بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الاقتصاد السلعي والعمل المأجور

« السابق التالي »

العمل المأجور

يتم تبادل جميع السلع تبعا لقيمتها، أي تبعا للعمل الضروري اجتماعيا المبذول في سبيلها. فإذا كان المال يلعب دور الوسيط فإنه أمر لا يغير شيئا من أساس التبادل هذا: المال ليس سوى التعبير عن العمل الاجتماعي وحجم القيمة الموجودة في كل سلعة يتم التعبير عنه بواسطة كمية المال التي تباع السلعة بها. على أساس قانون القيمة هذا، تهيمن مساواة تامة بين البضائع في السوق. وكان من الممكن أن تهيمن أيضا مساواة تامة بين بائعي السلع لو لم يكن ثمة بين ملايين السلع المختلفة المتبادلة في السوق، سلعة ذات طبيعة مختلفة كليا: قوة العمل. يحمل هذه السلعة إلى السوق أولئك الذين لا يملكون أدوات إنتاج تمكنهم من إنتاج سلع أخرى. ففي مجتمع يقوم على أساس تبادل السلع لا يتم الحصول على شيء إلا عن طريق التبادل. والذي لا يأتي بسلع، لا يمتلك وسيلة للعيش. فالسلعة هي العنصر الوحيد الذي يجعل الإنسان قادرا على الحصول على حصة من الناتج الاجتماعي، حصة تحدد السلعة مقياسها في الوقت نفسه. وكل إنسان يحصل عبر سلعة يختارها على حصة تتساوى مع كمية العمل الضروري اجتماعيا الذي قدمه هو بدوره على شكل سلعة. إذن فكل إنسان بحاجة إلى الإتيان بسلعة وبيعها، لكي يعيش، حيث أن إنتاج السلع وبيعها، صار هو شرط الوجود الإنساني. وفي سبيل إنتاج أية سلعة من السلع يحتاج الأمر إلى وسائل عمل، إلى أدوات، إلى مواد أولية، ومكان عمل، وإلى مشغل يتمتع بالشروط الضرورية للعمل والإضاءة الخ، وأخيرا يحتاج الأمر إلى كمية من الغداء يعتاش بها المرء خلال الزمن الذي ينتج فيه وحتى اللحظة التي فيها يبيع سلعته. فقط هناك بضع سلع قليلة للغاية وغير ذات أهمية من الممكن إنتاجها بدون أدوات إنتاج، كالفطر والحشائش التي تلتقط من الغابة، وكالأصداف التي يمكن جمعها على الشواطئ. وحتى هنا يحتاج الأمر إلى أدوات إنتاج كالسلاسل على سبيل المثال، كما يحتاج إلى مؤن تتيح للمنتج أن يعيش خلال قيامه بالعمل، أما معظم السلع فإنها تتطلب نفقات كبيرة، ضخمة أحيان، على شكل أدوات إنتاج في كل مجتمع يعيش على الإنتاج السلعي المتطور، أما ذاك الذي لا يمتلك أدوات إنتاج ولا يستطيع إنتاج سلع، فلا يبقى أماه إلا أن يحمل نفسه، أي قوة عمله الخاصة، كسلعة يعرضها في السوق.

ومثل جميع السلع الأخرى من الواضح أن للسلعة لمسماة «قوة العمل» قيمة محددة. فقيمة كل سلعة تحددها قيمة العمل الضروري لإنتاجها. ومن أجل إنتاج سلعة «قوة العمل» ثمة كمية محددة من العمل ضرورية على السواء، هي العمل الذي ينتج الغذاء والملبس وغيرهما للعامل. إن قوة عمل شخص ما تساوي ما يحتاجه الأمر إلى عملٍ للإبقاء عليه في حالة عمل دائم، أي لتغذية قوة عمله. إذن فقيمة سلعة «قوة العمل» تتمثل في كمية العمل الضروري لإنتاج وسائل عيش العامل. ثم، وكما هو الأمر بالنسبة إلى كل سلعة أخرى تترجم قيمة قوة العمل في السوق بسعرٍ محددة، أي بمال. وهذا التعبير المالي، أي سعر سلعة «قوة العمل»، يسمى الأجر. بالنسبة إلى كل سلعة أخرى، نعرف أن السعر يرتفع إذا ما زاد الطلب على العرض، وهو ينخفض إذا ما حدث على العكس من هذا إذا زاد العرض عن الطلب. والشيء نفسه فيما يتعلق بسلعة «قوة العمل»: فحين يزداد الطلب على العمال، تنحوا الأجور إلى الارتفاع، وإذا ما تقلص الطلب، أو إذا ازدحم سوق العمل بسلع طازجة، تنحو الأجور إلى الانخفاض. وأيضا كما هو الحال بالنسبة إلى كل سلعة أخرى، ترتفع قيمة قوة العمل، وبالتالي سعرها، إذا ما تطلب كمية العمل الضروري لإنتاجها، أي أدوات العيش، كمية أكبر من العمل من أجل إنتاجها. وفي مقابل هذا نجد أن كل اقتصادٍ يقوم على العمل في صناعة وسائل عيش العمال يؤدي إلى انخفاض في قيمة قوة العمل، وكذلك في سعرها، أي في الأجر. في العام 1817 كتب ريكاردو: «خفضوا من كلفة إنتاج القبعات وسترون كيف أن سعرها سينخفض ليصل إلى مستواها الطبيعي، وحتى لو تضاعف الطلب عليها مرتين أو ثلاثا أو أربعا. خفضوا من كلفة الإنفاق على الناس عبر تخفيض السعر الطبيعي للمؤن وللملابس الضرورية للعيش، وسترون أن الأجور ستنخفض حتى ولو تزايد الطلب على العمال بشكل كبير».

إن السلعة المسماة «قوة العمل» لا تختلف في شيء عن السلع الأخرى المعروضة في السوق، باستثناء كونها لا تنفصل عن بائعها العامل وباستثناء كونها لا تحتمل الانتظار فترة طويلة قبل أن يأتي من يشتريها، وذلك لأنها ستتلف مع حاملها، العامل، بسبب افتقارها للمؤن، هذا بينما يمكن لمعظم السلع أن تنتظر زمنا قبل أن تُباع. إذن فخصوصية سلعة «قوة العمل» لا تبرز في السوق حيث تكون قيمة التبادل وحدها هي التي تلعب دورا. فتلك الخصوصية تكمن في القيمة الاستعمالية لتلك السلعة. فكل سلعة تشتري بسبب المكاسب التي يعود بها استخدامها على مشتريها. فالمرء يشتري الأحذية ليحافظ على قدميه ويشترِ القدح ليشرب الشاي. فبماذا يمكن لقوة العمل التي تشتري أن تفيد؟ إنها، بداهة، تفيد في العمل. على هذا لا نكون قد تقدمنا خطوة. ففي كل الأزمان استطاع الناس أن يعملوا واضطروا للعمل، وذلك منذ وجود الخليقة، ومع هذا مرت ألوف السنين كانت فيها قوة العمل مجهولة تماما بوصفها سلعة. ولنتخيل للحظة أن الإنسان بكل ما يتمتع به من قوة عمل عاجز عن إنتاج وسائل عيش إلا لنفسه، في مثل هذه الحالة يكون الشراء مثل قوة العمل هذه، أي تكون قوة العمل على شكل سلعة، غير ذات معنى على الإطلاق. وذلك لأنه إذا اشترى أحدُ ما قوة العمل ودفع ثمنها، ثم جعلها تشتغل بواسطة أدوات إنتاجه الخاصة، ثم بعد هذا لم يحصل على نتيجة تزيد ما يمكنه به أن يقيم أود حامل السلعة المشتراة، أي العامل، فإن هذا سيعني أن العامل حين باع قوة عمله، حصل على أدوات إنتاج تخص الآخر، واشتغل بها لنفسه. ولسوف يكون الأمر كله أمرا عبثيا من وجهة نظر تبادل السلع تماما كما يحدث حين يشتري أحدٌ أحذية ثم يقدمها هدية للإسكافي. فإذا كانت قوة العمل البشري لا تسمح بأي استخدام آخر، لن يكون منها أي مكسب للمشتري وبالتالي لن يمكنها أبدا أن تعتبر سلعة. وذلك لأن المنتجات التي تحمل مكاسب هي وحدها التي يمكن اعتبارها سلعة. ولكي يمكن لقوة العمل أن تكون سلعة، لا يكفي أبدا أن يتمكن الإنسان من العمل حين يعطي وسائل الإنتاج بل ينبغي عليه أن يكون قادرا على الاشتغال بأكثر مما هو ضروري لعيشه الخاص. ينبغي أن يتمكن من العمل أكثر ليفيد ذاك الذي اشترى قوة عمله. وينبغي على سلعة «قوة العمل» أن تعوّض، عبر استخدامها، أي عبر عملها، ما دُفع فيها، أي الأجر، وأن تمكن المشتري من الحصول على فائض عمل. والحقيقة أن لقوة العمل هذه الخصوصية. ولكن ما معنى هذا؟ هل هي خصوصية طبيعية يمتلكها الإنسان أو العامل تلك التي تمكنه من توفير فائض عمل؟ حسنا… في العصر الذي كان يحتاج فيه الإنسان إلى عام بأكمله لكي يصنع فأسا من الحجارة ولأشهر عديدة لكي يصنع قوسا، أو لأن يخلق فيه النار بواسطة قطعتين من الخشب يحكهما على بعضهما البعض خلال ساعتين من الزمن، كان غير ممكن لأعتى المقاولين وأكثرهم مخادعة وأقلهم ضميرا أن يجعل الإنسان قادرا على تحقيق أي فائض عمل. إن ثمة ضرورة لمستوى معين في إنتاجية العمل لكي يمكن للإنسان أن يحقق فائض عمل، إذ ينبغي أن تكون الأدوات والمهارة والمعرفة والسيطرة على قوى الطبيعة قد وصلت بالفعل إلى مستوى كاف لجعل قوة الإنسان قادرة على إنتاج وسائل العيش الضرورية له وحده وحسب، بل لآخرين أيضا. أما تحسن الأدوات والمعرفة والسيطرة على الطبيعة فإنها أمور لا تكتسب إلا عبر تجارب أليمة وطويلة العهد واجهها المجتمع الإنساني. إن المسافة الزمنية التي تفصل بين أول الأدوات الحجرية المقصوصة كيفما اتفق، واكتشاف النار من وجهة، وبين الآلات البخارية والكهربائية التي تعرفها اليوم، هي مسافة التطور الاجتماعي للبشرية، تطورٌ لم يكن ممكنا إلا داخل المجتمع، عبر العيش سويا والتعاون بين البشر. إن إنتاجية العمل هذه التي تعطي لقوة عمل العامل المأجور في عصرنا، خصوصية تحقيق فائض العمل، ليست في الحقيقة خصوصية فيزيولوجية وُلدت مع الإنسان، بل هي ظاهرة اجتماعية وثمرة تطور طويل وما فائض عمل سلعة «قوة العمل» سوى اسم آخر لإنتاجية العمل الاجتماعي التي تجعل عمل شخص ما قادرا على إعالة عدة أشخاص آخرين.

إن إنتاجية العمل، ولاسيما حينما تكون الشروط الطبيعية مساندة لها عند مستوىً بدائيا من مستويات الحضارة، لا تؤدي وأبدا إلى بيع قوة العمل وإلى استغلالها رأسماليا. ولننظر على تلك المناطق الاستوائية في أمريكا الوسطى والجنوبية التي كانت منذ اكتشاف أمريكا وحتى الآن بداية القرن التاسع عشر مستعمرات اسبانية، إنها مناطق ذات مناخ حار وتربة خصبة يعتبر فيها الموز الغذاء الأساسي للسكان. ويكتب هامبولدت «إنني أشك في أن يكون ثمة وجود في أي منطقة أخرى من العالم لنبتة تنتج كل هذه الكمية من المادة الغذائية في مثل تلك المساحة الصغيرة من الأرض». ويحسب هامبولدت «إن نصف هكتار مزروع بالموز الفاخر، وبامكانه أن ينتج غذاء لأكثر من خمسين شخصا، بينما نجد في أوربا أن نصف الهكتار نفسه بالكاد يعطينا 576 كلغ من الطحين خلال العام الواحد- وهي لا تكتفي لتغذية شخصين». بيد أن الموز لا يتطلب سوى القليل من العناية، إذ حسب زارعيه أن يقبلوا الأرض مرة أو مرتين حول جذوره. ويتابع هامبولدت «عند سفح جبال اكورديلير في وديان فبراكروز وفالا دولبيد وغوار البحار الرطبة، يمكن لإنسان لا يكرس للأمر سوى يومين من العمل السهل في الأسبوع، يمكن له أن ينتج مؤنا تكفي عائلته بأسرها». ومن الواضح أن إنتاجية العمل في ذاتها تسمح هنا بعملية استغلال جيدة، وثمة عالِمٌ ذو روح رأسمالية حقيقية هو مالتوس يصرخ باكيا أمام وصف هذه الجنات الأرضية: «آه يا لها من وسائل هائلة لإنتاج ثروات لا تُنضب»! وبكلمات أخرى أي منجم ذهب في هذا العمل الذي يقوم به آكلو الموز، أي منجم سيتمتع به المقاولون الشجعان لو كان بوسعهم أن يدفعوا هؤلاء الكُسالى إلى العمل! الحقيقة أن سكان تلك المناطق لم يفكروا أبدا في إهلاك أنفسهم من أجل جمع المال، بل كانوا يكتفون بمراقبة الأشجار بين وقت وآخر وأكل موزها بشهية طيبة بينما يمضون بقية وقتهم في الشمس ينعمون بمتع الحياة. ويقول هامبولدت بشكل منهجي: «في المستعمرات الاسبانية تُسمع غالبا أقوالٌ تؤكد بان سكان المنطقة الاستوائية لن يخرجوا أبدا من حالة الخمول التي يعيشون فيها منذ قرون، طالما أن الملك لم يصدر أمره بعد بانتزاع جميع أشجار الموز». وهذا «الخمول»، من وجهة نظر الرأسمالية الأوربية، هو بالتحديد الحالة الذهنية لتلك الشعوب التي لا تزال تعيش في المشاعية البدائية، حيث تقتصر غاية العمل الإنساني على سد الاحتياجات الطبيعية للإنسان، ولا تكون في مراكمة الثروات. وطالما ظلت تلك العلاقات قائمة، لن يكون بالامكان التفكير باستغلال أناس لأناس، مهما كان حجم إنتاجية العمل ولا باستخدام قوة العمل البشري من أجل إنتاج فائض العمل.

