بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

دور الفرد في التاريخ

التالي »

مقدمة

يستأثر الرد البارز باهتمام الناظر في التاريخ والمعتبر به، ويفتقد عندما تستدعيه حاجة راهنة فتتلامح الصورة الآلقة التي بقيت عن أمثاله الماضين فإذا  وصل إلى مركز السلطة والنفوذ فقلما ينتفي التململ منه والضيق به حتى يكاد أن يجري عله ما أوردته حكمة صينية قديمة: “الرجل العظيم مصيبة عامة”.

وتطل هامات كثيرة، من خلال العصور، لا تزال إلى اليوم موضع التقييم ومثار الجدل واختلاف الرأي فيها أو الحكم عليها، وذاك لأن من شأن التاريخ هذه المزية أو  هذه المشكلة ألا وهي إمكان كتابته دائماً من منظور جديد. وكأن كل عصر ميسر لأن يكتب التاريخ من وجهة نظره فيرى الماضي من خلال اهتماماته والأفكار السائدة فيه: وكأن التاريخ، بمعنى ما، حوار بين الحاضر والماضي أو هو، على الحقيقة، إعادة كتابة وإعادة تفسير مستمرتين. ولئن كان التاريخ حواراً بين الماضي والحاضر فهو أيضاً حوار بين المؤرخ  والقارئ، وبذلك تصبح الحوادث ذات قيمة عندما يستنطقها المؤرخ على قدر مسؤوليتها ومدى تأثيرها في وضع الإنسان وتوجيه مصيره.

إن دور الفرد البارز أو العظيم في التاريخ ليس مجرد معضلة عملية وإنما يؤلف مشكلة من أعظم المشاكل النظرية في التحليل أو التأويل التاريخي. وموضع الخلف في الآراء حولها يكمن في الفلسفة أو النظرة العلمية التي يعتنقها من يكتب التاريخ وإن ظل غالباً اهتمام كل فلسفة تاريخية بإقامة توازن شبه معقول بين الدور الذي لعبه البشر والمسرح المكيف الذي قدم مواد “مآسي” التاريخ الإنساني والذي قدم أحياناً قواعدها ونواميسها ولكنه لم يقدم إطلاقاً  تصاميم وحبكات تلك “المآسي”. وما ذاك إلا لأننا لا نستطيع أن نتصور الكائن البشري إلا في محيط وفي وضع وحالة.

لقد ازداد الاهتمام، في زماننا، بأقوال الرجال البارزين وأعمالهم إلى درجة لم يرق إليها قبلاً. ولعل هذا الاهتمام يرتكز إلى حقيقة أساسية وهي عدم الاستغناء عن الزعامة، حتى اليوم، في كل حياة اجتماعية وفي كل شكل من أشكال التنظيم الاجتماعي أو السياسي، فضلاً عما يستدعيه الشكل المركزي البالغ التعقيد في الدول المعاصرة، وتعدد مهامها ووضعها الإمكانات الهائلة، في التقدير والتقرير، بين أيدي قلة من الناس.

وتجري في أيامنا هذه معاودة هذا الموضوع ولعل الحادي عليها ظاهرة تاريخية تميز بها النصف الأول من هذا القرن. وهي كثرة الرجال البارزين فيه، وهؤلاء لعبوا أدواراً كان لها انعكاسها الكبير داخل بلادهم وفي العالم أجمع، وفي مجال تقييم أعمالهم كان لا بد من تأمل ما أصابوا أو أخطأوا وما قاربوا فيه القصد أو جانبوه وما كانت تستدعيه الحاجة الزمنية من مواقف وأعمال وما استقلوا فيه بنوازع فردية. يضاف إلى ذلك ما يثار على الصعيد النظري من مناقشات في دنيا الفكر التقدمي بعامة واليساري بخاصة، حول دور الجماهير ومبادهاتها وحول العفوية والتنظيم، التنظيم المنبثق تلقائياً من خلال العمل والممارسة أو التنظيم الذي يحكمه أو يفرضه حزب يمثل وعي الطبقة أو وعي الشعب. كما يتفرع على البحث تأمل دور النخبة أو القلة في تمثل هذا الوعي واستيعابه والقيادة أو الريادة بمقتضاه أو انبثاق القيادة في اللحظات الحاسمة التي يبلغ فيها وعي الطبقة ذروته، في الثورة مثلاً، فتختار الطبقة قادتها من خلال الفعل والممارسة..

هذا وذاك من الأسباب والبواعث يدعوان لمواجهة دور الأفراد البارزين في ظل الظروف الموضوعية وفي ظل ما أتيح لهم من النفوذ والشوكة حتى يمكن الوصول إلى بعض الملاحظات أو التعاميم أو النظريات.

ونحن في هذه المعالجة نمضي في تماس مع مختلف الآراء القريبة أو الموافقة لما تؤمن به ونعتقد ومع ما يخالف منها في الرأي لأن المشكلة في احتوائها الموضوعي والذاتي تقتضي ألا ينصرف الرأي في صراع مع هذه النظرية أو تلك قدر الاهتمام بالتفكير معها من خلال وجهة النظر التي تأخذ بها. لهذا فسبيلنا الإلمام بالعديد من النظريات والمبادئ، كما لو كانت جميعها صحيحة أو مجدية، وردها إلى شيء من الوحدة والتركيب، من خلال الموافقة أو المعارضة، كما لو كان ذلك ممكناً وتقبلها جميعاً بعد إعطائها حيزها المعقول، لأن كل فهم أو تفهم يتضمن انعطافاً منهجياً لا يستبعد القناعة وموجباتها ولا يحل محلها، ولأن تعدد الآراء واختلاف المناهج لا بد أن يكشف للمرء أن تعدد الطرق التي تستهدف الحقيقة ليس بالضرورة، خطأ محضاً وبدونه لم يكن بالوسع أن يكون لهما تاريخ.

ويشهد عصرنا تفجر الكليات، المعاني الشاملة، وما كان منها مسلمات لا يمارى فيها. وإذا كانت الوحدة أو الشمولية هي من منازع العقل فإدراك المعنى الشمولي لا يتم إلا باعتبار حقيقتين: الأولى هي أن الإنسان يروم أن يكون شاهداً للحاضر وشاهداً على الماضي وهو لا يجهل أن الماضي بعد من أبعاد الحاضر. وما من نظام أو منهج أو سياق عام ينشأ مبتوت الصلة بما سبقه لأنه يحمل في صلبه سلسلة من الأهداف، لهذا فسبيله أن يستند إلى نظام قبله، ولكنه، في استناده هذا لا يرجع إلى مجموع أحداثه وإنما إلى جانب من سياقها فيسقط منها ويزيد. والحقيقة الثانية هي أن الوحدة أو الشمولية لا تقع إلا على مراحل وبأجزاء تتكامل لهذا يغدو مفيداً  وضرورياً مشاققة الآراء من جانب والاعتراف بأن لدى الآخرين بعض الحقائق أو أنهم وصلوا، في مجال حقيقتهم التي يؤمنون بها إلى حد قد يكون بالغ الدقة والوضوح والسمو.

ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هون: ـ ما هي القوة التي تحرك الشعوب؟

ولقد اختلاف الجواب باختلاف الأزمنة والأعصر فكان ينصرف قديماً على الدور المتمثل في القدرة والكفاءة اللتين كان يمتلكهما الإبطال والحكام العظام. ولكن هذا المفهوم طرأ عليه مع الزمن تبديل وتعديل فلم يعد يؤخذ به على علاته وعلى وجه التفرد والإطلاق، وكذلك لم يعد يؤخذ بالفكرة التي ترى الحياة المسرح الكبير المشرع أبداً يدعو الممثلين لأدوار ملزمة محددة فالغلو في الأولى إسقاط للأسباب الموضعية والغلو في الثانية إسقاط للوعي الذاتي وحرية الاختيار والمجهود الإرادي والحياة لا تحتمل هذه الفرقة النظرية، وجميع المدارس التي تناولت هذا الموضوع أو تتناوله تدور حول هذين القطبين من الآراء أو بينهما: إعطاء الفرد الأولوية المطلقة والأثر الحاسم أو الجبرية المطلقة.

تأويل التاريخ
يتفق الباحثون على أن الإنسان كائن تاريخي لأنه إنما يعمل في الزمان ولا تاريخ إلا بالزمان، ومن هنا ارتبطت كل نظرية في التاريخ بنظرية في الزمان، والإنسان هو الوحيد بين الكائنات الحية الذي يعي الزمن لهذا فهو الوحيد ذو التاريخ. وقد ذهب بعضهم إلى اعتبار هذه المدة الزمنية وفقاً لأحداث ومقاصد معينة وهم فريق أصحاب النظريات الدينية في الزمان وفي التاريخ الذين ربطوا الزمان بالخلق الأول وبمصير الإنسان في الدنيا وبنهاية يرتبط بها حساب وعقاب وثواب وفريق ربطوا تلك المدة بأحداث فلكية كونية بمعزل عن كل المعاني. ومنهم من اعتبر للتاريخ مساراً واحداً ومنهم من اعتبره دوائر ومن قالوا بالأول تصوروه معرضاً “للروح المطلقة” وهي تفض مضمونها على مر الزمان اللامتناهي ومن قالوا بالثانية تصوروه دوائر، أما مقفلة هي الحضارات المختلفة أو دوائر يفضي بعضها إلى بعض ولها عودات.

ومن خلال العديد من المدارس أثيرت مشاكل فلسفة التاريخ، وأولها نسبية التاريخ وثانيها مشكلة العلية وثالثها مشكلة التقدم والتخلف في مجرى التاريخ وهل هناك خط للتقدم مستمر قدماً أو ثم تقدم وتخلف دون قاعدة أو قانون ورابعها إمكان التنبؤ بما سيكون عليه التاريخ، ومنهم من ذهب إلى التفاؤل ومنهم من ذهب إلى التشاؤم وبعضهم الثالث زعم أنه بمعزل عن كليهم.

لقد دخل على التاريخ من معطيات العلوم والبحوث الجديدة ما جعله يطرق مجالات لم يكن له شن بها ودخل في الاتجاه والشمول ما جعله يأخذ طريقه في العمق فصار يهتم بالشعوب لا الأفراد وبالقواعد الشعبية الواسعة لا القمم والملوك ثم أصبح في القرنين الماضيين برجوازي المنطلق وقد تحول الآن فصار، بالضرورة، شعبياًن كما انصرف اهتمامه إلى العوامل والتيارات التحتية والخفية، ولم يعد الحادث التاريخي هو الحادث السكوني الثابت بل أصبح في ديناميكية تحولية متصلة الحلقات.

التأويل المادي للتاريخ
إن التغيرات في شكل الإنتاج الاقتصادي والتصادم بين الفئات الناجم عن تلك التغيرات إنما هو عامل تقريري حاسم في تاريخ الإنسان. إن مجال التاريخ خاضع “لضرورة” تكشف عن ذاتها عبر جملة من الأحداث الطارئة التي تكون تجربتنا اليومية أما هذه الضرورة في أعماقها فهي ضرورة اقتصادية. وبما أن الضرورة الاقتصادية هي التي تسطير على التاريخ فإن أفعال البشر قد تعمل بانسجام مع تلك الضرورة أو ضدها فيكون مآلها أن تصبح عديمة المفعول، وذلك أن الأفعال الإنسانية لا تصبح ذات مفعول إلا إذا عملت بالانسجام مع تلك الضرورة، أما التطور الاقتصادي للمجتمع الذي يلعب فيه التوسع المستمر لقوى الإنتاج دور الدافع والمحرك فإنه لا يسير سيراً سهلاً وإنما ينمو بفضل تعارض أو تناحر لا ينقطع بين قوى الإنتاج من جهة وبين علاقات الإنتاج المقيدة الزاجرة أو الأشكال القانونية من جهة أخرى.

ودعوى التاريخ، في الجدل الماركسي، هي دعوى تستقر فيها موضوعياً جميع الفترات التي أوجدتها دعوى سابقة ولكنها تحتوي بذاتها على بداية التطور المقبل. ويرى هذا الجدل اعتبار الوحدة في التناقض (وبخاصة التناقض الموضوعي ـ الذاتي أو الشروط الموضوعية والممارسة الثورية) ويتجلى ذلك في كل مظهر وبالتالي في العلاقات التي تقوم بين شتى المظاهر والسمات.

وعندما كان ماركس يفكر في التطور وديناميكية التاريخ لم ينطلق من شكل معين من الإنتاج ولكن من الناس أنفسهم: “لقد بدأ البشري يتميزون عن العجماوات منذ أن شرعوا في إنتاج وسائل الحياة. إنتاج  حياتهم المادية بطريقة غير مباشرة”. وبهذه المثابة فالإنسان الفرد تاريخي في جوهره لأنه يعيش في الزمان ويتجدد بأحوال وظروف معينة ووجوده عملية زمنية تتجدد بالميلاد والموت وتتألف من سلسلة متصلة الحلقات تتألف من ماض وحاضر ومستقبل. وتجري هذه العملية في إطار علاقته مع الآخرين وعلاقاته مع الطبيعة. فإذا كان الفرد كذلك فإن العلاقات بين الأفراد هي أيضاً علاقات تاريخية وحياة الإنسان حياة تاريخية وعالم الإنسان هو عالم التاريخ أو الصيرورة. وإذا كانت حياة الإنسان منذ كان عبارة عن سلسلة متصلة الحلقات لا انفصام فيها، فإن الإنسان، إذن، يصبح ابناً للماضي بأسره وثمرة هذا الماضي برمته وهو يصنع التاريخ والتاريخ بدوره يصنعه في جدلية حياتية لا تنتهي. والإنسان في تفاعله مع التاريخ موجه وموجه لأن سير التاريخ تحركه فكرة النشوء والارتقاء، وهي الفكرة التي تحرك كل الخليقة نحو إنسانية أكمل تخلق لنفسها في كل مرحلة من مراحل مسيرها على الأمام الإطار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الملائم لوضعها ونضجها في حركة تطورية جدلية يستمر بها الخلق، فتاريخ الإنسان هو الإنسان وبالتالي فإن جذور الإنسان هي الإنسان نفسه.

