتماعي ويحكم عليه بالهلاك. ونفس الضغط الذي يجبره كشرط ضروري لوجوده، على إنتاج البضائع القابلة للتبادل مع الآخرين، هو الذي ينتهي إلى إجبار اسكافينا الفائض على اختيار مهنة أخرى تكون ثمة حاجة إليها كالحياكة مثلا، أو صنع العربات، وعلى هذا النمو سيكون. الافتقار إلى اليد العاملة في هذا القطاع قد انتهى.

إن هذا الأمر لا يكتفي بأن يبقى على نسبة توزّع عادلة بين المهن وحسب بل وأن ثمة مهنا تختفي وثمة أخرى تولد على هذا النحو. فحين يحدث في المجتمع أن يتم الشعور باختفاء حاجة معينة، أو تأتي منتوجات أخرى لتغطية تلك الحاجة، لا يكون الأمر، كما في المشاعية القديمة أن مسؤولي الجماعة يكونون أول من يلاحظ الأمر، وبالتالي يعمدون إلى سحب العاملين في المهنة لاستخدامهم في مهنة أخرى. بل يحدث هنا أن يظهر الأمر ببساطة بفعل استحالة تبادل المنتجات غير الضرورية. في القرن السابع عشر كان صانعو الشعر المستعار يشكلون جماعية مهنية حتى ماتت المهنة موتا طبيعيا لأن الشعر المستعار لم يعد يجد من يشتريه. كذلك نجد أن القنوات ومجاري المياه التي تزود الآن كل البيوت بالماء وتنشر في كل المدن، أزالت مهنة حاملي المياه (السقائين).

والآن لنأخذ حالة معاكسة. لنفترض أن اسكافينا الذي أشعره المجتمع دون أي إبهام، عبر رفضه الصارم لبضاعته، بأنه لم يعد ضروريا للمجتمع، لنفترض أنه كان واثقا بنفسه إلى درجة أنه اعتقد نفسه عضوا لا غنى عنه في الجماعة الإنسانية وشاء أن يعيش مهما كان الثمن. نحن نعلم وهو يعلم أن عليه أن ينتج بضائع معينة لكي يعيش. عندئذ يخترع منتوجا جديدا، يخترع مثلا مادة لتثبيت الشاربين أو يخترع شمعا عجائبيا. فهل تراه خلق نشاطا جديدا ضروريا لمجتمع، أم تراه سيظل عرضة للتجاهل كما هو حال كبار المخترعين؟ لا أحد سيقول له هذا، ولن يعرق جواب هذا السؤال إلا بالاحتكاك بالسوق نفسه. فإذا تم القبول بنتاجه الجديد في سوق التبادل، سيكون قد تم الاعتراف بأن هذا الفرع الجديد من فروع الإنتاج ضروريا اجتماعيا، وسيعرف التقسيم الاجتماعي للعمل توسعا جديدا.
لقد أوجدنا، شيئا فشيئا نوعا من التماسك ونوعا من النظام داخل جماعتنا التي كانت تبدو وكأنها تعيش وضعا يائسا بعد تدهور النظام المشاعي، والملكية المشتركة، وبعد اختفاء كل سلطة في الحياة الاقتصادية، وكل تنظيم وتخطيط للعمل وكل علاقة بين أفراد المجتمع. لقد حدث هذا بطريقة تلقائية للغاية. فمن دون تفاهم بين الأفراد، ومن دون تدخل أية قوة عليا تجمعت القطع المختلفة في كل واحد، بشكل أو بآخر.

فالتبادل نفسه هو الذي ينظم الآن الاقتصاد بطريقة تلقائية، مثلما تفعل المضخة: فهو يقيم علاقة بين المنتجين الأفراد، وينظم تقسيم العمل فيما بينهم، إنه عدد ثروتهم وتوزع تلك الثروة، التبادل بحكم المجتمع. يقينا أنه نظام غريب بعض الشيء ذلك النظام الذي ولد، فالمجتمع يتخذ الآن سمة مختلفة تمام الاختلاف عن سمة مجتمع الماضي، المجتمع المشاعي. في الماضي كانت الجماعة تشكل كلا متماسكا، نوعا من عائلة كبيرة يلتصق أفرادها ببعضهم البعض معتصمين بحبال بعضهم البعض، كانت تشكل تنظيما صلبا، بل وحتى تنظيما جامدا ومشلول الحركة. اليوم صار للجماعة بنية رخوة لينة، حيث ينفصل الأعضاء عن بعضهم البعض ويلتقون مع بعضهم البعض في أية لحظة. لا أحد الآن يقول لاسكافينا أن عليه أن عليه أن يعمل، وبماذا عليه أن يشتغل، وبأية كمية. لا أحد يسأله عما إذا كان بحاجة إلى ما يقيم منهم الأود، وما هي الكمية. لا أحد يهتم بأمره. وهو لا وجود له بالنسبة إلى المجتمع. صاحبنا يعلن الآن للمجتمع وجوده عبر حضوره في السوق مع منتوج عمله. وجوده مقبول إذا كانت سلعته مقبولة. وعمله لا يتم الاعتراف بضرورته الاجتماعية ولا يتم الاعتراف به هو نفسه كعامل إلا إذا كانت الأحذية التي كان يعرضها مقبولة للتبادل. وهو لا يحصل على وسائل العيش المقتطعة من الثروة الاجتماعية إلا إذا كانت أحذيته قد قُبلت كسلعة. إذن فهو لا يعتبر عضوا في المجتمع بوصفه شخصا خاصا، وكذلك عمله لا يعتبر عملا اجتماعيا بوصفه عملا خاصا. هو لا يصبح عضوا في المجتمع إلا حين يصنع منتوجات قابلة للتبادل، وسلعا، وإلا إذا كان قادرا على بيع تلك السلع. إن كل زوج من الأحذية يبيعه بجعله عضوا في المجتمع. وكل زوج لا يُباع يطرده خارج المجتمع. ليس للاسكافي كاسكافي أية علاقة مع المجتمع. أحذيته فقط هي التي تضعه في علاقته مع المجتمع شرط أن تكون لتلك الأحذية قيمة تبادلية، أي أن تكون سلعا قابلة للبيع. إذن فعلاقته مع المجتمع ليست علاقة دائمة، بل هي علاقة تتجدد باستمرار وتتحلل باستمرار. وإن لجميع منتجي السلع الآخرين نفس الوضع الذي لاسكافينا. ليس ثمة في المجتمع سوى منتجي سلع، وذلك لأن الناس لا يحصلون على ما يمكنهم من العيش إلا عن طريق التبادل، وهم للحصول على تلك الوسائل ينبغي عليهم أن يتقدموا بسلعهم. إنتاج السلع، ذلكم هو شرط البقاء، وعنه ينتج مجتمع يعيش فيه أناس معزولون كليا عن بعضهم البعض كأفراد، واحدهم ليس له وجود بالنسبة للآخرين، وهم لا يحتكون بالمجتمع ولا يفقدون ذلك الاحتكاك إلا بواسطة سلعهم. إننا هنا إزاء مجتمعا لين للغاية ومتحرك مأخوذ على الدوام في تيار أعضائه الأفراد الذين لا يهدأ. والواقع أن إلغاء الاقتصاد المخطط وإدخال نظام التبادل قد أحدث انقلابا جذريا في العلاقات الاجتماعية وقلب المجتمع رأسا على عقب.

-2-

إن التبادل، الذي هو الرابط الاقتصادي الوحيد بين أعضاء المجتمع، يشكل صعوبات كثيرة وليس على مثل تلك البساطة التي افترضناها حتى الآن. ولننظر إلى الأمر عن كثب: فطالما أننا لن نكن نتحدث سوى عن التبادل بين منتجين فرديين بين الاسكافي والخباز، كانت الأمور في منتهى البساطة. فلاسكافي لا يمكنه أن يعيش بالأحذية فقط، ويحتاج إلى الخبز، والخباز لا يمكنه أن يعيش بالخبز فقط، كما تقول الكتابات المقدسة وهو لا يحتاج فقط إلى كلمة الله بل يحتاج أحيانا إلى الأحذية. وبما أن هناك توازٍ بين الاثنين، يتم التبادل بكل سهولة، فالخبز يتحول من يد الخباز الذي لا يحتاج إليه، إلى يد الاسكافي، والأحذية تتحول من مشغل الاسكافي إلى مخزن الخباز. لقد تمكن الاثنان من سد احتياجاتهما وتبين أن نشاطهما الخاص ضروري اجتماعيا. وهذا الأمر نفسه لا يحدث فقط بين الاسكافي والخباز، بل بين كل أعضاء المجتمع، أي بين كل منتجي السلع. إن من حقنا أن نقرأ بهذا، بل نحن مجبورون على الإقرار به. وذلك لأن لكل أفراد المجتمع أن يعيشوا، وعليهم جميعا أن يسدوا مختلف احتياجاتهم. والإنتاج في المجتمع لا يمكنه أبدا أن يتوقف، وذلك لأن الاستهلاك لا يتوقف أبدا. والآن ينبغي علينا أن نضيف: بما أن الإنتاج مقسم إلى نشاطات خاصة مستقلة لا يمكن لأي شخص فرد أن يؤديها جميعا، فإن التبادل لن يتوقف ولو للحظة والاستهلاك لا يتوقف للحظة. الجميع يتبادلون منتجاتهم باستمرار. فكيف يحث هذا؟ لنعد الآن إلى المثال الذي اقترحناه. فالاسكافي لا يحتاج فقط إلى ما ينتجه الخباز، بل هو بحاجة للحصول على كمية معينة من السلع الأخرى. فإلى جانب الخبز نجده بحاجة إلى لحم الجزار وإلى معطف يحصل عليه من عند الخياط، وإلى قماش لقميص يأتي به من عند الحائك وإلى تسريحة شعر ينجزها الحلاق الخ. وهو لا يستطيع الحصول على هذه السلع إلا عن طريق التبادل، وهو دائما ليس لديه ما يبادل به سوى الأحذية. بالنسبة إلى الاسكافي نجد أن المنتجات التي يحتاجها لكي يعيش تكون متخذة في أول الأمر شكل أحذية، إذا احتاج إلى قميص سيضع أحذية، وإذا احتاج إلى قبعة أو سجائر سيصنع المزيد من الأحذية. بمعنى أن نشاطه الخاص، وبالنسبة إليه شخصيا، يجعل كل الثروة الاجتماعية التي يمكنه الحصول عليها، تتخذ شكل أحذية. وفقط عبر التبادل في السوق يمكن لنشاطه أن يخرج من شكله الضيق (أحذية) ليتحول إلى وسائل البقاء متعددة الأشكال التي يحتاجها.

