بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

دور الفرد في التاريخ

« السابق التالي »

دور الفرد في التاريخ

بليخانوف

ـ 1 ـ

قرابة عام 1878 كتب الراحل كابليتز[1] مقالاً عنوانه “الذكاء والعاطفة بوصفهما عاملين من عوامل التقدم” استهدف فيه، بالرجوع إلى سبنسر، إقامة الدليل على أن العاطفة تلعب، في تقدم الإنسانية، دوراً رئيسياً بينما لا يعدو دور الذكاء أن يكون ثانوياً وتابعاً لهما تماماً. ورد عليه “باحث اجتماعي مرموق[2]” وتلقى بدهشة هازئة هذه النظرية التي تطوح بالذكاء إلى “مقعد الفارس في السباق”.ومع ذلك فقد كان على حق في دفاعه عن الذكاء ولكان أحسن صنعاً لو أنه، عوضاً عن الغوص في هذه المسألة التي أثارها كابليتز، أبان أن أطرحها بهذا الشكل ليس مقبولاً ولا ممكناً.

والحقيقة أن نظرية “العوامل” لا سند لها، في حد ذاتها، لأنها تفصل، بطريقة كيفية، مختلف أشكال الحياة الاجتماعية، بعضها عن بعض، وتقننها على شكل قوى خاصة تشد، من جهات مختلفة وبدرجات متفاوتة من النجاح، الإنسان الاجتماعي إلى طريق التقدم. وهذه النظرية، بالشكل الذي أوردها به كابليتز تفتقر أكثر إلى الأساس لأنها تحول إلى أقاليم اجتماعية خاصة، لا هذا المظهر أو ذاك من مظاهر فاعلية الإنسان الاجتماعي وإنما مختلف نواحي الوعي الاجتماعي. وتلكم هي، في الحقيقة، الغاية في التجريد، ويكفي أن نتجاوزها حتى نلج عندئذ عالم المجرد الصارح الهازل.

وكان حقاً على هذا “الباحث الاجتماعي المرموق”أن يسترعي انتباه كابليتز وقراءه إلى ذلك. ولو أنه أبان في أي تيه من التجريد ضل كابليتز في سعيه لإيجاد “عامل” يسير التاريخ لكان أسهم في نقد نظرية “العوامل” نفسها، وهو أمر يبدو لنا حالياً على جانب كبير من الفائدة. ولكنه لم يكن ليرقى إلى هذه المهمة لأنه، نفسه، يقر هذه النظرية ولا يمتاز عن كابليتز إلا بانعطافه نحو الانتقائية التي تبدو، بموجبها، جميع العوامل على مستوى واحد من الأهمية. ولا تلبث انتقائيته هذه أن تتجلى بوضوح تام في هجومه على المادية الديالكتيكية، هذه النظرية التي تضحي، على حد قوله، بجميع العوامل في سبيل العامل الاقتصادي محيلة دور الفرد في التاريخ إلى العدم. ولم يدو بخلد هذا “البحث الاجتماعي المرموق” أن المادية الديالكتيكية غريبة في نظرية العوامل هذه وأن من قصور التفكير المنطقي أن يذهب الاعتقاد بالمرء إلى حد اعتبارها بمثابة اليقينية. ولنلاحظ أن خطله هذا ليس نسيج وحده بل قام به الكثيرون ومازالوا يقومون به وسيقومون به حتماً حتى زمن طويل..

لقد اتهم الماديون بـ”اليقينية” في زمن لم يكن قد قام لديهم بعد مفهوم ديالكتيكي عن الطبيعة والتاريخ.ولنكتف، دونما حاجة إلى استرجاع الزمن السحيق، بالإشارة إلى النقاش الذي شارك فيه برايس[3] العالم الانجليزي المعروف بريستلي[4]. لقد ظن باريس، في معرض تحليله نظرية بريستلي، أنه وفق إلى البرهان على أن المادية لا تأتلف مع فكرة الحرية وأنها تنفي كل فاعلية فردية مستقلة.

وقد أجاب بريستلي، مستشهداً بالتجربة العملية بقوله: “حتى لا أتكلم عن نفسي فبودي الإشارة إلى أنني لست أكثر الحيوانات تراخياً وكسلاً، ولكن أين توجد قوة في التفكير وقدرة لا تغالب وصلابة لا تلين ولا تكل في متابعة الأهداف الهامة إن لم تكن عند المؤمنين بالضرورة”.

ويعني بريستلي بكلامه هذا الفئة الدينية الديمقراطية المدعوة “بالمسيحيين الجبريين”[5]. ولا ندري ما إذا كانت هذه الشيعية نشطة حقاً كما يعتقد بريستلي أحد أتباعها، ولكن ذلك على جانب قليل من الأهمية. من المؤكد أن مفهوماً مادياً عن الإرادة ينسجم تماماً مع أكثر الفاعليات العملية نشاطاً. وقد لاحظ لانسون أن:

“جميع التعاليم التي اقتضت المزيد من الإرادة البشرية افترضت، مبدئياًن عدم أهلية هذه الإرادة فاستبعدت بذلك الاختيار الحر وألقت بالعالم في أحضان الجبرية.”[6]

ويخطئ لانسون إذ يعتقد بان كل استبعاد لما تواضع الناس على تسميته بحرية الاختيار يؤول بالضرورة إلى الجبرية. ولكن هذا الخطأ لم يمنعه من التنويه بظاهرة تاريخية لها أهميتها القصوى: إذ يظهر لنا التاريخ أن الجبرية نفسها أبعد من أن تصبح، في بعض الحالات، عائقاً في طريق العالية العملية ولعلها تحولت، فلي بعض الأحيان، إلى نقيض ذلك، إذا أصبحت الأساس النفسي الضروري للعمل. ويكفي أن نستشهد بجماعة المتقشفين الذين تجاوزوا، من حيث الشدة والقدرة، جميع أحزاب انجلترا في القرن السابع عشر، كما أن المسلمين الأوائل أخضعوا لسلطانهم، في فترة قصيرة من الزمن، مساحات شاسعة تمتد من الهند إلى إسبانيا., وأشد ما يخطئ أولئك الذين يعتقدون بأنه يكفي الاقتناع بأن حادثاً لامناص من وقوعه حتى تضمحل لدينا كل مكنة نفسية للمساهمة فيه أو مقاومته[7].