وثمة ثبات نسبي في السنن الطبيعية وتطور للظواهر الحية في وقت معاً، جدلية الإصرار على أن في التكوين أسباباً لا بد بالغة غاياتها وإن الكائنات الحية وبخاصة الإنسان في تطور متماد لا يقف وأن ذلك الثبات وهذا التطور مترابطان معاً متزاوجان في نسق ومسيرة جدلية. وهكذا تسود حركة جدلية بين الإنسان والتاريخ فالتاريخ يصنع الإنسان ويكفيه والإنسان هو الذي يصوغ التاريخ ويصوره.

ويرى ماركس في كتابه “رأس المال” أن نقطة الانطلاق هي العمل الذي يعود بكليته إلى الإنسان ويرى أن ما يميز أسوأ مهندس من أبرع نحلة هو أن المهندس يبني الخلية في رأسه قبل أن يبني الخلية في الواقع والنتيجة التي ينتهي إليها الصانع توجد مسبقاً في مخيلته فهو يحقق هدفه الخاص الذي وعاه والذي يحدد، كقانون، طريقة عمله المشفوعة بإرادته.

ومن ذلك أن الكائن إنما يتميز بكونه غير محدد كلياً بالشروط الموضوعية وأن جدله النوعي لا يرد إلى دورية إعادة الإنتاج ولكنه يدخل بين الحاجة والشروط الموضوعية وساطة مشروع.

ولكن كيف يمكن، انطلاقاً من نوعية العمل الإنساني، أن تتطور، من خلال الفاعلية الاجتماعية التي يمارسها الناس لتأمين شروط وجودهم، علاقات معينة في كل فترة تشرط بدورها جانباً من هذه الشروط الموضوعية وتصبح “الطبيعة الثانية” التي يصنعها الإنسان ويتلاقي، من خلالها، جدل العمل وجدل التاريخ.

“إن الناس يصنعون تاريخهم الخاص ضمن شروط يجدونها سابقة لهم ومعطاة وموروثة من الماضي”.

ومقتضى ذلك أن الصيرورة تصبح ممكنة وظهور الجديد هو، في الوقت نفسه، تقدم، تقدم يصبح المظهر الأول، من خلاله، مظهراً رئيسياً عن طريق قفزة  نوعية تتناسب مع الممارسة التي تقوم بها الطبقة الموعودة بالمستقبل حتى الوصول إلى مجتمع لا طبقات فيه، وعندها يتم الانتقال من عصر الضرورة إلى عصر الحرية ونهاية ما قبل التاريخ. وبذلك تدخل القوى الغريبة والموضوعية، التي تحكم التاريخ حتى اليوم، في نطاق رقابة الناس واعتباراً من ذلك الحين يصنع الناس بملء وعيهم، وتاريخهم والأسباب الاجتماعية التي يضعونها قيد الفعل يمكن أ، تبلغ، بنسب متزايدة، الأهداف المرجوة.

صفحتان أمام الإنسان في مواجهة التاريخ: الشروط الموضوعية التي صنعت الإنسان في فترة معينة من التاريخ وصفحة الإنسان الصانع ـ المطور لهذه الشروط، طبيعة مطبوعة وطبيعة تترك طابعها وميسمها.

ولا يوجد سوى واقع تاريخي هو جماع الممارسة الاجتماعية التي تتلبس وجهي الطبقة والجماهير. ولكن كيف يمكن التوفيق بين هذين الوجهين؟ إن ما هو حقيقي وصحيح ينصرف إلى أن أوضاع الطبقة تشكل القاعدة الموضوعية لحركة الجماهير وهي الحركة التي تستقر في الشروط الموضوعية لحاجات الطبقة وتطلعاتها. والجماهير ليست أفراداً منعزلين وإنما جماعية أو جماعات لها مشروع واحد ولا يمكن لهذا المشروع أن يقوم إلا على أساس من الأوضاع والشروط المشتركة. ويتم ذلك عن طريق انتقال الطبقة، بذاتها ولذاتها ومن خلال الممارسة، إلى واقع آخر. ولا يعني ذلك مجرد الانتقال الاقتصادي ـ السياسي، وإنما تتكون الذات على أساس من الشروط القائمة ويسري ذلك إلى المجالات كافة من اقتصادية وسياسية وإيديولوجية.

وتكون الذات هذا هو تدرج معقد تتخلله الصراعات والنكسات ويرتكز على الشرائط الطبقية ولكنه يعمل بشكل من الاستقلال والانقطاع عنها، واستقلال الذات هذا بالنسبة إلى تلك الشرائط، يستحيل إلى شكل من القوة المادية التي “تصنع التاريخ”.

إن فكرة الكلية تبقى تصوراً جدياً فنحن لا نستطيع أن نرى الكل بيد أننا نعيش فيه ونحن لا نستطيع التصرف فيه كما نهوى ولكننا نرتب فيه حياتنا والتاريخ في مجموعه لا يتكرر أنه تاريخي حقاً وليس طبيعياً وتبقى الفكرة القائلة بوجود كل منظم فيه لكل ظاهرة مكانتها الخاصة بها وليس في هذا مجموع من المصادفات بل كل الخصائص الأرضية تندرج في الوحدة الأساسية.

وليس ثمة وحدة في التاريخ العام وإنما ينشد الإنسان الوحدة دون أن يدركها ومزج الإنسانية كلها في وحدة هو حد التاريخ بمعنى أن هذه الوحدة لو تحققت لانتهى التاريخ.

ابن خلدون
وليست هذه المفاهيم في مراميها العامة بغريبة عن تراثنا، فابن خلدون يقول في مقدمته:

“إذا تبدلت الأحوال جملة فكأنما تبدل الخلق من أصله وتحول العالم بأسره وكأنه خلق جديد ونشأة مستأنفة وعالم محدث”.

ويقول في موضع آخر قولاً ينم على فهمه العلاقة الجدلية التي تربط الإنسان بتاريخه:

“حقيقة التاريخ أنه خبر عن الاجتماعي الإنسان الذي هو عمران العالم وما يعرض طبيعية ذلك العمران من الأحوال مثل التوحش والتأنس والعصبيات وأصناف التقلبات للبشر بعضهم على بعض وما ينشأ من ذلك من الملك والدول ومراقيها وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع وسائر ما يحدث في ذلك العمران بطبيعته من الأحوال”.

كما اهتدى ابن خلدون إلى أن التاريخ لا يعيد نفسه وأوضح ذلك إيضاحاً لا لبس فيه فكتب يقول:

“من الغلط الخفي في التاريخ الذهول عن تبدل الأحوال في الأمم  والأجيال بتبدل الأعصار ومرور الأيام وهو داء دوي شديد الخفاء إذ لا يقع إلا بعد أحقاب متطاولة فلا يكاد يفطن له إلا الآحاد من أهل الخليقة، وذلك أن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر، إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة وانتقال من حال إلى حال وكما يكون ذلك في الأشخاص والأزمان والإعصار فكذلك يقع في الآفاق والأقطار”.

ويعتمد ابن خلدون في استنتاجاته على الحضارات العديدة البائدة أو القائمة في زمانه ليدلل على أن التاريخ ليس تكراراً أو عوداً متواصلاً على بدء وإنما هو تطور وهذا الخلق لا يزال يرتقي في سلم “التدرج في المخالفة حتى ينتهي إلى المباينة بالجملة” كما أنه فطن إلى حقيقة الوعي الذي لا يحظى به إلا الآحاد لأن الإنسانية كانت قديماً تساق إلى مصيرها في غيبوبة بين اليقظة والوعي، ويزداد وعيها وضوحاً أكثر فأكثر، فالتاريخ إذن هو وعي التطور والاضطلاع به والإنسان هو الكائن الذي بفضله ينقلب التطور الشامل لكل الطبيعة تاريخاً بالمعنى الإصطلاحي.

وبحق قال ايف لاكوست: “قبل القرن التاسع عشر لم يكتب لأحد أن يفوق “توسيديد” سوى ابن خلدون فالأول قد اختراع التاريخ وعلى يد الثاني اكتسى هذا التاريخ صيغته العلمية”.

دور الفرد البارز من خلال تأويل التاريخ
لم يعد المرء، في أيامنا، بحاجة لأن يقف طويلاً أمام ما جاء به “كارليل” في تعظيمه من شأن الرجل البارز ولا أمام مشايعه وتابعه “فريدريك أومز” وهو من أكثر دعاة التأويل البطولي للتاريخ غلواً بعده، إذ أن جميع الذين يرون أنه ما من تبدل اجتماعي طرأ لم يكن من صنع رجال عظام وأن “تلقائيات” اليوم التي تجعل ذلك ممكناً هي نتيجة الأفعال والأمثال التي فعلها وسنها الأفراد البارزون لا يصمدون أمام الحجة القاطعة وهي أنه مهما تكن أسماء الأفراد التي تقترن بتلك الحركات أو الأعمال العظيمة فليست هناك بينة على أنه لم يكن بالإمكان الاستغناء عن أولئك الأفراد، بمعنى أن تلك الحركات والأعمال ما كانت لتحدث بدونهم.

ولم يؤد رد الفعل حيال “المذهب البطولي الكارليلي” في القرن التاسع عشر إلى إنكار ضرورة وجود البطل والفعل البطولي في التاريخ حتى ولو إلى إنكار ضرورة البطل والفعل البطولي ولكن ما قال به رد الفعل ذاك هو أن الأحداث التي أدى إليها مثل ذلك الفعل البطولي قد تقررت بواسطة النواميس التاريخية في الفترة التي ظهر فيها البطل أو بواسطة احتياجات تلك الفترة، وقد اختلف المفكرون والفلاسفة في وصفهم هذه الاحتياجات الملحة الضاغطة  فقيل أنها  احتياجات “ميتافيزيقية” أو “مثالية” أو “سياسية” أو “اقتصادية”، ويمكن استعمال تعبير “احتياجات اجتماعية” ليشمل جميع تلك الأصناف.

ولعل الأنموذج الكامل للتفسير المثالي يرجع إلى “هيجل” فالرجل العظيم، في نظره كما في نظر “اشبنجلر” الذي يحذو حذوه في هذا الشأن ليس نتاج الأحوال المادية أو الاجتماعية أو البيولوجية بل أنه في المقام الأول تعبير عن “روح” العالم في زمنه أو أنه “روح” حضارته، والرجال العظام لا يصنعون التاريخ ويكيفونه إذ تستدعيهم “الأزمنة العظيمة”، أما الأزمة العظيمة فهي تلك الفترات الانتقالية التي ينهض فيها الجنس البشري من مستوى ما من مستويات الحريات والتنظيم إلى مستوى غيره. ولم يكن انتصار يوليوس قيصر انتصاراً شخصياً بل كان حافزاً لا واعياً هو الذي هيأ تحقيق ما كان قد نضج الزمن من أجله. وهذه هي حال جميع الرجال التاريخيين العظام الذي تنطوي أهدافهم الخاصة على تلك القضايا الكبرى التي هي إرادة روح العالم.

إن نشاط البطل يجب أن يفهم ليس كفعل صادر عن فرد ضد بيئة وإنما كعملية متفاعلة حتمياً، عملية صادرة من جانب من جوانب الحضارة ومتعلقة بالجوانب الأخرى أي أن الإنسان لا يستطيع أن يفعل ألا ما تسمح به حضارته ولكن الحضارة، وهذا حكم قاطع، لا تسمح إلا باتجاه واحد للتطور وليس هنالك من احتمالات أخرى أصيلة لذلك. ويرى هيجل أن “أمجاد الإرادة إنما هي أوراق يابسة ولم تكن يوماً بأوراق خضراء”.

إن النظرية الميتافيزيقية القائلة بوحدانية الكون وبكونه جوهراً واحداً تكشف عواقبها، بالنسبة للتاريخ، عن ضعف واضح. ذلك لأنها تنطوي على القول بعدم وجود إمكانات واحتمالات موضوعية في التاريخ كما أنها تشير إلى أن المستقبل هو كائن فعلي ولكنه لم يولد بعد وأن أمر الجهد الإنساني سواء بذلك أو لم يبذل هو أمر محتوم مقدر سلفاً وأن الفعل الإنسان لا يستطيع أن يغير شيئاً مما هو قيد التكوين فالأمر كما قال هيجل “مثل بومة منيرفا لا تبدأ طيرانها إلا بعد أن تكون ظلال الغسق قد خيمت على الكون”.

ما “هربرت سبنسر” الذي كان متأثراً بنظرية النشوء والارتقاء فهو ينطلق، في تقدير دور الرجل البارز، من التطور الاجتماعي الذي يفترض أن جميع المجتمعات قد نمت بشكل موحد وتاريخي وتقدمي حثيث ويرى سبنسر أن المرء إذا شاء أن يدرك ويفهم فوارق التطور الاجتماعي فإنه لن يصل إلى ذلك عن طريق الانكباب على قراءة سير جميع الحكام العظام في التاريخ. وعلى المجتمع أن يكون العظيم قبل أن يستطيع الرجل العظيم إعادة تكوين المجتمع.

وفي مصطرع الآراء والنظريات كانت الماركسية في تأويلها المادي للتاريخ مطالبة بحكم العلمية التي تملكها أن تواجه هذه المعضلة وأن تقدم لها الحل الذي يفترض أن يكون أصح الحلول وأكثرها إقناعاً لأنها تعتمد سير التاريخ والصيرورة والكلية والجدل من خلال استقراء الماضي وتصور المستقبل. ورغم أن هذه المسألة واجهت المفكرين الماركسيين منذ البداية فإن تكامل حلها لا يزال قيد التفاعل الذي تغتني فيه النظرية بمزيد من العمق والإحاطة والشمول. ولم تنكر الماركسية دور الرجال العظام في التاريخ فلا هي أنكرت وجودهم ولا هي أنكرت أهميتهم التاريخية. وقد تصدى “أنجلز” للموضوع ولكن الباحث الذي تلاه والذي تناوله تناولاً شاملاً في معالجة ذكية أريبة هو بليخانوف.