ولكي يجري هذا التحول بشكل فعال، لكيلا يبقى عمل الاسكافي الذي يعد نفسه بكل متع الحياة، منحصرا في شكل الأحذية، ثمة شرط ضروري نعلمه مسبقا، هذا الشرط يقول بأنه على كل المنتجين الآخرين أن يحتاجوا لتلك الأحذية وأن يرغبوا في مبادلتها بما عندهم. فالاسكافي لن يحصل على السلع الأخرى إلا إذا كان منتوجه، الأحذية، بضاعة يرغب بها المنتجون الآخرون ولن يحصل من السلع الأخرى إلا على كمية تتناسب وعمله، إذا افترضنا أن تلك الأحذية بانت سلعة مقبولة من الجميع وفي كل الأزمان، ومرغوبة دون حدود بالنتيجة. سيكون الأمر، من قبل الاسكافي، ادعاءا فعاليا وتفاؤلا غير معقول إذا ما اعتقد بأن سلعته حائزة على ضرورة مطلقة وغير محدودة بالنسبة إلى النوع البشري. ولسوف تزداد القضية سوءا إذا ما وجد بقية المنتجين الأفراد أنفسهم في وضع الاسكافي: الخباز، القفال، الحائك، الحلاق، المزارع الخ. كل واحد منهم يرغب في الحصول على البضائع الأكثر تنوعا التي يحتاجها، لكنه غير قادر على أن يقدم في مقابلها سوى منتوج وحيد. إن أي واحد لن يمكنه سد كل احتياجاته الخاصة إلا إذا كانت سلعته الخاصة مرغوبة في كل لحظة من قبل الجميع ومقبولة للتبادل. ولحظة من التفكير ستجعلنا ندرك بأن هذا الأمر مستحيل بكل بساطة. فليس كل واحد قادرا على أن يرغب في كل لحظة بكل المنتوجات. وكل واحد لا يمكنه في كل لحظة وبشكل غير محدود أن يعثر على من يشتري الأحذية والخبز والملابس والأقفال، والخيوط والقمصان والقبعات ولاصقات الشارب. ففي مثل هذه الحالة، لا يمكن لكل المنتجات أن تُتبادل في كل لحظة مقابل كل المنتجات الأخرى. فإذا كان التبادل مستحيلا كعلاقة عالمية دائمة، فإن الاستجابة إلى كل الاحتياجات مستحيلة، والعمل الشامل مستحيل ومستحيلٌ أيضا وجود أي مجتمع. وهكذا سنكون مجددا أمام الطريق المسدود غير قادرين على أن نفسر كيف يكون في وسع التعاون الاجتماعي واقتصاد ما أن يولدا، على أي حال، انطلاقا من منتجين أفراد معزولين ومشتتين لا يجمع بينهم مخطط عمل واحد ولا تنظيم واحد ولا رابطة فيما بينهم. لقد بدا لنا التبادل كوسيلة لتنظيم كل هذا، ولو بطرق غريبة. والذي ينبغي الآن هو أن يجري هذا التبادل فعلا على شكل أوالية منتظمة. بيد أننا ومنذ الخطوات الأولى سنجابه صعوبات تكون كبيرة إلى درجة أننا لن نفهم كيف سيمكن لهذا التبادل أن يتم بشكل دائم وشمولي.

ولكن مهلا! لقد تم ابتكار طريقة لتجاوز هذه الصعوبة ولجعل التبادل الاجتماعي ممكنا. ومن المؤكد أن كريستوف كولومبوس لم يكن هو الذي اكتشف تلك الطريقة، فالتجربة الاجتماعية والعادة هما اللذان عثرا في التبادل نفسه على تلك الطريقة، أو كما يقال، أن الحياة هي التي حلت تلك المعضلة. فالحياة الاجتماعية تخلق دائما، ومع الصعوبات جنبا إلى جنب، وسائل حل تلك الصعوبات، إنه لمن المستحيل على كل السلع أن تكون مرغوبة من الجميع وفي كل لحظة، أي بكمية غير محدودة. لقد كان ثمة على الدوام، وفي كل مجتمع، سلعة هامة وضرورية ومقيدة للجميع ومرغوبة من الجميع. من الواضح أن الأحذية لم تكن هي السلعة التي لعبت هذا الدور. لكن الماشية مثلا قد تكون هي في لعبه. إن الأمور لا يمكنها أن تتم بكل بساطة بواسطة الأحذية ولا بواسطة الملابس ولا بواسطة القبعات والقمح. لكن الماشية، كأساس للاقتصاد ضمنت على أي حال بقاء المجتمع، فهي توفر اللحم والحليب والجلود وقوة العمل الخ، تُرى ألم تكمن كل الثرة لدى الشعوب البدوية في القطعان وحدها؟ إن القبائل الزنجية في إفريقيا تعيش حتى اليوم أو كانت تعيش حتى الزمن الراهن، بفضل الرعي وحده. ولنفترض أن الماشية كانت لدى جماعتنا مادة مطلوبة كثيرا، حتى ولو أنها لم تكن منتوج مميز بين منتوجات كثيرة أخرى في المجتمع، لكنها ليست وحدها. إن الراعي يمارس هنا عمله الخاص في إنتاج الماشية، كما يفعل الاسكافي بالنسبة لإنتاج الأحذية، والحائك بالنسبة لإنتاج القماش الخ. كل ما في الأمر، وتبعا لفرضيتنا، أن ما ينتجه الراعي يتمتع بأفضلية عامة وغير محدودة لأنه يبدو للجميع المادة المطلوبة أكثر في غيرها والهامة أكثر من غيرها. إذن فالماشية تشكل بالنسبة إلى الجميع ثراء مرحبا به. وبما أننا نستمر في الافتراض بأن لا أحد في مجتمعنا يمكنه الحصول على ما ينتجه راعي الماشية إلا عبر مبادلته بمنتوج آخر من منتوجات العمل. وبما أن الجميع، تبعا لنظريتنا، يودون الحصول على الماشية، فإنهم جميعا مستعدون وفي كل لحظة للتنازل عن منتجاتهم لقاء الماشية. إذن فلقاء الماشية يمكن الحصول في كل لحظة على كل منتوج. أي أن ذلك الذي يمتلك الماشية يمكنه أن يختار ما يشاء لأن كل شيء موضوع في تصرفه. ولهذا السبب يريد الجميع مبادلة منتجاتهم الخاصة بالماشية ولا شيء غير الماشية، وذلك لأن المرء حين يحوز على الماشية يحوز على كل شيء لأنه قادر على أن يحصل على كل شيء في أية لحظة مقابل الماشية. وما أن يبدو هذا بوضوح ويصبح عادة حتى تصبح الماشية شيئا فشيئا بضاعة عامة أي السلعة الوحيدة المرغوب والقابلة للتبادل بشكل غير محدود. والماشية بوصفها سلعة أو بضاعة عامة تستخدم كوسيط للتبادل بين مختلف السلع الخاصة الأخرى. فالاسكافي على سبيل المثال لا يحصل مباشرة على خبز الخباز، بمبادلته أحذيته، بل بواسطة الماشية، وذلك لأنه بواسطة الماشية يمكنه أن يشتري خبزا وكل ما يشاء حينما يشاء. والخباز بامكانه الآن أن يدفع له ماشية مقابل أحذيته، وذلك لأنه حصل على الماشية من الآخرين، ومن القفال، من الراعي، ومن الجزار مقابل منتجاته الخاصة التي هي الخبز. إن كل واحد ينال ماشية مقابل منتجاته الخاصة ويدفع مجددا هذه الماشية ثمنا لما يريده من منتوجات الآخرين، وعلى هذا النحو تتحول الماشية من يد قادمة كوسيط في كل المبادلات، فهي الآن الرابط بين منتجي السلع الأفراد. وكلما زاد تحول الماشية من يد إلى يد وخدمت كوسيط في المبادلات، كلما زاد قدرها وأضحت السلعة الوحيدة القابلة للتبادل والمرغوبة في كل لحظة، أي أصبحت السلعة العامة.