هل يكون عملي حلقة ضرورة في سلسلة الحوادث الضرورية التي لا بد من وقوعها؟ إن المسألة كلها تكمن في هذا السؤال، فإذا أجبت بنعم فإن ترددي سيكون أقل وعملي أكثر إصراراً. وليس في هذا الأمر شيء من الغرابة فعندما نقول إن فرداً ما يعتبر عمله حلقة ضرورية في سلسلة الأحداث الضرورية، التي لا بد من وقوعها، فإننا نقصد، بخاصة، إن عدم توافر الإرادة الحرة، بالنسبة إليه، مماثل لاستحالة العطالة المطلقة، لأن عدم توافر الإرادة هذا ينعكس في ذهنه على شكل من استحالة التصرف خلاف ما ينبغي له القيام به. وتلكم هي حالة فكرية تصدق فيها كلمات لوثر: “إنني هنا ولا يسعني أن أمضي أمراً خلاف ذلك”. وبفضل هذه الحالة الفكرية يعطي الرجال الدليل على القدرة التي لا تغالب ويقومون بالاكتشافات المدهشة. كان هملت يفتقد هذا النصاب لهذا لم يكن بمستطاعه إلا أن يكتئب ويغوص في لجح تأملاته ولم يكن بوسعه القبول بفلسفة تكون فيها الحرية ضرورة في شكلها الواعي. وقد صدق فيخته حين قال: “لهذا الإنسان هذه الفلسفة”.

ـ 2 ـ

حمل بعضهم عندنا، على محمل الجد، فكاهة أبداها ستاملر[8] في معرض إشارته إلى التناقضات المستعصية على الحل، حسب ادعائه، والتي تشمل عليها بعض التعاليم السياسية والاجتماعية في الغرب وبودنا الكلام على تعليله لظاهرة كسوف القمر.

هذا التعليل يعتبر بحق إيغالاً في اللامعقول. فمن بين الشروط الواجب توافرها ليتم هذا الكسوف لإمكان لإرادة الإنسان ولا يمكن لها ذلك بحال من الأحوال. ولهذا السبب وحده فإن فكرة وجود حزب يساهم في كسوفات القمر لا يمكن أن تعيش إلا في مأوى للمجانين. وحتى إذا كان عمل الإنسان يشكل أحد الشروط المطلوبة فيما من أحد، وإن تاق لرؤية الكسوفات، يساهم في هذا الحزب إذا اقتنع أن هذه الكسوفات ستتم بالضرورة دونما حاجة لمساعدته. وفي هذه الحال تقتصر “يقينيته” على انتكافه عن القيام بعمل نافل وبالتالي عديم الجدوى.وتصرفه هذا لا علاقة له البتة باليقينية بمعناها الحقيقي. وإذا أردنا أن ينتفي التعارض مع العقل، في مثال الكسوف الآنف الذكر، فعلى الحزب المشار إليه أن يعدل من حركة الكسوف بصورة أساسية. ولنتخيل أن القمر يمتلك وعياً والوضع الذي يأخذه في القضاء. عند الكسوف، يبدو له نتيجة لإرادته الحرة، وإن هذا الوضع، علاوة على ما يتيحه له من ترضية عميقة، لا غنى عنه ليتم له هدوءه الفكري، ولذا فهو يستهدف “باشتياق” إشغال هذا المكان[9]. وبعد أن نتخيل كل ذلك فعلينا أن نطرح على أنفسنا السؤال التالي: وأخيراً إذا اكتشف القمر الحقيقة وهي أن إرادته و”مثله الأعلى”لا يحددان حركته في الفضاء الكوني بل تحدد، حركته، على العكس، إرادته و”مثله الأعلى” فماذا يستشعر عندئذ؟ استناداً لأقوال “ستاملر” تجعله هذه الحقيقة عاجزاً، حتماً، عن الحركة أو يتخلص من هذه الورطة عن طريق ضرب من التناقض المنطقي، بيد أن مثل هذه الفرضية محرومة من أي أساس. ويستحيل هذا الكشف، بالنسبة للقمر، إلى موضع صوري يكون مبعثاً للسآمة وسبباً في بليلة معنوية تضع في مشاققة “مثله الأعلى” والحقيقة الحركية. وإذا ما افترضنا، آخر الأمر، إن “حالته النفسانية” ستكون مشروطة، بتمامها، بهذه الحركة فعلينا عندئذ أن نستقصي، في هذه الحركة، أسباب البلبلة التي تحيق به.

ويكشف لنا التمحيص الدقيق أن ما يشكو منه القمر هو أن إرادته ليست حرة عندما يكون في الأوج والأمر خلاف ذلك عندما يكون في الحضيض فقد استحال الظرف نفسه إلى سبب صوري من الهناءة والارتياح المعنوي. وما لم تجر الأمور على العكس فقد يتراءى لنا أن ارتياحه متوافر عندما يكون في الأوج لا في الحضيض لأنه يعثر، كل حال فمن المؤكد أن مثل هذا التوافق ممكن الوقوع تماماً وأن الشعور بالضرورة يتسق تماماً مع الفاعلية العملية في المنتهى حدتها.