لقد بحث بليخانوف مشكلة البطل في التاريخ في كثير من مؤلفاته وبخاصة في كتابه القيم “دور الفرد في التاريخ” وقد كانت مشكلة دور الفرد في التاريخ، في زمنه، مشكلة حادة وراهنة بشكل فريد بالنسبة إلى الماركسيين الروس الذين كان بليخانوف زعيم مفكريهم النظريين المعترف به. ولم تكن حدة كمشكلة نظرية فحسب بل كذلك كمشكلة عملية وسياسية. وقد كان البرنامج السياسي والفلسفة السياسية لحزب “الشعبيين” الاشتراكيين الروس مؤسساً على الرأي القائل إنه بالإمكان التأثير في التاريخ، بأسلوب عام، بواسطة إبطال الفكر وحتى إبطال الفعل، وقد رفض هذا الفريق كما فعل خلفه “الحزب الثوري الاشتراكي” الآراء الماركسية حول الضرورة والتطور الاجتماعي وعلق أهمية أعظم على القرارات الشخصية والخلقية دونما إنكار لنفوذ العوامل المادية والاجتماعية والاقتصادية كما رفض التخلي عن الإرهاب الفردي كسياسة تهدف إلى محاربة الاضطهاد. وبذلك اعتبر هذا الفريق أصحاب المراكز العليا وليس النظام الذي ولدهم مسؤولين عن الشرور الاجتماعية والإفراط في العناد السياسي. وهكذا قام بليخانوف يناصبهم العداء على الصعيدين النظري والعملي واضعاً أحسن معالجاته للموضوع في مؤلفه الآنف الذكر.

ورد بليخانوف على النظريات التي تفصل بطريقة كيفية، مختلف أشكال الحياة، بعضها عن بعض، لتقننها على شكل قوى خاصة تشد، من وجهات مختلفة وبدرجات متفاوتة من النجاح، الإنسان الاجتماعي في طريق التقدم. كما أعاد إلى المادية التاريخية معناها الحقيقي بإزالة ما لحق به من تشويه وتحريف.

لقد رفض بليخانوف آراء المدافعين عن التأويل البطولي للتاريخ وكذلك آراء الجبريين الذين انتهوا، لدى معارضتهم أصحاب التأويل البطولي للتاريخ، إلى أن الفرد “كمية مهملة” في التاريخ. وقد رفض بليخانوف آراء الفريقين لأن كليهما ضرب صفحاً عن مشكلة على جانب عظيم من الأهمية ليس بالنسبة إلى الماركسيين فقط بل كذلك بالنسبة إلى أي فهم علمي للتاريخ.

وأصر بليخانوف على الرأي القائل بأن مفهوماً مادياً عن الإرادة ينسجم مع أكثر الفاعليات العملية نشاطاً وأن جميع التعاليم التي اقتضت، في الماضي، المزيد من الإرادة البشرية افترضت مبدئياً عدم أهلية هذه الإرادة. واستبعاد ما تواضع الناس على تسميته بحرية الاختيار يؤول بالضرورة إلى الجبرية. ولكن، حتى هذه الجبرية، لا تشكل الإرادة ولا تقعدها إذ تصبح في بعض الأحيان الأساس النفسي الضروري للعمل. ومن الخطأ الاعتقاد بأن الاقتناع بحتمية وقوع حادث ما يقتل فينا كل مكنة نفسية للمساهمة فيه أو معارضته.

وأساس الحل لديه هو أن الحرية هي ضرورة في شكلها الواعي، ولا يستطيع الفرد أن يفصم عرى هذا التوافق بين الحرية والضرورة ولا يمكن للمرء أن يشعر بوطأة الضرورة وإلزامها لأن غياب الحرية هذا ليس في الوقت ذاته سوى التعبير التام عنها والمتضمن لها. ولا يتم الوصول إلى هذا المفهوم إلا بتجاوز الثنائية وإدراك الحقيقة الهامة القائلة بأن لا وجود بين الذات والموضوع لتلك الهوة السحيقة التي يفترضها الثنائيون. إن الفرد الخاضع للضرورة التاريخية إنما يستمد هذه الصفة لا من مجرد وعيه لها فحسب بل بسبب صفات الأخلاقية والعقلية المنبثقة عن هذا الوضع. وبما أن وضع الفرد الاجتماعي يحبوه هذه الخليقة لا غيرها فسبيله ألا يكون أداة هذه الضرورة ورهينها فحسب بل يود بشوق أن يكون ذلك ولا يسعه ابتغاء وجه آخر. وذا مظهر من مظاهر الحرية المتولدة عن الضرورة أو بعبارة أدق الحرية المتماثلة مع الضرورة أو الضرورة التي استحالت حرية. يقول هيجل:

“تستحيل الضرورة على حرية لا لأنها تتوارى بل للسبب الأوحد وهو أن “تماثلهما” الداخلي الكامن قد تجلى أخيراً”.

إن و عي الضرورة الملازمة لحادث ما ليس من شأنه إلا أن يزيد في طاقة الشخص الذي يواجه هذا الحادث فيتجاوب معه ويعتبره إحدى القوى التي تحدد وجوده. فإذا تربص هذا الرجل بعد أن وعى الضرورة التي تحدد هذا الحادث وشبك ذراعيه ووقف يتأمله فإنه يبرهن على جهل فاضح بالرياضيات. ولكن كيف يؤثر الشعور بضرورة وقوع حادث ما على رجل قوي الشكيمة ينظر إليه شذراً ويناصب العداء؟ إن الأمور تتحول هنا قليلاً عن مجراها إذ يمكن كثيراً أن يضائل هذا الشعور القدرة على المقاومة متى اقتنع معارضو الحادث بأنه ضرورة لا محيض عنها. ويتم ذلك عندما تصبح الملابسات المظاهرة له وفيرة نافذة الأثر. إن الشعور بحتمية وقوع حادث وانعدام المقاومة لدى معارضيه ليس سوى تعبير عن قوة الأسباب المظاهرة له والتي تطوي في عدادها الشعور بالعجز الذي يحسه هؤلاء المعارضون. غير أن القدرة على المقاومة لا تتضاءل عند جميع معارضي الحادث بل تزيد لدى بعضهم بتأثير من شعورهم بحتمية وقوعه، في قدرتهم على المقاومة وتكون هذه المقاومة عندئذ عبارة عن مقاومة اليأس.

ويعيد بليخانوف القول بأن الشروط التاريخية العامة أقوى من الأفراد الأقوياء، وتغدو سمة العصر بالنسبة إلى الرجل “ضرورة معطاة تجريباً”، وبشكل كل عمل يتحقق حادثاً تاريخياً. فبم إذن تمتاز هذه الأحداث عن الأحداث التي تتم من تلقاء نفسها؟ والحقيقة هي أن كل حادث تاريخي يؤمن، على وجه التأكيد، لبعض الناس اجتناء الثمار اليانعة من التطور السابق كما أن هذا الحادث، في الوقت نفسه، حلقة في سلسلة الحوادث التي تهيء ثمار المستقبل.

ويشير بليخانوف إلى أن الأفراد بفضل الخصائص ولميزات التي يتمتعون بها يمكنهم أن يؤثروا في مصير المجتمع ويمكن أن يكون أثرهم ملحوظاً. إلا أن إمكان حدوث هذا التأثير واتساعه أو مداه محدودان بتنظيم المجتمع وبعلاقات القوى الاجتماعية ـ الاقتصادية. إن سجايا الفرد ليست “عاملاً” من عوامل التطور الاجتماعي إلا بمقدار ما تسمح بذلك العلاقات الاجتماعية ويبقى هذا العامل ما سمحت به هذه العلاقات وبالشكل الذي أباحته. ولا يستطيع الفرد إبراز مواهبه إلا عندما يحتل في المجتمع مكاناً ييسر له ذلك، والتنظيم الاجتماعي هو الذي يحدد في كل حين الدور وبالتالي الأهمية الاجتماعية التي يمكن أن توسد إلى بعض الشخصيات الموهوبة أو عديمة الأهلية.

ولكن ألا يتعارض القول بأثر الفرد في سياق الأحداث مع المقولة التي تعتبر التاريخ أو التطور الاجتماعي خاضعاً لقوانين محددة ملزمة؟ والجواب على ذلك هو أن هذا الدور لا يتعارض والمفهوم المشار إليه وإنما هو وجه من أوجه التعبير البارزة عنه. وتجدر الإشارة إلى أن إمكان تأثير الفرد في المجتمع، هذا الإمكان الذي يحدده التنظيم الاجتماعي، يفتح الباب واسعاً أمام تأثير ما يسمى “المصادفات”، على المصير التاريخي للشعوب. ويمكن لهذه المصادفات أن تترك أثرها في مستقبل الشعب أو الأمة. وهناك أيضاً الأسباب العرضية أو الطارئة التي تنشأ عن الأفراد وعن صفاتهم ومؤهلاتهم أو عن زوالهم. لذلك فإن مصائر الأمم تتوقف أحياناً على حوادث عارضة تمكن تسميتها بالحوادث من الدرجة الثانية. وقد كان هيجل يقول: “كل ما هو تام ينطوي على عنصر من عناصر المصادفة”.

ولكن ألا ينفي ذلك إمكان المعرفة العلمية للحوادث ويجيب بليخانوف بالنفي لأن المصادفة أو الحادث العرضي ليس بالحادث غير المسبب، وبسبب الصفة النسبية التي يرد إليها الحادث العرضي أو المصادفة فلا يظهر إلا في نقطة التقاطع أو التصالب لظاهرات التطور الضرورية. وتظل المصادفة، تبعاً لذلك. محصلة قوتين أو تقابل حالين أو تفاعل موقفين. ولذلك لا يمكن التنبؤ بنقطة التقاطع هذه من خلال النواميس التي تقرر وتحتم أية من سلاسل الأحداث أو تلك السلاسل مجتمعة. والظاهرات الناجمة عن المصادفة أو الخصائص الفردية التي يتسم بها الرجال البارزون هي أظهر وأبين من الأسباب العامة التي يقتضي كشفها الغوص في الأعماق.

وخصائص الفرد الشخصية تجعل صاحبها أقدر على تحقيق الحاجات الاجتماعية الناشئة عن العلاقات الاقتصادية القائمة أو معارضتها. ويمكن للأفراد ذوي النفوذ، بفضل خصائصهم الفكرية وبفصل صفاتهم الذاتية، أن يبدلوا في الملامح التي تتلبسها الأحداث وبوسعهم أيضاً تغيير نتائجها الخاصة ولكنهم لا يستطيعون تغيير الاتجاه العام المحدد بقوى أخرى. وحتى يتمكن الفرد من الاستئثار بدوره التاريخي من خلال السلطة التي صارت إليه، فسبيل الهيئة الاجتماعية أن تمنع هذا الإمكان عن سواه، وبذلك تتراءى لنا الشخصيات التاريخية أحياناً محاطة بهالة من القدرة والنفوذ الذاتيين المبالغ فيهما على خلاف ما يحدث في مجال التطور الثقافي إذ يندر أن يطمس نجاح فرد المعي المعية فرد آخر. وفي كلا الحالتين فإن الطلب الاجتماعي هو الذي يستثير المستعدين للتصدي له، فإذا أخفق أحدهم أو قعد به العزم عن ذلك تصدى له آخر تلو آخر.

وثمة سرطان لا بمن توافرهما حتى يتمكن شخص موهوب، يتمتع بخلال معينة، من أن يحدث بواسطتها تأثيراً عميقاً في سياق الأحداث فينبغي له أن يستجيب، بفضل مواهبه، أكثر من سواه لحاجات الفترة الزمنية الاجتماعية وينبغي لهذا النظام الاجتماعي القائم ألا يقف عائقاً أمام الفرد ذي الأهلية المطابقة لما تستدعيه الفترة الزمنية. ويظهر الرجال الموهوبون حيثما تكون الشروط الاجتماعية ملائمة لنموهم، وهذا يعود بنا إلى القول بأن كل موهبة تظهر، أي تصبح قوة اجتماعية هي ثمرة العلاقات الاجتماعية. ونستطيع عندها أن ندرك لماذا لا يتمكن الرجال الموهوبون البارزون إلا من تعديل السمات الخاصة للأحداث لا سياقها العام وذلك لأن هؤلاء الرجال أنفسهم لا يوجدون إلا بفضل هذا السياق العام نفسه ولولاه لما كان بمستطاعهم أن يتخطوا العقبة التي تفصل الممكن عن الواقع.

إن موت أو زوال شخصية بارزة في مجال السياسة أو الثقافة بخاصة يمكن أن يؤثر على النتائج ولكن التأثير يكون بالغاً عندما يعجز السياق الاجتماعي عن استثارة كفاءات مماثلة. ويعد الرجل عظيماً لأنه يتحلى بصفات تجعله أقدر من الآخرين على الاستجابة للضرورات الاجتماعية العظيمة تلك الحاجات التي تتأتى عن الأسباب العامة والخاصة. وينوه بليخانوف في خاتمة كتابه بأن ميدان العمل لا ينفسح أمام الرجال العظماء فحسب وإنما ينفسح أمام جميع الناس.

***

يبدو لنا، من جميع المدارس التي عالجت موضوع الأوضاع الاجتماعية، تصميم عام هو أن الرجل البارز أو العظيم لا يستطيع التأثير في التاريخ ما لم يكن مؤاتياً له وما لم تكن الأوقات “يانعة” تمكنه من ذلك.

ولا بد لحالة المجتمع، أي مجتمع، في برهة معينة أن يكون ما كان عليه قبل أن يكون لأي مخلوق معين ما كان له من تأثير في البرهة التي تلت تلك البرهة المعينة. ولكن لا يترتب على ذلك، بحال من الأحوال، بأنه كان لا بد لأي شخص معين أن يؤثر في المجتمع بسبب قيام ذلك المجتمع في عالم الوجود وبسبب حالته.

