بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

آراء لينين في الثقافة

أراء لينين في الثقافة

أ. ف. لوناتشارسكي

1930


من ذا الذي لا يعرف ان لينين علق أهمية كبيرة على الثورة الثقافية؟ وقد تكلم عن ذلك أحيانا كثيرة جدا بعد ثورة اكتوبر تكلم علنا في المؤتمرات عن مختلف فروع التعليم العام وفي خطابة الشهير أمام الكومسومول وكتب عن ذلك في مقالاته عائداً المرة تلو المرة إلى موضوع المهام الثقافية التي تواجه الثورة وأعار هذا الموضوع قدراً كبيراً من الانتباه في الصفحات الأخيرة التي كتبها بيده. هذا مع العلم أن لينين لم يهتم فقط بمسألة أشكال الثقافة الاشتراكية في الأعوام التي سيتم فيها إحراز النصر على الجبهات السياسية والاقتصادية ويتجلى فيها بكل عظمته وجلالة نمط المعيشة الجديد الذي وصفه ماركس بأنة “حياة جديرة بالانسان” والذي اعتبر كل تاريخ البشرية بالنسبة له مجرد مرحلة تحضيرية. إن لينين لم ينكر البتة “الأحلام” ولكنه كان لا يحب أن يسمح لها بالتحليق بعيداً أكثر من اللزوم إلى الأمام وكان يردد أحياناً بابتسامة عندما كان أحد يطرح علية مسألة من المستقبل البعيد “أو تعرف أن الناس سيكونون انذاك أذكياء جداً وسيحلون جميع هذه المسألة بروعة، أما نحن فدعنا نعود إلى المسائل التي لا يستطيع أحد غيرنا أن يحلها “.

كان لينين يهتم بالثقافة في المقام الأول ليس باعتبارها تتويجاً للانتصارات السياسية والاقتصادية مع انه كان يدرك واضح الإدراك أن الثقافة الاشتراكية بالذات ونمط المعيشة الاشتراكي هما اللذان يوضحان أخلاقيا في عيني كل مناضل وبناء تلك الجهود والتضحيات التي يتطلبها التاريخ بمقادير كبيرة جدا قبل أن يترسخ المجتمع اللاطبقي على الارض.

كان لينين يهتم في المقام الأول بتلك الثقافة التي هي مقدمة ضرورية لا غنى عنها لأجل الظفر بالاشتراكية المكتملة لأجل توطيد الانتصارات السياسية، ولأجل بناء الاقتصاد الاشتراكي بنجاح في بلادنا. ولقد أشار لينين بكامل البلاغة والقوة إلى أنه كان من الأسهل بكثير علينا أن نناضل ونبني لو أننا ورثنا بعد الإطاحة بالنظام الملكي والطبقات السائدة ثقافة برجوازية أكثر تطوراً. ومراراً عديدة كرر لينين أن هذه الثقافة البرجوازية تسهل على بروليتاريا البلدان الغربية امكانية التعجيل بعد انتصارها ببناء الاشتراكية بصورة فعلية وكاملة. إن الظلام الأسيوي الذي خيم فوق بلادنا حتى انتصار البروليتاريا في اكتوبر والذي لم نقض عليه بعد حتى في أيامنا هذه كان دائماً يبدوا للينين عقبة جوهرية تعتر سيرنا بنجاح في طرق بناء الاشتراكية. ذلك أن التصنيع عندنا ويعني حتى الأن بناء الاقتصاد الاشتراكي في وقت واحد مع توفير مستوى من التطور العام والتكنيكي تبقى الاشتراكية بدون الوصول إليه مجرد أضغاث أحلام. ويتبدى ذلك بمزيد من الدقة أمام الأنظار في ميدان سياستنا الريفية وسياستنا الاقتصادية الزراعية على العموم، فأي قفزات هائلة في المجال الاقتصادي ينبغي القيام بها في الريف لكي يغدوا بإمكاننا أن نستنبط ونربي تربية أشكالا اشتراكية صرفاً من الاقتصاد والحياة.