في مجتمع يضم منتجين خاصين مشتتين ويخلو من أي تخطيط للعمل المشترك يكون كل إنتاج العمل، عملا خاصا، ووحده واقع أن هذا المنتوج قد قبل للتبادل، يبرهن على أن هذا العمل كان ضروريا من الناحية الاجتماعية، وأن لإنتاجه قيمة ما ويضمن لعامله حصة في منتوجات الجماعة، وحين يكون الأمر عكس ذلك يكون العمل ضائعا. الآن أمامنا منتجات لا تستبدل إلا لقاء الماشية. والمنتوج لا يعتبر ضروريا من الناحية الاجتماعيةإلا إذا كان يستبدل بالماشية. والمنتوج لا يحصل على دفعة تؤكد أنه ضروري اجتماعيا إلا بفضل قدرته على أن يستبدل لقاء الماشية، أي أن له قيمة تعادل قيمة الماشية. بهذا المعنى تكون الماشية تجسيدا للعمل الاجتماعي، وتكون بالتالي الرابط الاجتماعي الوحيد بين الناس.

هنا من المؤكد أنكم ستعتقدون بأننا قد ضللنا الطريق. فحتى الآن كان كل شيء مفهوما إلى حد ما، فها نحن لكي ننهي هذا نجد أن الماشية التي صارت سلعة عامة وتجسيدا للعمل الاجتماعي، والرابط الوحيد في المجتمع البشري، تبدو هنا وكأنها اختراع غير ذي معنى بل ومهين لكرامة الجنس البشري، ومع هذا ستكونون على خطأ إن شعرتم أنكم مهانون. فمهما كان حجم احتقاركم لهذه الماشية البائسة، من الواضح أنها أقرب إلى الإنسان، بل وبمعنى من المعاني أكثر شبها به مثلا من كمية من الطين جمعت من الأرض أو من بحصة أو من قطعة من الحديد. وأن عليكم الإقرار بأن الماشية ستكون أكثر جدارة بالتحول إلى رابط اجتماعي حي يبني البشر من قطعة معدنية جامدة. ومع هذا نحن نلاحظ بأن الإنسانية قد أعطت الأفضلية للمعدن وذلك لأن الماشية، إذ تلعب الدور الذي وصفناه أعلاه في عملية التبادل، ليست شيئا آخر غير… المال. فإذا كنتم غير قادرين على تصور المال بشكل آخر غير شكل القطع الذهبية أو الفضية أو حتى الأوراق النقدية، وإذا كنتم ترون أن هذا النقد المعدني أو الورقي الذي هو وسيط عام في العلاقات بين البشر، وقوة اجتماعية، أمر يسير من تلقائه وأن الوصف الذي جعلنا فيه الماشية تلعب هذا الدور هو من قبيل الجنون، فإن في الأمر برهانا على درجة هيمنة أفكار العالم الرأسمالي الراهن على ذهنكم. إن صورة العلاقات الاجتماعية التي تحمل شيئا من العقلانية تبدو عبثية تمام العبث، أما ما هو عبثي معا وعيني بالمطلق فإنه يبدو وكأنه الأمر الصواب. فالحقيقة أن المال على شكل ماشية، له وبالتمام نفس وظيفة المال المعدني، ووحدها اعتبارات تسهيل الأمور هي التي جعلتنا نتخذ المعدن عملة لنا. نحن لا يمكننا بالطبع أن نستبدل الماشية ولا أن نقيس بالتحديد قيمتها تبعا للمنطق الذي نقيس به تلك الاسطوانات المعدنية الصغيرة. فنحن سنكون بحاجة إلى حاملة نقود كبيرة، على شكل إسطبل تقريبا، لكي نستمر في استخدام الماشية كنقد. فالإنسانية قبل أن توافيها فكرة استخدام النقود المعدنية، كانت بالفعل تستخدم المال كوسيط للتبادل لا غنى عنه. وذلك لأن المال كسلعة عامة هو بالتحديد تلك الوسيلة التي لا غنى عنها والتي لا يمكن للتبادل الشامل أن يحصل بدونها، وبدونها لا يمكن للاقتصاد الاجتماعي غير المخطط والمعتمد على منتجي أفراد أن يوجد.

ما هي الأدوار المتعددة للماشية في عملية التبادل، وما الذي حول الماشية إلى نقد في المجتمع الذي ندرسه؟: كونها نتاج عمل مرغوب عالميا وفي كل الأزمان. ولماذا يا ثرى ثمة رغبة عامة ودائمة بالماشية؟ لأنها منتوج نافع إلى أقصى الحدود بامكانه أن يضمن البقاء بوصفه وسيلة عيش بالغة التنوع. أجل إن هذا صحيح في البداية. بعد ذلك بقدر ما تستخدم الماشية كوسيط في عملية التبادل العام، بقدر ما يتحول استخدامها المباشر كوسيلة للعيش إلى درجة ثانية من الأهمية. فأي إنسان يحصل على الماشية لقاء ما ينتجه سيمتنع عن قتلها وعن أكلها وربطها بمحراثه، فالماشية أثمن لديه الآن كوسيلة لشراء سلعة أخرى في أي وقت من الأوقات. لذا سيمتنع عن استخدامها كوسيلة للعيش وسيحتفظ بها كأداة للتبادل. ومع التقسيم المتطور للعمل، ذلك التقسيم الذي افترضناه أعلاه، من الواضح أن الاستخدام المباشر للماشية سيكون أمرا غير مريح. فما الذي سيكون في وسع الاسكافي أن يفعله بالماشية كماشية؟ أو ما الذي سيفعله الحلاق والقفال والحائك الذين لا يمارسون الزراعة؟ لقد جرى أكثر وأكثر إهمال استخدام الماشية بشكل مباشر كوسيلة للبقاء، ولم تعد هذه الماشية مرغوبة لمجرد أنها مفيدة في المسلخ وفي مصنع الحليب وفي العمل في الحقول، بل لأنها تعطي في كل لحظة إمكانيات تبادلها لقاء أية سلعة أخرى. وأكثر فأكثر صارت مهمة الماشية تتعلق بالمنفعة العامة، بمعنى أنها صارت تسمح بالتبادل أي بأن تستخدم في كل لحظة في تحويل المنتجات الخاصة إلى منتوج اجتماعي والأشغال الخاصة على عمل اجتماعي. وبما أن الماشية أهملت على هذا النحو استخدامها الخاص كوسيلة لعيش الإنسان وتكرست كوسيط دائم بين مختلف أفراد المجتمع، كفت بالتدريج عن أن تكون منتوجا خاصا مثل المنتوجات الأخرى، وصارت قبل كل شيء آخر منتوجا اجتماعيا كما صار عمل الراعي، على عكس جميع الأشغال الأخرى، العمل الوحيد الاجتماعي بشكل مباشر. وهكذا لم تعد الماشية تربي لتخدم كوسيلة للعيش بل لكي تلعب دور المنتوج الاجتماعي، السلعة العامة، النقد. لقد استمر، وإنما بنسبة أقل، في ذبح الماشية وربطها بالمحراث. لكن هذه الميزة الخاصة بالماشية زادت من اختفائها في مواجهة ميزتها الرسمية كنقد. وهي بصفتها نقدا صارت تلعب دورا حاسما ومتعددا في حياة المجتمع.
لقد صارت بشكل نهائي وسيلة تبادل عامة، وتم الاعتراف بها رسميا على هذا النحو، فلم يعد أحد يبادل أحذية بخبز أو قمصانا بحدوات الحصان. وأي واحد شاء هذا سيطرد بهزة كتف. لم يعد يمكن الحصول على أي شيء إلا لقاء الماشية. أما عملية التبادل الثنائية القديمة فلقد انقسمت بالتالي إلى عمليتين مختلفتين: عملية البيع وعملية الشراء. في الماضي حين كان القفال والخباز يرغبان في مبادلة منتجاتهما كان كل منهما يبيع سلعته ويشتري سلعة الآخر عبر عملية مقايضة بسيطة تتم بالأيدي. كان البيع والشراء عملية واحدة. اليوم إذ يبيع الاسكافي أحذيته لا يحصل بالمقابل إلا على ماشية -لقد بدأ إذن بيع منتوجه الخاص. فمتى سيشتري شيئا ما ما الذي سيشتريه، وهل تراه سيشتري أي شيء على الإطلاق؟ تلكم مسألة أخرى. حسبنا الآن أنه تخلص من منتوجه وأنه قد حول عمله الذي كان يتخذ شكل أحذية، إلى منتوج يتخذ شكل ماشية. إن شكل الماشية هو الشكل الاجتماعي الرسمي للعمل، وإذا هي على هذا الشكل صار بامكان الاسكافي أن يحتفظ بها ما شاء له الهوى، وذلك لأنه يعلم أن بامكانه في أية لحظة أن يحول منتوج عمله من شكله الجديد كماشية إلى أي شيء آخر، أي يمكنه أن يشتري به ما يشاء.

على هذا النحو تصبح الماشية وسيلة ادخار ومراكمة الثروة، تصبح وسيلة تخزين. فطالما لم يكن بوسع الاسكافي أن يبادل منتوجاته إلا لقاء أدوات عيش، لم يكن بوسعه أن يعمل إلا بقدر ما يحتاج لكي يسد احتاجاته اليومية. إذ ما الذي سيستفيده من الاحتفاظ بأحذية كاحتياطي، أو الابقاء على احتياطي كبير من الخبز أو من اللحم أو من القمصان أو من القبعات الخ؟ إن أشياء الاستهلاك اليومي إذا احتفظ بها في المستودعات طويلا ستفسد وتصبح غير قابلة لأي استخدام. الآن صار بوسع الاسكافي أن يحتفظ بالماشية التي حصل عليها لقاء منتجات عمله، كوسيلة تفيده في المستقبل. إن رغبة الادخار تيقظت لديه، وصار الآن يسعى لبيع أكبر قدر ممكن من منتوجاته ممتنعا عن إنفاق ماشيته فورا، بل هو على العكس من هذا صار يسعى لمراكمتها، فلأن الماشية صالحة لكل شيء وفي كل وقت صار الآن يدخرها، ويجمعها من أجل المستقبل تاركا بهذا ثمار عمله إرثا لأطفاله.