وما دمنا نؤمن بمبدأ الضرورة وبان الإنسان يستهدف النشوء والارتقاء، وبأن تطور المجتمع له سنن حتمية لا يخرج عليها، وهو ما يستقى من ماضي الإنسان الحضاري والدلالات التي استخلصت منه، وما دمنا نعتبر البنية الأساسية تقوم على درجة تطور قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، وكلاهما يحدد الوجود الاجتماعي للإنسان، فلا بدل لنا، حذر الوقوع في الجبرية المطلقة، من إلقاء بعض الضوء على حدود  ومعالم ما نود إدراكه من أثر الضرورة هذه ووطأتها، ولاسيما وأن الإنسانية، وإن كان بالوسع أن تؤخذ ككل على سبيل التعميم والتجريد، فهي تنطوي على مجتمعات مختلفة وأمم وشعوب وقبائل تتعارف وتتناكر ولا يخضع منطق تطورها لدواعيها الذاتية فحسب وإنما هي فاعلة متفاعلة مع العوامل الخارجية أو نقاط التقاطع التي كان من شأنها في حالات كثيرة من الماضي البعيد والقريب أن قضت على شعوب فاختفت من مسرح التاريخ أو منعتها أن تستأنف شوطها بمنطق تطورها الخاص، كل ذلك يتقاضانا أن نحدد أبعاد هذه الضرورة من خلال الغاية التي نستهدفها من هذا البحث.

يتوقف الحجم النسبي للأشياء على بعد هذه الأشياء عن مركز الرؤية، وهنا يفرض علينا هذا السؤال: ما هو البعد الصحيح الذي يجب ن ننظر منه إلى التاريخ؟ تمكننا مثلاً كتابة سيرة واضحة لحضارة كاملة وباختصار شديد دون الاستشهاد بالنفوذ العلي (نسبة إلى علة) للشخصيات البارزة أو دونما إشارة إلى الحوادث الأخرى التي يمكن أن تطرأ ولكن لا يترتب على تاريخ أية فترة محدودة من حضارة ما يمكن أن يستغنى عن ذكر نفوذ تلك الشخصيات الفعال وآثار تلك الحوادث الطارئة.

ويستشهد بعض الباحثين بقصة مستشاري الامبراطور الصيني الذين قالوا لامبراطورهم العجوز الذي كلفهم، في مطلع حكمه، أن يخترقوا الحجب إلى “سر” الإنسان فقد جاء هؤلاء المستشارون على ملكهم وهو على فراش الموت وأبلغوه بأن الإنسان “يولد ويعيش ويعاني ويموت”. وهذه النتيجة تبقى صحية إذا غيرنا أية تفاصيل من حياة أي إنسان سواء جعلناه ملكاً أم رئيساً أم شحاذاً أو صعلوكاً وسواء جعلناه مقاتلاً أم قديساً فإنه إنسان يولد ويعيش ويعاني ويموت.

إن مثل هذه التأملات تنطبق على الحالة الإنسانية التي يمكن لأي مخلوق أن يحل فيها محل الآخر إلا أنها تصبح معدومة القيمة إذا طبقت على سيرة إنسان معين إلا حينما تحملنا السيرة على التصديق بأنه كان أكثر من رجل. والأمر كذلك عن طريق معالجة الحضارات كوحدات كاملة أو على أساس أن التاريخ ليس له صانع وإنما هو سياق طبيعي إنساني يحكمه صراع الطبقات أي عن طريق محاولة تفسير جميع الظاهرات وشرحها على أساس أنها كلية شاملة بحد ذاتها.

إن الأحداث التاريخية هي آخر الأمر أحداث إنسانية ومن ثم فإن حقائق التاريخ، بعكس حقائق العلوم الطبيعية، تستدعي أن تتضافر عدة أسباب للوصول إلى نتيجة ما، ولكن الأسباب نفسها قد لا تؤدي إلى النتيجة نفسها في ظروف أخرى، كذلك فإن سبباً ما قد يؤدي إلى نتيجة في مكان ما ثم يؤدي، هو بعينه، إلى نتيجة أخرى في مكان آخر، والسبب في ذلك كله هو تدخل العامل البشري. فالإنسان هو الوحدة التي يدور التاريخ من حولها وكل جهد يحاول به صاحبه أن يعزل فئة من الناس خارج تاريخ الإنسان إنما هو جهد عبث لاغناء فيه. وفضلاً عن ذلك فالإنسان القرد ـ أي إنسان ـ له إرادة حرة وله ميول وأهواء واتجاهات وهذه كلها تدخل في التاريخ حين يصنع وربما حين يكتب.

سواء أكانت الحوادث صغيرة أـم كبيرة محسوسة أم غير محسوسة، قصيرة أم طويلة فإن الجامع بينها هو أن الحال قبلها يختلف عنه بعد وقوعها، فالعالم قبل نابليون يختلف عن العالم بعده والدنيا بعد ثورة أكتوبر تختلف عنها قبلها،  وكذلك الدنيا بعد الحرب العالمية الثانية كما أن الفكر الإنساني قبل ماركس وأنجلز ولينين يختلف عنه بعدهم… وهكذا فالعبرة في الحوادث التي هي مادة التاريخ هي أن يحصل تغيير في الأحوال سواء أكان كبيراً أم صغيراً محلياً أم عالمياً. وحوادث التاريخ، إذن، هي تغيرات والحادث، إذن، هو التغيير. وإذا أردنا أن نتبين أهمية حادث ما فنحن نقارن الأحوال قبله وبعده وعلى هذا الأساس فنحن نعتبر ظهور من نسميهم عظماء الرجال أو صناع التاريخ حوادث فيوليوس قيصر أو الاسكندر حادث وكذلك خالد بن الوليد.. الخ وإذا اعتبرنا كلاً من أولئك الرجال حادثاً فنحن نأخذه في مجموعه وننظر إلى حجم التغيير الذي أحدثه في مسيرة البشر.

وهذه النظرة لا تمنعنا من التفكير ملياً في أن التغير في حقيقة الأمر مستمر وهو لا يتوقف على مجهود أشخاص بأعيانهم وهذا التغير يحدث نتيجة لسير الزمن نفسه. تقول سيمون دي بوفوار: “إن أقوى عامل في حياتنا هو ذلك الشيء الذي لا يحس ولا يرى ولا يدرك له وزن ألا وهو الزمن”.وإذا استطعنا أن نتصور أن الزمن يمكن أن يتوقف لرأينا أن الحوادث هي الأخرى يمكن أن تتوقف والحق أن الشاعر الذي قال:

والليالي من الزمان حبالى                  مثقلات يلدن كل عجيب

لم يفطن إلى عمق الحقيقة التي توصل إليها في هذا البيت.

السببية والمصادقة والطارئ واللامنظور
إننا مضطرون لأن نعترف بأن في مسيرة التاريخ وبالتالي فيما يمكن أن تكون  علي قوانين التاريخ، جانباً واضحاً متروكاً للفعل الحر. جانباً لا تحدد زمانه ومكانه وأبعاده، الأسباب التي تقع تحت معقوليتنا. إن أفعال الإنسان في الماضي وإن كانت تخضع إلى حتمية معقدة الحدود فإنها في الوقت نفسه تحوي عناصر من “حرية التصرف” كانت تفاجئنا في كثير من الأحيان، إلا أننا لا نستطيع ونحن في إطار السببية الحتمية إلا أن نضع ذلك موضع الاحتمال من سلم العوامل والأسباب وإلا أن نقرر أن ثمة إمكانات معقولة كثيرة في عدد كبير من الأحيان لم تحدث رغم معقوليتها، واحدة منها فقط حدثت بفعل المصادفة، احتمال واحد جرى وماتت الاحتمالات الباقية. ولنتأمل انتصار “قطز” على المغول في عين جالوت ونجاة صلاح الدين ثلاث مرات من الاغتيال.. فكيف تقوم العلاقة السببية الحتمية ما بين الواقع والاحتمال العبثي الرواغ؟ السببية في التاريخ هي، في الواقع، محاولة الكشف لا عن “السبب” ولكن عن تلك المجموعة المركبة من الأسباب والعوامل الكامنة في كل حدث ووجود المصادفة في التاريخ أمر غير قابل للإنكار. يقول “فيفر”: “ليس ثمة ضرورات حتمية ثمة دوما إمكانات فقط والإنسان باعتباره سيد إمكاناته هو الحكم الذي يحدد استخدامها”.

فهل تكون المصادقة هي جهلنا بأسباب الأحداث؟ قد يصح ذلك بمقدار ولكن هناك مصادفات واضحة الأسباب وهي من نوع آخر تنشأ عن تقاطع وقائع مستقل بعضها عن بعض. وكثير من الأحداث التي وقعت في تقاطع الحاجات والغايات، في أكثر من مجتمع، لم تكن حتمية وإنما احتمالية. ويقف كثير من الباحثين أمام ظاهرة لنازية كحل احتمالي كان يمكن أن يقوم بديل له يختلف عنه في كثير من السمات والدوافع. صحيح أن هتلر ليس إلا النتيجة الناجمة عن علة الاضطراب الأساسية في زمنه ألا وهي الإخفاق في إيجاد الانسجام بين علاقات الإنتاج الاجتماعية وقوى الإنتاج الموسعة ولكن ألم تشهد هذه الظاهرة مجتمعات أخرى وعالجتها بشكل آخر  وانتهت إلى نتائج مماثلة أو مقاربة.

ولكن أين مكان المصادفة أو الطارئ من خلال الحتمية الضرورية؟ إن معنى المصادفة أو الطارئ هو أن يكون شيئاً معلوماً أو موجوداً ولكن وجوده غير ضروري منطقياً كما أن عدم وجوده ليس مستحيلاً منطقياً أي أن الطارئ يأتي في غير محله وبمعنى آخر فإن الحادث هو طارئ إذا وقع نتيجة تلاحم سلسلتين من الأحداث موصوفتين بقوانين متنافرة.

السؤال الكبير
السؤال الكبير هو: هل السير الأساسي للفعل التاريخي والتطور الاجتماعي هو حرفياً خط سير حتمي لا مناص منه أم أنه ليس كذلك؟ وإذا كان كذلك فإن كل زعامة قامت أو ستقوم هي عنصر ثانوي مساعد في تقرير الطابع الأساسي والتاريخي في الماضي والحاضر والمستقبل. وإذا لم يكن حتماً فإن الأمر يكاد يسأل ذاته: إلى أي مدى تكون فيه سجية زعامة معينة مسئولة سبباً ومسئولة أدبياً عن هذا الوضع أو ذاك أو إلى أية درجة وفي أية أنواع من الحالات يكون من المشروع القول أن الزعامة تقرر الاتجاهات التاريخية التي تواجهها وأي نوع من الحالات يكون من المشروع فيه القول أنها لا تفعل ذلك، أي نوع يمكن قصره عليها، على وجه التفرد والامتياز وأي نوع يمكن أن يتم على يد زعماء أو أفراد آخرين؟

ولا يثور اختلاف كبير حول مزايا أو سجايا الزعماء صانعي التاريخ فمن المتفق عليه أن العبقرية شيء فريد ليس له مقياس كمي، ومقياس عظمة البطل يكمن في درجة شعوره ووعيه لما دعي للقيام به.

القضية هي قضية ما إذا كان من الممكن أن نعزو إلى عمل شخصيات ذات مواهب أو مراكز فريدة الفضل في تلك التغيرات الواسعة السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تميز العهود التاريخية، أو الفضل في تلك الأحداث التي هي نقاط تحول في التاريخ. والظاهرة، كما تكون تاريخية، يجب ن تكون فريدة ولا يمكن استبدال غيرها بها ولا يمكن تكرارها، فكل ما هو عظيم هو ظاهرة انفصال وانقطاع.

والدور الذي أعطيناه للرجل البارز أو البطل أو العظيم، لا يكتفي برجال الفكر أو الفعل فحسب، وإن يكن من غير المستبعد أن يكون أبطال الفكر في الوقت نفسه أبطال الفعل وصانعي أحداث، بل ينصرف بصورة رئيسية على البطل صانع الأحداث أي الذي يترك طابع شخصيته الإيجابي على التاريخ وهو طابع يظل ظاهراً للعيان بعد أن يختفي صاحبه عن مسرح الأحداث.وكذلك يجب التمييز بين الشخصيات التاريخية الشهيرة القادرة على أن تحمل الناس على الإيمان بها وبين الأفراد الذين أثروا في الأحداث دون أن يحققوا لأنفسهم شهرة شعبية عظيمة. كما يجب استبعاد مفهوم البطل كرجل صالح أخلاقياً، وليس ذلك لأن الأحكام الأخلاقية غير مشروعة في التاريخ ولكن لأن بعض الأشرار، أخلاقياً، قد حققوا شطراً كبيراً في التاريخ، فما يهم في هذا الشأن هو عملية تكوين التاريخ.

ويعاودنا السؤال الكبير بشكل أكثر دقة وتحديداً: هل كان خليقاً بالشيء الذي نعتبره هاماً أن يحدث على كل الأحوال مهما يكن نوع الفرد الذي يؤثر في الأحداث التي أدت إلى ذلك الشيء؟ وهل من الصحيح إطلاقاً القول أن فرداً كان، بصورة رئيسية، مسئولاً عن وقوع ذلك الحدث الهام أو عن عدم وقوعه؟ إن ذلك يقودنا إلى الفراق بين الرجل كرجل أحداث في التاريخ والرجل كصانع أحداث في التاريخ أي الفرق بين الرجل الذي يكون في وضع يؤثر في الأحداث وآخر يفضل طاقاته وملكاته وذكائه الحاد وإرادته القوية وشخصيته يربط بنفسه الحدث ويرتبط به. وهذا التمييز يحاول أن يعدل في الحكم على الاعتقاد العام بأن البطل هو عظيم ليس فقط بسبب ما يفعل ولكن بفضل سجاياه وماهيته.

لقد أشرنا آنفاً إلى أن الفعل البطولي لا يمكن أن يعتبر حاسماً إلا عندما تسمح الحالة التاريخية بوجود سبل متعددة كبرى يسير عليها مجرى التاريخ، ومجرى التطور أو التاريخ هذا يجب ألا يفهم على أنه تطور الإنسانية أو الحضارات أو الإنسان وإلا فإننا ننتهي إلى كلية عامة لا تجيب على الغاية من هذا البحث أو كل بحث مماثل وذلك لأن عمر الإنسان وجهد الإنسان وسعيه محدودة بينما عمر الإنسانية وجهد الإنسانية وسعيها و”عقلها” لا يعرف الحدود.