ولقد اكتسبت الثقافة وأبسط التعليم في عيني فلاديمير اليتش لينين بعد اكتوبر معنى جديداً تماماً وأخذ يتصورها بأشكال جديدة تماماً. ويقيناً أنه سخر من أولئك الخياليين والمتسرعين الذين كانوا يعتبرون أنه يمكن إطلاق الثقافة البروليتارية دفعة واحدة كأنما من مسدس وإسعاد البروليتاريا والفلاحين بثقافة جديدة براقة لن تشبه فيها شي على الإطلاق، ما كان سابقا ابتداء من حرف “أ” حتى القاطرة والمدفع. وهذا مع إنه لا ضمانة بأن الأحرف الجديدة ستكون ممكنة القراءة وبأن القاطرة الجديدة ستقودنا إلى حيث ينبغي وبأن النموذج البروليتاري الجدي من المدافع سيستطيع أن يواجه المدفعية المعادية البرجوازية. فكيف كان في مستطاع فلاديمير ايليتش ألا يغضب ويضحك عندما يشهد بأن عينية غباوات تشبه كليا تقريباً هذه الغباوات التي بسطتها ان هنا؟. كلا إن فلاديمير لينين كان يعرف أنه يتعين علينا أن نكتب على الدراسة بجد واجتهاد ومثابرة وأن نستخلص من الحكمة البرجوازية ومن تكنيكها كل ما يمكن أن يكون نافعاً لنا من أجل القضاء على البرجوازية وتشييد عالمنا نحن. ولكنه كان يعرف أنه يوجد عندنا ما يخصنا نحن وحدنا ما نبذته البرجوازية وحكمت علية ولعنته. عندنا حقائقنا الطبقية الخاصة وموقفنا الثوري الجدي من العالم من الادراك والمعرفة من التاريخ من الحاضر والمستقبل، وقد ألح لينين من وجهة النظر هذه على أن يكون تعليمنا نفسة ابتداءا من اول كلمة يقرئها الطفل أو أمة غير المتعلمة في مركز تصفية الأمية مختلفاً تماماً مفعماً بروح أخرى على أن يدفع الإدراك في اتجاه أخر تماماً. وفضلاً عن ذلك علمنا “بتشديد النون” لينين أنه يجب أن تكون طرائق تعليمنا والتعليم الذاتي مختلفة أيضا، فلا يجب فقط استبعاد كل كذب وخداع وجميع أوهام وغباوات البرجوازية المقصودة وغير المقصودة بل يجب أيضا ألا يسير استيعاب المواد على السبيل الكتبي البرجوازي بل على صلة في منتهى العمق بنشاطنا الاشتراكي العملي اليومي، أغلب الظن أن في وسع هذا المعلم البرجوازي التقدمي أو ذاك أيضا ان يقول “تعلم أنت وأنت تعمل وأعمل وأنت تتعلم” ولكن فرقاً يقوم هنا مفاده أن هذا العمل ليس بنظر لينين غير عنصر من عناصر النشاط الاشتراكي، وان هذا التعلم وهذا النشاط العملي يؤلفان جزئين لا يجتزئان من الاشتراكية المتنامية عندنا بعد اكتوبر.

أجل بدون رفع مستوى التعليم بدون الدراسة يستحيل علينا أن نوطد مواقعنا السياسية بإدراك طبقي واضح وعالي المستوى تكتسبه جماهير البروليتاريا والفلاحين الفقراء، أجل بدون هذا التعليم بدون هذه الدراسة يستحيل تطوير الصناعة بوتيرة سريعة وتحويل الريف الفردي الذهني إلى ريف كولخوزي، جماعي، تعاوني، ولكنة لا يجوز وأن لثانية واحدة إذا شئتم ألا تقترفوا خطأ فادحاً فصل هذا التعليم وهذه الدراسة عن نضالنا السياسي عن نضالنا الاقتصادي عن تصنيعنا عن تحويل استثماراتنا الفلاحية إلى استثمارات تعاونية جماعية، وهذا واضح الأن كما كان واضحا من كلمات لينين في أولى الأشهر التي أعقبت الثورة، ولكن الوقت يسير إلى الأمام “والظرف الجاري” الشهير يجري بسرعة عاصفة ونحن لم نشهد بعد انه أضر في مجراه بأي من مبادئنا بيد أن نهر الزمن المتدفق يطرح علينا عند كل انعطاف تارة مهام جديدة وطورا مهام قديمة بمظهر جديد.