ومهما يكن من أمر فهذا ما يلاحظ، حتى الآن في التاريخ. فمنكر وحرية الاختيار غالباً ما يبزون معاصريهم بقوة الإرادة ويكلفونها أقصى ما تطيق حتى تبلغ غاية وسعها. والأمثلة عديدة ومألوفة تماماً. ولا يسعنا أن نغض الطرف عنها كما فعل “ستاملر” إلا إذا رفضنا عامدين مواجهة الحقيقة التاريخية كما هي عليه في الواقع. وهذا الاستبعاد المتعمد شائع الوقوع عند الذاتيين لدينا[10] ولدى بعض صغار البرجوازيين الألمان مثلاً غير أن هؤلاء البرجوازيين الصغار والذاتيين ليسوا رجالاً وإنما هم ظلال كما يصفهم بيلينسكي[11].

ولندقق، عن كثب، في الحالة التي تكون فيها أعمال الإنسان الماضية والحاضرة والمقبلة غير بادية إلا من خلال الضرورة. لقد علمنا، آنفاً، أن الرجل، في مثل هذه الحال، عندما يخال نفسه مبعوث العناية الإلهية.. أو موضع اختيار القدر النافذ كنابليون أو الناطق باسم حركة تاريخية لا تقاوم كبعض الساسة في القرن التاسع عشر، يعطي الدليل على إرادة تبدو وكأنها قوة من قوى الطبيعة نفسها، قادرة أن تنثر، كقصور من الورق، جميع العوائق التي تقام في طريقها من أمثال هاملت ومن هم دونه في مراكز القصبات[12]. ولكن ما يهمنا في هذه المناسبة هو جانب آخر: عندما أشعر أن إرادتي ليست حرة وأجد نفسي، في عجز تام، ذاتي وموضوعي، عن العمل خلاف ما فعلت تبدو لي عندئذ أعمالي كأحب عمل ممكن لدي إذ تتماثل عندئذ في ضميري الضرورة والحرية وكذلك الحرية والضرورة. وانقضاء حريتي يكمن في ما معناه: إنني لا أستطيع أن أفصم عرى هذا التماثل بين الحرية والضرورة بجعلي إحداهما تعارض الأخرى ولا يمكن أبدأ أن أشعر إكراه الضرورة ل أن غياب الحرية هذا ليس، في الوقت نفسه إلا تعبيراً تاماً عنها وملازماً لها.

قال “سيمل”[13] أن الحرية لا يمكن فهمها إلا بمعارضتها بعائق ما. وعلى ذلك لا يمكن إدراك كنهها إلا بمعارضتها بفكرة القسر. وهذا التفكير صائب بالبداهة ولكننا لا نستطيع، انطلاقاً من هذه الحقيقة الأولية، أن نطرح جانباً الفكرة القائلة بان الحرية هي الضرورة التي وعيناها والتي تشكل أحد الاكتشافات الفذة التي توصل إليها الفكر الفلسفي. إن ت عريف “سيمل” ضيق محدود فهو لا يأخذ الحرية إلا مواجهة بعائق خارجي. وما دام لا يستهدف غير هذه العوائق فإن قضية تماثل الحرية والضرورة تصبح واهية. إن اللص ليس حراً في سرقة منديلك الجديد إذا منعته من ذلك وما دام لم يتغلب على مقاومتك بطريقة ما. ولكن بجانب هذا المفهوم عن الحرية، البسيط والسطحي، يوجد مفهوم آخر أعمق غوراً بما لا يقاس، ولا يمكن أن يقدم لمن يمتنع عليه التفكير الفلسفي. وحتى الذين يناقشون بطريقة فلسفية لن يقيض لهم إدراك ك نهه إلا إذا نجحوا في تجاوز الثنائية وأدركوا، من جهة أخرى، إن لا وجود بين الذات والموضوع لتلك الهوة السحيقة التي يتوهمها الثنائيون.

يضع الذاتيون الروس مثلهم الأعلى الطوباوي أمام حقائقنا عن الرأسمالية ولا يعدونه إلى غيره. وهكذا غاص الذاتيون في مستنقع الذاتية. والمثل الأعلى الذي يأتم به من يسمون أنفسهم “الأتباع”[14] الروس يبدو أبعد كثيراً من الواقع الرأسمالي من المثل الأعلى الذي يأتم به الذاتيون. ومهما يكن من أمر فلقد عرف “الأتباع” كيف يعثرون على الجسر الذي يربط المثل الأعلى بالحقيقة الواقعة، وقد وصلوا إلى ما يسمى النظرة الوحدانية. وتبعاً لآرائهم هذه، فستنتهي الرأسمالية، تبعاً للتطور الذي تمضي فيه، إلى نفي نفسها، وبذلك يتم تحقيق مثلهم الأعلى، مثل “الأتباع” الروس وغيرهم.. وتلكم هي الضرورة التاريخية، و”التابع” نفسه أداة من أدواتها وليس بوسعه أن يكون غير ذلك سواء بسبب وضعه الاجتماعي أو بسبب صفاته الأخلاقية والعقلية المنبثقة عن هذا الوضع.

وثمة أيضاً مظهر من مظاهر الضرورة. وبما أن وضعه الاجتماعي يحبوه هذه الصفة لا غيرها فسبيله إلا يكون أداة هذه الضرورة ورهينها فحسب بل يود بشوق أن يكون ذلك ولا يسعه ابتغاء وجه آخر، وهذا مظهر من مظاهر الحرية المتولدة عن الضرورة وبعبارة أدق الحرية المتماثلة مع الضرورة أو الضرورة التي استحالت حربة[15].