إن احتمال وجود بدائل، في حالة تاريخية معينة، محلية أو عالمية ولفترة إنسانية محددة، هو افتراض مسبق لفعل بطولي هام. أما النقطة ذات الأهمية الشاملة بالنسبة لأغراضنا فهي التحقق من وجود مثل بدائل التطور تلك ومن طبيعتها ومدى ديمومته. أما الموقف الذي اتخذناه حتى الآن فهو يلزمنا بالإيمان بأنه كان ولا يزال، في التاريخ، مثل تلك البدائل مشفوعة بنتائج متناقضة معها ولكنها ربما كانت قد أعادت قرير مجرى الأحداث في الماضي ولربما قررت مجرى الأحداث في المستقبل. ومن المقرر وجود حدود للإمكانات، بما فيها حدود التأثير الممكن والمحتمل للفعل البطولي استناداً إلى التسليم بالأوصاف المعممة التي تصف نواميس السلوك الاجتماعي.

وحينما يقوم بديل حقيقي فإن الوجود الفاعل الإيجابي لرجل عظيم ربما يكون حاسماً، لأن عناصر أخرى تشترك في تقرير النزاع بين البدائل وقد تكون تلك العناصر أثقل وزناً من عنصر الشخصية. وحينما نكون في وضع يمكننا من التأكيد على أن رجلاً صانعاً للأحداث كان له نفوذ حاسم، في فترة تاريخية معينة، فإننا لا نتخلى عن الإيمان بالعلاقة السببية ولا نعتنق إيماناً بالطارئ المطلق، وإنما السبيل هو الملاحظة بأن اتجاهاً جوهرياً أو رئيسياً كان من شأنه ألا يتحقق لولا وجود هذه الشخصية.

يكون الوضع أحياناً أهم من الرجل كما يكون الرجل أحياناً أهم من الوضع وذلك تبعاً لما يتاح له من حرية وبذلك تزداد أهميته أو تتضاءل. وعندما يتحقق نصر عظيم فإن جميع سلاسل النتائج المترتبة عليه  تبرز إلى الوجود كما لو أنها لم تتوقف إطلاقاً.

وتبرز هنا فرضية: ماذا لو عملت سلاسل الأسباب الأخرى التي لا تكف عن الحدوث فمات البطل الموعود بحادث عرضي أم مرضي؟ ماذا يحدث عند ذلك؟ هل يقف الطلب الاجتماعي داعياً فلا مجيب لندائه؟ هنا لا بد من تقدير مدى الاستجابة فإذا كانت درجة الوعي والكفاءة والإرادة متمكنة من نفر آخر فسيأخذ فرد بارز آخر مكانه فإذا لم يكن هناك فرد آخر تتوافر في الصفات اللازمة ليلتقط الكرة ويصوبها في اللحظة المناسبة فيحدث ما يسمى بالفرص الضائعة. ونادراً ما تغلق عواقب الفرصة المضاعة أبواب الخيار في المستقبل ولكنها تضيق من فرجة هذه الأبواب فلا يبقى مجال كبير للاختيار إلا بين بدائل ملائمة نسبياً، بالقياس إلى احتمالات كانت قائمة بل ضياع الفرصة. وثمة سؤال أخير هل يكون الرجل البديل مساوياً تماماً للأصل؟ والجواب قد لا يكون نسخة طبق الأصل، قد يكون أحسن قليلاً أو أسوأ قليلاً.ودرجة ما هي عليه خلاله ومزاياه ووعيه… لا بد أن تترك سمتها على الأحداث أن خيراً وإن شراً. وفي مثل هذه الحال قد يكون بمكنة الفرد أن يدفع بوعيه إلى الإحساس بالحاجات التي تلمسها قبل غيره وقد يجهضها.

الفعل التاريخي من خلال الوعي والإرادة والرغبة
الغاية التي يفترض في الإنسان أن يخدمها هي غاية تستنبط وتؤول من الغاية التي يحددها ويحققها لأن البشر لا يصنعون التاريخ إلا إذا كانت لهم أغراض وغايات.

وكثير من الشخصيات التاريخية البارزة لم تع إلا قليلاً أو وعت وعياً ناقصاً للمكان الخطير الحافل الذي كانت تحتله في التاريخ ومع ذلك لعبت دورها في مسيرة الإنسان والمجتمعات.

ورغم أن جوهر التاريخ يقتضي ألا يتم أمر دون تصميم واع ودون غاية مرجوة فإن فهم التاريخ يستدعي المضي أبعد من ذلك وما ذاك إلا لأن الإرادات الفردية عندما تدخل حيز العمل تنتهي أحياناً كثيرة إلى نتائج غير ما توخته، ولهذا فإن دوافعها ليس لها سوى أهمية ثانوية بالنسبة إلى النتيجة الإجمالية وتبقى معرفة أية قوى محركة تتوارى خلف هذه الدوافع.

إن جوهر الماركسية العلمي يقوم على استقلال القوى المحركة الحقيقية في التاريخ بالقياس إلى الوعي (النفسي) الذي يمتلكه الناس. وفي أشكال المعرفة البدائية كان هذا الاستقلال يتجلى، في الواقع، بالطريقة التي كان الناس، من خلالها، ينظرون إلى هذه القوى على أنها شكل من أشكال الطبيعة التي يلاحظونها وعلى أن القوانين التي تحكمها هي ضرب من قوانين الطبيعة (الأزلية).. ولم ينتبه الناس إلى إدراك الصفة التاريخية لهذه الأشكال إلا بعد زمن طويل حفل بجميع النظريات التي تناولت مصادر السلطة والمعين الذي تمنح منه والدور الذي تقوم به.

وكل عمل يقوم به الناس يعونه، ولا ريب، ولكن هناك فرقاً بين وعي صحيح ووعي قاصر أو زائف أو تاعس، ومع ذلك فأياً كان شكل الوعي فقد لعب دوره في سياق التاريخ. لقد أخذ الصراع الطبقي، في المجتمعات القديمة، شكل الصراع بين المدينين والدائنين وهذه العلاقة النقدية كانت تنطوي على تفاوت اقتصادي أي تعارض في شروط الحياة أعمق من ذلك بكثير كما أن وعي الدولة كحقيقة كان يخفي وجه الطبقة في المجتمعات القديمة ويمنعه أن يتجلى ويبرز، لذلك لم يكن الوعي ليلتقط إلا ظاهر العلاقات الحقوقية التي تأخذ تبعاً لذلك تمام معناها ودورها.

ولكن التطور الذي واكب القرن الماضي والقرن الحالي رفع الوعي إلى منزلة لم يكن بالغها فيما سلف من الأزمان. جميع ما تم في دنيا الإنسان إنما هو صنيع الإنسان: الحروب والثورات وتطور المجتمعات، وإذا كان ثمة من جديد فهو أن الفعل التاريخي اليوم لم يعد مجدياً أو ناجعاً ما لم يرافقه الوعي، ويتوافر عليه عدد من الناس ينطلقون من تحليل الواقع الموضوعي فيصوغون، عن وعي، الأفكار والنظريات والخطط ووجهة السير. وتدخل الأفكار والنظريات هذه في عداد الذاتي في حين أن الممارسة والفعل يترجمان عن الذاتي في الموضوعي وكلا النوعين يمثل (الفاعلية الواعية) وهي خصيصة تميز بها الإنسان من الحيوان.

وطبيعة الإنسان التي تستحضر الشامل المشخص أو الكلي تحمل اليوم للوعي معنى جديداً. وإذا كانت الفردية بمعناها الصحيح هي مجموع هذه العلاقات فإن قيام الشخصية الفردية يعني اكتساب وعي هذه العلاقات. وهذه المعرفة ملاء الشخصية وصيرورتها لأن العلاقات الضرورية عندما تعرف بضرورتها تتغير سماتها، ووعي هذه الضرورة يجعل الجهد ناجعاً ومحرراً. إن علم القوانين الضرورية التي تحكم المجتمع جعلت من الممكن استخدامها، عن طريق تطور التقنية، لصالح الإنسان، كما أن علم العلاقات الضرورية في الحياة الاجتماعية والمحصلات الضرورية للعلاقات الاجتماعية وأثرها على الإنسان جعل ممكناً امتلاك الذات والتحويل الناجع للعلاقات الاجتماعية. وهكذا تصبح المعرفة اقتداراً أي حرية. والتبدل الذي يطرأ على الشخصية والناشئ عن وعي هذه العلاقات هو، في الوقت نفسه، تبديل مجموع تلك العلاقات. وما من إنسان يبدل من ذات نفسه أو يغير إلا في نطاق تبديله وتغييره المجموعة المعقدة للشروط والعلاقات التي يظل الإنسان منها في مكان العقدة أو واسطة العقد.

وعندما يرد الوعي إلى الكلية الاجتماعية يتكشف أن الأفكار والعواطف التي كان عليها الناس، في موقف حياتي معين، إذا ما تسنى لهم الإحاطة بها وبالمصالح التي تنجم عنها، سواء بالنسبة إلى الفعل المباشر أو بالنسبة إلى البنية المطابقة لهذه المصالح، يتكشف لهم أن هذه العواطف وهذه الأفكار وهذه المصالح الناشئة عنها تمضي كلية في شمولها عواطف وأفكار ومصالح مجموع الطبقة أو الشعب.

لقد كان هم البروليتاريا أن ترقب من خلال السياق الموضوعي للتطور ما الذي يسير وما الذي يحدث حتى تستخدمه لصالحها، وهكذا ظلت “الضرورة” العنصر الموجه، وضعياً، هذا التطور. ثم أصبح هذا الموقف، فيما بعد، عائقاً وشيئاً تجب مقاومته. وخطوة خطوة ومن خلال سياق التبدل والتغيير راح هذا العائق يتزحزح تباعاً حتى يأتي اليوم الذي يستبعد فيه نهائياً. إن المعرفة الواضحة لما هو حقيقي، لما يجب أن يحدث، تبقى، رغم كل شيء، قائمة وتظل، رغم كل شيء، الشرط الحاسم والسلاح الأجدى للنضال.

وعلى القوانين بعامة وقوانين الاقتصاد بخاصة أن تصبح خادمة للمجتمع الذي يدار بوعي. إن التغاضي عن قوة الأشياء حماقة وغباء ولكن إدراك هذه الحقيقة تجعل مقاومة الأشياء سبيلاً إلى إزاحتها أو تخطيها وليس مجرد الانقياد لها. إن قوانين الاقتصاد التي تحرك المجتمع، متخطية عقول الناس، ينبغي لها أن تتجلى أو تعبر عن نفسها “إيديولوجيا” في عقول الناس بأشكال غير اقتصادية. وكما أن القوى الغريبة الموضوعية التي سادت التاريخ حتى اليوم تنتقل اليوم لتصبح تحت رقابة الإنسان، فإن ما رافق حتى اليوم كمجرد إيديولوجية يمكن أن يصبح اليوم المضمون الخاص بالحياة الإنسانية أي ولادة الإنسان كإنسان. يقول ماركس:

“يعتبر الناس، في خلد التعاليم المادية، نتاج الظروف والتربية وبالتالي فإن البشر الذين طرأ عليهم التبدل هم نتاج ظروف وتربية متبدلة، هذه التعاليم تنسى أن البشر، على وجه التحديد والدقة، هم الذين يبدلون الظروف وأن المربي بحاجة، هو نفسه، لأن يتربى”.

إن التغاضي عن شكل العلاقات الاجتماعية يؤدي إلى جعل التاريخ نهباً لسيادة اللا معقول والقوى العمياء التي تتجسد إما في “روح الشعب” وإما في “الرجال العظام”، وعندها لا يدرك التاريخ عقلانياً وإنما ذرائعياً.

وفي هذا الإطار توضع الشخصيات التاريخية، فالشخصية التاريخية لا يمكن أن تفسر من وجهة نظر العالم النفسي وحده ذلك لأن ملامحها العقلية والأخلاقية هي نتاج تفاعل مستمر بين قواها النظرية والعقلية وبين الأحوال الاجتماعية. وليست الأحوال الاجتماعية دائماً مسوغة للعبقرية أو مساعدة لها فقد تكون ساحقة لها ولكنها عندما تكون مسوغة فإن هناك حدوداً لمدى إمكانات الفعل البطولي. ويمكننا الاستدلال على هذه الحدود بين المجموعة المركبة المتشابكة للتقاليد الاجتماعية والعادات والأعراف والأدوات والمناهج العملية والتصادم بين مصالح الجماعات.

ومادامت المعرفة هي انعكاس الواقع أو الوقائع في العقل فعبقرية الرجل البارز هي القدرة على اكتشاف الروابط والقدرة على الشمولية وعلى شمول روابط الواقع الاجتماعي التاريخي والممارسة الإنسانية الثورية، ولعل ذلك ما ييسر له حرية العمل ويجعله على إحساس أو شعور بأن لديه خيارات أكثر من مناوئيه وأن له كثر من وجهة مفتوحة على المستقبل، وهذا ما يجعل مثل هذا الفرد صانع وعي وخالق نهضة وبالتالي مؤثراً في الأحداث.

ولكن ما من أمر عظيم يتم في التاريخ دون هوى أو شوق ولكن شوق الرجل العظيم الذي يطبع بطابعه الأحداث التاريخية لا يتم إلا بتحسسه الحقائق المستقبلية وبقطعه مع الظروف الراهنة أو القائمة وباندماجه في الخط المشرع للمستقبل.

وهذا الشوق يأخذ شكل حقيقة أو فكرة يجد فيها الفرد الامتداد الأدبي والأخلاقي لحاجاته ومتطلباته وغاياته ويصبح الوسيط لمجموع القوى التي تتحرك في الاتجاه التاريخي المصيري الذي يتبناه ويعمل له كما يصبح وسيطاً لمسؤولية ليست مسؤوليته الشخصية إلا بالقدر الذي يجسد فيها المصالح الجوهرية التي تناهت إليه. فثم تداخل بين الذاتية والكلية، ولا تعدو حرية التصرف كونها الضرورة المتضمنة في ذلك التصرف لأن الذاتية إنما تمضي عبر الممارسة فتصبح موضوعية، ما دام الفعل لا يتم في دنيا المجرد وإنما يتم خلال عملية تاريخية تحققها الخلايا الذاتية ومن ثم الموضوعية قبل أن تترجم عن مسيرتها الجدلية حيث تتلاقي الفكرة أو الحقيقة أو المثل الأعلى مع الواقع كما تتلاقى الحرية والضرورة مفضيتين على تركيب جديد يعبر عنه بالحدث التاريخي.