لم يكن المقاول الحديث أول من اكتشف خاصية قوة العمل هذه فمنذ العصور الغابرة لم تكف عن مشاهدة استغلال الذين لا يعملون لفائض العمل. فالعبودية في العصور القديمة والقنانة في العصور الوسطى كانتا معا ترتكزان إلى مستوى الإنتاجية الذي كان قد تم الوصول إليه، وإلى قدرة العمل البشري على إعالة أكثر من شخصٍ واحد. فالاثنان ما هما سوى تعبير مختلف عن الأسلوب الذي به كانت طبقة في المجتمع تستفيد من تلك الإنتاجية بجعل طبقة أخرى تعيلها. وبهذا المعنى نجد أن العبد القديم والقن القروسطي هما جدّا العامل المأجور المعاصر. ولكن لا في العصور القديمة ولا في العصور الوسطى لم تصبح قوة العمل سلعة، على الرغم من إنتاجيتها ومن استغلالها. أما ما هو خاص في العلاقات الراهنة بين العامل المأجور والمقاول وما يميز هذا العلاقات عن العبودية والقنانة، فهو الحرية الشخصية التي يتمتع بها العامل. اليوم نجد أن يبع قوة العمل قضية خاصة بالإنسان، عملية طوعية وتستند إلى الحرية الفردية التامة. وشرطها أن يكون العامل إنسانا لا يملك أدوات إنتاج. فإذا كان يملك تلك الأدوات سيكون في وسعه أن ينتج بنفسه سلعا دون أن يضطر لبيع قوة عمله. إن الفصل بين قوة العمل وأدوات الإنتاج هو، إضافة إلى الحرية الشخصية، ما يجعل قوة العمل سلعة. في الاقتصاد العبودي، لم تكن قوة العمل مفصولة عن أدوات الإنتاج، بل كانت تشكل بدورها أداة إنتاج وتخص المالك كجزء من ملكيته الخاصة، مثل الأدوات والمواد الأولية الخ. لم يكن العبد سوى جزء من كتلة من أدوات الإنتاج تخص مالك العبيد. في القنانة، تكون قوة العمل مرتبطة بأدوات الإنتاج، بالأرض القابلة للزراعة، أي لا تكون سوى أداة ثانوية من أدوات الإنتاج. فالجزيات والأعشار هنا لا يقدمها الأشخاص بل الأرض، فإذا تحولت الأرض إلى أيدي عمال آخرين عن طريق الوراثة أو عن أية طريق أخرى، فالوضع نفسه يكون وضع الأعشار.

اليوم صار العامل حرا بصورة شخصية، لم يعد ملكا لأحد ولم يعد ملحقا بأية أداة من أدوات الإنتاج. فاليوم صارت أدوات الإنتاج مملوكة لبعض الأيدي، وصارت قوة العمل مملوكة للأيدي الأخرى، والمالكان يتجابهان كمشتر وبائع حرين ومستقلين، البائع كمشترٍ، والعامل كبائع لقوة العمل. إن الحرية الشخصية والفصل بين أدوات الإنتاج وقوة العمل، لا يؤديان دائما إلى العمل المأجور وإلى بيع قوة العمل حتى ولو كانت إنتاجية العمل مرتفعة. ولقد رأينا مثلا على هذا في روما القديمة بعد أن طُردت جمهرة المزارعين الصغار الأحرار من أراضيها بفعل تشكل الملكيات الكبيرة للنبلاء الذين كانوا يستغلون العبيد. لقد ظلوا من الناحية الشخصية أناسا أحرارا، لكنهم بسبب عد امتلاكهم للأراضي، أي لأدوات الإنتاج، أخذوا يتدفقون على روما بوصفهم بروليتاريين أحرارا. وع هذا لم يكن في وسعهم بيع قوة عملهم لأنهم لو حاولوا لما وجدوا من يشتري، فالملاكون الأغنياء والرأسماليون لم يكونوا بحاجة لشراء قوة عمل حرة، لأنهم كانوا في الواقع عالة على عبيدهم. فعمل العبيد كان في حد ذاته كافيا للاستجابة لاحتياجات كبار الملاكين الذين كانوا يجعلون العبيد يصنعون لهم كل الأشياء الممكنة. ولم يكن بامكانهم أن يستخدموا قوة العمل إلا لما في شأنه أن يستجيب لحاجات حياتهم الخاصة وترفهم، وذلك لأن هدف الإنتاج الذي كان يقوم به العبيد كان الاستهلاك وليس بيع السلع. كان البروليتاريون الرومانيون غير قادرين على العيش بفضل عملهم، لذا لم يبق أمامهم إلا العيش بفضل التسول، ونيل صدقات الدولة، والتوزيع المنتظم للإعاشة. بدلا من العمل المأجور كانت روما القديمة تعيل الناس الأحرار المحرومين بفضل أموال الدولة. وهذا ما جعل عالم الاقتصاد الفرنسي سيسموندي يقول: «في روما القديمة كان المجتمع يعيل بروليتارية أما اليوم فإن البروليتاريين هم الذين يعيلون المجتمع». وإذا كان عمل البروليتاريين اليوم قصده إعالتهم وإعالة أشخاص آخرين، وإذا كان بيع قوة العمل قد صار ممكنا، فلأن العمل الحر صار الشكل الوحيد للإنتاج ولأنه بوصفه اقتصادا سلعيا، لم يعد هدفه الاستهلاك المباشر بل البيع. في الماضي كان مالك العبيد يشتري العبيد لراحته وترفه، وفي العصور الوسطى كان السيد كان السيد الإقطاعي ينتزع الأعشار والجزيات من الأقنان للغاية نفسها: أي لكي يعيش حياة رغده مع أهله. أم المقاول الحديث فإنه لا يجعل العمال ينتجون البضائع والملابس وأدوات الترف لاستهلاكه الخص، بل هو ويجعلهم ينتجون سلعا لبيعها مقابل المال. وهذا ما يجعل منه رأسماليا وفي العامل أجيرا.

إن بيع قوة العمل كسلعة، يفترض سلسلة العلاقات التاريخية والاجتماعية المحددة. فظهور سلعة «قوة العمل» في السوق يشير:
إلى أن العامل شخص حر.
إلى أنه مفصول عن أدوات الإنتاج وأن هذه الأدوات موجودة بين أيدي أولئك الذين لا يعملون.
إلى أن إنتاجية العمل صارت ذات مستوى مرتفع، بمعنى أن بامكانه أن تنتج فائض عمل.
وإلى أن الاقتصاد السلعي صار مهيمنا، بمعنى أن تحقيق فائض العمل على شكل سلع للبيع هو الهدف من شراء قوة العمل.

من وجهة نظر السوق يمكننا ان نقول بأن شراء وبيع سلعة «قوة العمل» مسألة عادية للغاية، تحدث ألوف المرات في كل لحظة، كما هو حال شراء الأحذية أو البصل. إن قيمة السلعة وتنويعاتها، سعرها وتأرجحاته، تساوي البائع والشاري في السوق واستقلالهما، والطابع الحر للصفقة – كل هذا يشبه تمام أية عملية شراء أخرى. ومع هذا فإن القيمة الاستعمالية الخاصة لهذه السلعة، والعلاقات الخاصة التي تخلقها قيمة الاستعمال هذه، يجعلان من هذه العملية اليومية التي يعرفها عالم السوق علاقة اجتماعية خاصة. وللنظر الآن إلى ما يترتب عليها.

إن المقاول يشتري قوة العمل وهو، مثل أي مشترٍ آخر، يدفع قيمتها، أي يدفع نفقات الإنتاج، حين يدفع للعامل سعرا هو الأجر الذي يقيم أود العامل. إن قوة العمل المشتراة قادرة، بمساعدة أدوات الإنتاج المستخدمة في المجتمع إنتاج ما يزيد عن نفقات الإعالة. وفي هذا يكمن شرط كل العملية التي، لولا هذا لما كان لها أي معنى على الإطلاق، وفي هذا تكمن القيمة الاستعمالية لسلعة «قوة العمل». وبما أن قيمة إعالة قوة العمل محددة، كما هو الحال بالنسبة لكل سلعة أخرى، بكمية العمل الضروري لإنتاجها، بإمكاننا أن نقر بان الغذاء والملبس الخ، يتطلبان، إذ يسمحان بإبقاء العامل يوميا في حالة القدرة على العمل، يتطلبان مثلا ست ساعات من العمل. إذن فإن سعر سلعة «قوة العمل»، أي الأجر، ينبغي أن يكون نقدا يوازي ست ساعات من العمل. غير أن العامل لا يشتغل ست ساعات من اجل سيده، بل هو يشتغل لفترة أطول، ولنفترض أنها 11 ساعة. في هذه الساعات الإحدى عشر يكون العامل قد رد لسيده ست ساعات هي قيمة الأجر الذي ناله، ثم أضاف إليها 5 ساعات من العمل الجاني يقدمها هدية لسيده. بمعنى أن يوم العمل لدى كل عامل يتألف من جزأين: جزء مدفوع يقوم فيه العامل وحسب بالتعويض على قيمة إعالته أي يشتغل لنفسه، وجزء غير مدفوع يقوم فيه بعمل مجاني أو بفائض عمل يستفيد من الرأسمالي.

كان الوضع مشابها لهذا الوضع بالنسبة إلى أشكال الاستغلال الاجتماعي السابقة. ففي عهد القنانة كان عمل القن لنفسه وعمله لسيده متميزين في الزمان وفي المكان. فالفلاح كان يعرف تماما وبأية كمية كان يشتغل لنفسه، ومتى وبأية كمية كان يشتغل لإعالة سيده النبيل أو رجل الدين. أولا كان يشتغل لبضعة أيام في أرضه الخاصة، ثم كان يشتغل لبضعه أيام أخرى في أرض السادة. أو أنه كان يشتغل صباحا في حقله وبعد الظهر في حقل السيد، أو أسابيع في حقله وبضعة أسابيع في حقل السيد. ففي قرية دير ماوروس مونستر في الألزاس كان هذا العمل في أواسط القرن الحادي عشر يحدد على الشكل التالي: منذ أواسط نيسان حتى أواسط أيار كانت كل عائلة فلاحية تقدم رجلا لثلاثة أيام في الأسبوع، ومن شهر أيار إلى عيد القدس يوحنا كانت تقدم بعد ظهر يوم واحد في الأسبوع. ومن عيد القديس يوحنا حتى أيام الحصاد كانت تقدم يومين في الأسبوع، أما أيام الحصاد نفسها فكانت تقدم ثلاث فترات بهد الظهر في الأسبوع، وفي عيد القدس مارتان حتى عيد الميلاد كانت تقدم ثلاثة أيام في الأسبوع. ومع نهاية العصور الوسطى، مع تطور نظام القنانة كانت أعمال السخرة تزيد بشكل كانت معه تلك الأعمال تجري في كل أيام الأسبوع وكل أسابيع السنة بحيث أن الفلاح كان لديه بالكاد وقت يعمل فيه لحسابه الخاص. وحتى في ذلك الحين كان الفلاح يعلم بأنه لا يشتغل من أجل نفسه فقط بل من أجل الآخرين. لم يكن الفلاح قادرا على رسم أوهام كثيرة حول وضعه.