واذا ما تسائلنا الأن ما الذي يبرز في المرتبة الأولى بالذات من التعليم الذي تركة لنا لينين بصدد الجانب الثقافي من ثورتنا الاشتراكية ما الذي أصبح أهم عنصر بين العناصر الملازمة للينينية الأن والملازمة لها من قبل أيضا بالطبع فإنه يترتب علينا أن نقول إن مسألتين قد اقتربتا منا بقوة لا سابق لها وخارقة الالحاح هما “مسألة الملاكات” ومسألة تأزم النضال الطبقي في الميدان الثقافي”، ولكن ترى هل كان ثمة مالم ينشغل فيه بال لينين بمسألة الملاكات؟ ترى ألم نسمع نحن من على لسانه نصائح عميقة عن كيف تجب صيانة الملاكات القديمة وكيف يجب استخدامها لأجل انشاء وتطوير ملاكات جديدة؟ ترى ألم نسمع منه كذلك كيف ينبغي التعجيل بفتح كل جهاز التعليم بما فيه من مؤسسات التعليم العالي أمام الشباب من العمال والفلاحين لأجل تكوين ملاكات جديدة لنا بالذات من المثقفين كافية كماً وكيفاً لأجل تكوينها بأسرع وقت؟ ترى ألم نسمع نحن منه كيف ينبغي تربية هذه الملاكات بعناية لكي لا تتباهى بمعارفها ولا تستسلم لمؤثرات غريبة لكي أنها عظم من عظام الشغيلة ودم من دمائها وأنه يجب عليها أن تضرب المثل في سمو الوعي الاجتماعي ونكران الذات؟ كل هذا سمعناه من لينين.

ولكن الوقت يركض بسرعة عاصفة أن أبعاد بنائنا هائلة وقد برزت مسألة مفادها ألا يأتي الإنسان عندنا من الذنب في ظل صناعتنا المتنامية وفي ظل تجهيزاتنا الألية وألا يتأخر عن تعقد وترقي الالات والاساليب وألا يقف أمامها نصف همجي من الناحية التكتيكية محاولاً أن يتغلب بيديه غير الحاذقين على معاونة العاصي على عقله، إن القرارات التي اتخذتها الدورة الأخيرة للجنة المركزية بشان الملاكات تتسم بسمة لينينية عميقة ولكنه واضح لكل امرء أي جهود فوق طاقة البشر تقريباً ينبغي بذلها سواء من جانب المنظمين، إن من جانب الأساتذة أم من جانب الشباب لكي تنفذ في حينها المهمة التي رسمها اللجان المركزية أمامنا بخطوط جريئة وصحيحة.

لقد حذر لينين من أن العدو سيكون قوياً بخاصة في ميدان الثقافة و “المعيشة” وأنه سيكون هنا “ماكراً.. حاذقاً.. عنيداً”

كان زمن وحاربنا والأن أيضاً لا نعد بأننا لن نحارب، ولكنه ينبغي لنا الأن أكثر مما في أي وقت مضى طرد العدو من المواقع الثقافية ينبغي لنا ألا نكتفي حتى باحتلال قمم القيادة والاشراف بل ينبغي لنا أن نستولي على أرض العدو كلها.