وإذا كانت إرادة كل إنسان حرة حرية مطلقة بمعنى أنه إذا كان بوسعه أن يفعل ما يريد فلن يكون التاريخ إلا سلسلة من المصادفات لا تشدها إلى بعضها لحمة أو وشيجة، وإذا جاز ذلك فمعناه أن المضي في هذا المنطق حتى غايته تقويض لكل إمكان لوجود أي قانون عام للإنسانية. ولئن كان ثمة قانون شامل ملزم يحكم أعمال الناس فلا يمكن أن يكون هناك خيار حر، ولئن أخذنا الإنسان كموضوع للملاحظة، من أية وجهة نظر كانت: لاهوتية أو تاريخية أو أخلاقية أو فلسفية نجد أن القانون العام للضرورة يحكمه جميع الكائنات ولكن إذا تفحصناه على وجه مشخص، في مجال وعينا، فلا بد أن نستشعر بأنه كائن حر. لهذا كانت حرية خيار الفرد قائمة بطبيعتها على هذه الضرورة التي يستكين لها ثم ينفذ منها في عملية من الرضوخ والانعتاق تمثل معنى الحرية الإنسانية العميق.

وموضوع التاريخ ليس الإرادة وإنما تمثيل هذه الإرادة أو الشكل الذي تتلبسه، والتاريخ يبحث في شكل التمثيل الذي أخذته الإرادة والرغبة اللتان حققتا فيه حل مشكلة التعارض بين الحرية والضرورة، إن العلاقة بين الحرية والإرادة تتناقض أو تتزايد تبعاً للزاوية التي يتفحص منها الحادث أو الفعل ولكنهما تطلان متناظرتين عكساً، وفي جميع الأحوال فإن الحرية تزداد أو تنقص تبعاُ لزيادة أو نقصان مفهوم الضرورة المرتبط بوجهة نظر من يدقق في الحادث أو يتفحصه، وأول قاعدة للدراسة هي العلاقة بين الإنسان والعالم الذي يحيط به والتفهم الواضح لما يعايشه وكذلك العلاقة الآنية التي تشده إلى العالم. وهكذا يتزايد أو يتناقض تمثيلنا للحرية أو الضرورة تبعاً للرابطة التي تشدنا إلى العالم الخارجي.

وعلى أية حال فإن الشروط الموضوعية لا تكفي وحدها لتقرر في الحرب، مثلاً، النصر أو الهزيمة إذ لابد من المجهود الذاتي، والمسرح الذي تجري فيه هذه الفعالية إنما يقوم على ما تسمح به الشروط الموضوعية وبذلك يتأكد الجدل الذاتي ـ الموضوعي للتاريخ، فالشروط القائمة تضع حدوداً للإمكانات وعمل الناس صنع التاريخ، كما أن هذه الظروف هي نتاج الممارسة. وقد نستطيع أن نتنبأ بمجيء الثورة أو الحرب ولكننا لا نستطيع دائماً أن نتنبأ بعاقبة الثورة أو الحرب فلقد تتوقف هذه العاقبة على درجة الوعي والإرادة لدى الناس وكذلك سجايا ومناقب وإرادة الشخصيات القيادية البارزة.

وكل عمل يستدعي الإرادة ويستدعي الظروف المشخصة أو الموضوعية فتعبئة الشعب مثلاً تصبح من الشروط الموضوعية لأن الشعب هو القوة المحركة وهو صانع التاريخ العام، والجماهير، مع قادتها، هي التي تصنع التاريخ ولكن إذا كانت الشروط الموضوعية غير مهيئة تاريخياً أو أن الجماهير أو قادتها لم تسحن أو لم تتمكن من أن يكون لها وعي ثقافي مشترك فإن الحركة قد تجهض حتى ولو كانت معززة بشهادة تاريخية.

الفرد البارز ومفهوم السلطة
ولكن أنى للفرد أن يحدث كل هذا الأثر؟
وإذا تجاوزنا المرحلة الإنسانية التي كان فيها الحكام يستمدون عصمتهم من مفاهيم دينية وبالتالي يشعرون الرعية بأن أعمالهم مرضي عنها ومستوحاة من سلطة عليا مجد أن نفوذ الرجال البارزين مستمد من مفهوم السلطة أو الثورة كسلطة مشاققة حتى تستحيل بدورها إلى سلطة تمثلها الدولة.

وإذا وضعنا المزايا الشخصية في حيزها الصحيح نجد أن السلطة مستمدة من طبيعة شكل الدولة أو العلاقات الاجتماعية بما فيها العلاقة بين الجماهير والرجل الذي تسلم مقاليد تصريف الأمور فالدولة هي قمة الهرم في البيئة الفوقية والقائد أو الملك أو الزعيم الذي يتسنم ذروتها أو ذروة الشكل الجديد للسلطة المشاققة يجسد ذاتياً وموضوعياً الشكل القائم أو المنشود من العلاقات وهي علاقات موضوعية وبناها بنى أساسية.

إن وصول إنسان إلى السلطة يخضع لاعتبارات شتى تبعاً للمرحلة التاريخية أو المستوى الاجتماعي ـ الاقتصادي والحضاري. ولكن ما يعنينا، بالنسبة إلى الفرد البارز، هو مفهوم السلطة لديه والرؤية التي يسرت له أن يكون له دور في سياق الأحداث.

والسلطة على صعيد المفهوم التجريبي لا تعدو كونها علاقة تبعية بين إرادة شخص أو أشخاص يفصحون عنها وتنفي هذه الإرادة من قبل أناس آخرين، وحتى تنفذ هذه الإرادة يقتضي الأمر أن يعبر هذا الشخص ا لبارز أو ذاك، بإرادته، عن أمر قابل للتنفيذ وأن يعرف مسبقاً ما هو ممكن وما هو مستحيل فضلاً عن مراعاته جزئيات وتفاصيل لا حصل لها. وبما أن الحادث، في حال نجاحه، يلغي ضمناً ما يعارضه اجتماعياً فمن الطبيعي أن تتوارى تلك الاحتمالات فلا يبقى أمامنا إلا الحادث والإرادة التي أفصحت عن نفسها بمباشرته وإتيانه.

إن الشخص البارز يدخل نفسه في حلبة الحادث التاريخي يحكم ما له من سلطة فهو آمر ومشارك والعلاقة بين الآمر والمأمور هي ما تمكن تسميته بالسلطة المعبر عنها بالدولة بكل ما تحتمله هذه الكلمة من مضامين ومعان. والشخصية هذه عندما تؤخذ بمفردها تحمل في ذاتها بعض الاعتبارات التي تبدو أنها قادت فاعليتها الماضية وأنها تبرز فاعليتها الحاضرة وتقودها في مشاريعها المقبلة.

الفرد البارز والديمقراطية
يذهب بعض الباحثين إلى أنه إذا كان البطل يعرف أنه فرد صانع للأحداث يقرر من جديد مجرى التاريخ فإنه يترتب على ذلك أن يأخذ المجتمع الديمقراطي حذره منه بشكل دائم.

ففي المجتمع الديمقراطي بالذات لا تستطيع الزعامة أن تنتحل لنفسها سلطة بطولية، ففي فترات محدودة قانوناً يجب على الحكومة أن تستمد إجازة بقائها من الموافقة التي يعطيها الشعب المحكوم عطاء حراً.

وكما كان “التيرانوس” (المستبدون) في بلاد اليونان القديمة يحوزون سلطة الفرد بالبيعة لأنه صرفوا بلاء ما كما فعل  أهل طيبة مع “أوديب” عندما ولوه عليهم كملك أو “تيرانوس”. فكثيراً ما تتخلى الشعوب عن الديمقراطية بتركيز أشواقها وآمالها في شخص واحد تختاره أو يختار لهم ثم توافق عليه. ولكن، في غالب الأحيان، عندما تزول الديمقراطية فإن المنافع التي من أجلها ضحي بالديمقراطية تتدهور من حيث النوعية دون أن تصبح مضمونة أكثر من ذي قبل.

وعليه فإن مفهوم الرجل البارز في ظل الديمقراطية يتحول قليلاً أو كثيراً عن معناه التاريخي فالأبطال في الدولة الديمقراطية يجب أن يكونوا رجال الرأي والتبصر الاجتماعي والإنجازات العلمية والطاقات الفنية والأدبية ذلك لأن هؤلاء الرجال هم الذين يصوغون مثل المواطنين الفكرية العليا وآراءهم الاجتماعية والذين لا يستطيعون أن يحققوا الثمرة المرجوة من الديمقراطية بدون المعرفة والإدراك الحي المتسارع والذوق الرفيع.

ومن شأن الديمقراطية وواجبها أن تشجع الاعتقاد بأن الجميع مدعوون لجلائل الأعمال وأن كلهم قد يختارون لها ومن شأن ذلك زيادة الجهود الإضافية التي غالباً ما تحول الوعد إلى حقيقة منجزة.

نظرة عامة إلى دور الفرد البارز
من خلال الصيرورة والكلية والجدل
إن عصرنا ينظر إلى الموضوع نظرة أكمل وأشمل مما عرفته عصور الإنسانية فيما غير من أيامها. إنه عصر الجماهير، عصر الوعي الطبقي، وعي الطبقة التي قدر لها موضوعياً أ، تلغي ما ينافيها لتنتقل إلى مجتمع لا طبقات فيه. عصر الفكر وقد تسلح بالجدل من خلال الصيرورة والكلية ليحل مشكلة التعارض بين الحرية والضرورة، بين الذاتي والموضوعي، بين الفعل الإرادي والفعل الحتمي، بين النظرية والممارسة.. فالمشكلة وإن حافظت على الأساس الذي قامت عليه يزداد وعيها وحلها غوصاً في الأعماق أعماق المجتمع والإنسان والفكر.

وأي مجتمع، إذا أخذ ككل أو كبنى اجتماعية متمايزة متكاملة تقوم فيه علاقة محدودة بين الناس على مستوى معين من تطورهم التاريخي ويتم وعيها والوصول إلى تكوين مفهوم عنها. ولهذا السبب فإن حركة المجتمع الإنساني نفسها وفي الوقت نفسه كنتاج للقوى التي انبثقت عن علاقاتهم والتي نأت عن رقابتهم.

وما من أمر يتم في عالم الإنسان خارجاً عن التاريخية والصيرورة أياً كان المنهج الفكري أو الإيديولوجي الذي يأخذ به الباحث. والإنسان جزء من الطبيعة ولكن موقفه منها ليس موقفاً تأملياً بل فاعلاً، إذ ليس هم الإنسان تفسير العالم وتأويله فحسب وإنما تبديله وتطويره أيضاً. والمعرفة ليست مجرد تأمل وانتماء وإنما هي رغبة وسلطة لتفسير العالم. وهذه الطبيعة التي يأخذ الإنسان موقعه كجزء منها يظل هل الاقتدار على تطويرها لأنها ليست واقعاً ساكناً سرمدي السكون، فالحركة تتخللها و الإنسان صانع مسهم بقدر كبير، في هذه الحركة وفي وعي التغيير الذي ينتاب الطبيعة. والسؤال الذي يطرح عن دور الإنسان لا يأخذ هنا إلا معنى واحداً، إذ يعني فقط ما يمكن أن يصير إليه الإنسان، وبعبارة أدق ما هو مبلغ الحدود التي يظل فيها الإنسان صانع نفسه. ولا يمكن أن تعرف فردية الإنسان إلا عن طريق مجموع العلاقات الفاعلة التي يقيمها كل إنسان مع أقرانه ومع الطبيعة. وكل فرد يشكل واقعاً محدثاً بمعنى أن الفرد، بالمكان الذي يشغله من الطبيعة والتاريخ والمجتمع، هو المحصلة الفريدة لمجموع هذه العلاقات، ومثل هذا المفهوم هو الذي يعترف للفرد بأوفر قد من التعقيد والثراء، إذ لا تكفي معرفة العلاقات الراهنة في نظام معين، بل تقتضي معرفتها من خلال عملية الخلق. وبذلك لا يمثل الفرد منظومة العلاقات القائمة آنياً فحسب وإنما يمثل. في الوقت نفسه. تاريخ هذه العلاقات التي أوجزت الماضي برمته. وهكذا لا يعود الفرد تجريداً أو مجرد فكرة عامة جوفاء وإنما حقيقة معقدة بوصفه المركز والعقد من العلاقات النشطة في صيرورتها الدائمة. والعلاقات بين الأفراد شأن العلاقات مع الطبيعة ليست علاقات آلية (ميكانيكية) وإنما هي علاقات فاعلة ومتحركة.

إن الصيرورة التاريخية تلغي استقلال اللحظات والأوقات وسبيلها إلى ذلك أن تضع، أمام المعرفة، الكلية المشخصة للعالم التاريخي أي النشوء والارتقاء المشخصين الكليين نفسيهما كموضوع لمنهجية يمكن إدراكها، وفي الوقت نفسه فإن العلاقات بين النظرية والممارسة، ومعها العلاقة بين الحرية والضرورة، تأخذ وجهة أخرى فالواقع الذي صنعناه بأنفسنا يخلص عندئذ من أية صفة وهمية، بدرجة أو بأخرى، لقد صنعنا تاريخنا وإذا كنا أكفياء لاعتبار الواقع بمثابة التاريخ فعندئذ نكون قد ارتفعنا إلى صعيد يسمح بالتمكن من الواقع “كصنيع” أنفسنا. وحدة الذات والموضوع، الفكر والكائن، التي أخذ “الفكر” على عاتقه أمر البرهنة عليها وإظهارها يجد هذا الفكر مكان تحقيقه فيها ويجد جوهره في الوحدة بين ما يصنعه الفكر بقوانينه وبين تاريخ الصيرورة الواقعية.