في العمل المأجور المعاصر، يبدو الوضع مختلفا تمام الاختلاف. فالعامل الآن لا ينتج خلال الجزء الأول من يومه حوائج يحتاجها: الغذاء واللباس الخ. ثم ينتج بعد ذلك حوائج أخرى لسيده. إن عالم المصنع ينتج طوال النهار الشيء نفسه، شيئا لا يحتاجه هو نفسه إلا جزئيا أو لا يحتاجه على الإطلاق: رافعات من الفولاذ أو قطع من الكاوتشوك أو أقمشة من الحرير أو صفائح من الزنك الخ. في كتلتها غير المتميزة تشبه البضائع التي ينتجها العامل خلال النهار بعضها البعض بحيث لا يمكن للمرء أن يلاحظ أي فارق فيما بينها، كما لا يمكن لأحد أن يلاحظ أن جزءا منها يمثل عملا مدفوعا وجزءا يمثل عملا غير مدفوع، أو أن جزءا منها يخص العامل وجزءا آخر يخص السيد. بل على العكس من هذا لا يكون للإنتاج الذي يعمل فيه العامل أية فائدة بالنسبة إليه، وهو لا يمتلك أي جزء منه، إن كل ما ينتجه العامل يخص المقاول. وهنا يكمن فارق خارجي كبير بين العمل المأجور وبين القنانة. كان للقن قليل من الوقت يعمل فيه في حقله الخاص والعمل الذي كان يقوم به كان يخصه. أما في حالة العمل المأجور المعاصر فإن إنتاجه كله يخص السيد وعمله في المصنع يبدو غير ذي علاقة بإعالته. لقد تلقى العامل أجره وبإمكانه أن يفعل به ما يشاء. ومقابل هذا ها هو مجبر على القيام بالعمل الذي يطلبه منه سيده وكل ما ينتجه يخص هذا السيد. والفارق، الذي لا يراه العامل، يظهر في دفاتر حسابات السيد، حين يقوم هذا الأخير بحسبان مردود إنتاج عماله. وبالنسبة إلى الرأسمالي يكمن هنا الفرق بين مجموع المال الذي يقبضه بعد بيع المنتوج وبين النفقات التي يدفعها سواء مقابل أدوات الإنتاج أو على شكل أجور للعمال. أما ما يتبقى له كربح فهو القيمة التي يخلقها العمل غير المدفوع أي فائض القيمة التي ينتجها العمال. إن كل عامل ينتج في البداية ما يوازي أجره، وبعد ذلك ينتج فائض القيمة الذي يقدمه هدية للرأسمالي، حتى ولو كان لا ينتج غير قطع من الكاوتشوك وأقمشة حريرية وصفائح من الفولاذ. فإذا كان العامل قد حاك 11 مترا من الحرير في 11 ساعة، فإن 6 أمتار منها تشكل قيمة أجره فيما تشكل الأمتار الخمسة الباقية فائض القيمة الذي يناله سيده. إن للفارق بين العمل المأجور والقنانة نتائج أخرى بالغة. فالعبد أو القن كانا يقدمان عملهما من أجل احتياجات خاصة، من أجل استهلاك السيد، كانا ينتجان من أجله مؤنا وألبسة ومفروشات وأدوات ترفيه الخ. كان هذا هو نمط التعامل قبل أن تتدهور العبودية والقنانة وتتهاويا تحت تأثير التجارة. إن لإمكانيات الاستهلاك لدى الإنسان وحتى لترف الحياة الخاصة، حدودها في كل عهد. فمالك العبيد القديم ونبيل العصور الوسطى لم يكن في وسعهما أن يمتلكا أكثر من مخازن ملأى، واسطبلات حافلة، وثياب غنية وحياة مرفهة لهما ولمن يحيط بهما، ومنازل مفروشة بشكل جيد. وهما لم يكن في وسعهما أن يحتفظا بكميات احتياطية كبيرة من أدوات الاستخدام اليومية، إذ أنها سرعان ما تتلف: فالحبوب قد ينخرها السوس أو تأكلها الفئران والجرادين، واحتياطي الشعير والقش يحترق بسهولة، والملابس تتلف الخ. ناهيك عن صعوبة الاحتفاظ بمنتجات الحليب والفاكهة والخضار. كان للاستهلاك، حتى وسط حياة بالغة التبذير، حدوده الطبيعية في الاقتصاد العبودي والقني، وبالتالي كان لاستغلال العبد أو القن حدوده. لكن الأمر يختلف بالنسبة إلى المقاول الذي يشتري قوة العمل من أجل إنتاج السلع. في معظم الأحوال، يبدو ما ينتجه العامل في المصنع غير مفيد لا له ولا لسيده. فهذا الأخير لا يجعله ينتج ثيابا أو غذاء له، بل يجعله ينتج سلعة لا يحتاجها هو نفسه، يجعله ينتج أقمشة حريرية أو صفائح أو توابيت يعمل سريعا إلى التخلص منها، أي إلى بيعها، بجعله ينتجها ليكسب منها مالا. وعلى هذا النحو ينال ما كان قد أنفقه. أي أن فائض العمل قد أُعطي له على شكل نقود. ولهذه الغاية أي لكي يحقق أرباحا نقدية بواسطة عمل العمال غير المدفوع، يقوم صاحبنا بهذه الصفقة ويشتري قوة العمل. بيد أننا نعرف أن المال هو وسيلة مراكمة الثروات غير المحدودة. والثروة، على شكل نقدي، لا تفقد شيئا من قيمتها حتى ولو خزنت لفترة طويلة من الزمن. بل على العكس من هذا وكما سوف نرى، من المعلوم أن الثروة المخزونة على شكل نقود تزداد قيمة مع الوقت.إن الثروة على شكل نقود لا تعرف أية حدود وقيمتها تزيد بما لا نهاية له. كذلك نجد أيضا أن ظمأ الرأسمالي المعاصر لفائض العمل ليس له حدود أيضا، وكلما زاد ما يكسبه بفضل عمل عماله غير المدفوع كلما كان الأمر أفضل بالنسبة إليه. انتزاع فائض القيمة، وانتزاعه بدون حدود، ذلكم هو هدف شراء قوة العمل ودوره.

إن توجه الرأسمالي الطبيعي نحو زيادة فائض القيمة التي ينتزعها من العمال يجد دربين بسيطين يقومان من تلقائهما، هذا إذا نظرنا بعين الاعتبار إلى الطريقة التي بها ينقسم يوم العمل. إن يوم العمل لدى كل عامل مأجور يتألف عادة من جزأين: جزء يعيد فيه العامل أجره، وجزء يقدم فيه عملا غير مدفوع الأجر، أي يقدم فيه فائض القيمة. والمقاول، في سبيل زيادة الجزء الثاني حتى الحدود القصوى، بإمكانه أن يسلك سبيلين: فإما أن يطيل من ساعات يوم العمل، وإما أن يقلص من الجزء الأول، أي من الجزء المدفوع من يوم العمل، بمعنى أن يخفض من أجر العامل. وعمليا نجد أن الرأسمالي يلجأ إلى الطريقتين، ومن هنا يتأتى اتجاه مزدوج في نظام العمل المأجور: اتجاه لتمديد يوم العمل، واتجاه لتقليص الأجور.

عندما يشتري الرأسمالي سلعة قوة العمل، يشتريها، مثل أية سلعة أخرى، بقصد تحقيق مكاسب عبرها. فكل مشترٍ لسلعة يسعى لتحقيق أكبر كمية ممكنة من الاستخدام من سلعته هذه. إن الاستخدام الكامل للسعة وكل ما تحققه من مكاسب أمران يخصان المشتري. إن للرأسمالي الذي اشترى قوة العمل، ومن جهة نظر شراء السلعة، الحق في الإصرار على أن تخدمه السلعةالمشتراة لأطول فترة ممكنة من الزمن: فإذا اشترى قوة العمل لمدة أسبوع، له الحق في استخدامها خلال الأسبوع، كما أن له الحق، من وجهة نظره كمشترٍ، في جعل العامل يشتغل 7 مرات الأربعة والعشرين ساعة التي يتألف منها اليوم، لو كان هذا بمقدوره، من جهة أخرى نجد أن للعامل وجهة نظر معاكسة، بوصفه بائعا للسلعة. صحيح أن استخدام قوة العمل أمر يخص الرأسمالي، غير أن هذا الاستخدام يجد حدوده في القوة الجسمانية والذهنية للعامل. فالحصان مثلا بوسعه أن يعمل 8 ساعات في اليوم دون أن يهلك. والإنسان ينبغي عليه لكي يستعيد القوة التي أنفقها في العمل، ينبغي عليه أن يحصل على فترة ما يتناول فيها غذاءه ويرتدي ملابسه ويرتاح قليلا الخ. فإذا لم يحصل على هذه الفترة لا يحصل لقوة عمله أن تهلك وحسب بل هي تتحطم أيضا. فالإفراط في العمل يضعف العامل ويقصر من أجله، فإذا حصل إن عمد الرأسمالي، بفعل استخدام غير موزون لقوة العمل إلى تقصير حياة العامل أسبوعين في الأسبوع الواحد، فإن الأمر يكون كما لو أنه يمتلك ثلاثة أسابيع من حياة هذا العامل مقابل أجر أسبوع واحد. ودائما من وجهة نظر تجارة السلع يعني هذا أن الرأسمالي يسرق العامل. وفيما يتعلق بطول يوم العمل، نجد أن الرأسمالي والعامل يدافعان في السوق، عن وجهتي نظر متعارضتين. أما الطول الفعلي ليوم العمل فإنه لا يتقرر إلا كمسألة توازن قوي عبر صراع يقوم بين الطبقة الرأسمالية والطبقة العاملة. ليس ليوم العمل في ذاته حدودا محددة بدقة، فنحن نعثر، تبعا للعهود وللأماكن على أيام عمل من 8 و10 و12 و14 و16 و18 ساعة. إن يوم العمل محور صراع طويل الأمد. وفي هذا الصراع يمكننا أن نميز مرحلتين هامتين. تبدأ أولاهما منذ نهاية العصور الوسطى في القرن الرابع عشر حين كانت الرأسمالية تقطع أولى خطواتها الخجولة وتشرع في تحطيم سلاسل المنغلقات الحرفية. في العهد الأكثر ازدهارا للحرفية كان الزمن الاعتيادي للعمل اليومي يصل إلى عشر ساعات، أما أوقات الطعام والنوم والراحة وأيام الآحاد والأعياد فكانت تحتسب بشكل رحب ومريح. كانت تلك الأوقات كافية للحرفي القديم بمناهج عمله البطيئة، لكن وقت العمل لم يكن يكفي المؤسسات التي كانت قد بدأت تتخذ شكل مصانع.

كان أول ما انتزعه الرأسماليون من الحكومات قوانين ارغامية تتعلق بتطويل وقت العمل. فمنذ القرن الرابع عشر حتى نهاية القرن السابع عشر، نشاهد في إنكلترا كما في فرنسا وألماني، قوانين تتحدث عن يوم عملٍ أدنى، أي عن منع العمال من الاشتغال أقل من الفترة المحددة التي كانت في أغلب الأحيان تصل إلى 12 ساعة يوميا. كان النضال ضد كسل العمال يمثل الصرخة الكبرى منذ العصور الوسطى حتى القرن الثامن عشر، أي منذ تحطمت سلطة المنغلقات الحرفية القديمة وصار ثمة جماهير بروليتارية لم تعد تمتلك من أدوات العمل سوى بيع قوة عملها. ومنذ ولدت، من جهة أخرى، المصانع الكبيرة بإنتاجها الضخم، فمع حدوث ذلك كله كانت قد حدثت بالفعل انعطافة أساسية. لقد شُرع آنذاك في الضغط على العمال من كل الأعمار ومن الجنسين بشكل كان من القسوة بحيث أن شعوب العمال تزاحمت خلال سنوات قليلة وكأن ثمة طاعونا يدفعها. في العام 1863 صرخ نائب أمام البرلمان الإنكليزي قائلا: «لقد صار عمر صناعة القطن 90 سنة… هذه الصناعة التهمت خلال ثلاثة أجيال من العرق الإنكليزي، تسعة أجيال من عمال القطن». وكتب مؤلف برجوازي إنكليزي يدعى جون وايد في كتابه «تاريخ الطبقة الوسطى والطبقة العاملة»: «إن شراهة سادة المصانع جعلتهم يرتكبون، في سعيهم وراء الربح، أعمال عنف وقسوة بالكاد تجاوزها الاسبانيون خلال غزوهم لأمريكا وأثناء بحثهم عن الذهب».

في إنكلترا وفي ستينات القرن التاسع عشر كانت بعض فروع الصناعة، كصناعة القماش المخرم (الدانتيل)، تستخدم أطفالا في التاسعة أو العاشرة من عمرهم يعملون ابتداء من الساعة الثانية والرابعة صباحا حتى الساعة العاشرة والحادية عشر والثانية عشر مساءا. ونحن نعلم الوضع الذي كان يهيمن في ألمانيا في مصانع صب المرايا بالزنبق أو في المخابز كما في مصانع الثياب وصناعة الأدوات المنزلية. إن الصناعة الرأسمالية الحديثة هي أول من اخترع العمل الليلي. ففي جميع المجتمعات السابقة كان الليل يعتبر وقتا تكرسه الطبيعة لراحة الإنسان. لكن المشروع الرأسمالي اكتشف أن فائض القيمة المنتزع ليلا من العمال لا يختلف بشيء عن ذلك الذي ينتزع نهارا، وهكذا قُسم العمال إلى فرق ليلية وفرقٍ نهارية، كذلك كان حال أيام الآحاد التي، بعد أن كانت محترمة جدا أيام منغلقات العصور الوسطى، وقعت الآن ضحية للظمأ الرأسمالي لفائض القيمة وأُضيفت إلى أيام العمل الأخرى. ولقد كانت هناك عشرات الابتكارات الصغيرة الأخرى التي أتاحت تطويل يوم العمل: تناول الطعام أثناء العمل دون أي توقف، تنظيف الآلات بعد انتهاء العمل وخلال الوقت المخصص للراحة، وليس خلال وقت العمل العادي الخ.

إن هذه الممارسات التي قام بها الرأسماليون، ومورست بحرية دون أي وازع خلال العقود الأولى، جعلت من الضروري قيام سلسلة جديدة في التشريعات حول يوم العمل، والتشريعات هذه المرة لم تقم لتطويل يوم العمل بل لتقصيره. إن هذه البنود الشرعية الجديدة حول الديمومة القصوى ليوم العمل لم يفرضها ضغط العمال بقدر ما افترضتها في البداية غزيرة حب البقاء لدى المجتمع الرأسمالي. فلقد كان للعقود الأولى التي تلت ولادة الصناعة الكبرى آثارٌ مهلكة على صحة العمال وشروط حياتهم، بحيث أدت إلى نسبة وفيات هائلة وإلى تشويهات جسدية وإلى آثار أخلاقية وأمراض مُعدية وإلى عجز الكثيرين عن تأدية الخدمة العسكرية بحيث بدا وجود المجتمع نفسه مهددا في جذوره. ولقد كان واضحا إنه إذا لم تعمد الدولة إلى وضع لجام في وجه اندفاعة الرأسمال الطبيعية باتجاه فائض القيمة، فإن هذا الفائض من شأنه أن يحوّل، على مدى طويل أو قصير، دولا بأسرها إلى مقابر جماعية، لن يعود أحد يرى فيها سوى عظام العمال. بدون عمال لن يكون ثمة استغلال للعمال. لذا كان على الرأسمال، ومن أجل صالحه الخاص ومن أجل تمكينه من استغلال العمال في المستقبل، كان عليه أن يفرض بضعة حدود على الحجم الراهن للاستغلال. كان من الضروري توفير قوة الشعب بعض الشيء من أجل ضمان استمرار استغلاله. وكان من الضروري التحول من اقتصاد نهبٍ لا مردود إلى استغلال عقلاني. ومن هنا ولدت أول القوانين المتعقلة بيوم العمل الأقصى، كما ولدت كل الإصلاحات الاجتماعية البرجوازية. كانت قوانين الصيد نموذجا لهذا الوضع، فتماما كما أن القوانين قد حددت وقتا معينا للعيد بهدف جعل العصافير تتكاثر لكي يسهل صيدها بانتظام. كذلك جاءت الإصلاحات الاجتماعية لتسهل فترة من الراحة لقوة عمل البروليتاري لكي يمكنه أن يستخدم بشكل أفضل على أيدي الرأسماليين. أو كما يقول ماركس: «إن تحديد العمل في المصنع فرضته نفس الضرورة التي تجبر المزارع على وضع السماد في حقله». أما التشريعات في المصانع فإنها جاءت خطوة خطوة، تحدثت أولا عن النساء والأطفال بعد نضال عنيف دام عشرات السنين ضد المقاومة التي أبداها الرأسماليون الأفراد. وبعد ذلك كان دور فرنسا، فثورة شباط 1848 أعلنت، بضغط من البروليتاريا الباريسية المظفرة، أعلنت عن يوم عمل لا يزيد عن 12 ساعة وكان ذلك أول قانون عام حول وقت العمل بالنسبة لكل العمال، بل وحتى بالنسبة إلى البالغين في كل فروع الصناعة. وفي الولايات المتحدة في العام 1861 منذ نهاية الحرب الأهلية التي ألغت الرق، بدأ العمال تحركا عام في سبيل يوم عمل لا يزيد عن 8 ساعات، بعد ذلك امتد ذلك التحرك ليشمل القارة الأوربية بأسرها. وفي روسيا وُلدت أول القوانين التي تحمي النساء والأطفال القاصرين، وُلدت بفعل التحرك في مصانع منطقة موسكو في العام 1882، كما تقرر يوم العمل من 11,5 ساعة للرجال بفضل أولى الاضرابات العامة التي قام بها ستون ألفا من عمال النسيج في بطرسبرغ خلال العامين 1896-1897. أما ألمانيا التي صدرت فيها حتى الآن قوانين تحمي النساء والأطفال فإنها في ذيل الدول الكبيرة الحديثة… في هذا المجال.