إن “الكولاكي” وجميع من انتشروا حوله على نطاق واسع بمن فيهم أكاديمي ما أوربي الاسم وبطريركي الشيب وكاتب حقود سريع الغضب يطلي لنا البوابة بالقطران بصورة حاذقة بحجة الإخلاص للحقيقة الفنية والمعلم الذي يدس خلسة نكات ضد السامية والوبش الذي شرب بأخر “بنطولاناته” ويروي بصوت ابح حماقة شريرة في جمع السوق، جميع هؤلاء يحاولون داخل بلادنا أن يحفظوا انفسهم وبعضهم بعضاً في المواقع القديمة وأن ينشروا سمهم حولهم داسينه حسب الإمكان سواء للفلاح المتوسط المتذبذب أم لفئات المستخدمين المتقلقلة أم للشباب الذي لم يستقر مصيرهم بعد ولم تنتظم أحوالهم. أحيانا لا يقع أمام أنظارك غير لوحة زرقاء سماوية أو برتقالية ولكنك عندما تحدق فيها تتكشف وأحيانا حتى لصاحبها غير الواعي تماما قطعة من هذا الغاز الخانق الكرية الكثيف الذي الثقافة المعادية للبروليتاريا.

وهنا لابد من يقظة هائلة لابد من مهارة في التنظيف لا حازمة وحسب بل دقيقة أيضا، ولا ينبغي لنا ولا يمكننا أن نكون مبددين إنما ينبغي لنا أن نعرف أين تقع القروح التي يتعين بترها وحرقها وأين ما يمكن علاجه وما يجب الصبر علية غصباً عنا طالما لم نستعيض عنه بجديد خاص بنا ينبغي أن نعرف من يصح أن ندعمه ونعلمه ونوبخه في حينه كما يجب.

يجب أن يصون الاحتراس اليقظ ابداعنا الثقافي في جميع ميادين الفلسفة الماركسية و “الميتودولوجية” في العلوم الاجتماعية في اصلاح علم الطبيعيات وعلم التربية النظرية والعملية وتاريخ الفن وأخيرا في شكل منتجات الإبداع الفني بالذات هذا الإبداع الذي يجلب أفكارنا ومشاعرنا ويستحوذ بصورة واسعة على الجماهير التي تنمو بسرعة عاصفة.

في مجرى بنائنا اقتربنا من لحظات مهيبة كتلك التي لم ترتسم للينين إلا في “حلمه” المنفلت الأرضي والعملي كلياً والتي ارتسمت بوصفها مستقبلاً قريباً جداً لم يتسن مع ذلك ليد الثوري الأعظم أن تصل إليه، ذلك أننا نبدأ ببناء مدننا الاشتراكية.. ذلك أننا نبدأ ببناء مدننا الزراعية.. ذلك أننا نبدأ ببناء ذلك الوضع المادي “الوسط” المادي المجدد كلياً الذي سيسهل فيه فائق السهولة على الانسان أن يتغير ويفصل عند أدم القديم ويتحول إلى انسان جديد، إن البروليتاري إذ يغير الأشياء حوله في سياق نضاله الثوري كما علم ماركس ولينين إنما يغير نفسه أيضا، ولقد غير الأشياء حوله من جوانب كثيرة ومن جوانب كثيرة أعاد صنع نفسه أيضا، ولقد نما الأن إلى حد أن في مستطاعه أن يشرع في بعض الأماكن بإنشاء نمط معيشة اشتراكي حقاً إنشاء دائباً ومنتظماً كلياً، وبأي فرح كان نظر زعيمنا إلى هذا ولكنه يجب أن نقر بما يلي:

إذ نتناول الكلام الفرد فإن للبناء الرئيسي لكل مدينة اشتراكية لهذه البلورة العالية التكوين والسامية التشكيل للثقافة الاشتراكية سيكون مع ذلك هو نفسه فلاديمير ايليتش لينين.
ـــــــــــ

البرافدا 21 كانون الثاني “يناير “1930

ترجمة دار التقدم موسكو .

لينين في الثقافة والثورة الثقافية 1966