إن سيادة الحرية ليست هبة أو هدية تحظى بها الإنسانية الرازحة تحت نير الضرورة والتي تنالها جزاء ثباتها على الأحن أو ثباتها لها أو أنها أعطية من أعطيات القدر، الحرية ليست الهدف فحسب وإنما الوسيلة والسلاح في النضال وبذلك نلمس فيها الإنسانية، من خلال وعي الطبقة المدعوة لنسلم مركز الصدارة أن تأخذ في يدها وبوعي أعنة التاريخ. و تلغى، تبعاً لذلك، “ضرورة” الارتقاء الاقتصادي الموضوعي ولكنها تأخذ جدة الو ضع الأصلية والنوعية. إنها المرة الأولى التي تستطيع دوراً جديداً مختلفاً ووظيفة جديدة مختلفة.

وعندما تكشف نواة الكائن كصيرورة اجتماعية يمكن عندئذ أن يبرز الكائن الذي ظل غير واع هذه الحقيقة، يمكن أن يبرز كنتاج للفاعلية الإنسانية كما يمكن لهذه الفعالية بدورها أن تبرز كعنصر حاسم في تطوير الكائن نفسه وتبديله وهكذا يصبح الإنسان ذات الصيرورة وموضوعها وبذلك لا يعود كافياً أن ينعطف الفكر نحو الواقع فحسب بل يصبح لزاماً على الواقع أن ينعطف نحو الفكر.

والكلية التي نعتمدها في سياق هذا البحث ليس معناها الكائن في صيرورة تمام العالم وإنما كلية النشوء والارتقاء التي تجري عبر التجربة الاجتماعية والتاريخية كما تتكون وتكشف عن نفسها بالممارسة الاجتماعية ومن خلالها وبصراع الطبقات ومن خلاله، إنها جماع الأحداث المعروفة كلها التي ترد في التحليل الأخير إلى كونها نتاج البشر وتسمى الكلية. وللتاريخ تركيب باطن يرجع إلى تحول الواقع البسيط للظواهر الجزئية ولكل ما يمضي دون توقف وهو لا يصير تاريخاً إلا باتحاد الكلي مع الفردي بحث يتخذ، في ضوئه وكل صفاته، أهمية لا يمكن الاستغناء عنها ويصير كلياً على نحو ما، أي عبوراً يتحقق في الوجود.

إن اعتبار الظاهرات الاجتماعية من وجهة نظر فردية لا يمكن أن يقود إلى الكلية وأقصى ما يمكن بلوغه هو إدراك هذا المظهر أو ذاك في مجال جزئي أو إدراك أجزاء متفرقة على شكل “أحداث” لا رابطة بينها وإلى قوانين جزئية مجردة. إن الكلية لا يمكن إبرازها أو عرضها إلا إذا كانت الذات التي تعرضها كلية أيضاً وحتى وتعي الذات نفسها ينبغي لها أن تعي الموضوع ككلية. هذا وأن النظرة إلى الكلية كذات لا يمكن أن تستقيم إلا للطبقات التي تمثلها في المجتمعات المعاصرة. وقد صحح ماركس آراء هيجل التي ظلت تحوم بين وجهتي نظر: “الرجل العظيم” و”الفكرة المجردة” عن الشعب.

وتدرك الكلية من خلال الجدل ولا يمكن أن تدرك بدونه ومنذ اللحظة التي تنكر فيها الكلية، بداية ونهاية، شرط المنهج الجدلي ومقتضاه. منذ تلك اللحظة لا يفهم التطور أو الثورة كلحظة ارتقاء ولكن كعمل منعزل عن التطور الكامل، ويصبح صنع “النخبة” أو “القلة”.

***

ولا يمكننا أن نفهم دور الفرد البارز إلا من خلال الصيرورة والكلية والجدل إذا أردنا أن يظل واقعه ودنياه واقع البشر ودنياهم. إن دور الفرد البارز وتمكنه من صنع الأحداث لا يتم في فراغ أو عزلة وإنما يتم من خلال الواقع التاريخي في تداخل جدلي متصل بالظروف الموضوعية وبالناس الذين يصنعون التاريخ. والفرد البارز من خلال هذه الجدلية ليس مشاهداً حيادياً وليس مشاركاً ومخمراً وفاعلاً من خلال الكلية وبها فحسب، مادام صعوده وارتقاؤه وتطور معرفته، خلل التاريخ ليست سوى وجه من وجوه التطور والارتقاء الواقعيين.

إن رجل الفعل البارز هو الشخص الذي امتلك علم الممكن التاريخي وهو بوعيه هذا وسلطته وتمثيله للطبقة أو مجموع الشعب يبدل الوسط أي جماع العلاقات التي يشكل كل فرد جزءاً منها ويشغل فيها حيزه الثابت المتخير.

وصورة الفرد البارز من خلال الواقع الجدلي، أي من خلال التداخل بين دور الفرد أو الأفراد، ومن خلال القوى التي انبثقت عن علاقات الناس وخرجت عن رقابتهم، تجعلنا ننظر إلى هذا الفرد البارز بوصفه يشكل جزءاً من كل وهو يؤثر في هذا الكل بمقدار ما يستوعب تأثير الضرورة، في الصيرورة والكلية، ويتكيف بمقتضاه. فدور الفرد من هذه الكلية يظل أبداً سلبياً وإيجابياً في آن واحد بالنسبة على الكل وحركته هدامة ومحافظة معاً بالنسبة على الكل بحيث أنه على علاقة بكل جزء من أجزاء هذه الكلية الاجتماعية. وهو في ظاهر أثره التاريخي نفي لهذا الكل واحتواء له بشكل جديد. وفي هذه العلاقة يعاد بناء الكل بالشكل الذي طبع الأحداث وأصبغ على الفرد دوره وأهميته.

والجبرية والقدرية (الإرادية) لا تتعارضان إلا في مفهوم غير جدلي وغير تاريخي. فتبعاً للمفهوم الجدلي في التاريخ فإنهما قطبان يتحدان برابطة من التكامل المتبادل للانعكاسات في الفكر الذي يعبر عن نفسه بوضوح من خلالها.

وكل عمل أو فعل هو بذاته ولذاته مزيج وتداخل من أعمال خاصة أو فردية للرجال أو الجماعات ولظروف موضوعية. ومن الخطأ أن ندرك هذا العمل أو الفعل ونتملاه كصيرورة تاريخية واجتماعية “ضرورية” معللة بصورة كافية تماماً أو أنه نتيجة النماذج أو التواصل المختلط لا يكسب معنى وواقعاً إلا إذا أخذ من خلال الكلية التاريخية أي عن طريق وظيفته في سياق النشوء والارتقاء التاريخيين وعن طريق دوره الوسيط بين الماضي والمستقبل، فهو يتناول الضرورة الجوهرية التي من خلالها يتم اللقاء بين النظرية والممارسة وبين الفردي والعام، بني الإيديولوجية السائدة ونقيضها وبذلك يتاح لنفعل الذي يمارسه الفرد البارز أي يعدل، بجانب تعديله في الأحداث. الشخصية المنطوية على هذه العلاقات.

وهذه الضرورة أو أية ضرورة يستخلصها الفكر أو يتخيلها لا تعيق سعي الرجل البارز ولا تؤدد قصده ولا تغص من دوره لأنه لولا هذه الضرورة، وهي نظام عالم للحياة والكون وقانون للعقل ما أمكن أن يكون له حيزه أو مكانه، الطبقات الاجتماعية التي تتعاون معها وتستجيب لدوافعها.

إن الفعل التاريخي إنما يصدر عن الإرادة البشرية ولكن هذه الإرادة لا ترتبط بالخيار الحر المجرد لأن هذا الفعل ليس ابتداعاً من الفكر الإنساني. وعندما تستقر في الوعي ضرورة عمل ما يصبح هذا الوعي هو الشرط المسبق والضروري للخطوات التالية: “إن العالم يملك منذ عهد بعيد الحلم بشيء يكفيه وعيه حتى يمتلكه في الواقع”. ومثل هذه العلاقة فقط بين الواقع هي التي تجعل ممكناً قيام الوحدة بين النظرية والممارسة، بين الفرد وأثره في صنع الأحداث. وعندما ينطوي هذا الوعي على الخطوة الحاسمة التي يقتضيها سياق التطور التاريخي حتى يبلغ غايته، أي عندما يقوم دور النظرية على أن يجعل ممكناً عملية هذه الخطوة، عندها ينبثق وضع تاريخي تصبح فيه المعرفة الصحيحة للمجتمع، بالنسبة لطبقة ما ولقادتها، الشرط المباشر لتأكيد ذاتها في النضال والعمل. وعندما تصبح معرفة الذات، بالنسبة لطبقة ما ولقادتها، معرفة صحيحة للمجتمع كله، وعندما تغدو هذه الطبقة وقادتها، بواسطة هذه المعرفة، ذات المعرفة وموضوعها، تقوم النظرية عندها على امتلاك مباشر وملائم لتطور الثورة الاجتماعية، وعندها تصبح ممكنة الوحدة بين النظر والعمل والانتقال من واقع إلى آخر ومن مرحلة تاريخية إلى أخرى وهنا يبرز في اللحظات الحاسمة دور الرجال البارزين.

***

إن مفهوم “الضرورة” المجرد يؤول إلى الجبرية والجبرية الاجتماعية تفترض وقوع الأحداث حتماً وإلزاماً والمستحيل يصبح شيئاً لم “يئن أوانه”. وقد تحدث لينين بحق بأنه لا يوجد موقف يكون بذاته وفي ذاته لا مآل له ولا مخرج منه. واستشهد، لتوضيح فكرته هذه، بالبرجوازية منوهاً بأن البرجوازية، في أي موقع أو حال تكونه، تتوافر لديها إمكانات لإيجاد الحلول، وقد تكون هذه الحلول اقتصادية بحتة. ولكن الأمر لا يقف عند إيجاد الحلول نظرياً بل يقتضي أن توضع في مكانها من خلال الصيرورة والكلية فإذا، خرجت هذه الحلول من عالم الاقتصاد النظري ووصلت إلى الواقع، واقع النضال الطبقي، يظهر عندئذ ما إذا كانت هذه الحلول قادرة على أن تتحقق وتفرض نفسها. وكل طبقة إذا ظلت بمفردها وبذاتها يمكنها أن توجد الحلول ولكن هذه الحلول تتعثر عندما تكون أمامها طبقة أخرى نشأت منها وتحاول أن تكون نقيضها والنفي التاريخي لها، لهذا فالحكم على هذه الحلول لا يمكن أن يستقيم النظر فيه إلا من خلال الكلية.

وموقف الفرد البارز، في تمثيله أفكار عصره النامية وآمال ورغائب الطبقة التي ينتمي إليها لا يخرج على هذا المعنى. ومن خلال هذا التوليف يمكن تقدير دوره وتقييم هذا الدور وتحليل ما قام به وما أخطأه وما وافق فيه الصيرورة أو عاندها فيه، وأية قيم كان عليها وما هي حدود مسؤوليته في حال التقصير.

إن مفهوماً مجرداً عن الصيرورة، كضرورة، يؤول أيضاً إلى الجبرية كما أن مجرد الافتراض بأن بعض “الأخطاء” أو “مهارة” بعض الأفراد هي الأصل الوحيد للإخفاق أو النجاح، أمر لا يمكن أن يقدم تحليلاً كاملاً وبالتالي لا يمكن استخلاص العبر منه للمستقبل، لأن ذلك يبدو، بقدر ما، “مصادفة” والمصادفات هي عوامل من الدرجة الثانية، كما لو أن فلاناً أو فلاناً وجد تماماً في هذا المكان أ, ذاك فارتكب هذا الخطأ أو ذاك أو قام بهذه المآثر أو تلك. إن الإصرار على الأخطاء وحدها لا يمكن أن يفضي إلى غاية أكثر من التثبت من أن الشخص المعني لم يكن على مستوى الدور المنوط به، وإلى شكل من الفهم للأمور، إذا كان صحيحاًن فل قيمته، ولكنه يظل ثانوياً بالنسبة لتحليل الواقع وتفحص سلاسل الأسباب المعقدة وتصور الوعي والفعل الخارجي في نقاط التقاطع.. الخ. كما أن الأهمية المبالغ فيها التي تنسب إلى الدور الذي قام به بعض الأفراد تدل على العجز عن “موضعة” دور هؤلاء الأفراد وكفاءاتهم لدى قيامهم بأعمالهم بشكل حاسم.ويدل هذا العجز أيضاً على أن الحكم عليهم يقبل، بقدر مماثل، من الجبرية ما يوازي أو يساوي الجبرية الموضوعية التي تحتوي الصيرورة كضرورة. وإذا تجاوزنا وضع المسألة بالشكل المبسط وأحياناً المشوه لحقيقة الواقع المعقد وإذا رأينا في العمل الناضج الصحيح الذي قام به هؤلاء الأفراد أو التقصير الذي بدر منهم، سبباً يسهم في المجموع فنكون بذلك قد مضينا شوطاً أبعد من تأمل المبرر وتقديره والإمكانات الذاتية لأعمالهم والتي بمقتضاها استطاعوا احتلال المناصب التي كانوا فيها. إلى دراسة الإمكانات الموضوعية التي كانت بحوزتهم أو قيد تصرفهم، وعندئذ ينتقل الموضوع إلى صعيد أعمق، صعيد التنظيم السياسي والوعي العام ووعي الطبقة أو الطليعة وتصادم الأحداث الداخلية والخارجية… وبالتالي سلسلة العوامل التي يسرت وقوع الحادث التاريخي أو حالت دونه… وعندها يكون التقييم لدور الأفراد أقرب إلى الموضوعية لأنه أخذ من خلال الكلية والصيرورة ودرجة الوعي، وهو حكم يجتنب الكثير من عثار الفكر أو الهوى ويجعل مواصلة الجهد لبلوغ أبعد الآمال أو تدارك الفرص الضائعة أمراً ممكناً.