نحن لم نتحدث حتى الآن إلا عن سمة واحدة من سمات العمل المأجور: وقت العمل، ورأينا أن الشراء البسيط والبيع البسيط لسلعة «قوة العمل»، قد أديا إلى ظواهر فريدة من نوعها. ولا بد هنا في أن نقول مع كارل ماركس: «إن علينا أن نعترف بان عاملنا قد خرج من الحصاد الحاد للإنتاج بشكل يختلف عن الشكل الذي دخل به. كان عاملنا هذا قد طرح نفسه في سوق العمل كمالكٍ لسلعة «قوة العمل»، ذلك إزاء مالكي السلع الأخرى، طرح نفسه كتاجر مقابل تاجر آخر. أما العقد الذي باع قوة عمله تبعا له فبدا وكأنه نتيجة اتفاق بين إرادتين حرتين، إرادة البائع وإرادة المشتري. وما أن تمت الصفقة حتى اكتشف صاحبنا بأنه ليس طرفا حرا بأي حال من الأحوال، وأن الزمن الذي باع قوة عمله من أجله هو الزمن الذي من أجله أُجبر على بيع قوة عمله. وأن الغول الذي يمص دمه لن يتركه طالما بقيت لديه في جسمه عضلة واحدة وعصبٌ واحد ونقطة دم واحدة يمكن استغلالها. ومن أجل الدفاع عن أنفسهم ضد الأفاعي التي تهلكهم صار ينبغي على العمال أن يجعلوا من أنفسهم رأسا واحدا وقلبا واحدا، ينبغي عليهم، بجهد جماعي عظيم، وبضغط تقوم به طبقة بأسرها، ينبغي عليهم أن يقيموا سدا لا يمكن تجاوزه، حاجزا اجتماعيا يمنعهم من يبع أنفسهم لرأس المال بواسطة عقد حر يربطهم هم وذريتهم، حتى العبودية والموت».

إن المجتمع الراهن، وعبر قوانين حماية العمل، يعترف وللمرة الأولى بأن المساواة والحرية الشكليتين اللتين هما أساس الإنتاج وتبادل السلع، قد أفلستا، وتحولتا إلى نقيضيهما منذ اللحظة التي صارت فيها قوة العمل على شكل سلعة.

-2-

تكمن الطريقة الثانية التي يلجأ إليها الرأسمالي لزيادة فائض القيمة في تخفيض الأجور. فالأجر، كما هو الحال يوم العمل ليست له أية حدود معينة. وحين نتحدث عن الأجر ينبغي علينا قبل أي شيء آخر أن نميز بين المال الذي يقبضه العامل من المقاول وبين كمية وسائل العيش التي يتلقاها مقابل هذا المال. فإن نخن علمنا أن العامل يتلقى أجرا قيمته ماركان (2 مارك) يوميا لا نكون قد علمنا أي شيء على الإطلاق. وذلك لأن ما يشتريه العامل بالماركين في الفترات التي تكون فيها الحياة غالية، يقل كثيرا عما يمكن له أن يشتريه في الفترات التي تكون فيه الحياة رخيصة، وفي بلد ما توازي قطعة الماركين مستوى حياة يختلف عن المستوى الذي توازيه فيه هذه السلعة في بلد آخر، بل ويصدق الأمر في فارق يقوم بين منطقة وأخرى في البلد نفسه، وعلى هذا النحو يمكن للعامل أن يتلقى في مرة من المرات أجرا يفوق ما كان يتلقاه في مرة سابقة مثلا دون أن يعني هذا أنه يعيش الآن في شكل أفضل، هذا إذا لم يكن مستوى حياته الجديد أكثر سوءا. إن الأجر الحقيقي هو مجموع وسائل العيش التي يحصل عليها العامل بينما لا يكون الأجر النقدي سوى أجرٍ اسمي. فإذا لم يكن الأجر سوى التعبير النقدي عن قيمة قوة العمل، فإن هذه القيمة تتمثل في كمية العمل المستخدم لإنتاج وسائل العيش الضرورية للعامل. فما هي «وسائل العيش الضرورية»؟ بشكل مستقل عن الفوارق الفردية بين عامل وآخر، وهي فوارق لا تلعب أي دور، نجد أن الفوارق في مستوى معيشة الطبقة العاملة في مختلف البلدان وفي مختلف الأزمان تظهر لنا أن المفهوم الذي أمامنا مفهوم قابل للتغير ومرن. فالعامل الإنكليزي المرفه يعتبر أن تناول شريحة اللحم بشكل يومي أمر ضروري للحياة، أما الحمال الصيني فيمكنه أن يعيش على قبضة من الرز. وبالنظر إلى الطابع المرن لمفهوم «وسائل العيش الضرورية»، يدور على الدوام صراع شبيه بالصراع المتعلق بطول يوم العمل، بين الرأسمالي والعمال يتعلق بحجم الأجر. فالرأسمالي ينطلق من وجهة نظر كمشتر للسلع ويعلن قائلا: «صحيح أنه ينبغي عليّ، مثل كل مشتر نزيه، أن ادفع ثمن سلعة «قوة العمل» بما يتلاءم مع قيمتها، ولكن ما هي قيمة قوة العمل؟ حسنا! إنني أعطي عاملي بقدر ما يحتاج لعيشه، وما هو ضروري بصورة مطلقة لإقامة أود الإنسان أمر يحدده العلم والطب أولا ثم التجربة الكونية ثانيا. ومن البديهي القول أنني أعطي هذا الحد الأدنى الضروري، وذلك لأنني لو أعطيت قرشا زيادة، لن أكون مشتريا نزيها، بل إنسانا أحمق، أبله يقدم من جيبه هدايا لذاك الذي منه اشترى البضاعة، كذلك أنا لا أقدم قرشا هدية للاسكافي الذي أتعامل معه أو لبائع الستائر، بل إنني أحاول دائما أن اشتري بضاعتهما بأرخص ما يمكن. كذلك أسعى دائما لشراء قوة العمل بأرخص ما يمكن ولسوف أكون عادلا تمام العدل إن أعطيت عاملي الحد الأدنى الذي به يعتاش».

من وجهة نظر الإنتاج السلعي، من المؤكد أن الرأسمالي محق تماما فيما يقوله. والعامل ليس بأقل صوابا منه حين يجيبه كبائع للسلعة بقوله: «أنا ليس في استطاعتي أن أطالب بما يزيد عن القيمة الفعلية لسلعة «قوة العمل» التي أملكها. لهذا أطالب بأن تعطيني القيمة الحقيقية لسلعتي بمعنى أنني لا أرغب في الحصول على ما يزيد عن وسائل العيش الضرورية لي. كم حجم تلك الوسائل وما هي؟ إنك تقول أن الطب والتجربة يجيبان على هذا السؤال بتأكيدها على الحد الأدنى الذي يحتاجه الإنسان لكي يعيش. إذن فواضح أنك تقصد «بوسائل العيش الضرورية» الضرورة الفيزيولوجية المطلقة. لكن هذا أمر يتناقض مع قانون تبادل السلع. وذلك لأنك تعرف خيرا مني أن ما يحدد قيمه سلعة في السوق هو العمل الضروري اجتماعيا لإنتاجها. لو حمل إليك إسكافيّك زوجا من الأحذية وطلب فيها عشرين ماركا لأنه اشتغل عليها أربعة أيام، ستقول له: «لقد اشتريت هذا الحذاء نفسه من المصنع بـ 12 مارك لأنه يصنع هناك في يوم واحد بواسطة الآلات. أي أن عملك الذي استغرق أربعة أيام لم يكن ضروريا اجتماعيا لأن إنتاج الأحذية آليا صار رائجا-، حتى ولو كان ضروريا لك أنت الذي لا تملك الآلات. لا يمكنني أن أفعل أي شيء لأجلك ولن أدفع لك سوى العمل الضروري اجتماعيا أي 12 مارك. إنك تفعل هذا الأمر بالنسبة لشراء الأحذية، لذا يتوجب عليك أن تدفع لي النفقات الضرورية اجتماعيا لإعالة قوة عملي حين تشتريه. إنه ضروري لعيشي اجتماعيا كل ما يعتبر ضروريا بالنسبة إلى رجل ينتمي لطبقتي في هذا البلد رقي هذا العصر. باختصار أنت لا ينبغي عليك أن تعطيني فقط الحد الأدنى الضروري فيزيولوجيا، مما يبقيني على قيد الحياة مثل حيوان وحسب، بل ينبغي عليك أن تعطيني الحد الأدنى الساري اجتماعيا، والذي يضمن لي مستوى حياة عادي. فلو فعلت هذا ستكون مشتريا نزيها دفع القيمة الحقيقية للسلعة وإلا ستكون قد اشتريتها بما يقل عن قيمتها».

وهكذا نرى، أن العامل، من وجهة نظر سلعية بحتة، محق فيما بقوله بقدر ما الرأسمالي محق. لكنه غير قادر على فرض وجهة النظر هذه إلا على المدى الطويل، وذلك لأنه لا يمكن له أن يفرضها إلا كطبقة اجتماعية، أي عبر الجماعة، وعبر التنظيم، فمع تشكل النقابات والحزب العمالي فقط، سيكون بوسع الأجير أن يبدو في فرض بيع قوة عمله بقيمتها الحقيقية، أي فرض مستوى حياته كضرورة اجتماعية. قبل ظهور النقابات في بلد ما وفي فرع ما من فروع النشاط الاقتصادي، كان العامل الحاسم في تحديد الأجور اتجاه الرأسماليين لتخفيض حجم وسائل العيش الضرورية فيزيولوجيا، أي حيوانيا، بمعنى اتجاههم لدفع قيمة لقوة العمل تقل عن قيمتها الحقيقية بكثير. والأزمان التي لم تكن فيها التحالفات والمنظمات العمالية قادرة بعد على مقاومة هيمنة الرأسمال الجشعة، أدت كذلك إلى تدهور بربري لأوضاع الطبقة العاملة سواء فيما يتعلق بالأجور أو بزمن العمل… وهذا كله كان قبل صدور التشريعات الصناعية. إنها حملة صليبية قام بها الرأسمال ضد كل آثار الرفاهية والراحة التي كانت قد بقيت للعمال من أيام الحرفية والاقتصاد الزراعي البسيط، وكانت تلك الحملة عبارة عن جهد يهدف إلى تقليص استهلاك العامل ليقتصر على مجرد امتصاصٍ للحد الأدنى من الغذاء، تماما كما يحدث حين تطعم الماشية أو تزيت الآلات. والعمال الذين كانوا يعيشون في أخفض المستويات ولا تُسد سوى أقل احتياجاتهم كانوا يُذكرون كنموذجٍ أمام العمال «المدللين» أكثر من اللازم. إن هذه الحملة ضد مستوى حياة العمال بدأت في إنكلترا، مثلما كان حال الرأسمالية نفسها. وفي القرن الثامن عشر قال الكاتب الإنكليزي: «وماذا لو ننظر إلى الكمية المذهلة من الأشياء التافهة التي يستهلكها عمال مصانعنا: المسكرات، البن، الشاي، السكر، الفواكه المثيرة، البيرة القوية، الأقمشة المطّبعة، التبغ الخ». ومع مثل هذا القول كان العمال الفرنسيون والهولنديون والألمان يُذكرون أمام العمال الإنكليز كنموذج على التواضع. وعن هذا الوضع كتب صاحب مصنع إنكليزي يقول: «إن العمل هو أرخص في فرنسا منه في إنكلترا: ولأن البائسين (وهو الاسم الذي كان يطلق على العمال) الفرنسيين يعملون بجهد لكنهم متواضعون في طعامهم ولباسهم، فهم يكتفون في أعلب الأحيان بتناول الخبز والفواكه والأعشاب والسمك المجفف، ونادرا ما يأكلون اللحم، ويكتفون بالقليل حين يكون القمح غاليا».