وهذه الحرية هي أيضاً الحرية المواجهة للقسر والمعارضة أيضاً لشكل من القيود. إن التعاريف العميقة لا تنفي التعاريف السطحية بل تكملها وتحتويها. وبهذه المناسبة ما هو العامل القسري أو القيد الذي يمكن أن يكون موضع بحثنا؟ هذا الأمر واضح جلي والكلام هنا قاصر على المانع المعنوي الذي يشل الإرادة لدى نفر لم يتخط الثنائية بعد وعلى القيد الذي يشكو منه الذين لم ينصبوا بعد الجسر فوق الهوة التي تفصل المثل الأعلى عن الحقيقة الواقعة. ومادام الفرد لم يظفر بهذه الحرية نتيجة مجهود شخصي شاق من التفكير الفلسفي فلن يتوصل إلى هذه الحقيقة ويغدو الألم الذي يحيق به عبارة عن الجزية المخجلة التي يؤديها للضرورة الخارجية التي تعترضه. وبالمقابل فهو يحيا حياة جديدة رحبة لأمراء فيها طالما يزيح عن كاهله هذا الإكراه أو هذا النير المؤذي الذي ينال من قدرته وعندها تغدو فاعليته الحرة التعبير الواعي الحر عن الضرورة. وتصبح هذه الفاعلية قوة اجتماعية لا شيء يمنعها من أن تتفجر:

على المروق المخادع

كالصواعق السماوية

ـ 3 ـ

نعيد القول بأن وعي الضرورة الملازمة لحادث ما ليس من شأنه إلا أن يزيد في طاقة الشخص الذي يواجه هذا الحادث فيتجاوب معه ويعتبره نفسه إحدى القوى التي تحدد وجوده. فإذا تربص الشخص، بعد وعيه الضرورة التي تحدد ذلك الحادث وشبك ذراعيه ووقف يتأمله فإنه يبرهن عن جهل فاضح بالرياضيات.

وحقيقة القول هي أن نفرض أن الظاهرة (آ) يتحتم وقوعها إذا توافرت مجموعة شروط معينة نرمز إليها بحرف (س)، وقد أوضحت لي أن بعضها من هذه الشروط قد تم توافرها وأن البقية ستحصل في الوقت (ن). وبما أنك أقنعتني بذلك فسأواجه الحادث متسائلاً: (كل شيء على ما يرام!) وأنام ملء جفوني حتى يحين اليوم السعيد فيتحقق الحادث وفق تنبؤاتك..

فعلام تكون النتيجة؟ من بين مجموع القيمة (س) وهي الشروط الواجب توافرها حتى تحدث الظاهرة (آ) أدخلت فاعليتي أيضاً وسأرمز إليها بحرف (د). ولما كنت مستسلماً للرقاد لدى حلول الوقت (ن) فإن مجموع الشروط اللازمة لوقوع الظاهرة الملمع إليها لم يعد (س) وإنما (س ـ د)، وهذا ما يبدل الوضع. ويجوز أن يحل آخر مكاني وقد يكون مستسلماً للعطالة ولكن المثل الذي ضربه له استرخائي واستخلص منه أن العطالة أمر مشين، قد حرك فاعليته. وفي هذه الحال تحل القوة (ب) مكان القوة (د)، فإذا كانت القوة (ب) مساوية للقوة (د) (د = ب) فإن مجموعة الأسباب الضرورية لإنجاز الظاهرة (آ) تبقى مساوية لـ(س) وتقع الظاهرة من تلقاء نفسها في الوقت المحدد (ن). ولكن إذا لم تكن القيمة التي تمثلها قوتي معادلة للصفر وإذا كنت كفؤاً وماهراً وما من شخص آخر يقوم مقامي فتكون عندئذ قيمة (س) ناقصة لم تكتمل وستتحقق الظاهرة (آ) في زمن متأخر عن الوقت الذي افترضناه آنفاً أو تتم بصورة ناقصة أو لا تتم البتة. وهذا الأمر بين الوضوح فإذا فاتتني هذه الحقيقة أو تخيلت أن القيمة (س) ستبقى (س) حتى بعد إخفاقي فما ذلك إلا لأنني أجهل قواعد الحساب.

هل أكون أنا الوحيد الذي يجهل قواعد الحساب؟ فعندما أنبأتني بأن مجموع الشروط (س) سيتم الحصول عليه في الوقت (ن) لم تشر إلى أنني سأذهب وأنام حالما تنتهي محادثتنا. لقد كنت على يقين بأنني سأعمل، حتى النهاية، لإتمام الظاهرة (آ). وقد اعتمدت على قوة كان لزاماً عليك إلا تعول عليها كثيراً بدلاً من قوة أخرى كان من واجبك الاعتماد عليها، وبالتالي فقد أخطأت أنت أيضاً في الحساب.

ولنفرض أنك لم ترتكب أية هفوة وكنت مرتقباً حدوث كل شيء فإليك ما كانت ستؤول إليه حساباتك: لقد ذكرت أن مجموع الأسباب (س) سيتحقق في الوقت (ن) ومن جملة هذه الشروط الضرورية فإن قعودي يمثل قوة سلبية كما يمثل الأثر المثير وهو الذي يشبع الطمأنينة في قلوب الرجال الأشداء الموقنين أن اتجاهاتهم ومثله العليا ليست إلا تعبيراً ذاتياً عن الضرورة الموضوعية، يمثل القوة الإيجابية. وفي هذه الحالة يتحقق مجموع الأسباب (س) في الوقت المحدد من قبلك وتتم الظاهرة (آ).