نظرة عامة إلى دور الفرد البارز
من خلال واقعنا العربي الحديث
وتظل لهذا الموضوع أهميته وآنيته كوجه من  وجوه الحياة العامة حياة كل شعب فيما تولاه رجاله البارزون فأصابوا فيه أو أخطأوا. ولا يزال تاريخنا الماضي بحاجة لأن تعاد كتابته من وجهة نظر أبناء هذه العصر ويضارعه في الأهمية تاريخنا المعاصر والدور الذي لعبه فيه الرجال البارزون وتقييم ما قاموا به لأن هذا الماضي القريب ألصق بحاضرنا أو أقرب إلى العظة والعبرة والتأمل بغية مواصلة المسيرة. ولا ريب في أن معالجة هذه المشكلة، في تاريخنا المعاصر، أمر يشجر حوله الخلاف ويستحر النقاش لتفرق الآراء والأهواء، ولكن لا ينبغي لذلك أن يصد الباحث عن حقيقة التاريخ القريب وأثره في حياتنا الراهنة ولاسيما وأن ظاهرة خطيرة تستوقف النظر بدأت تلف عالم الفكر لدينا لأسباب لا مجال هنا لاستقصائها ألا وهي إغفال دور هؤلاء الرجال والتقليل من شأنهم أو الانتقاص من قدرهم أو تجاهلهم والتعفية على آثارهم دون تحليل أو تدقيق وإنما بحكم كيفي فردي المنزع مصلحي الغرض يخرج هؤلاء الأفراد من حيز الاهتمام والتقدير والتقييم وحتى من التاريخ.

وإن ما حاق بمعظم هؤلاء الرجال ليس سبباً كافياً لهذا التجاهل أو الانتقاص. لهذا لا بد من إعادة النظر فيما أتوه وتمحيص ما تم تجاهله أو الغض منه. وإذا كانت ثمة كلمة عامة تقال، إنصافاً للكثيرين من هؤلاء الرجال فهي أن الأحلام التي حملوها أو حملت لهم لم يكن بالكافي وعيها حتى تتحقق بالفعل لأن للفعل طريقه في وعي الطبقة كذات وموضع للصيرورة، وهو أمر التبس واقعاً وانعكس في الفكر أشكالاً فكان منه التردد وما يخلفه من وعي طبع بطابعه النفوس فلم تخرج عن حيز المراوحة، وكان منه العجز وما أعقبه. لقد وقر في أذهان معظم هؤلاء الرجال العجز المسبق عن التأثير في الأحداث بل صنعها إضافة لما كانوا يمثلونه من وعي مضطرب أو غائم أو متخلف فوقعوا ضحية مؤثرين: قصورهم الذاتي وقصور الوعي العام واضطرابه وتشوهه وذلك لأن بقة جديدة ما لم تعلن في عالمنا عن سر وجودها الكامل لتشكل بوجودها الواقعي ووعيها الانحلال الفعلي للنظام أو الأنظمة التي سبقتها، وبالتالي لم تستقم لها نظرية هادية تكشف عن حقيقتها ومراميها. ولم يرتبط هؤلاء الرجال بالتحول أو الثورة أو بالرغبة في أحدهما إلا بروابط واهية غير مفهومة لم تكن في جوهرها إلا التعبير الواقعي عن الفكر المشوش المضطرب لمعنى الصيرورة مأخوذة بشكل ذرائعي لاعقلاني حاول من خلاله هؤلاء الرجال التوفيق بين المتناقضات من خلال حلول أو ردود فعل تعمل وكأنها مجموعة من المصادفات.

لقد مر هؤلاء الرجال كالطيف أو الكابوس، في خيال جيل يتلو جيلاً لا يشعر بالاستمرارية قد شعوره بالانقطاع والانفصام. وككل الأحلام التي لم تتحقق أو الأحلام المزعجة أو أحلام جحا التي نصفها صدق ونصفها كذب، ينأى الإنسان عن استعادتها أو الإشارة إليها في حين أن الحاجة الزمنية تملي بشأنها غير ما يمليه الإحساس المباشرة، ولا بد من استعادتها وتحليلها لأنها مرحلة من حياة الأمة وإن تكن لها نواقصها ومنغصاتها، وهي تمثل مرحلة من مراحل تطور الوعي العام الذي يحتاج، بدوره إلى التحليل والتقييم حتى يستقيم أمره على شكل أصح وأدق وأصفى، ولأن الحاضر لا يلغي الماضي فالماضي بعد من أبعاده وإنما يتجاوزه جدلياً بإسقاط مراث منه واستبقاء ما يعين على مواصلة الطريق.

ينبغي لصورة أولئك الرجال أن تظل قيد التأمل والتمحيص فأية ظروف موضوعية أطلعتهم وأية إمكانات كانت لديهم وأية أخطاء ارتكبوها حالت دون نجاحهم، وهل كانت تلك الأخطاء الجسامة بحيث بدلت من سياق الأحداث وكيف تم ذلك، ولم انعدمت القدرة على عدم تمكينهم من ارتكابها، وفي الحال المقابلة لماذا قعدت بهم همتهم عن بلوغ ما كانوا يرجونه مع استجماعهم الرغبة والطموح والرؤية الصحيحة وما هو مكان الحادث العارض أو الطارئ أو الأحداث الخارجية أو المصادفة في تبديل بعض السمات الأساسية أو الجزئية لما كان يؤمل لسياق الأحداث. وتبعاً لذلك فلا مناص من التعرف على جميع الظواهر الإيجابية والسلبية وربطها ربطاً جدلياً بالسياق التاريخي في ملابساته المعقدة وإبراز العلاقة الجدلية بين أثر الفرد وأثر الظروف الموضوعية لوضع الأحداث موضعها من الكلية والصيرورة التاريخية.

إن ظاهرة تحميل هؤلاء الأفراد المسؤولية كلها ومن ثم استبعادهم من منال الفكر والتقدير وتناسي ما كان لهم من دور أو أثر أمر ينم على ظاهرة سلبية أو مرضية تشبه فقدان الذاكرة، والطب النفسي يعطينا صورة عن الاختلال الذي يعتري المصابين بذلك، وليس الأثر بأمل ضرراً في حياة الأمم والشعوب. وفضلاً عن ذلك فهذه الظاهرة تخفي وراءها داء أمضى وأدهى إذ تنطوي على النظرة إلى هؤلاء الأفراد بمعزل عن التنظيم السياسي الذي كانوا يتولونه أو الجماعات التي كانت تظاهرهم أو كانوا يمثلونها. وقد أعطت الحياة أكثر من دليل، بلغ حد اليقين، على أن تلك البنيات التي قاموا عليها كانت تحمل بذور الوعي القاصر نفسه والعجز والتردد نفسيهما وكانت تحمل بذور الخطأ الذي ارتكبه هؤلاء القادة. وزوال هؤلاء القادة عن مسرح الأحداث، بسبب أو بآخر، لم يبدل من الأمور شيئاً ولم يقِ من الوقوع في أخطاء مماثلة أو احتمال الوقوع فيها، رغماً أن بعضهم كان يتمتع بشعبية غامرة وبتأييد جماهيري كبير. وهذه الظاهرة تدعو لتأمل درجة الوعي التي بلغتها تلك الهيئات السياسية الوسيطة وحتى الجماهير نفسها وهو موضوع كبير ولكنه يظل جديراً بالدراسة وحاجة ملحة يقتضيها الحاضر كما يقتضيها التطلع إلى المستقبل.

إن ربط الخيبات أو النكسات أو المصائب بأفراد معينين يقصد منه أحياناً إخفاء مسؤولية الآخرين، على مختلف المستويات، الذين كانوا يشاركون في تلك القرارات السياسية والاجتماعية أو يدفعون إليها أو يوحون بها أو يؤيدونها. إن المشاركة في الخطأ، بداية أو تقبلاً، ومحاولة التملص من الاعتراف به يشكل وجهاً من وجوه الوهن المعنوي الذاتي وعدم الرغبة في ممارسة النقد الذاتي وبالتالي انعدام الرغبة في تصحيح الخطأ وسد الثغرة التي ينفذ منها مع الرضا بالواقع الآسن الراكد. كما ينوي، علاوة على ذلك، على عملية تمويه أو تضليل عن طريق الإيحاء بأن الحال قد تبدلت أو ستتبدل باستبدال فلان بفلان، أي بزوال “السبب” أو “الأسباب” الداعية لها والتي تتلبس، عادة، شخصاً بعينه أو عدة أشخاص ومن ثم تعطى البراءة للجميع. وهذا الشعور”المريح” أو الضمير “المطمئن” يعفي من محاسبة النفس جميع الذين أسهموا مع “الضحية” في الحياة السياسية من منظمات وهيئات وحتى من جماهير، وبذلك تفتقد العلاقة الجدلية، التي ألمعنا إليها، بين الدور الذي يلعبه الرجال البارزون وبين الواقع وشرائطه ودرجة الوعي لدى المنظمات والهيئات السياسية والجماهير المؤيدة لها.

وبالمقابل فثمة سمة عامة تكاد تكون مشتركة بين معظم هؤلاء الرجال البارزين، ولعلها تعود إلى الإيديولوجية الغامرة التي لفت حياتنا حقباً طويلة وعاشت في الضمير أو اللاوعي، والتي تحمل، عند قصور الوعي أو الفعل، هدهدة بالأمل أو الحلم غير المفضي إلى العمل وتأتي تعبيراً عن القصور الذاتي والكوابح والمثبطات الخارجية.

وهذه السمة تكتنف المفهوم الذي وقر في النفوس عن رجل الدولة، بما في ذلك نفوس أولئك الرجال البارزين، إن رجل الدولة البارز هو من يتناول الواقع بالتبديل ويمارس فاعليته فيه وهدفه الأول بناء الممكن، ويشعر بأنه مسؤول عن الحسن والسيء، أما من يعتبر نفسه صاحب رسالة علوية يرو، من خلالها، اقتسار الواقع ومحاولة “خلقه” توهماً، فهو يؤمن بالكلية الغيبية وبإمكان بلوغ الإنسان غاية الكمال المثالي دون جهد أو بغائية حتمية لا يمكن في الواقع أن تعيش إذا لم يساعدها على التحقق جهد الناس وسعيهم.

الأول يهتم بالأفكار لنفعها والثاني “لحقيقتها” المثالية. وبين الكمال المثالي الذي يتجاوز الواقع تصعيداً وتعالياً وبين مواجهة الواقع واستخلاص الوقائع أو الحقائق القابلة للتحقيق في حياة الناس بون شاسع، ومن شأن الغلو في تعظيم الدور الذي ألقاه “القدر” على عواتقهم ومن شأن استشرائه أن ملك نفوس هؤلاء الرجال البارزين ما يشبه الهوس التنبؤي فطلعوا على الناس بحلة أسطورية كأنها أفلتت من غيابه العصور أو أنها جواب التساؤل الحائر العاجز الكامن في اللاوعي. أما الحلة الواقعية الموضعية فلم يكن متاحاً لها أن تتحقق ويستقيم أمرها ما لم يكن هناك سياق تطوري أو ثوري يمكن تلمسه والاهتداء به. ولقد كان هذا السياق مغيباً أو مطموساً أو جنينياً وفي أحسن الأحوال لم يؤخذ سوى شكل بدوات بدائية. وتبعاًَ لذلك لم تنطبق على أولئك الرجال صفة رجل الفكر العظيم، وهو الذي يهيء أذهان الناس للتغيرات الاجتماعية الثورية التي هي في طريقها إليهم أو رجل الفعل العظيم الذي ينظم النضال بين الطبقات أو الفئات الاجتماعية الموعودة بالمستقبل لتنهض وتربح قضيتها بواسطة الثورة أو أية وسيلة ملائمة أخرى.

وقبالة هذه السمة المشتركة ثمة ظاهرة أخرى  تستدعي الاهتمام وهي تتعلق بكيفية استخدام الذكاء أو الإرادة، من قبل هؤلاء الرجال، في مواجهة الضرورات الداخلية والخارجية الذاتية منها والموضوعية. إن انتصار الذكاء والإرادة ليس من شأنهما إطلاقاً انتهاك حرمة الضرورات الطبيعية والاجتماعية وليس من شأنها تجاوز ما تقتضيه مواجهتها. وانتصار الذكاء والإرادة يوفر مجهودهما الخاص لقيام بعض الأوضاع التي يستند إليها التحول، تحول ما هو “ممكن أن يكون” إلى ما هو “كائن”. وهذا ما نعنيه عندما نقول بشكل رجعي المفعول بأن المستحيل قد تحقق.

ولعل من أشد فواجع تاريخنا المعاصر إيلاماً هي الفواجع التي كان يرافقها، بجانب “الأحلام السعيدة”، الصراخ بكلمة “مستحيل” فكأن هناك جبلاً لا مزحزح له، وبسبب من قصر النظر أو الوعي البائس كانت يحشد لها من الطاقات والموارد ما يكفي للانتصار ولكن ذلك لم يكن يتم إلا بعد فوات الأوان.

وإذا كان هناك من أمر خلقي يصح في جميع الفترات التاريخية فإن هذا الأمر هو الوعي والفعل في اللحظة الحاسمة أو الملائمة حتى لا تصبح من الفرص المضاعة وما أكثرها في حياتنا. إن فرص الاختيار محدودة واضحة وكل قرار باختيار ينطوي على تشييد جديد لبناء الذات (الكيان الإنساني) والمجتمع والعالم. وإن كل تجربة رشيدة إنما هي تجربة ترشدنا فيها قوانين معروفة قبلاً وتهدف هذه التجربة إلى تحقيق السيطرة والسيادة على المشاكل الملحة. وهذا هو الفعل التاريخي الذي يمكن أن ينظر، من خلاله، إلى دور الأفراد البارزين.

إحسان سركيس
مصادر (المقدمة) البحث الرئيسية
1 ـ التاريخ ووعي الطبقة  …….        جورج لوكش

2 ـ دور الفرد في التاريخ……….        ج.بليخانوف

3 ـ البطل في التاريخ……….            سيدني هوك

4 ـ مجلة عالم الفكر الكويتية المجلد الخامس العدد الأول 1974.

التالي »