وعند بداية القرن التاسع عشر وضع أمريكي هو الكونت رامغو رد كتابا أسماه «كتاب الطبخ للعمال» وملأه بوصفات تجعل الغذاء أرخص. وهاكم وصفة منتزعة من ذاك الكتاب الشهير الذي استقبل استقبالا طيبا من قبل برجوازيي عدد من البلدان: «5 ليبرات من الشعير، 5 ليبرات من الذرة، 30 جزء من الليبرة من سمك الرنكة، عشرة أجزاء من الملح، 10 أجزاء من الخل، 20 جزء من البهار والأعشاب، المجموع 2,08 مارك- وهي مواد تعطي حساء يكفي 64 شخصا، بل ويمكن تخفيض كلفة الشخص الواحد 3 أجزاء حسب معدل أسعار الحبوب». مما لاشك فيه أن عمال مناجم أمريكا الجنوبية يعيشون بفضل أقسى أنواع العمل في العالم، إذ يقوم عملهم في نقل بين 90 و100 كلغ من المعادن يوميا على أكتافهم، على مسافة من عمق الأرض حتى سطحها تصل إلى 450 قدما، لكنهم مع هذا يعيشون كما يقول جوستوس ليبنغ بفضل الخبز والفول وحدهما. هم أنفسهم يفضلون تناول الخبز وحده، لكن أسيادهم اكتشفوا بأنهم يعملون بشكل أبطأ لو تناولوا الخبز وحده، فعمدوا إلى معاملتهم معاملة الأحصنة وأجبروهم على تناول الفول، لأن الفول يساهم في تكوين العظام بشكل أفضل من الخبز. في فرنسا كانت أول ثورة سببها الجوع في العام 1831 قام بها عمال النسيج في ليون، ثم في عهد الإمبراطورية الثانية حين دخلت المكننة فرنسا بدأ الرأسمال في سلوك أبشع السبل لتخفيض الأجور، حيث عمد المقاولون إلى ترك المدن والتوجه إلى الأرياف طمعا في الحصول على أيد عاملة أرخص. وهم ذهبوا إلى أبعد من هذا بتشغيلهم النساء ومقابل أجر يومي للمرأة لا يزيد عن قروش قليلة. لكن تلك الأوقات السعيدة لم تدم فترة طويلة، وذلك لأن مثل تلك الأجور لم تكن لتسمح حتى بالعيش الحيواني. أما في ألماني فإن الرأسمال أوجد شروطا مشابهة في مصانع النسيج في البداية حيث أدت الأجور التي خفضت لما دون الحد الأدنى الفيزيولوجي أدت في أربعينات القرن التاسع عشر إلى قيام ثورات قام بها عمال النسيج في سيليزيا وبوهيميا. اليوم نجد أن الحد الأدنى الحيواني يشكل قاعدة للأجور في أي مكان لا تمارس فيه النقابات تحركها في مجال مستوى الحياة كما هو الحال لدى العمال الزراعيين في ألمانيا وفي صناعة الثياب وفي مختلف فروع الصناعات المنزلية.

-3-
تكون الجيش الاحتياطي

حين يزيد من أعباء العمل وينخفض من مستوى حياة العمال حتى الحدود الفيزيولوجية الممكنة ودونها، يصبح الاستغلال الرأسمالي شبيها باستغلال العبيد والأقنان في أسوأ لحظات تدهور هذين النمطين الاقتصاديين، أي عشية زوالها. غير أن ما ولده الإنتاج السلعي الرأسمالي وكان مجهولا تماما في كل العهود السابقة، هو بطالة العمال، أي عدم استهلاكهم، بوصف تلك البطالة ظاهرة دائمة، وهو ما يطلق عليه اسم الجيش الاحتياطي من العمال. إن الإنتاج الرأسمالي يتعلق بالسوق ويتوجب عليه السير تبعا لسير الطلب. وهذا الطلب يتغير باستمرار مولدا على التوالي ما يطلق عليه اسم سنوات ومواسم وشهور الأعمال الطيبة والسيئة.

وعلى الرأسمال أن يتأقلم باستمرار مع هذا التغيير ويشتغل بالتالي أعدادا من العمال تقل حينا وتزيد حينا. وعليه، لكي يكونوا ممتلكا على الدوام الكمية الضرورية من قوة العمل التي تستجيب لمختلف درجات متطلبات السوق، عليه أن يُبقي في الاحتياط على عدد كبير من العمال غير المستخدمين، إلى جانب أولئك الذين استخدمهم. والعمال غير المستخدمين لا يتلقون أجرا لأن قوة عملهم غير مباعة، بل هي موجودة كاحتياطي، أما عدم استهلاك جزء من قوة العمل فإنه جزء لا يتجزأ من قانون الأجور في الإنتاج الرأسمالي.

أما كيف يمكن لهؤلاء العاطلين عن العمل أن يعيشوا فأمر لا يعني الرأسمالي على الإطلاق، فهو يقاوم كل محاولة لإلغاء جيش الاحتياط بوصفها تهديدا لمصالحه الحيوية الخاصة. وأزمة القطن الإنكليزية التي حدثت في العام 1863 تعطينا المثل الصارخ على هذا الواقع. فحين أرغم نقصان القطن الأمريكي الخام الحائكين والنساجين الإنكليز فجأة على وقف إنتاجهم بحيث وجد مليون عامل أنفسهم من دون خبز، قرر قسم من العاطلين الهجرة إلى استراليا هربا من المجاعة. وطلبوا من البرلمان الإنكليزي تخصيص مليون ليرة إنكليزية لتمكين 50 ألف عامل عاطل عن العمل من الهجرة. يومها استثار هذا الطلب العمالي صرخات الاستهجان التي أطلقها صانعو القطن. فالصناعة لا يمكنها أن تعيش من دون آلات، والعمال كالآلات يجب أن يتوفر احتياطي منهم. كان من الواضح أن «البلد» ستحمل خسارة 4 ملايين ليرة لو أن العمال العاطلين والجائعين هاجروا على الفور وبالنتيجة رفض البرلمان تخصيص أموال للهجرة وظل العاطلون في وضعهم يشكلون الاحتياطي الضروري لرأس المال. وثمة مثل صارخ آخر زودنا به الرأسماليون الفرنسيون في العام 1871. فبعد سقوط الكومونة، كانت المجازر التي تعرض لها العمال الباريسيون، تبعا للشرائع وخارجها أيضا، كانت من الضخامة بحيث أنها أدت إلى مقتل عشرات ألوف البروليتاريين، الذين كان معظمهم من خيرة العمال وأنشطهم ومن نخبة الطبقة العاملة، أمام مقتل كل هذه الأعداد من العمال، شعر أصحاب العمل، بعد أن استجابوا لظمأهم للثأر، شعروا بالقلق أمام فكرة نقصان «اليد العاملة» الاحتياطية، الذي قد تكون له آثاره على رأس المال، خاصة وأن الصناعة كانت في طريقها، آنذاك وبعد نهاية الحرب، لتعرف ازدهارا كبيرا في أعمالها. ولهذا عمد عدد كبير من المقاولين الباريسيين للقيام بمساع أمام المحاكم من أجل تخفيف ملاحقة أعضاء الكومونة، وانقاذ أصحاب اليد العاملة من السلطات المدنية، لإعادتهم إلى أحضان الرأسمال.

إن لجيش العمال الاحتياطي، بالنسبة إلى رأس المال، وظيفة مزدوجة: فهو من جهة يزوده بقوة العمل وفي حال حدوث انطلاقة مفاجئة للأعمال، ومن جهة ثانية تأتي المنافسة التي يقوم بها العاطلون لتمارس ضغطا مستمرا على العمال المستخدمين وتخفض أجورهم حتى الحدود الدنيا. ويميز ماركس في جيش الاحتياط أربع شرائح تختلف وظيفتها بالنسبة إلى رأس المال ولها شروط حياة مختلفة عن بعضها البعض. ففي الشريحة العليا هناك عمال الصناعة الذين يتعطلون عن العمل لفترات منتظمة وهم موجودون حتى في أفضل المهن، ووضعهم كأفراد دائم التغير لأن كل عامل منهم يكون عاطلا عن العمل في فترة ما، ثم يستخدم خلال فترات أخرى، أما عددهم فيتغير كثيرا تبعا لسوق الأعمال فيكون كبيرا للغاية في زمن الأزمات وضعيفا حين تتحسن الظروف وهو عدد لا يختفي أبدا بصورة تامة بل يزيد تبعا لتقدم الصناعة. الشريحة الثانية تشكلها جمهرة البروليتاريين غير الموصوفين الذين يتدفقون من الريف إلى المدن، وهؤلاء يتقدمون إلى سوق العمل بمطالب بالغة التواضع ولا يكونون مرتبطين بأي فرع صناعي خاص، هم باختصار يشكلون احتياطي اليد العاملة الصالح لكل أنواع الصناعة. الشريحة الثالثة يشكلها بروليتاريون من مستوى منخفض لا يقومون بأعمال منتظمة ويعيشون على الدوام حالة سعي وراء عمل موسمي. ولدى هذه الشريحة نعثر على أطول أيام العمل وعلى أكثر الأجور انخفاضا. وبهذا المعنى تكون هذه الشريحة مفيدة وضرورية لرأس المال بقدر ما تكون الشريحة العليا مفيدة وضرورية. والعمال المنتسبون إلى هذه الشريحة يأتون غالبا من بين العمال الفائضين عن الصناعة والزراعة ولاسيما من أوساط العمل الحرفي المتدهور وفي الأعمال الثانوية التي تكون في طريقها إلى الزوال. ومن المعلوم أن هذه الشريحة تشكل أساس الصناعات المنزلية وتعمل بين الكواليس خلف المسرح الرسمي للصناعة. إنها لا تنحو أبدا للزوال بل هي على العكس من هذا أبدا في ازدياد أولا لأن تأثير الصناعة على المدينة وعلى الريف يسير في هذا الاتجاه، وثانيا لان لها دائما أكبر نسبة ولادة.

أما الشريحة الرابعة بين شرائح جيش الاحتياط البروليتاري فتتألف من «الفقراء» الحقيقيين الذين ينقسمون على فريق قادر على العمل. وتستخدمهم الصناعة والزراعة جزئيا في فترات ازدهار الأعمال، وفريق غير قادر على العمل يتألف من عمال كبار في السن لم يعد بامكان الصناعة استخدامهم ومن أرامل البروليتاريين ويتاماهم وأولئك الذين يتشوهون واقعين ضحية للصناعة الكبرى وللمناجم الخ. وهناك أخيرا أولئك الذين فقدوا عادة العمل وتحولوا على متشردين. وأبناء هذه الشريحة هم الذين يتحولون مباشرة إلى البروليتاريا الرثة: بما فيها من مجرمين وعاهرات. يقول ماركس إن الإفقار يشكل مأوى الطبقة العاملة والثقل الأساسي لجيشها الاحتياطي. ووجود هذا الإفقار يتحدد بالضرورة عن وجود جيش الاحتياط تماما كما أن هذا الجيش ينحدر عن تطور الصناعة. إن الفقر والبروليتاريا الرثة يشكلان جزءا من شرط وجود الرأسمالية نفسها ويزيدان بزيادتها: وبقدر ما تكون الثروة الاجتماعية والرأسمال وجمهرة العمال المستخدمين من هذا الرأسمال كبارا بقدر ما تكون كبيرة شريحة العاطلين عن العمل الموجودين في الاحتياط، أي جيش الاحتياط. وكلما كان جيش الاحتياط كبيرا بالنسبة إلى جمهرة العمال المستخدمين، كلما كانت كبيرة شريحة الفقر الدنيا والإفقار والجريمة. إن جمهرة العمال غير المستخدمين أي الذين لا يقبضون أجرا وكذلك شريحة العمال العاطلين موسميا من بين أبناء الطبقة العاملة، يزيدون عددا مع ازدياد الرأسمال والثروات وذلكم هو، كما يقول كارل ماركس «القانون العام والمطلق للتراكم الرأسمالي».

لقد كان تشكل شريحة دائمة ومتنامية من العاطلين أمرا مجهولا في ظل أشكال المجتمع السابقة. فلدى الجماعة المشاعية البدائية كان من البديهي لكل إنسان أن يعمل، بقدر ما كان يتوجب عليه أن يعمل، لكي يتمكن من إعالة نفسه بنفسه، جزئيا انطلاقا من حاجته المباشرة، وجزئيا بفعل ضغط السلطات الأخلاقية والاجتماعية لدى القبيلة ولدى الجماعة. لأن كل أعضاء المجتمع يتمتعون بوسائل العيش. أما نمط الحياة لدى الجماعة المشاعية البدائية فكان متدنيا وبسيطا للغاية كما كانت شروطه بدائية للغاية. وبقدر ما كانت هناك وسائل عيش كانت تلك الوسائل تتوفر بالتساوي للجميع أما الفقر بالمعنى الراهن للكلمة، أي الحرمان من الوسائل المتوفرة في المجتمع، فكان مجهولا. كانت القبيلة البدائية كلها تشعر بالجوع، من وقت لآخر أو غالبا، حين لا تكون الشروط الطبيعية ملائمة، أما حرمانها فكان حرمانا للمجتمع بوصفه مجتمعا، أما حرمان جزءٍ من أعضاء المجتمع في مواجهة رفاه جزء آخر فكان أمرا غير وارد على الإطلاق، فحين كانت المؤن متوفرة لجميع أعضاء المجتمع، كانت تتوفر لكل واحد من هؤلاء الأعضاء.