وهذا يبدو واضحاً. ولكن إذا كان واضحاً فلماذا اضطربت للفكرة القائلة بضرورة وقوع الظاهرة (آ)؟ ولم تبدت لي وكأنها تحكم علي بالعطالة؟ ولم جعلني التفكير فيها أنسى المبادئ الأولية في الحساب؟ لا ريب في أن ظروف ثقافتي كانت تجعلني أحمل في نفسي ميلاً إلى العطالة وأن محادثتنا كانت القطرة التي صبت في كأس دهاق، وتلكم هي المسألة بكاملها. إن الشعور بالضرورة لم يكن من شأنه إلا تهيئة المناسبة اللازمة ليتحقق استرخائي وقصوري المعنوي. ولم تكن الضرورة سبب ذلك وإنما يكمن السبب في التربية التي أصبتها.

وهكذا نرى أن الرياضيات علم مفيد جليل القدر يحسن إلا تغرب قواعده عن البال وبخاصة عن بال السادة الفلاسفة.

ولكن كيف يؤثر الشعور بضرورة وقوع حادث ما على رجل قوي الشكيمة، ينظر إليه شذراً ويناصبه العداء؟ إن الأمور هنا تتحول قليلاً عن مجراها. يمكن كثيراً أن يضائل هذا الشعور القدرة على المقاومة. ولكن متى يقتنع معارضو الحادث بأنه ضرورة لا محيص عنها؟ إن الشعور حتمية وقوع الحادث وانعدام مقاومة معارضيه ليست سوى تعبير عن قوة الأسباب المظاهرة له والتي تطوي في عدادها شعور العجز الذي يحسه المعارضون.

غير أن القدرة على المقاومة لا تتضاءل عند جميع خصوم الحادث فهي تزيد لدى بعضهم بتأثير من شعورهم بحتمية وقوعه وتكون مقاومتهم عندئذ عبارة عن قدرة اليأس. ويعطي التاريخ بصورة عامة وتاريخ روسيا، بصورة خاصة، مجموعة من الأمثلة التثقيفية. ولنا الأمل في أن يستذكرها القارئ بنفسه.

وهنا يقاطعنا “كارييف، رغم أنه لا يشاطرنا الرأي في وجهة نظرنا عن الحرية والضرورة ولا يقرنا في ميلنا إلى “اندفاع” الرجال المتحمسين الأشداء، ويستقبل بترحاب الفكرة التي عرضناها في هذه المجلة[16]، وهي أن بإمكان الفرد أن يكون قوة اجتماعية عظيمة ثم، يتساءل مزهواً هذا الأستاذ الفاضل: “طالما رددت ذلك”.

وهذا القول حق لا مراء فيه أن “م.كارييف” وجميع الذاتيين طالما نسبوا إلى الفرد دوراً هاماً في التاريخ. لقد غير العهد الذي كان فيه مثل هذا القول يقرب إليهم الشبيبة التقدمية ويحببهم إليها، تلك الشبيبة التي كانت تتعشق بنبل القيام بعمل يخدم المصلحة العامة، معولة في بلوغ ذلك على المبادهة الفردية. ولكن لم يقبض للذاتيين أصلاً أن يطرحوا بطريقة سليمة مسألة دور الفرد في التاريخ لأنهم يضعون قبالة قوانين الصيرورة التاريخية للمجتمعات عمل “الأفراد ذوي الفكر النقاد” موحدين بذلك شكلاً جديداً لنظرية العوامل. فالأفراد ذوو الفكر النقاد يشكلون أحد العوامل التي أملت حركة التطور المذكورة كما أن القوانين التي تحكم هذه الحركة تشكل العامل الآخر. ويترتب على ذلك إيغال في اللامعقول يمكن السكوت عليه إلى حين مادام اهتمام “الأفراد” الفعالين منصرفاً إلى المسائل اليومية العملية ولا يمكنهم، بالتالي، الاهتمام بالفلسفة. ولكن الهدوء الذي ساد بين عامي 1880 و1890 أتاح للأشخاص القادرين على التفكير فرصة التأمل الفلسفي رغماً عنهم. ومنذ ذلك الحين راحت التعاليم الذاتية تتقصف من جوانبها كافة واستحالت هباء شأن الرداء الشهير الذي تحدث عنه غوغول.

ولم يفد الترقيع شيئاً وانفض الناس من حول النظرية الذاتية، الواحد تلو الآخر، شأن من يبتعد عن تعاليم لا تستطيع مطلقاً الوقوف على قدميها.

وكما يحدث في مثل هذه الحالات، فقد آل رد الفعل ببعض خصومها إلى الغلو في المنهج المعاكس. وإذا كان بعض الذاتيين، في ابتغائهم أن ينسبوا إلى الفرد دوراً متعاظماً في المسيرة التاريخية يرفضون أن ينزلوا النشوء والارتقاء التاريخيين للإنسانية على حكم القوانين، فإن بعض خصومهم الجدد يجهدون ليثبتوا أن الحركة التاريخية تخضع في مسيرتها لقوانين معينة، فكأنهم نسوا أن الرجال هم الذين يصنعون التاريخ وتبعاً لذلك يقوم الفرد، حتماً، بدوره التاريخي. لقد اعتبروا الفرد هملاً لا قيمة له.ونرى، من الوجهة النظرية، إن هذا الغلو لا يمكن أن يغتفر شأنه شأن ما انتهى إليه الذاتيون المخلصون لذاتيتهم. وليست تضحية الموضوعية في سبيل الركس (النقيض) بأوفر أسا من تناسي الركس في سبيل الموضوعة. ولن نصل إلى وجهة النظر الصحيحة إلا عندما نتمكن من أن نجمع في التوليف أقسام الحقيقة التي يحتويها الموضوعة والركس.