في الوقت نفسه صارت الماشية مقياسا لكل القيم ولكل الأشغال. فحين يريد الاسكافي أن يعلم كمية ما يناله لقاء زوج من الأحذية، أي قيمة منتوجه، يقول مثلا: سأحصل على نصف عجل مقابل زوج الأحذية، زوج أحذيتي يساوي نصف عجل.

كذلك صارت الماشية معيار الثروة. فلم يعد يقال: هذا الشخص ثري لأنه يمتلك كثيرا من القمح أو من الثياب أو من الخدم بل يقال: أنه يمتلك ماشية. يقال: ارفعوا قبعتكم قيمة لهذا الرجل فهو (يساوي) ألف عجل. أو يقال: يا للمسكين إنه لا يمتلك ماشية على الإطلاق؟

مع ترسيخ الماشية كوسيلة تبادل عامة، لم يعد بوسع المجتمع أن يفكر إلا على شكل ماشية. لا يجري الحديث ولا يرى المرء في حلمه إلا ماشية. وينتج عن هذا كله تبجيل وعبادة حقيقية للماشية: فيفضل المرء أن يتزوج فتاة يتألف مهرها من قطعان كبيرة من الماشية، مما يزيد من حدة جاذبيتها حتى ولو كان المتقدم للزواج منها أستاذا أو كاهنا أو شاعرا وليس فقط مربي خنازير. لقد صارت الماشية جوهر السعادة الإنسانية. وعلى هذا النحو تكتب قصائد لمجد الماشية ولتمجيد قوتها الرائعة. وفي الوقت نفسه ترتكب جرائم واغتيالات بسبب الماشية. ويقول الناس وهم يهزون رؤوسهم: «إن الماشية هي التي تدبر شؤون العالم». فإذا كنتم تجهلون هذا المثل ترجموه إلى اللاتينية حيث أن الكلمة الرومانية القديمة Pecunia وتعني المال، منحدرة من كلمة Pecus التي تعني ماشية.

-3-

إن دراستنا للأشكال التي ستتخذها العلاقات في المجتمع المشاعي القديم، بعد الانهيار المفاجئ للملكية الجماعية وللتخطيط المشترك للعمل، بدت لكم وكأنها تجوال نظري وحسب، نزهة بين الغيوم. والواقع أن هذا كله لم يكن سوى استعراض وبسط بعض الشيء ومختصر للأسلوب الذي تكون الاقتصاد السلعي به، واستعراض متناسب تمام التناسب مع الحقيقة التاريخية في كل سماتها.

والواقع أن استعراضنا هذا يتطلب بعض التعديلات:

إن العملية التي صورناها وكأنها كارثة مفاجئة حطمت المجتمع المشاعي، بين ليلة وضحاها وحولته إلى مجتمع يضم منتجين أفرادا، احتاجت في الواقع لتتم إلى آلاف السنين. صحيح أن فكرة حدوث كارثة عنيفة ومفاجئة لم تكن من ابتداع المخيلة وحدها. فهي تتطابق مع الواقع في كل مكان دخلت فيه الشعوب التي كانت تعيش مشاعية بدائية، في احتكاك مع شعوب كانت قد حصلت مسبقا على مستوى عال من التطور الرأسمالي. وتلكم هي حالة معظم البلدان المسماة متوحشة أو نصف متمدنة، التي اكتشفها الأوربيون وغزوها: اكتشاف الاسبانيين لأمريكا، غزو الهولنديين للهند، والإنكليز للهند الشرقية، وسيطرة الإنكليز الهولنديين والألمان على إفريقيا. ففي معظم هذه الحالات ترافق الوجود الأوربي في تلك البلدان مع كارثة أصابت حياة الشعوب البدائية التي كانت تعيش فيها. والأمر الذي استمر في فرضيتنا هذه 24 ساعة، دام أحيانا بضعة عشرات من السنين فالحقيقة أن غزو بلد ما من قبل دولة أوربية، أو إقامة مستوطنات تجارية أوربية في تلك البلدان نتج عنه بالتالي إلغاء بالقوة للملكية المشتركة للأرض. وتفتيت تلك الأرض إلى ملكيات خاصة، كما نتج عنه نهب القطعان وإحداث انقلاب في كافة العلاقات التقليدية داخل المجتمع. والنتيجة لم تكن في أغلب الأحيان تلك التي اقترحناها، أي تحويل الجماعة المشاعية إلى مجتمع يضم منتجين خاصين أحرارا يجرون فيما بينهم تبادلا للسلع. وذلك لأن الملكية المشتركة المفتتة لم تصبح ملكيات خاصة يتمتع بها سكان المناطق الأصليون، بل سرقت ونهبت على يد الدخلاء الأوربيين وعلى يد السكان الأصليين أنفسهم إذ تحولوا، بعد أن حُرموا من أشكال وجودهم القديمة ومن وسائل عيشهم، إلى عبيد مأجورين، أو إلى مجرد عبيد للتجار الأوربيين، أما حين لم يتبدّ استعبادهم ضروريا فكانوا يذبحون على آخرهم كما حدث لزنوج جنوب-غرب إفريقيا الذين ذبحهم الألمان. فبالنسبة إلى كل الشعوب البدائية في البلدان المستعمرة، حصلت عملية التحول من وضعهم المشاعي البدائي على الرأسمالية الحديثة على شكل كارثة مفاجئة كتعاسة لا توصف حافلة بكل أنواع الآلام المرعبة. لدى الشعوب الأوربية لم يجر الأمر على شكل كارثة بل على شكل عملية بطيئة تدريجية وغير محسوسة، واستمرت قرونا من الزمن. فالاغريقيون والرومان دخلوا التاريخ بملكية مشتركة والجرمان القدماء الذين أتوا من الشمال في بداية العصر المسيحي وتسللوا جنوبا مدمرين الإمبراطورية الرومانية ليبقوا في أوربا، حملوا معهم جماعيتهم المشاعية البدائية التي احتفظوا بها لفترة من الزمن. أما الاقتصاد السلعي للشعوب الأوربية بشكله المتكامل فإنه لم يظهر إلا عند نهاية القرون الوسطى بين القرن الخامس عشر والسادس عشر.

التعديل الثاني يتوجب علينا إدخاله على استعراضنا السابق، يأتي في التعديل الأول. فلقد سبق لنا أن افترضنا أن جميع فروع النشاط الممكنة داخل الجماعة المشاعية، كانت بالفعل قد تخصصت وافترقت عن بعضها البعض بمعنى أن تقسيم العمل داخل المجتمع كان قد بلغ مستوى عاليا في التطور، بشكل حدث معه أنه حين حلت الكارثة التي أزالت الملكية العامة وأدخلت الإنتاج الخاص وعملية التبادل، كان تقسيم العمل قائما بالفعل وجاهزا ليخدم كأساس للتبادل. إن هذه الفرضية غير صحيحة من الناحية التاريخية. ففي داخل المجتمع البدائي، كان تقسيم العمل ضئيل التطور، جنينيا، طالما ظلت الملكية العامة قائمة. ولقد اختبرنا هذا الأمر لدى الجماعة الفردية الهندية. فهناك كان نحو 12 شخصا فقط يتميزون عن جمهرة السكان وتسند إليهم مهمات خاصة من بينهم 6 حرفيين بالمعنى الدقيق للمعنى: حداد، حطاب، صانع أوان، حلاق، مبيض وجوهرجي. أما معظم الأشغال الحرفية الأخرى كالحياكة والنسيج وصنع الثياب والخبز والجزارة وغيرها فكانت تصنع لدى كل عائلة على حدة كعمل ثانوي إلى جانب العمل في الحقول. والوضع هو نفسه في كثير من القرى الروسية بالنظر إلى أن السكان في تلك القرى لم يكونوا قد اندمجوا بعد في عمليات التبادل والتجارة –إن تقسيم العمل، أي تحييد بعض النشاطات على شكل مهن منفصلة ومنغلقة، لم يكن بامكانه أن يتطور حقا إلا حين تكون الملكية الخاصة ونظام التبادل قائمين. وإن منتجا ما لا يمكنه أن يكرس نفسه لإنتاج متخصص إلا حين يكون في وسعه أن يأمل مبادلة هذا الإنتاج بشكل منتظم بمنتجات الآخرين. والمال وحده هو الذي يعطي لكل منتج إمكانية الاحتفاظ به، وتجميع، ثمار عمله ويحثه على إنتاج منتظم يكون جما بقدر الإمكان ليطرحه في السوق. من جهة أخرى لن تكون للمنتج أية مصلحة في الانتاج من أجل السوق وفي تجميع المال إلا كان منتوجه والمردود الذي يحصل عليه بفضله ملكية خاصة له. لدى الجماعة المشاعية البدائية، كانت الملكية الخاصة أمرا مستبعدا، ولقد أكد لنا التاريخ أن الملكية الخاصة لم تظهر إلا إثر ظهور التبادل وتخصص النشاطات. فتكون المهن الخاصة، أي التقسيم المتطور للعمل، ليس ممكنا إلا ضمن إطار ضمن إطار الملكية الخاصة وعمليات التبادل المتطورة. والتبادل نفسه ليس ممكنا إلا حين يكون تقسيم العمل قائما بالفعل، فأي معنى يكون لتبادل يتم بين منتجين يصنعون المادة نفسها؟ لن يكون ثمة معنى لتبادل اثنين منتجاتهما إلا إذا كان النموذج (س) يصنع الأحذية ولاشيء غيرها، فيما يصنع النموذج (ج) الخبز ولاشيء غير الخبز. وهنا نجد أنفسنا في مواجهة تناقض غريب: إن التبادل غير ممكن إلا بوجود الملكية الخاصة وبوجود تقسيم متطور للعمل، ومن جهته لا يمكن لتقسيم العمل أن يقوم إلا بفعل التبادل وعلى قاعدة الملكية الخاصة. أما الملكية الخاصة فلا قائم لها إلا بقيام التبادل. والآن إذا نظرتم إلى الأمر عن كثب ستجدون فيه تناقضا مزدوجا، فعلى تقسيم العمل أن يكون قائما قبل التبادل، والتبادل ينبغي أن يكون موجودا جنبا إلى جنب مع تقسيم العمل، أضف إلى هذا أن الملكية الخاصة هي الشرط الأساسي لتقسيم العمل والتبادل، وهي لا يمكنها أن تتطور إلا انطلاقا من تقسيم العمل وفي التبادل. فكيف لمثل هذا التعقيد أن يكون ممكنا؟ ها نحن ندور داخل حلقة حيث أن أول خطوة للخروج من المجتمع المشاعي البدائي تبدو لنا وكأنها خطوة مستحيلة.