وفي العبودية الشرقية والقديمة كان الأمر نفسه. فمهما كان العبد العام المصري والعبد الخاص اليوناني، مشتغلا ومقهورا، ومهما كان حجم الهوة التي تفصل بين المستوى الهزيل لعيش العبد ورفاهية سيده، كان وضعه كعبد يضمن له وجوده على أي حال، لم يكن العبيد يُتركون للموت جوعا، تماما كما أن لا أحد يترك حصانه أو ماشيته تموت جوعا. والأمر كان هو نفسه في زمن القنانة القروسطية: كان نظام التبعية الإقطاعية (حيث يرتبط الفلاح بالأرض التي يزرعها وحيث كان كل إنسان سيدا على آخرين، وخادما في الوقت نفسه لسيد أو لسيدين معا) كان هذا النظام يحدد لكل واحدٍ موقعا معينا. ومهما تعرض الأقنان للقمع لم يكن للسيد الحق في طردهم من الأرض أي حرمانهم من أدوات عيشهم. وكانت العلاقات الإقطاعية تجبر السيد على مساعدة الفلاحين أيام الكوارث والحرائق والأعاصير. الخ. وهذا الوضع لن يتغير إلا عند نهاية العصور الوسطى حين بدأت الإقطاعية تتهاوى وبدأت الرأسمالية الحديثة في الظهور. في العصور الوسطى كان بقاء جمهرة العمال مضمونا. صحيح أنه قد تشكلت في ذلك العصر جماعة صغيرة من البائسين والمتسولين نمت بفضل الحروب العديدة واختفاء الثروات الفردية، غير أن إعالة هؤلاء البائسين كانت تعتبر واجبا من واجبات المجتمع. ولنذكر هنا أن الإمبراطور شارلمان كتب في «الأوامر العليا»: «وفيما يتعلق بالمتسولين الذين يشردون في البلاد نريد من كل واحد من نبلائنا أن يُطعم الفقراء، أما في مركزه الرئيسي وإما في منزله، وأن لا يسمح لهم بالتسول في أماكن أخرى». وفي وقت لاحق صار من عمل الأديرة الاهتمام بإيواء الفقراء وإعطاؤهم عملا يقدرون عليه. في العصور الوسطى كان كل محتاج ضامنا حصوله على استقبال جيد في كل منزل فإعالة الفقراء كانت واجبا والفقير لم يكن يجابه بالاحتقار الذي يجابه به المتسول حاليا.

إن التاريخ يعرف حالة واحدة حُرمت فيها شريحة بأسرها من السكان من العمل ومن الخبز، وهي الحالة التي ذكرناها سابقا عن ملاهي روما القديمة الذين فردوا في أراضيهم وتحولوا إلى بروليتاريين لا يملكون أي عملا على الإطلاق.ولقد كانت بلترة الفلاحين نتيجة لتشكل الإقطاعيات الفلاحية الكبيرة (اللاتيفونديا) وازهار العبودية، تلك البلترة لم تكن ضرورية لوجود العبودية والملكيات الكبيرة. فالبروليتاري الروماني غير المستخدم كان يعتبر تعاسة لا أكثر ولا أقل. كان يعتبر عبئا جديدا على المجتمع الذي كان يحاول إصلاح الأمور عبر توزيع منتظم للأراضي وللمؤن وعبر تنظيم عمليات استيراد كثيفة للحبوب، وعبر تخفيض كمية تلك الحبوب. في نهاية التحليل كانت تلك البروليتاريا عالة على الدولة في روما القديمة.

إن الإنتاج السلعي الرأسمالي هو أول شكل اقتصادي في تاريخ البشرية يعتبر فيه غياب العمل ووسائل العيش بالنسبة إلى شريحة كبيرة ومتعاظمة من السكان وفقر شريحة أخرى، متنامية كذلك، ليس فقط نتيجة الاقتصاد، بل أيضا ضرورة من ضروراته وشرطا لوجوده. فعدم ضمان البقاء بالنسبة لجمهرة العمال كلها والحرمان المزمن أو فقر شرائح عريضة من السكان، تعتبر الآن وللمرة الأولى ظاهرة عادية من ظواهر المجتمع. إن العلماء البرجوازيين الذين لا يمكنهم تصور شكل آخر للمجتمع تمكنوا من فهم الضرورة الطبيعية لوجود العاطلين والبائسين لدرجة صاروا معها يرون في تلك الضرورة قانونا طبيعيا يتم بمشيئة الله. وفي هذا المجال بنى الإنكليزي مالتوس عند بداية القرن التاسع عشر نظريته الشهيرة حول فائض السكان، تلك النظرية التي تقول بأن الفقر يتأتى عن العادة السيئة التي تنتهجها الإنسانية وتقوم في زيادة النفوس بوتيرة أسرع من زيادة وسائل العيش.

إن هذه النتائج كلها تتمخض عن واقع الإنتاج السلعي وتبادل السلع. فقانون السلع هذا الذي يقوم شكليا على المساواة والحرية الناميتين، يؤدي تلقائيا، ومن دون تدخل القوانين أو القوة، وبالضرورة الحتمية، إلى تفاوت اجتماعي صارخ كان مجهولا في كل الحالات السابقة التي كانت تقوم على الهيمنة المباشرة لإنسان على الآخرين. فللمرة الأولى صار الجوع إعصارا يخبط يوميا في فضاء حياة الجماهير العاملة. وثمة من يزعم بأن في الأمر قانونا طبيعيا. ففي العام 1786 كتب الراهب الانغليكاني توزند يقول: «يبدو أن ثمة قانونا طبيعيا يشاء للبائسين أن يعيشوا ضمن مستوى بؤس يجعلهم على الدوام جاهزين للقيام بأشق الأعمال وأقذرها وأكثرها ابتذالا في المجتمع. ومن جراء هذا زادت أسس السعادة الإنسانية كثيرا، فالأشخاص الأكثر رهافة تحرروا على هذا النحو من العمل الشاق وصار بإمكانهم أن يقوموا بالمهام الأكثر أهمية من دون انزعاج. أما قانون البائسين فإنه ينحو إلى تحطيم التناسق والجمال، وتوازن هذا النظام الذي أقامه الله والطبيعة في العالم».

إن القوم «الرهيفين» الذين يعيشون على حساب الآخرين رأوا دائما في كل شكل اجتماعي يضمن لهم لذائذ العيش كمُستغلين، أصبح الله وقانون الطبيعة. كذلك نرى أن أكبر العقول لا تفلت من هذا الوهم التاريخي. فقبل آلاف السنين من الراهب الانكليزي كتب المفكر اليوناني الكبير أرسطو يقول: «إن الطبيعة نفسها هي التي خلقت العبودية والحيوانات تنقسم إلى ذكور وإناث. الذكر هو الحيوان أقل كمالا وهو الذي يقود. أما الأنثى فهي حيوان أقل كمالا وهي التي تطيع. ولدى الجنس البشري هناك الأمر نفسه: هناك أناس أدنى من الآخرين كما أن الجسد أدنى من الروح والحيوان من الإنسان: إنها كائنات لا تفيد إلا في الأعمال الجسدية وعاجزة عن إنجاز أي شيء أكثر كمالا. هؤلاء الأفراد وخلقتهم الطبيعة نفسها ليكونوا عبيدا وذلك لأن ليس لديهم ما هو أفضل من إطاعة الآخرين. على أي حال هل هناك فارق كبير بين العبد والحيوان إن أعمالهما متشابهة، وهما لا يفيداننا إلا عبر جسديهما. ولنستنتج من هذه المبادئ أن الطبيعة قد خلقت بعض الناس ليكونوا أحرارا وخلقت آخرين ليكونوا عبيدا. وإن خضوع العبد أمر مفيد وعادل».

غير أن «الطبيعة» التي جُعلت مسؤولة عن كل شكل من أشكال الاستغلال، صارت دون ريب فاسدة الذوق مع مرور الوقت. فحتى إذا كان يليق بها أن تفرض ذل العبودية على جمهرة شعبية لكي تجعلها تعيل شعبا حرا يتألف من فلاسفة وعباقرة من أشباه أرسطو، فإن التدهور الراهن لملايين البروليتاريين في سبيل ازدهار عدد من الصناعيين المبتذلين والكهنة المتخمين يبدو هدفا غير مغر كما ينبغي.

-4-

لقد درسنا حتى الآن مستوى الحياة الذي يوفرها الاقتصاد السلعي الرأسمالي للطبقة العاملة ولمختلف شرائحها. لكننا لا نعرف بعد أي شيء محدد حول علاقات مستوى حياة العمال هذا بالثروة الاجتماعي في مجموعها. فأحيانا يمكن للعمال أن يحوزوا على كمية أكبر من وسائل العيش، على غذاء أوفر، وعلى ملابس أفضل مما كان في السابق، فإذا كانت ثروة الطبقات الأخرى قد زادت أيضا بشكل أكثر تسارعا، فمعنى هذا أن حصة العمال من الناتج الاجتماعي قد تقلصت. فالواقع أن مستوى حياةالعمال قد يرتفع في المطلق وينخفض نسبيا بالمقارنة مع الطبقات الأخرى. فمستوى حياة كل إنسان وكل طبقة لا يمكن الحكم عليه حكما صحيحا إلا إذا نظر إليه بالنسبة إلى الوضع في الفترة المعينة وبالنسبة إلى وضع الشرائح الأخرى في المجتمع نفسه. فأمير قبيلة زنجية بدائية نصف متوحشة أو بربرية في أفريقيا قد يكون له مستوى حياة أكثر انخفاضا أي منزلا أكثر بساطة وثياب أقل جودة وأغذية أقل فائدة مما يحصل عليه العامل المشتغل في مصنع متوسط في ألماني. ومع هذا فإن هذا الأمير يعيش عيشة «أميرية» بالمقارنة مع وسائل ومتطلبات قبيلته، بينما يعيش العامل الألماني عيشة بائسة بالمقارنة مع الترف الذي تعيشه البرجوازية الثرية في بلده، ومع متطلبات الحياة في هذا البلد. إذن من أجل الحكم حكما صحيحا على وضع العمال في المجتمع الراهن من الضروري عدم الاكتفاء بدراسة الأجر المطلق، أي حجم الأجر، بل ويجب دراسة الأجر النسبي أي الحصة التي يمثلها الأجر ضمن إطار المنتوج الكلي لعمل العامل. لقد افترضنا في المثل الذي أعطيناه أعلاه أن على العامل، خلال يوم عمل يتألف من 11 ساعة أن يستعيد أجره، أي المبلغ الذي يكفي لإعالته، خلال أول 6 ساعات عمل، ومن ثم يخلق مجانا خلال الساعات الخمس التالية فائض قيمة للرأسمالي. في هذا المثل، اتفقنا على إنتاج وسائل العيش يكلف العامل 6 ساعات عمل. ولقد رأينا كيف أن الرأسمالية تسعى وبكل الوسائل لتخفيض مستوى حياة العامل من أجل إحداث أكبر زيادة ممكنة في حجم العمل غير المدفوع. أي فائض القيمة. ولنفترض هنا أن مستوى حياة العامل لا يتغير أبدا وأن هذا العامل قادر على الحصول دائما على نفس كمية الغذاء واللباس والأثاث الخ. ولنفترض أن الأجر مأخوذا بشكل مطلق لا ينخفض أبدا. فإذا حدث مع هذا أن إنتاج وسائل العيش هذه قد صار أرخص كلفة بفضل تقدم التقنية وصار يتطلب زمنا أقل، سيكون العامل بحاجة إلى فترة أقل من أجل استعادة أجره، ولنفترض أن كمية الغذاء واللباس والأثاث التي يحتاجها العامل يوميا تتطلب 5 ساعات عمل بدلا من 6 ففي يوم عمل من 11 ساعة لن يشتغل العامل 6 ساعات بل 5 ساعات فقط للتعويض على أجره، وسيبقى 6 ساعات للقيام بعمل غير مدفوع أي لخلق فائض قيمة للرأسمالي. إن حصة الإنتاج التي ينالها العامل انخفضت الآن بنسبة السدس. أما حصة الرأسمالي فإنها زادت بنسبة الخمس، بيد أن الأجر المطلق لم ينخفض أبدا، بل وقد يحدث أحيانا أن يرتفع مستوى حياة العامل، أي أن يرتفع أجره المطلق بنسبة 10% مثلا، ولا ينطبق هذا فقط على أجره النقدي بل على وسائل العيش الحقيقية. فإذا زادت إنتاجية العمل في القوت نفسه أو بعد فترة بنسبة 15%، تكون حصة الإنتاج التي نالها العامل، أي أجره النسبي قد انخفضت، رغم أن أجره الحقيقي قد ارتفع. إذن فإن حصة الإنتاج التي ينالها العامل ترتبط بإنتاجية العمل. وكلما كان حجم العمل المطلوب لإنتاج وسائل عيش العامل أكثر تدنيا. كلما انخفض أجره النسبي. فإذا كانت القمصان والأحذية والقبعات التي يرتديها، تصنع خلال وقت أقل بفضل تقدم الصناعة، يكون في امكانه الحصول على نفس الكمية من القمصان ومن الأحذية ومن القبعات التي كان يحصل عليها في السابق أي أنه يتلقى على أي حال قسطا أكثر ضآلة في الثروة الاجتماعية، ومن إجمالي العمل الاجتماعي. إن جميع المنتجات والمواد الأولية الممكنة تدخل بكمية معينة في الاستهلاك اليومي للعامل. فليس فقط إنتاج القمصان هو الذي يجعل إعالة العامل أرخص كلفة، بل هناك أيضا إنتاج القطن الذي يوفر الأقمشة للقمصان، وصناعة الآلات التي تنتج آلات الخياطة وصناعة الخيطان التي تنتج الخيطان وتقدم صناعة الخبز ليس هو وحدة ما يجعل إعالة العامل أرخص، بل أن هناك أيضا الزراعة الأمريكية التي توفر الحبوب وتطور السكك الحديدية والملاحة التجارية التي تنقل الحبوب إلى أوربا الخ. إن كل تطور يصيب الصناعة وكل زيادة في إنتاجية العمل الإنساني تجعل إعالة العمال تتطلب عملا أقل وأقل. إن على العامل أن يخصص حصة تتناقص دائما من يوم عمله للتعويض على أجره، وحصة تتزايد دائما للعمل غير المدفوع أي لخلق فائض القيمة للرأسمالي.