ـ 4 ـ

مضى زمن طويل وهذه المسألة تملك علينا اهتمامنا ومنذ زمن بعيد ونحن راغبون في دعوة القارئ إلى تدارس هذه المسألة معنا. وقد أقعدتنا عن قصدنا بعض المخاوف لاعتقادنا بأن قراءنا ربما يكونون قد توصلوا إلى حلها بأنفسهم، فيكون اقتراحنا قد قدم بعد فوات الأوان.

أما اليوم فقد استبعدت هذه المخاوف لأن المؤرخين الألمان كفونا مئونتها، ونقول ذلك على سبيل الجد.

ونعني بذلك الخلاف المستحر نسبياً حول دور الرجال العظام في التاريخ والذي استأثر باهتمام المؤرخين الألمان. وكان بعضهم أميل إلى اعتبار النشاط السياسي الذي مارسه هؤلاء الرجال السبب الرئيسي والأوحد في مسيرة الحركة التاريخية بينما يجزم الآخرون بأن ذلك المفهوم محدود المدى وأن على علم التاريخ أن يراعي لا فاعلية الرجال العظام فحسب وإنما مجموع الحياة التاريخية. وكارل لامبراخت[17]، مؤلف كتاب تاريخ الشعب الألماني الذي نقله عن الروسية م.نيكولايف أحد ممثلي هذا الاتجاه، وقد اتهمه خصومه “بالجماعية” وبالمادية ووضعوه، وياللهول، على صعيد واحد مع “الملحدين الاجتماعيين الديمقراطيين” وذلك طبقاً للعبارة التي استخدمها، هو نفسه، في ختام مناقشته.

وتقنع مراجعة مؤلفاته بأن اتهام هذا العالم المسكين لم يكن له سند أو أساس في الواقع. وكان علينا أن نلاحظ، في الوقت نفسه، أن المؤرخين الألمان ليسوا بالقدر الذي يؤهلهم لأن يحلوا مسألة دور الفرد في التاريخ. ونظن أن من حقنا الافتراض بأن بعض القراء الروس لم يتوصلوا بعد إلى حل هذه المسألة. لهذا فلا يزال هناك بعض الفائدة، من الناحيتين النظرية والعملية، في التصدي لهذا الأمر.

لقد تناول “لامبرخت” مجموعة من الآراء التي صدرت عن بعض رجال الدولة البارزين والتي تظهر مدى ما بلغه عملهم بالقياس إلى الوسط التاريخي الذي تم فيه هذا العمل. ولكنه اقتصر، في رده، على إيراد بعض الخطب وذلك في معرض الحديث عن بسمارك فهو يردد الكلمات التي قالها المستشار الحديدي في ريخستاخ ألمانيا الشمالية في 16 نيسان 1869:

“سادتي، ليس بوسعنا أن نتغاضى عن تاريخ الماضي ولا أن نصنع المستقبل. أريدكم أن تتجنبوا الوقوع في الخطأ الذي يحمل بعضهم على تقديم عقارب الساعة ظناً منهم بأن ذلك هو السبيل إلى التعجيل في انسياب الزمن.إنهم غالباً ما يبالغون في مدى تأثيري في الحوادث التي استندت عليها، ومع ذلك فلن يطوف بمخيلة إنسان أن يسألني صنع التاريخ. إن هذا الأمر جد مستحيل بالنسبة إليّ حتى ولو أسهمتم معي فيه، مع العلم أن بوسعنا معاً مقاومة العالم بأسره. ولكننا لا نصنع التاريخ وعلينا ارتقابه حتى يصنع نفسه. نحن لا نعمل في إنضاج الثمار عندما نقربها من حرارة المصباح إذا اقتطفناها فجة قبل أوانها، وكل ما نقوم به، في هذه الحال، هو الحيلولة دون نموها وبالتالي إتلافها.”

ثم يعدد “لامبرخت”، بالرجوع إلى “جولي”، آراء بسمارك التي طالما نادى بها والتي لا تخرج، في معناها عما يلي:

“ليس بوسعنا صنع الحوادث الجسام بل علينا التوافق مع السياق الطبيعي للأشياء مستهدفين الاستثبات مما هو تام النضج”.

ويرى “لامبرخت” في هذا القول حقيقة بعيدة القرار أو الحقيقة بعينها. ولا يمكن للمؤرخ، تبعاً لمفهومه هذا، أن يفكر خلاف ذل إذا رام تعمق الأحداث دون اقتصاره على فترة قصيرة من الزمن. أكان بوسع بسمارك أن يعود بألمانيا إلى نظام الاقتصاد البدائي؟ طبعاً لا لأن ذلك مستحيل عليه حتى وهو في ذروة نفوذه. إن الشروط التاريخية العامة أقوى من الأفراد الأقوياء، وتغدو سمة العصر، بالنسبة إلى الرجل العظيم، “ضرورة معطاة تجريبياً”.

وهكذا يصف “لامبرخت” نظريته بالشمولية. ومن اليسير أن نتلمس ناحية الضعف في هذه “الشمولية”. إن آراء بمسارك التي أ,ردها بنفسه جد قيمة باعتبارها وثائق نفسية، ويجوز ألا نحس بأي ميل إلى العمل الذي قام به المستشار الألماني ولكن ذلك لا يبيح لنا التق ليل من أهميته والإدعاء بأن بسمارك يتميز بعقيدته “اليقينية”. لقد كان لاسال يفكر ببسمارك عندما قال:

“إن خدام الرجعية ليسوا محدثين بارعين فحسب، ومن نعم الله كون التقدم يعتمد قليلاً على أمثال هؤلاء الخدام”.