كان يبدو في الظاهر وكأن الإنسانية تعيش تناقضا من الضروري حله لكي يتمكن التطور من استئناف مسيرته. لكن الطريق ليس مسدودا سوى في ظاهره فقط. صحيح أن التناقض هو شيء لا يمكن للفرد تجاوزه في حياته العادية. وإن نظرنا إلى حياة المجتمع عن قرب سنجد أن مثل هذه التناقضات تبرز في وجه كل خطوة من خطوتنا. فما يبدو اليوم كسببٍ لظاهرة ما سيكون في الغد نتيجة لها، والعكس بالعكس، دون أن يؤدي هذا التبادل المستمر في العلاقات إلى زوال حياة المجتمع. أما الفرد الذي يجد نفسه أمام تناقض في حياته الخاصة، فإنه سيبدو عاجزا عن القيام بخطوة أخرى. إن ثمة إقرارا، وحتى فيما يتعلق بالحياة اليومية، بأن التناقض شيء مستحيل. وأن متهما يناقض نفسه بنفسه أمام المحكمة سيعتبر بسبب هذا التناقض نفسه وكأنه مقتنعٌ بكذبه وقد يمكن للتناقضات أن تؤدي به إلى السجن أو إلى حبل المشنقة. ولكن إذا ما حدث لمجتمع إنساني أن غاص كله وبشكلٍ مستمر في عدد كبير من التناقضات، فإن هذا لن يؤدي به أبدا إلى الضياع، بل على العكس فتناقضاته هذه هي التي تجعله يتقدم إلى الأمام. إن التناقض في حياة المجتمع يحل دائما بتطورٍ إلى الأمام وبتقدم جديد للحضارة. فالفيلسوف الكبير هيغل قال: «إن التناقض هو ما يدفع إلى الأمام». وهذه الحركة القائمة على التناقضات هي الوسيلة الحقيقية التي يتطور التاريخ البشري بها. وفي الحالة التي تعنينا هنا، أي في العبور من المجتمع المشاعي إلى الملكية الخاصة بما فيها من تقسيم للعمل ومن تبادل، نجد أن التناقض الذي واجهناه قد دخل عبر عملية تاريخية طويلة. وتلك العملية تتطابق في جورها مع الوصف الذي رسمناه أعلاه، بغض النظر عن بعض التعديلات التي أضفناها.

الحقيقة أن التبادل يبدأ منذ عصر المشاعية البدائية القائمة على أساس الملكية العامة، وعلى الشكل الذي سبق لنا أن افترضناه، شكل المقايضة، أي استبدال منتوج بمنتوج آخر. وإننا لعاثرون على المقايضة منذ أولى مراحل الحضارة. وبما أن الملكية الخاصة لدى طرفين هي واحد من شروط التبادل وبما أن تلك الملكية كانت لا تزال مجهولة لدى الجماعة البدائية، فمن الواضح أن أولى المقايضات لم تحدث داخل الجماعة أو القبيلة، بل خارجها، ليس بين أفراد قبيلة واحدة وجماعة واحدة، بل بين مختلف الجماعات والقبائل حيثما دخلت تلك الجماعات في علاقات مع بعضها البعض. لكن عضو القبيلة لم يكن هو الذي يتفاوض مع غريبٍ عن القبيلة، بل إن القبائل، والجماعات بأسرها هي التي تقوم بالمقايضة، والزعماء هم الذين يفاوضون، إن تلك الصورة المنتشرة لدى علماء اقتصاديين برجوازيين، صورة الصياد البدائي وصياد السمك البدائي وهما يتبادلان فيما بينهما أسماكهما وحيوانتهما في غابات أمريكا البكر، عند فجر الحضارة، صورة مزيفة زيفا مزدوجا. لم يكن ثمة وجود في عصور ما قبل التاريخ لأفراد منعزلين يعيشون ويعملون لأنفسهم، فالمقايضة بين شخص وآخر احتاجت إلى ألوف السنين قبل أن تظهر. في البداية لم يعرف التاريخ سوى التجارة بين القبائل وبين الشعوب. فيقول لافيتو في كتابه الذي وضعه حول الشعوب البدائية في أمريكا: «إن الشعوب البدائية تمارس التبادل فيما بينها باستمرار. والقاسم المشترك بين تجارتها وتجارة العصور القديمة يكمن في أن تقوم به هو عملية تبادل مباشر لمنتوجات ضد منتوجات. فكل واحد من تلك الشعوب يمتلك شيئا لا يمتلكه الآخرون، والتجارة تجعل ما يمتلكه شعب ما يتحول إلى شعب ثان. وتلكم هي حالة القمح والأواني والجلود والتبغ والأغطية والحيوانات الضارية وأدوات المنزل والقطن، أي كل ما يستخدم لمساعدة الإنسان في حياته. والتجارة تجري بواسطة زعيم القبيلة الذي يمثل الشعب بأسره.

عندما بدأنا في استعراضنا السابق الحديث عن التبادل بذكر حالة معزولة –هي التبادل بين الاسكافي والخباز –وعالجناها بوصفها شيئا عارضا، كان الأمر في الحقيقة يتطابق مع الحقيقة التاريخية. في البداية كان التبادل بين مختلف القبائل عارضا وغير منتظم، كان مرتبطا باللقاءات والاتصالات التي تتم فيها بينها. وهذا السبب في أن أول عمليات المقايضة المنتظمة ظهرت لدى الشعوب البدوية، وذلك لأن تنقلها الدائم جعلها على احتكاك بالشعوب الأخرى. وطالما أن التبادل كان عرضيا، كانت المنتجات الفائضة، وحدها، أي ما يتبقى بعد سد حاجات القبيلة الخاصة، هي التي تعرض للتبادل. مع الزمن وبعد أن تكررت المبادلات العرضية، صارت عادة، ثم قاعدة. وشيئا فشيئا بدأت الشعوب تنتج بضائع قصد مبادلتها. وتطور تقسيم العمل بين القبائل والجماعات. لفترة طويلة ظلت التجارة مقايضة منتوج مقابل منتوج. وفي كثير من مناطق الولايات المتحدة كانت المقايضة منتشرة عند نهاية القرن السابع عشر. ففي ولاية ميري لاند لا كان المجلس التشريعي هو الذي يحدد نسب تبادل التبغ والزيت ولحم الخنزير والخبز. وفي كونتيس حتى العام 1815 كان بائعون شبان وصغار يجولون الشوراع وهم يصرخون: «ملحٌ مقابل شموع، تبغ مقابل خبز». وفي القرى الروسية، كان البائعون الجوالون حتى تسعينات القرن التاسع عشر يمارسون المقايضة البسيطة مع الفلاحين. كانوا يتبادلون كل أنواع الحوائج الصغيرة، كالأبر والخيطان والأزرار والصابون، مقابل مفراشٍ وجلود الأرانب وأشياء مشابهة. أما صانعو الأواني وغيرهم فكانوا يجولون الشوارع بعرباتهم وهم يمارسون تجارة مشابهة، يبادلون بها منتجاتهم مقابل قمح وشعير وقماش وصوف الخ.