بيد أن التقدم المستمر والدائب للتقنية يشكل ضرورة حيوية بالنسبة للرأسماليين. والتنافس بين المقاولين الأفراد يرغم كل واحد من بينهم على بيع منتوجاته بأرخص ما يمكن، وذلك عبر توفير الحد الأقصى من العمل البشري. فإذا أدخل رأسمالي في مصنعه تحسينا جديدا، من الواضح أن المنافسة سترغم المقاولين الآخرين المشتغلين في نفس الفرع على تحسين تقنياتهم لكي لا يمّحوا من السوق. ويتم التعبير عن هذا الأمر خارجيا عبر إدخال المكننة بديلا للعمل اليدوي وعبر استحضار آلات جديدة أكثر تطورا بدلا من الآلات القديمة الموجودة. فالاختراعات التقنية أضحت الخبز اليومي في كل مجالات الإنتاج. إن الانقلاب التقني سوء في الإنتاج نفسه أو في وسائل النقل، صار ظاهرة دائمة، وقانونا حيويا من قوانين الإنتاج السلعي الرأسمالي. وكل تقدم في إنتاجية العمل يتبدى في انخفاض كمية العمل الضروري لإعالة العامل. والإنتاج الرأسمالي لا يمكنه أن يخطو أية خطوة إلى الأمام إن لم يقلص من حصة العمال في المنتوج الاجتماعي.

ولدى ظهور كل اختراع تقني جديد ولدى كل تحسن يطرأ على الآلات، ولدى كل إدخال جديد للبخار والكهرباء في الصناعة وفي النقل من الواضح أن حصة العامل من الإنتاج تتضاءل بينما تكبر حصة الرأسمالي. وعلى هذا ينخفض الأجر النسبي أكثر وأكثر انخفاضا لا يقاوم ولا يهدأ بينما يزيد فائض القيمة، أي الثروة غير المدفوعة المنتزعة من العامل على يد الرأسماليين.

وها نحن نرى من جديد هنا فارقا صارخا بين الإنتاج السلعي الرأسمالي وبين كافة الأشكال الاقتصادية السابقة. ففي المجتمع المشاعي البدائي كان المنتوج يقسم بشكل مباشر بعد الإنتاج وبطريقة متساوية، بين كل العاملين أي بين كل أعضاء المجتمع لأن ليس ثمة أي عاطل هنا من الناحية العملية. في مجتمع القنانة ليس هناك مساواة، لكن الأمر المحدّد هو استغلال الذين يعملون للذين لا يعملون. ومع هذا لا يتم هنا تحديد حصة أولئك الذين يعملون، أي الأقنان، في ثمار عملهم، بل تحدد حصة المستغل أي السيد الإقطاعي التي يحصل عليها على شكل جزيات وأعشار محددة يتلقاها من الفلاحين أما ما يتبقى على شكل زمن عمل وعلى شكل إنتاج فهو حصة الفلاح بشكل جعل هذا الفلاح، وقبل التفكك الكبير للقنانة، حائزا إلى حد ما على إمكانية زيادة حصته الخاصة عبر مضاعفة جهوده. صحيح أن حصة الفلاح تناقصت خلال العصور الوسطى حيث صار النبلاء والكنيسة يزيدون في طلبهم للجزيات والأعشار. ولكن كانت هناك على الدوام قواعد محددة، قد تكون محددة بشكل عشوائي لكنها قواعد مرئية حددها البشر حتى ولو كانوا بشرا غير إنسانيين، هدفها تحديد حصة القن وحصة سيده ومستغلة من الإنتاج. وعلى هذا النحو كان فلاح القرون الوسطى يرى ويستشعر جيدا حين تُلقى عليه أعباء كثيرة بينما تتضاءل فعلا حيثما كان الأمر ممكنا، على شكل صراع مفتوح بين الفلاح المستغل وبين من يقلص من حصته في منتوج عمله. في بعض الأوضاع كان هذا الصراع يتتوج بالنجاح: فتجربة البرجوازية المدنية لم تتأت إلا عن نضال الحرفيين الذين كانوا في الأصل أقنانا، من أجل التخلص قليلا فقليلا من كل أنواع الجزيات والأعشار المتزايدة في العهد الإقطاعي، ولقد انتهى بهم الأمر إلى تحقيق الظفر في الصراع المفتوح- وكان الظفر متمثلا في الحرية الشخصية الشاملة للملكية.

في النظام القائم على الأجر، ليست هناك تحديدات تشريعية أو قائمة على العرف ولا حتى تحديدات تعسفية تحدد حصة العامل من إنتاجه. فهذه الحصة تحددها درجة إنتاجية العمل ومستوى التقنية. وليس تعسف المستغلين بل تقدم التقنية هو الذي يخفض دون رحمة أو هوادة من حصة العامل. إنها قوة خفية، وأثر ميكانيكي صرف من آثار التنافس والإنتاج السلعي هو ذاك الذي ينتزع من العامل قسطا متزايدا باستمرار في إنتاجه تاركا له على الدوام قسطا أقل وأقل. إنها قوة تتحرك دون صخب من وراء ظهور العمال قوة صار النضال ضدها مستحيلا. إن الدور الشخصي للمستغل يمكن رؤيته حين يتعلق الأمر بالأجر المطلق أي بمستوى الحياة الحقيقي. فانخفاض الأجر الذي يؤدي إلى انخفاض في مستوى الحياة الحقيقي للعمال، يُعتبر عدوانا يشنه الرأسماليون ضد العمال في وضح النهار والعمال يعمدون إلى الرد عبر النضال حيث تكون ثمة نقابة، ويتمكنون في بعض الحالات الملائمة من وقف ذلك العدوان. أما انخفاض الأجر النسبي فإنه يتم دون أي تدخل شخصي من الرأسمالي، وضعه لا يمكن للعمال بأن يقوموا بأي نضال أو أن يدافعوا عن أنفسهم ضمن إطار نظام الأجور، أي على أرضية الإنتاج السلعي نفسها. ضد التقدم التقني للإنتاج وضد الاختراعات وضد إدخال الآلات وضد البخار والكهرباء وضد تطوير أدوات النقل، لا يمكن للعمال بأن يقوموا بأي نضال. غير أن مفعول هذا التطور كله على الأجر النسبي للعمال ينتج تلقائيا عن الإنتاج السلعي وعن الطابع السلعي لقوة العمل. وهذا ما يجعل أقوى النقابات عاجزة في وجه هذا الاتجاه الدائم للانخفاض السريع للأجر النسبي. إن النضال ضد انخفاض الأجر النسبي هو النضال ضد الطابع السلعي لقوة العمل، وضد الإنتاج الرأسمالي بأكمله. فالنضال ضد سقوط الأجر النسبي ليس نضالا يخاض على أرضية الاقتصاد السلعي، بل هو هجمة ثورية ضد هذا الاقتصاد، إنه التحرك الاشتراكي للبروليتاريا.

من هنا كان تعاطف الطبقة الرأسمالية مع النقابات التي كانت في البداية قد حاربتها بشراسة، ولقد بدأ هذا التعاطف ما أن ابتدأ النضال الاشتراكي ومع ازدياد حدة مجابهة النقابات للاشتراكية. ففي فرنسا ظلت الصراعات التي خاضها العمال للحصول على حق إقامة الاتحادات، غير مجدية حتى سبعينات القرن التاسع عشر وظلت النقابات مطاردة وعرضة لأشد العقوبات وهولا. ومع هذا بعد فترة يسيرة من حدوث الخوف العظيم الذي استشعرته البرجوازية في الكومونة ومن شبحها الأحمر، حدث في الرأي العام تغير مفاجئ. فبدأت صحيفة الرئيس غامبيتا «الجمهورية الفرنسية»، وكل الحزب المهيمن باسم الجمهوريين بدأوا في تشجيع الحركة النقابية وفي الدعاية لها بنشاط. وعند بدايات القرن التاسع عشر كان العمال الألمان يذكرون أمام العمال الإنكليز كمثال على الطاعة والهدوء، أما أمام العامل الألماني فكان يؤتي على ذكر العامل الإنكليزي، ليس بوصفه عاملا هادئا بل بوصفه عاملا «نهما» ترديونيونيا (نقابيا) من أكله «البفتيك». ولقد ظل هذا الأمر قائما طالما كان صحيحا أن البرجوازية ترى في النضال الأكثر شراسة من أجل زيادة الأجر المطلق عملا غير مؤذ بالمقارنة مع الهجمة على قدس الأقداس على قانون الرأسمالية. الذي ينحو دائما إلى إحداث انخفاض مستمر في الأجر النسبي.

-5-

ليس في استطاعتنا أن نفسر لأنفسنا قانون الأجور الرأسمالي الذي يحدد الشروط المادية لوجود العامل إلا بادراك كل النتائج المعروضة أعلاه والمترتبة عن العلاقة الأجورية. وأول الأمر علينا أن نميز بين الأجر المطلق والأجر النسبي. والأجر المطلق بدوره يظهر بشكل مزدوج: من جهة على شكل نقد، على شكل أجر اسمي، ومن جهة أخرى كمجموع وسائل العيش التي يمكن للعامل أن يحصل عليها مقابل هذا النقد، أي على شكل أجر حقيقي. فالأجر الذي يناله العامل نقدا، قد يبقى ثابتا بل وقد يزيد. في الوقت الذي ينخفض فيه مستوى حياته، أي أجره الحقيقي. إن الأجر الحقيقي ينحو باستمرار باتجاه الحد الأدنى المطلق، باتجاه الحد الأدنى الفيزيولوجي، وبكلمات أخرى ينحو الرأسمال باستمرار لدفع ثمن لقوة العمل هو دون قيمتها الحقيقية. أما تنظيم العمال فإنه وحده الذي يشكل قطب المقاومة لاتجاه الرأسمال هذا. وتكمن المهمة الرئيسية للنقابات في زيادة احتياجات العمال والارتقاء بهم معنويا، تكمن في إحلال الحد الأدنى الاجتماعي محل الحد الأدنى الفيزيولوجي، أي في إحلال مستوى حياة وثقافة معينة للعمال لا يمكن للأجور أن تنخفض عنه لأن انخفاضها هذا سيثير على الفور رد فعل دفاعيا. وها هنا بالذات تكمن الأهمية الاقتصادية الكبرى للاشتراكية الديموقراطية: فهذه الاشتراكية الديموقراطية إذ تثير حماس جماهير العمال سياسيا ومعنويا، ترتقي بمستواهم الثقافي وبالتالي باحتياجاتهم الاقتصادية. فالعامل حين يعتاد الاشتراك في جريدة وشراء المنشورات يكون قد رفع من مستوى حياته ومن أجره بالتالي. إن لعلم الاشتراكية الديموقراطية محمولا مزدوجا حين تكون النقابات في بلد ما قد أقامت تحالفا مفتوحا مع هذا التيار وذلك لأن عداء الشرائح البرجوازية للاشتراكية الديموقراطية يحملها على إنشاء نقابات منافسة تعمد بدورها إلى إدخال تأثير التربية التنظيمية وإلى رفع المستوى الثقافي لدى شرائح البروليتاريا الجديدة. ففي ألمانيا، وغلى جانب النقابات الحرة المرتبطة بالاشتراكية الديموقراطية، تمارس نقابات عديدة مسيحية، ومن كاثوليكية وليبرالية، تمارس تحركا جيدا. والأمر نفسه يقال عن فرنسا حيث يتم إنشاء نقابات صفراء لمحاربة النقابات الاشتراكية، وفي روسيا نلاحظ أن التفجيرات الأكثر عنفا خلال الإضرابات الثورية الأخيرة التي قامت بها الجماهير تمت بمبادرة من النقابات «الصفراء» والحكومية. وفي إنكلترا حيث تحافظ النقابات على مسافة بينها وبين الاشتراكية لا تسعى البرجوازية أبدا لكي تدخل بنفسها فكرة قيام تحالف داخل الشرائح البروليتارية.

إن النقابة تلعب دورا عضويا ضروريا في نظام الأجور الحالي. فالنقابة هي الطرف الوحيد الذي يسمح لقوة العمل بأن تباع لقاء قيمتها. أما قانون السلع الرأسمالي فإنه لم يمنح من قبل النقابات فيما يتعلق بقوة العمل كما قال لاسال خطأ. بل على العكس فإن هذا القانون لا يمكن أن ينجز إلا على يد النقابات. فالرأسمالي ينحو لشراء قوة العمل بسعرٍ متدن بينما ينحو العمل النقابي إلى فرض السعر الحقيقي.

وتُمارس النقابات مهمتها تحت ضغط قوانين الإنتاج الرأسمالي الميكانيكية، مثل وجود جيش الاحتياط الدائم، والتتالي المستمر في تحسن الظروف وتدهورها. إن هذين القانونيين يفرضان على تحرك النقابات حدودا لا يمكن تجاوزها، فالتغيرات المستمرة في ظروف الصناعة تجبر النقابات عند كل انخفاض، على الدفاع على المكتسبات القديمة ضد هجمات الرأسمال، وعند كل ارتفاع على النضال من أجل رفع مستوى الأجور إلى مستوى يتلاءم مع الوضع المناسب. بمعنى أن النقابات مرغمة دائما على الوقوف عند خط الدفاع. إن جيش الاحتياط الصناعي يحد العمل النقابي في المكان: فليس ثمة من طرف يمكنه الوصول إلى التنظيم وإلى ممارسة نفوذ هذا التنظيم سوى الطبقة العليا من العمال الصناعيين ذوي الأوضاع الجيدة، الذين لا تكون البطالة بالنسبة إليهم سوى مؤقتة و«عائمة» تبعا لتعبير كارل ماركس. وبما أن الطبقة الدنيا من البروليتاريين الريفيين غير الموصوفين تتدفق نحو المدن نجد أن ثمة مهنا نصف ريفية وغير منتظمة كصناعة القرميد مثلا لا يمكنها أن ترجح كفة التنظيم النقابي أولا انطلاقا من أوضاعها المكانية والزمانية أو بسبب من بيئتها الاجتماعية. إن الشرائح الواسعة والدنيا من جيش الاحتياط، والعاطلين الذين يقومون بأعمال غير منتظمة والمشتغلين في البيوت والبائسين الذين يقومون بأعمال موسمية يظلون خارج التنظيم، وكلما زاد بؤس شريحة بروليتارية ما، كلما كان احتمال وجود ممارسة لتأثير نقابي عليها أقل حجما. فالعمل النقابي يؤثر بشكل واهن في أعماق البروليتاريا، لكنه يؤثر بشكل أفضل عند سطح الفرز البروليتاري وحتى حين لا تكون النقابات قد ضمت ولو قطاع واحد من قطاعات الشريحة البروليتارية العليا: فها هنا يمتد التأثير ليشمل الشريحة كلها، وذلك لأن المكتسبات التي تتحقق تفيد جمهور العمال المستخدمين في العمل المعني. والعمل النقابي يزيد من الفروقات داخل صفوف الجماهير البروليتارية إذ يرفع بمستوى يعلو مستوى الفقر، الشرائح العليا البروليتارية، بوصفها الطليعة القابلة للتنظيم من بين أفراد العمال الصناعيين، وينظمها ويرص لها صفوفها. وينتج عن هذا تزايد في الهوة التي تفصل الشريحة العليا من الطبقة العاملة عن الشرائح الدنيا. ولا يبلغ اتساع هذه الهوة في أي بلد من البلدان ما يبلغه في إنكلترا حيث ثمة افتقار إلى التأثير التمديني الإضافي الذي تمارسه الاشتراكية الديموقراطية عادة. على الشرائح الأكثر تدنيا والأقل قابلية للتنظيم، نفسها، أما في ألمانيا فإن مثل ذلك التأثير كبير للغاية.