إن هذا الرجل، وقد تمتع في بعض الأحيان، بقدرة حديدية حقة، يعلن نفسه عاجزاً أمام سياق الأمور الطبيعي ويعتبر نفسه، بلا مراء، أداة بسيطة من أدوات الصيرورة التاريخية. ويدل هذا الأمر، مرة أخرى، على أن بإمكان المرء النظر إلى الأحداث في ضوء الضرورة وأن يكون، في الوقت نفسه. على جانب عظيم من القدرة. ومن هذه الناحية فقط، تغدو آراء “بسمارك” هامة ومفيدة. ولكن يستحيل أن نجد فيها جواباً على ماهية دور الفرد في التاريخ.

وتبعاً لما يقوله “بسمارك” نجد أن الحوادث تصنع نفسها وليس بمستطاعنا إلا التأكد مما أعدته لنا. ولكن كل عمل. عندما يتحقق، يشكل هو أيضاً حادثاً تاريخياً. فبم تمتاز، إذن، هذه الأحداث التي تتم من تلقاء نفسها؟ الحقيقة أن كل حادث تاريخي أو قريب منه، يؤمن، على وجه التأكيد؛ لبعض الناس اجتناء الثمار اليانعة من التطور السابق كما أنه، في الوقت نفسه حلقة في سلسلة الحوادث التي تهيء ثمار المستقبل. فكيف يمكننا أن نضع هذه الأعمال قبالة السياق الطبيعي للأشياء؟ لقد أراد “بسمارك”، على ما يبدو أ، يقول بأن الأفراد أو الجماعات التي تلعب دوراً في التاريخ لم تكن لها ولن تكون لها القوة الغالبة، وهو أمر لاريب فيه، ولكننا نروم تقدير قوة الرجال هذه والتي هي، على وجه التأكيد، غير مفرطة في قدرتها كما نروم الإلمان بالملابسات التي تنمو من خلالها هذه القوة أو تتضاءل ولا يجيب “بسمارك” ولا العالم المحامي عن نظرية “الشمولية” في التاريخ الذي يستشهد بأقواله على هذا السؤال.

والحقيقة أن بوسعنا العثور، لدى “لامبرخت”، على نصوص أكثر جدية. فهو يورد مثلاً الكلمات التالية التي قالها “مونود” أحد المؤرخين العلميين البارزين والمعاصرين في فرنسا:

“لقد تعودنا أن نتعلق، في التاريخ، بالمظاهر البراقة المدوية والقصيرة الأجل، التي تلازم الفعالية الإنسانية، من حوادث عظيمة أو رجال عظام عوضاً عن أن نصر على الحركات العظيمة الوئيدة التي تنتاب المؤسسات، وعلى الشروط الاقتصادية والاجتماعية التي تشكل القسم الهام والدائم في التطور الإنساني، الذي يمكن تحليله بالتأكيد، وبطريقة تقربه من القانون. إن الحوادث والشخصيات البارزة لهي شارات ورموز لمختلف فترات هذا التطور. ولكن معظم الظاهرات، التي توصف بالتاريخية، هي بالنسبة إلى التاريخ الحقيقي كنسبة الأمواج التي تطفو على سطح البحر إلى الحركة العميقة الدائمة للمد والجزر، فهي، أي الأمواج، تتلون لفترة من الزمن، بجميع ألوان الضوء، ثم تتناثر على الشاطئ دون أن تخلف منها شيئاً”.

إن “لامبرخت” يعلن استعداده لتأييد مضمون هذا النص ومن المعروف أن العلماء الألمان يكرهون الإقرار بالموافقة على ما يقوله العلماء الفرنسيون والعكس بالعكس. لهذا يشير المؤرخ البلجيكي “بيرين”، في المجلة التاريخية إلى هذا التماثل في الأفكار بين “مونود” و”لامبرخت” ويخلص إلى ما يلي:

“إن التقاء عالم فنرسي بعالم ألماني له مغزاه، فو يقيم الدليل على الاتجاه التاريخي الجديد قد ملك زمام المستقبل”.

ـ 5 ـ

إننا لا نشاطر “بيرين” الأمل الذي يهدهده، إن المستقبل لا يمكن أن يكون ملك نظريات مبهمة مشوشة كنظريات “مونود” وبخاصة نظريات “لامبرخت”. ومن الملائم طبعاً الترحيب بالاتجاه القائل بأن موضوع التاريخ، بخاصة، إنما هو دراسة المؤسسات الاجتماعية والشرائط الاقتصادية. إن هذا العلم سيخطو خطوات واسعة إلى الأمام عندما يسود هذا الاتجاه نهائياً. ولكن “بيرين” يخطئ أولاًَ عندما يحسب أن هذا الاتجاه حديث العهد. لقد ظهر في ميدان العلوم التاريخية، عام 1850، أقطاب مثل غيزو وميني وأوغستان تييري وأخيراً توكفيل وغيرهم وكانوا الممثلين اللامعين لهذا الاتجاه في حين أن أفكار مونود ولامبرخت ليست إلا نسخة شاحبة عن أصل قديم ولكنه قيم ومرموق. ومن جهة ثانية، فمهما سمت أفكار غيزو وميني وبقية المؤرخين الفرنسيين فقد خلفت نقاطاً كثيرة يلفها الظلام. ولا نجد فيها جواباً دقيقاً وشافياً لمسألة دور الفرد في التاريخ. ومهما يكن من أمر فعلى علم التاريخ أن يجد حلاً لهذه المسألة إذا أراد ممثلو أن يتخلصوا من العصابة التي تحجب عنهم الرؤية، إن المستقبل سيكون رهن المدرسة التي ستقدم، فيما تقدمه، أفضل الحلول لهذه المسألة.