عندما تكاثرت مناسبات التبادل وصارت أكثر انتظاما، صارت البضاعة التي يسهل صنعها ويمكن مبادلتها، صارت تفصل عن البضائع الأخرى، لدى كل منطقة وكل قبيلة، أو على العكس من هذا صار ما يُفتقر إليه أكثر من غيره مرغوبا أكثر فالملح والبلح مثلا كان يلعبان هذا الدور في الصحراء الكبرى، والسكر في الهند الغربية الإنكليزية، والتبغ في فرجينيا وميري لاند، والشاي في سيبيريا والعاج لدى زنوج إفريقيا وحبوب الكاكاو في المكسيك القديمة. إن خصوصيات المناخ والتربة في مختلف المناطق، حدث بالناس إلى تحييد «سلعة عامة» قصد استخدامها في جميع التجارات وكوسيط في عمليات التبادل. والشيء نفسه حصل بالنسبة إلى البضاعة الرئيسية التي كانت تهتم بها كل قبيلة من القبائل. فلدى شعوب الصيادين، كانت الجعبة هي «السلعة العامة» التي تقترح تلك الشعوب استبدالها بكل المنتجات الممكنة. وفي التجارة التي كانت تقوم في حوض الهدسون، كان جلد القنوس هو الذي يلعب هذا الدور. ولدى قبائل صيادي السمك كانت الأسماك تمثل الوسيط الطبيعي في كل عمليات التبادل. وفي جزر ستلاند، كما يقول رحالة فرنسي، كان الناس يدفعون سمكة مقابل بطاقة لحضور مسرحية ما. والحاجة لحيازة مثل تلك السلعة التي يتقبلها الجميع، كوسيلة عامة للتبادل، يمكن استشعارها في كل مكان. واليكم على سبيل المثال كيف يصف صموئيل بيكر. وهو رحالة معروف، عملية مقايضة أجراها مع قبائل زنجية في وسط إفريقيا. «كان قد صار من الصعب عليّ الحصول على المؤن. فالسكان لم يعودوا يبيعون القمح إلا مقابل اللحم. ولهذا صرنا نحصل عليه على الشكل التالي: كنا نشتري قضبانا حديدية من تجار أتراك مقابل ثياب وأحذية، وكنا نستبدل القضبان بعجل ونأخذ العجل إلى قرية بعيدة حيث نذبحه ونقسم لحمه حوالي 100 قطعة ومع ذلك اللحم موضوعا في ثلاث سلال، كان رجالي يجلسون على الأرض فيحضر السكان إليهم ويضعون في السلال كيسا صغيرا من الطحين مقابل كل قطعة من اللحم. وما هذا سوى مثال على تجارة الطحين الشاقة في إفريقيا الوسطى.

مع التحول إلى اقتصاد الرعي، صارت الماشية تستخدم كسلعة عامة في المقايضة، وكمقياس عام للقيمة. وهكذا كانت الحال لدى قدامى الإغريق كما يقول لنا هوميروس. ففي معرض وصفه لأسلحة كل بطل يقول لنا الشاعر أن درع غولوكوس كلفه، مائة عجل ودرع ديوميد كلفه تسعة عجول. ولكن إلى جانب الماشية كان ثمة منتجات أخرى تستخدم كنقد لدى الإغريق في ذلك الزمان. ويقول لنا هوميروس نفسه بأن ثمن خمر ليمنوس، خلال حصار طراودة، كان يُدفع حينا عجولا وحينا نحاسا أو حديدا. ولقد سبق لنا أن قلنا بأن مفهوم «المال» لدى قُدامى الرومان كان متطابقا مع مفهوم الماشية، ومثل هذا لدى قدامى الجرمانيين حيث كانت الماشية السلعة العامة ثم مع التحول إلى الزراعة صار للمعادن والحديد والنحاس أهمية كبيرة في الاقتصاد، وجزئيا كمادة تصنع منها الأسلحة والأدوات الزراعية. وهكذا صار المعدن، بوصفه منتوجا وفيرا ومنتشر الاستعمال، صار السلعة العامة وأخذ يحل تدريجيا مكان الماشية. لقد صار سلعة عامة أولا لأن فائدته الطبيعية –كمادة تصنع منها كل أنواع الأدوات جعلته مرغوبا بشكل عام.

عند هذا المستوى استخدم المعدن في التجارة بوضعه الخام على شكل قضبان وأوزان. لدى الإغريق كان الحديد يستخدم بشكل عام، والرومان استخدموا النحاس، أما الصينيون فاستخدموا مزيجا من النحاس والرصاص. وبعد ذلك بفترة طويلة صارت المعادن الموصوفة بأنها ثمينة كالفضة والذهب، تستخدم للتبادل. هذه المعادن أيضا استخدمت بشكلها الخام، بالوزن. إن أصل السلعة والعامة، النقد، كمنتوجٍ بسيط مفيد في استخدام ما، لا يزال قائما حتى الآن. فقطعة الفضة البسيطة التي كانت تعطي ذات يوم مقابل الطحين، كان بالمكان استخدامه في اليوم التالي لصنع عقد براق. إن استخدام المعادن الثمينة كنقد، أي على شكل قطع نقدية، كان مجهولا لدى الهنود والمصريين وحتى لدى الصينيين. العبرانيون لم يكونوا يعرفون سوى قطع المعدن الموزونة فإبراهيم كما قيل في العهد القديم دفع 400 حلقة من الفضة ذات الوزن لإفرون ثمنا لقبر سارة. ومن القبول به عامة أن صك العملة لم يبدأ إلا في القرن العاشر أو حتى في القرن الثامن قبل المسيح. وهكذا مع قطع النقد المصنوعة من الذهب ومن الفضة، حاز التاريخ الطويل لتطور التبادل على شكله المنجز والنهائي.

كان المال، كسلعة عامة تشكل فعلا، وحتى من قبل أن تستخدم المعادن لصنع النقود. فعلى شكل الماشية كان المال يقوم بنفس الوظائف التي تقوم بها القطع النقدية الآن في عمليات التبادل: وسيطٌ لعمليات التبادل، مقياسٌ للقيمة، وسيلة للتخزين، وتجسدٌ للثراء. أما مصير المال بسمته الخارجية فإنه لم يظهر إلا بشكله المعدني. فالتبادل بدأ بمقايضة بسيطة بين منتجين من نتاجات العمل. ولقد تحقق هذا التبادل لأن واحدا من المنتجين –إحدى الجماعات أو إحدى القبائل- ما كان بالامكان أن يستغني عن منتوجات الجماعة الأخرى. كانوا يساعدون بعضهم البعض عبر تبادل منتجات عملهم. وبما أن عمليات المقايضة تلك أخذت تتكرر بانتظام، صار ثمة منتوج حائز على الأفضلية لأنه مرغوب من الجميع، وهذا المنتوج صار وسيط كل المبادلات، صار سلعة عامة. في ذاته، من الممكن لكل منتوج عمل أن يصبح نقدا: الأحذية أو القبعات، الكتان أو الصوف، الماشية أو الحبوب. ولقد لعبت مختلف أنواع البضائع هذا الدور لفترة من الفترات. فالاختيار لم تكن له علاقة إلا بالاحتياجات الخاصة وبالعمل الرئيسي الذي ينجزه شعب من الشعوب. لقد تم التوافق العام على الماشية كمنتوج مفيد، كوسيلة للعيش. ومع مرور الزمن رُغب كنقدٍ وقُبِلَ على هذا الشكل، لأنه خدم كل واحدٍ على هذا النحو، أي في الاحتفاظ بثمار عمله على شكل مادة قابلة للتبادل في كل لحظة مع أي منتوج آخر من منتوجات العمل. إن الماشية، على عكس المنتوجات الخاصة الأخرى، هي المنتوج الاجتماعي المباشر الوحيد، لأنها قابلة للتبادل في كل لحظة. ففي الماشية تجد الطبيعة المزدوجة للنقد أفضل تعبير عنها: حسبنا أن نلقي نظرة على الماشية لنتأكد من أنها، إلى كونها سلعة عامة، ومنتوجا اجتماعيا، هي في الوقت نفسه وسيلة بسيطة من وساءل العيش، حيوانات يمكن ذبحها وأكلها، منتوجا عاديا من منتوجات العمل الإنساني، عمل شعب من الرعاة. في قطعة النقد تختفي كل ذكرى عن أصل هذا النقد كمنتوج بسيط، فالاسطوانة الذهبية الصغيرة المصكوكة ليست صالحة لأي شيئا آخر إلا كوسيلة لتبادل السلع العامة، وهي لم تعد سلعة إلا ضمن نطاق كونها، مثل كل سلعة أخرى، نتاج عملٍ إنساني عمل قام به الباحث عن الذهب، والجوهرجي، لكنها فقدت كل استخدام خاص بها كوسيلة للعيش، فلم تعد سوى قطعة من عمل إنساني لا شكل مفيد لها في الحياة الخاصة، لم يعد لها أي استخدام كوسيلة خاصة للعيش كغذاء أو ملبس أو كسوة أو أي شيء من هذا القبيل، لم يعد لها من غرض سوى استخدامها الاجتماعي: إنها الآن تستخدم كوسيط لتبادل السلع الأخرى إذن ففي الغرض المجرد أكثر من غيره من أي معنى أو هدف، في القطعة الذهبية تجد الطابع الاجتماعي للمال، للسلعة العامة تعبيرها الأكثر صفاء والأكثر إنجازا. لقد أدى تبني المال نهائيا على شكله المعدني إلى ازدهار كبير للتجارة وإلى تدهور العلاقات الاجتماعية التي لم تكن تهدف في الماضي إلى التجارة، بل إلى الاستهلاك الشخصي. لقد دمرت التجارة الجماعية المشاعية القديمة. وزادت من تفاوت الثراء بين البشر وأدت إلى تدهور الملكية العامة، وتحطم الجماعة نفسها. إن المنشأة الفلاحية الصغيرة الحرة التي لم تكن تنتج إلا لذاتها ولا تبيع سوى ما يفيض عنها لتراكم شيئا من المال، وجدت نفسها شيئا فشيئا مرغمة، وخاصة بفعل دخول نظام الضرائب المالية، على بيع كل إنتاجها، لكي تعود وتشتري غذاءها ولباسها وأدواتها المنزلية بل وحتى الحبوب. والواقع أن روسيا أواخر القرن الماضي تعطينا مثالا على مثل هذا التحول الذي أصاب المنشأة الفلاحية. من منشأة تنتج لاحتياجاتها الخاصة، إلى منشأة تنتج للسوق وتسير نحو دمارها النهائي. أيام الاقتصاد القني القديم أدت التجارة إلى حدوث تغيرات عميقة، فطالما أن العبيد لم يكونوا يستخدمون إلا في الاقتصاد المنزلي وفي الأشغال الزراعية والحرفية، لسد احتياجات السيد وعائلته. كان للاقتصاد العبودي طابعا بطريركيا (أبويا). وحين ذاق الإغريقيون والرومان طعم المال وصاروا ينتجون للتجارة، بدأ نوعٌ من الاستخدام اللاإنساني للأقنان وهو نوع أدى إلى حدوث ثورات العبيد الكبرى التي كانت بائسة في ذاتها، لكنها كانت إشارة إلى أن الاقتصاد العبودي كان قد صار على آخر رمق كما بات نظاما لا يحتمل. وهذا الأمر نفسه تكرر مع نظام العبودية في القرون الوسطى. فهذا النظام كان في بدايته نوعا من حماية ينمحها للفلاحين أسيادهم النبلاء الذين كان على الفلاحين بدورهم أن يعطوهم مردودا محددا على شكل بضاعة أو عمل. مردودا كان يسد احتياجات السادة الخاصة. فيما بعد حين اكتشف النبلاء فوائد المال، أخذت المردودات والجزيات وأعمال السخرة المطلوبة من الفلاحين تتزايد لغايات تجارية، فتحولت السخرة إلى استعباد، وصار الفلاح يستغل حتى أقصر الحدود. وأخيرا جاء ازدهار التجارة وهيمنة المال ليؤديا إلى استبدال الجزيات على شكل بضائع بجزيات على شكل مردودات مالية. وهكذا دقت ساعة العلاقات الإقطاعية الأخيرة. لقد حملت التجارة في العصور الوسطى قوة وثروة للمدن. وأدت في الوقت نفسه إلى تفكك وتدهور المنغلاقات الحرفية القديمة. أما انطلاقة المال –المعدن فقد أدت إلى ولادة التجارة العالمية. منذ العصور القديمة كانت هناك شعوب كالفنيقيين، تكرس نفسها للقيام بالأعمال التجارة بين الشعوب أملا في اجتذاب كميات من المال إليها ومراكمة الثروات على شكل مال. وفي العصور الوسطى صار هذا الدور من اختصاص المدن، ولاسيما المدن الإيطالية. ثم بعد اكتشاف أمريكا الطرق البحرية إلى الهند الشرقية عند نهاية القرن الخامس عشر، عرفت التجارة العالمية ازدهارا مفاجئا: فالبلدان الجديدة قدمت في آن معا منتجات جديدة ومناجم ذهب جديدة، أي قدمت مادة المال الأولية. وبعد استيراد كميات هائلة من الذهب جلبت من أمريكا في القرن السادس عشر، عرفت مدن شمال ألمانيا ثروات هائلة وبعدها كان دور هولندا وإنكلترا. وهكذا صار الاقتصاد السلعي في المدن الأوربية وجزئيا في الريف. صار شكلا مهيمنا على الحياة الاقتصادية. كان التبادل قد بدأ في ظلمات ما قبل التاريخ، عند الحدود التي تفصل بين القبائل المشاعية البدائية، وهو نمى وترعرع على هامش جميع التنظيمات الاقتصادية المخطط لها والمتعاقبة. الاقتصاد الفلاحي الحر البسيط، الاستبداد الشرقي، العبودية القديمة، السخرة والاقطاعية في العصور الوسطى، المنغلقات الدينية، وهذا التبادل التهم تلك التنظيمات واحدة بعد الأخرى وساهم في تدهورها ليقيم أخيرا هيمنة اقتصاد المنتجين الخاصين المعزولين الذين يعملون بفوضى وبلا تخطيط، ليقيم هذا الاقتصاد بوصفه الشكل الوحيد للاقتصاد المهيمن.