حين تجري دراسة مستوى الأجور في النظام الرأسمالي، من الخطأ عدم النظر بعين الاعتبار إلا إلى الأجور الفعلية التي تُدفع لعمال الصناعة الذين يشتغلون عملا ما، كما جرت العادة حتى لدى العمال، وهي عادة مستعارة من البرجوازية ومن العلماء الذين يشتغلون لحسابها. فجيش العاطلين الاحتياطي، بدء بالعمال الموصوفين العاطلين مؤقتا وحتى أعمق أعماق البؤس والإفقار الرسمي، ينبغي أن يؤخذ في الحسبان حين يجري مستوى الأجور. فالحقيقة أن الشرائح الأكثر تدنيا التي تتألف من البائسين والمنبوذين الذين يستخدمون جزئيا أو لا يستخدمون على الإطلاق، ليست صفرا يقف خارج الحساب لدى «المجتمع الرسمي»، كما تقدمها البرجوازية بل هي ترتبط بروابط وثيقة بالشرائح العليا من العمال الصناعيين الأفضل وضعا، وهي روابط تعبر كل الأعضاء الوسطاء في الجيش الاحتياطي. وهذه العلاقة الداخلية تظهر بالأرقام عبر الزيادة المفاجئة التي تطرأ على الجيش الاحتياطي في كل مرة تتدهور فيها الظروف، وفي النقصان الذي يطرأ على هذا الجيش حين تتحسن الظروف، وفي مثل هذه الحالة، يتم التعبير عن هذا الأمر بالنقص النسبي في عدد أولئك الذين يلجأون إلى المعونات الرسمية بنسبة تزايد حدة الصراع الطبقي، وتزايد وعي البروليتاريا. إن كل عامل حوّله عمله إلى إنسان عاجز أو جعله لسوء الحظ يصل إلى الستين من عمره أمامه احتمال بنسبة 50% في الغوص في الشريحة الدنيا من جيش الاحتياط، من جيش البؤس البروليتاري. ووجود الشرائح الأكثر تدنيا في البروليتاريا أمر تؤثر فيه نفس قوانين الإنتاج الرأسمالي التي تزيد من حجمه أو تقلص من هذا الحجم، والبروليتاريا لا تشكل كلا عضويا، ولا طبقة اجتماعية تسمح لها درجات البؤس والقمع بادراك قانون الأجور الرأسمالي في مجموعه، إلا إذا ضم إليها العمال الزراعيون وجيش العاطلين بكل شرائحه ابتداء بالشريحة الأعلى وحتى الشرائح الأكثر انخفاضا. أما الاكتفاء برؤية تحركات الأجر المطلق، فمعناه عدم إدراك أكثر من نصف قانون الأجور. فقانون الانخفاض التلقائي للأجر النسبي مع تقدم إنتاجية العمل هو الذي يكمل قانون الأجور الرأسمالي ويعطيه كل محموله الحقيقي.

منذ القرن الثامن عشر لاحظ مؤسسو الاقتصاد السياسي الفرنسيون والإنكليز، أن أجور العمال تنحو عموما للتقلص حتى الحد الأدنى الحيوي. وكانوا يفسرون هذه الأولوية بطريقة طريفة أي انطلاقا من التغيرات التي تحدث في عرض قوة العمل، وكأن أولئك العمال يقولون أنه حين ينال العمال أجورا عالية، كضرورة حيوية مطلقة، غالبا ما يعمدون إلى الزواج وينجبون أطفالا كثيرين. حينها تمتلئ سوق العمل بحيث يتجاوز عدد طالبي العمل العدد الذي يطلبه الرأسمالي عند ذاك يعمد الرأسمالي إلى تخفيض الأجور، مستخدما التنافس بين العمال. فإذا لم تكف الأجور للعيش يموت العمال موتا جماعيا، وتتضاءل صفوفهم، حتى لا يبق منهم سوى العدد الذي يطلبه الرأسمال، وبهذا تعود الأجور للارتفاع من جديد. وانطلاقا من هذا التأرجح البندولي بين الإفراط في الإنجاب والإفراط في الوفيات لدى الطبقة العاملة، تعود الأجور على الدوام للوقوف عند الحد الأدنى الحيوي. ولقد عمد لاسال إلى تبني هذه النظرية التي كانت رائجة حتى ستينات القرن التاسع عشر وأطلق عليها اسم «قانون الأجور»: loi D’AIRAINE (وهو قانون يقضي بألا يتدنى راتب العامل عن مستوى معين)…

إن نقاط ضعف هذه النظرية واضحة للغاية وتزداد وضوحا مع نمو الإنتاج الرأسمالي. فمسيرة الأعمال المتذبذبة والتنافس لا يسمحان للصناعة الكبيرة بأن تنتظر لكي تخفض الأجور، أن يتزوج العمال بسبب الوفرة وبالتالي أن يضعوا أطفالا كثيرين ثم يكبر هؤلاء الأطفال ويتقدمون لسوق العمل لإحداث النتيجة المطلوبة. إن حركة الأجور، بوصفها نبض الصناعة ليس لها إيقاع بندول الساعة أي بندولا يدوم كل تأرجح في تأرجحاته جيلا بكامله أي 25 عاما، فالأجور تعيش تذبذبا لا يهدأ بحيث لا تعود الطبقة العاملة قادرة على تكييف ذريتها مع مستوى الأجور كما أن الصناعة لا تكون قادرة على انتظار ذرية العمال لكي تستجيب لمطلبها. فمقاييس سوق العمل بالصناعة لا تحددها ذرية العمال الطبيعية، بل يحددها التدفق المستمر للشرائح البروليتارية الآتية من الريف ومن الأعمال الحرفية ومن الصناعات الصغيرة وكذلك وجود نساء وأطفال العمال أنفسهم. إن إغراق سوق العمل على شكل جيش احتياطي، يعتبر ظاهرة ثانية وضرورة حيوية للصناعة الحديثة. فليس تغير العرض في قوة العمل ولا حركة الطبقة العاملة العنصر المحدد في مستوى الأجور، بل العنصر المحدد هو التغير الحادث في طلب الرأسمال، في حركة الرأسمال. إن قوة العمل (انطلاقا من كونها سلعة فائضة على الدوام) موجودة على شكل احتياطي، وحجم أجرها يزيد أو ينقص تبعا لما يشاء الرأسمال، في فترات الظروف المتحسنة، أن يمتص منها أو بقدر ما يشاء أن يبصقها جماعيا، في فترات الأزمات.

إن أوالية الأجور ليست هي تلك الأوالية التي يفترضها الاقتصاديون البرجوازيون ولاسال. فالنتيجة، والوضع العلمي الذي ينتج عن هذا بالنسبة إلى الأجور، يكونان أكثر سوء مما هما في فرضيتنا هذه. قانون الأجور الرأسمالي ليس قانون الأجور الذي يتحدث عنه لاسال، بل هو أكثر قسوة وأقل رحمة، لأنه قانون «مطاط» يسعى دائما لتقليص أجور العمال المستخدمين حتى الحد الأدنى الحيوي في الوقت الذي يبقى فيه شريحة عريضة من العاطلين بين الكينونة والعدم على طرف حبلٍ مطاط.

أما التفكير بقانون الأجور ذي الطابع الثوري فإنه لم يكن ممكنا إلا مع بدايات الاقتصاد السياسي البرجوازي، ومنذ اللحظة التي جعل فيها لاسال هذا القانون محور حملاته التحريضية في ألمانيا، أخذ الاقتصاديون من عملاء البرجوازية في التسارع لإنكار قانونه والتنديد به بوصفه قانونا خاطئا ومغرضا، وشنت جماعة من عملاء أصحاب الأعمال مثل فوشر وشولدزي-دبليتش، وماكس فيرس حملة صليبية ضد لاسال وضد قانونه شاتمين حتى أسلافهم من أمثال آدام سميث وريكاردو وغيرهما من مؤسسي الاقتصاد السياسي البرجوازي. ومنذ شرح ماركس في العام 1867 القانون المطاط للأجور في النظام الرأسمالي تحت تأثير جيش الاحتياط الصناعي وبرهن عليه، خرس البرجوازيون الاقتصاديون خرسا تاما. أما العلم الأستاذي الرسمي للبرجوازية فلم يعد لديه أي قانون على الإطلاق ففضل تفادي هذا الموضوع الحرج وغاص في ثرثرة مشتتة حول الطابع المثير للشفقة الذي ترتديه البطالة وحول فائدة النقابات المعتدلة والمتواضعة.

والاستعراض نفسه يبرز أمامنا فيما يتعلق بالسؤال الثاني الهام من أسئلة الاقتصاد السياسي: كيف يتشكل ومن أين يأتي الربح الذي يحققه الرأسمال؟ وكما حالهم بالنسبة إلى حصة العامل من ثروة المجتمع عمد مؤسسو الاقتصاد السياسي في القرن الثامن عشر إلى توفير أول جواب علمي حول حصة الرأسمال. وكان ريكاردو العالم الذي أعطى الشكل الأكثر وضوحا لهذه النظرية حين شرح بمنطقية وتبصر كيف أن الربح الرأسمالي هو العمل غير المدفوع الذي يقوم به العامل.

-6-

لقد بدأنا دراستنا حول قانون الأجور بالحديث عن شراء وبيع سلعة «قوة العمل». ومن أجل هذا ينبغي أن يكون ثمة بالفعل بروليتاري أجير لا يملك وسائل إنتاج ورأسمالي يملك من تلك الوسائل ما يكفيه لتأسيس مشروع حديث. فمن أين أتى هذان قبل ظهورهما في سوق العمل؟ في العرض الذي قدمناه أعلاه لن نر أمامنا إلا منتجي السلع، أي الأشخاص الذين يمتلكون وسائل الإنتاج الخاصة بهم وينتجون بأنفسهم سلعهم ويتبادلونها. فكيف لتبادل السلع ذات القيمة المتساوية أن يخلق من جهة رأسمالا ومن الجهة الأخرى حرمانا تاما؟ إن شراء سلعة «قوة العمل»، حتى وبقيمته التامة، يؤدي عبر استخدام هذه السلعة إلى تكون العمل غير المدفوع أو فائض القيمة، أي رأس المال. والحقيقة أن تشكل رأس المال والتفاوت ينجلي إن نحن تفحصنا العمل المأجور وآثاره. ومن أجل هذا ينبغي أن يكون الرأسمال والبروليتاريون موجودين فعلا! عندئذ يكون السؤال هو التالي: من أين يأتي أول البروليتاريين وأول الرأسماليين؟ وكيف حدثت القفزة الأولى من الإنتاج السلعي البسيط إلى الإنتاج الرأسمالي؟ وبكلمات أخرى: كيف تم الانتقال من حرفية القرون الوسطى إلى الرأسمالية الحديثة؟.

إن تاريخ تفكك الإقطاعية يعلمنا حول تكون أول بروليتاري حديث. فلكي يمكن للعامل أن يظهر في السوق كعامل أجير، كان ينبغي عليه قبل أي شيء آخر أن يحصل على حريته الشخصية. إذن فأول الشروط كان إلغاء القنانة والمنغلقات الحرفية. وكان ينبغي كذلك على العامل أن يخسر كل أداة من أدوات الإنتاج. ولقد حدث هذا الأمر عند بدايات العصور الحديثة، حين شكلت النبالة مالكة الأراضي الملكيات الحديثة. لقد طُرد الفلاحون بالألوف من أراضيهم التي كانوا يمتلكونها منذ قرون وقرون، والأراضي المشاعية تحولت إلى أراض يملكها السادة. والنبالة الإنكليزية أحدثت هذا التحول حين صورت لها ازدهار التجارة في العصور الوسطى وانطلاقة صناعة الصوف في مناطق الفلاندر، رعاية الماشية (الخزاف) بوصفها صفقة بالغة الأهمية بالنسبة إلى صناعة الصوف. وهكذا في سبيل تحويل الأراضي الزراعية إلى مراع للخراف طُرد الفلاحون من أراضيهم ومن مزارعهم. ولقد استمر هذا الأمر في إنكلترا منذ القرن الخامس عشر حتى القرن التاسع عشر. ففي السنوات 1814-1820، وفي أراضي الكونتيسة ساذرلاند مثلا تم طرد 15 ألف نسمة أحرقت قراهم وحولت حقولهم إلى مراع عاش فيها بدلا منهم 131 ألف خروف. ويعطينا وولف في كتابه المعنون «المليارات السيليزية» فكرة عن كيفية تحويل المزارعين إلى «بروليتاريين أحرار»، في ألمانيا وخاصة على يد النبالة البروسية. يومها حدث للعمال الأحرار حرية الهواء، والذين لتا يمتلكون أية أدوات، حدث لهم أنهم لم يعودوا يمتلكون سوى حرية الموت جوعا أو بيع أنفسهم مقابل أجر يقيهم الجوع فقط، هذا لأنهم كانوا أحرارا.

« السابق التالي »