-4-

ما إن صار الاقتصاد السلعي الشكل المهيمن للاقتصاد في أوربا، وعلى الأقل في المدن خلال القرن الثامن عشر. حتى شرع العلماء بالتساؤل حول الأسس التي يستند هذا الاقتصاد إليها. فالتبادل هنا لم يعد يتم إلا بواسطة المال. وصارت قيمة كل سلعة في التبادل تحتسي بالمال. فما الذي يعنيه احتساب تلك القيمة بالمال وعلام تقوم قيمة كل سلعة في التجارة؟ كان هذان أول سؤالين يدرسهما الاقتصاد السياسي، وفي النصف الثاني من القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر حقق الإنكليزيان آدم سميت وديفيد ريكاردو، ذلك الاكتشاف الكبير الذي يقول بأن قيمة سلعة ما تقاس بالعمل البشري الذي يُبذل في سبيلها، وبأن كميات متساوية من عمل مختلف هي التي يتم تبادلها عبر تبادل السلع. المال ليس سوى الوسيط وكل ما يقوم به هو التعبير عن كمية العمل المبذول في كل سلعة. إنه لمن المدهش حقا أن يكون في وسعنا في هذه المجال الحديث عن اكتشاف كبير، إذ قد يكون ممكنا الاعتقاد بأن ليس ثمة ما أوضح من هذا أي من القول بأن تعادل السلع يقوم على أساس العمل المبذول في سبيلها. فالواقع أن اعتيادنا على التعبير عن قيمة السلع بواسطة الذهب كان قد أخفى هذا الوضع الطبيعي. عندما كان الاسكافي والخباز يتبادلان منتجاتهما كان من الواضح أن التبادل يتم لأن كل واحد من المُنتجِين قد كلف عملا ما رغم استخدامهما المختلف، وأن لكلٍ منهما نفس قيمة الآخر بالنظر إلى أنهما قد تطلبا نفس الوقت. فإذا قلت أن زوجا من الأحذية يكلف عشر ماركات، من الواضح أن هذا التعبير يكون أول الأمر غامضا كل الغموض. فما هو الجامع المشترك بين زوج من الأحذية وعشر ماركات، وما الذي يجعلهما متساويين، وقادرين على التبادل فيما بينهما؟بل كيف لنا أن نقيم مقارنة بين مثل هذه الأشياء المختلفة؟ وكيف يمكننا أن نأخذ مقابل منتوج نافع كالأحذية، شيئا غير نافع وخال من أي معنى هو عبارة عن اسطوانات ذهبية أو فضية صغيرة مدفوعة؟ وكيف حدث أن تلك الاسطوانات المعدنية الصغيرة حازت على القوة السحرية التي جعلتها قابلة للاستبدال بكل ما في هذا العالم من أشياء؟.

إن مؤسسي الاقتصاد السياسي (سميث وريكاردو وغيرهما) لم يتمكنوا أبدا من الإجابة على كل هذه الأسئلة. فاكتشاف أن ثمة في كل قيمة تبادلية لكل سلعة وفي المال كذلك، عملا بشريا، وأن قيمة كل سلعة على هذا النحو تكون على قدر ما تطلّبه إنتاجها من العمل والعكس بالعكس، ليس معناه سوى الاعتراف بنصف الحقيقة. أما نصفها الآخر فيقوم في تفسير كيف ولماذا يتخذ العمل الإنساني شكله الغريب كقيمة تبادلية، وشكله الغامض كمالٍ. إن مؤسسي الاقتصاد السياسي الإنكليز لم يطرحوا على أنفسهم أبدا هذا السؤال، وذلك لأنهم كانوا يرون في واقع إنتاج سلع للتبادل وللحصول على المال خاصية طبيعية من خصائص العمل البشري، أي إنهم بكلمات أخرى كانوا يقرون بأن على الإنسان أن ينتج بيديه سلعا للتجارة بشكل طبيعي طبيعية تناوله الطعام أو الشراب، وأن الأمر ليس استثنائيا إلا إذا كان الشعر على الرأس أو الأنف في وسط الوجه أمرين استثنائيين. وهم كانوا يؤمنون بهذا إلى درجة جعلت آدم سميث يتساءل عما إذا كانت الحيوانات أيضا لا تتاجر فيما بينها. وهو لا يجب على تساؤله هذا سلبيا إلا لأنه تيقن في أن أحدا لم يشهد مثل هذه الأمور لدى الحيوانات. وعن تقسيم العمل يقول آدم سميث: «إنه النتيجة الحتمية، حتى ولو كانت بطيئة وتدريجية، لمنحى معين تتخذه الطبيعة البشرية: منحى باتجاه التبادل، باتجاه العون المتبادل، وباتجاه المتاجرة بشيء مقابل شيء آخر. ليس هنا مجال دراسة ما إذا كان هذا المنحى واحدا من الغرائز العائدة للطبيعة الإنسانية، التي لا يمكننا أن نتفهمها تماما، أما أنها، وهو الأمر الأكثر احتمالا، النتيجة الحتمية لوجود العقل واللغة. إن هذا المنحى مشترك بين جميع البشر لكنه غير ذي وجودٍ لدى أي نوع حيواني آخر إذ يبدو أن تلك الأنواع لم تعرف لا هذا النوع من التبادل ولا أي نوع آخر».

يؤكد لنا هذا التصور الساذج أن مؤسسي الاقتصاد السياسي كانوا على قناعة بأن النظام الاجتماعي الرأسمالي الذي يكون كل شيء فيه سلعة وينتج كل شيء فيه من أجل التجارة، هو النظام الاجتماعي الوحيد الممكن والخالد. وأن هذا النظام سيدوم ما دامت حياة النوع البشري على الأرض.

كارل ماركس، الذي انطلاقا من كونه اشتراكيا لم يكن ينظر إلى النظام الرأسمالي بوصفه النظام الوحيد الممكن أبدا، بل كان يعتبره شكلا اجتماعيا تاريخيا وعابرا، كارل ماركس كان أول من أقام مقارنات بين الوضع الراهن والأوضاع في العصور السابقة.

واستنتج في مقارناته أن البشر قد عاشوا وعملوا خلال ألوف السنين دون أن يعرفوا شيئا عن المال أو عن التبادل. وفقط حين توقف كل عمل مشترك ومخطط في المجتمع وحين تفتت المجتمع إلى خليط فوضوي ولا شكل له يتألف من منتجين أحرار ومستقلين، يعملون على أساس الملكية الخاصة، صار التبادل الوسيلة الوحيدة لجمع الأفراد المشتتين ولتوحيد نشاطاتهم في اقتصاد اجتماعي متماسك. عندها كان التخطيط الاقتصادي السابق والمشترك للإنتاج قد استبدل بالمال الذي صار الرابط الاجتماعي الوحيد المباشر، لأنه أصبح الحقيقة الوحيدة المشتركة بين مختلف الأعمال الخاصة، قطعة من عمل إنساني لا فائدة لها، ومنتوجا خاليا من أي معنى وعاجزا عن أن يكون له أي استخدام في الحياة الخاصة. غير أن هذا الاختراع الخالي من المعنى صار الآن ضرورة بات معها أي تبادل، وبالنتيجة كل تاريخ الحضارة منذ انحلال المشاعية البدائية، أمرا مستحيلا. إن منظري الاقتصاد السياسي البرجوازيين يعتبرون المال أمرا بالغ الأهمية ولا غنى عنه، ولكن فقط من وجهة نظر الشراكة الخارجية في عمليات التبادل. ففي الحقيقة ليس بوسعنا أن نقول هذا عن المال إلا بالمعنى الذي نقول فيه مثلا أن الإنسانية قد اخترعت الدين على سبيل الترف. فالمال والدين هما نتاجان من نتاجات الحضارة البشرية، ولهما جذور تغوص في أوضاع محددة للغاية وعابرة، وتماما كما أنهما ولدا يوما، كذلك سيصبحان فائضين عن الحاجة ذات يوم. إن النفقات الهائلة التي تبذل سنويا في سبيل إنتاج الذهب، وكذلك نفقات العبادة ومثلها النفقات المخصصة للسجون وللجيوش ولأجهزة الخدمات العامة، وكلها نفقات تلقي ثقلها على الاقتصاد الاجتماعي، وتبدو نفقات ضرورية بالنسبة لهذا الشكل من أشكال الاقتصاد، سوف تزول من تلقائها مع زوال الاقتصاد السلعي.

إن الاقتصاد السلعي في أواليته الداخلية، يبدو لنا نظاما اقتصاديا متماسكا غاية التماسك وقائما على أسمى مبادئ الأخلاق، فمن جهة تهيمن فيه حرية فردية تامة حيث يشتغل كل واحد فيما يشاء، كما يشاء وبقدر ما يشاء، وحسب لذته الخاصة، هنا كل واحد سيد نفسه وليس له إلا أن يهتم بمكسبه الخاص. ومن جهة ثانية يبادل البعض سلعهم، أي منتوج عملهم، بمنتجات الآخرين، أي ثمة عملا يبادل بعمل تبعا لكميات متساوية بشكل عام. إذن ثمة هنا مساواة وتبادل في المصالح. ومن جهة ثالثة ليس ثمة في الاقتصاد السلعي سوى سلعة مقابل سلعة. وسوى منتوج عمل مقابل منتوج عمل. وإنها لأعلى درجات المساواة. الحقيقة أن فلاسفة القرن الثامن عشر وسياسييه الذين كانوا يناضلون من أجل انتصار الحرية الاقتصادية ومن أجل إلغاء آخر بقايا علاقات السيطرة القديمة ونظم المنغلقات والسخرة الاقطاعية، رجال الثورة الفرنسية الكبرى كانوا يعدون الإنسانية بجنات على الأرض وبحكمٍ تسود فيه الحرية والمساواة والإخاء.

خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر كان ثمة اشتراكيون مهمومون يرون هذا الرأي نفسه. فحين تم تأسيس الاقتصاد السياسي العلمي، وحقق سميث وريكاردو ذلك الاكتشاف الكبير القائم على أساس أن كل قيمة السلع تستند على العمل الإنساني، تصور عدد من أصدقاء الطبقة العملة أن المساواة والعدالة الكاملتين سيهيمنان على المجتمع فقط عبر القيام بعمليات تبادل السلع بشكل عادل. وذلك لأنه إذا ما بودل على الدوام عمل مقابل عمل بكميات متعادلة، سيكون من المستحيل حصول تفاوت في الثروات، اللهما إلا ذالك التفاوت الحق بين العامل المجتهد والعامل الكسول، وبهذا سيتوجب على ثروة المجتمع كلها أن تكون بالضرورة ملكا لأولئك الذين يعملون أي لأبناء الطبقة العاملة أما إذا كنا نرى على أي حال في المجتمع الراهن فوارق كبيرة في وضع البشر، حيث تكون الثروة موجودة إلى جانب البؤس (والثروة بالتحديد لدى أولئك الذين لا يعملون أبدا، والبؤس بالتحديد نصيب أولئك الذين يخلق عملهم كل القيم) فما لا شك فيه أن هذا الوضع متأتٍ عن شيء من الغش في التبادل يعود إلى كون المال يدخل كوسيط في عملية تبادل منتجات العمل. إن المال يخفي واقع أن الأصل الحقيقي لكل ثروة هو العمل لأنه يؤدي إلى تذبذب مستمر في الأسعار ويوفر إمكانية تحديد أسعار عشوائية وقيام عمليات احتيال ومراكمة للثروات لدى البعض على حساب البعض الآخر. إذن لنلغ المال! هذه الاشتراكية التي تهدف إلى إلغاء المال ظهرت أول الأمر في إنكلترا حيث دافع عنها منذ عشرينات وثلاثينات القرن التاسع عشر، مؤلفون موهوبون مثل تومبسون وبراي وغيرهما، ثم أتى عالم الاقتصاد المحافظ والمشهور رودبرتوس ليعيد اختراع هذا النوع من الاشتراكية في بروسيا، ثم للمرة الثالثة أعاد برودون ابتكار هذا النوع من الاشتراكية في فرنسا في العام 1848. بل ولقد كان هناك من أجرى تجارب عملية. فبتأثير من براي، أنشئت في لندن وفي غيرها من المدن الإنكليزية «أسواق من أجل التبادل العادل للعمل» كانت البضائع تحمل إليها ويتم تبادلها بشكل منظم تبعا لزمن العمل الذي تحتويه، دون أي وساطة مالية. ولهذا الغرض نفسه اقترح برودون تأسيس «المصرف الشعبي». غير أن هذه المحاولات سرعان ما فشلت كما فشلت تلك النظرية أيضا. فالواقع أن تبادل السلع بدون نقد أمر غير وارد على الإطلاق وتذبذب الأسعار الذي كانت ثمة رغبة في إلغائه، إنما هو الوسيلة الوحيدة التي تشير لمنجي السلع بما إذا كانوا ينتجون أكثر أو أقل من اللازم من هذه السلعة أو تلك، وإذا ما كانوا يستخدمون في إنتاجهم عملا أقل أو أكثر من اللازم. فإذا جرى إلغاء هذه الوسيلة الوحيدة للتفاهم بين منتجي السلع المعزولين في ظل ذلك الاقتصاد الفوضوي، من الواضح أن أولئك المنتجين سيكون مصيرهم الإفلاس إذ لن يكونوا فقط صُما –خرسا بل عميانا أيضا. عند ذاك سيتوقف الإنتاج ويتدهور برج بابل الرأسمالي بأسره. إذن فالخطط الاشتراكية التي كانت تريد أن تجعل من الاقتصادي الرأسمالي السلعي اقتصادا اشتراكيا وفقط عن طريق إلغاء المال، هي من قبيل اليوتوبيا لا أكثر ولا أقل.

فيما يا ترى حديث الحرية والمساواة والخاء في هذا الإنتاج السلعي؟ وكيف يمكن أن يكون ثمة تفاوت في الثروات في هذا الإنتاج السلعي، حيث لا يمكن لكل واحد أن يحصل على شيء إلا مقابل إنتاج العمل، وحيث يتم تبادل قيم متساوية بقيم متساوية؟ ومع هذا نعرف أن الاقتصاد الرأسمالي يتميز بتفاوت صارخ في الوضع المادي للبشر عن طريق تراكم الثروات لدى البعض وتنامي البؤس لدى الجماهير. أما السؤال الذي ينتج منطقيا عما سبق فهو السؤال التالي: تُرى كيف للاقتصاد السلعي ولتبادل السلع تبعا لقيمتها، أن يجعلا الرأسمالية أمرا ممكنا؟

التالي »