إن وجهات نظر غيزو وميني والمؤرخين الآبرين أتباع الاتجاه نفسه، إنما هي رد فعل للأفكار التي تناولت التاريخ والتي تميز بها القرن الثامن عشر، لقد كانت نقيض تلك الأفكار. وفي خلال القرن الثامن عشر كان هم المشتغلين بفلسفة التاريخ أو يردوا كل شيء إلى الفاعلية  الواعية للأفراد. صحيح أن هذه القاعدة كان لها بعض الاستثناءات فأفق فيكو ومونتسكيو وهردر[18] مثلاً كان أوسع مدى من ذلك. بيد أننا لا نتكلم على الاستثناءات لهذا نرى أن معظم مفكري القرن الثمن عشر كانوا يفقهون التاريخ على النحو الذي ذكرناه. واستناداً إلى وجهة النظر هذه نرى، من الشيق، معاودة قراءة الآثار التاريخية التي كتبها مابلي مثلاً. وتبعاً لما يقوله مابلي فإن مينوس هو الذي أوجد الحياة الاجتماعية والسياسية وحتى الأعراف نفسها لسكان جزيرة كريت، وأن ليكورغ أدى الخدمة نفسها بالنسبة للآسيدومون. ولئن كان الاسبارطيون “يزدرون الثروات” فما ذلك إلا بفضل ليكورغ الذي “دخل أفئدة المواطنين وخنق فيها جرثومة حب الثروة[19]”. وإذا كان الإسبارطيون قد انحرفوا عن الطريق التي خط معالمها لم الحكيم ليكورغ فما ذلك إلا نتيجة خطأ ليزاندر الذي أكد لهم “أن تغير الأزمان والمناسبات يتقاضاهم عبقرية وسياسية جديدتين”[20].

إن المؤلفات التي تمليها مثل هذه العقلية ليست لها أية صلة بالعلم. فهي تكتب كالمواعظ وغرضها استخلاص “الدروس الأخلاقية” وقد هب المؤرخون الفرنسيون في عهد الرستوراسيون (عودة الملكية) في وجه هذه المفاهيم. وبعد الأحداث الجسام التي اختتم بها القرن الثامن عشر أصبح من المستحيل، قطعاً، التصديق بأن التاريخ هو من صنع شخصيات يتفاوت حظها من القيمة والنبل والمعرفة، شخصيات توحي، وفق أهوائها، إلى كتلة جاهلة طيعة ببعض العواطف وبعض الأفكار. وفضلاً عن ذلك ففلسفة التاريخ تجرح كبرياء الطبقة الوسطى التي يتسم بها المنظرون البرجوازيون.إنهم ينصاعون للعواطف التي تبدت، ابتداءً من القرن الثامن عشر، لدى ظهور الدرامة البرجوازية. وحتى تمكن معارضة المدرسة التاريخية القديمة يستعيد تييري الأدلة والبراهين والحجج التي أتى بها بومارشي وآخرون غيره في معارضتهم المدرسة الجمالية القديمة[21] وأخيراً فإن الأعاصير التي عصفت بأرجاء فرنسا قد بينت بجلاء أن سياق الحوادث التاريخية أبعد من أن يحدد بعمل الرجال الواعي. وهذه الظروف كانت كافية لتهيئة الأفكار لأن تتقبل وقوع الحوادث وفق ضرورة ضمنية تعمل بصورة عمياء، شأن القوى الطبيعية، ولكن على توافق مع بعض القوانين التي لا محيص عنها.

ومما هو جدير بالملاحة، رغم أن أحداً لم يعره انتباهاً حتى الآن، هو أ، المفهوم الجديد عن التاريخ بوصفه ارتقاء تحكمه القوانين، قد طبق بدقة من قبل المؤرخين الفرنسيين، في عهد الرستوراسيون، وضمنوه مؤلفاتهم عن الثورة الفرنسية وهذا ما أظهرته مؤلفات مينيي وتييري.

إن شاتوبريان يصف المدرسة التاريخية الجديدة بالجبرية ويعدد في الموضوعات التي يثيرها ما يلي:

“على المؤرخ الآخذ بهذه الطريقة أن يروي الفواجع دون حقد أو غضب وأن يتكلم على الفضائل دون ميل أو هوى، وأن يرمق بعين الحيدة المجتمع وكأنه خاضع لبعض القوانين التي لا تقاوم والتي معها كل شيء وفقاً لما يجب أن يحدث[22]”.

إن هذا القول خطأ محض، فالمدرسة الجديدة لا تتقاضى المؤرخ مطلقاً أن يلتزم الحيدة إزاء الأحداث. إن أوغستان تييري يعلن بوضوح أن الميول السياسية، بشحذها ذهن الباحث، يمكن أن تساعده على اكتشاف الحقيقة[23]. ويكفي أن نتنقل في أرجاء المؤلفات التاريخية التي كتبها غيزو وتيير ومينيي حتى نلمس تعاطفهم الحار مع البرجوازية في صراعها ضد الارستقراطية، المدنية والدينية، وفي تصميمها على سحق مطالب البروليتاريا النامية. ومما لا جدال فيه أن المدرسة التاريخية الجديدة قد ظهرت بين عامي 1820 و1830، في الفترة التي غلبت فيها الارستقراطية على أمرها، على يد البرجوازية، وإن تكن لاتزال تحاول استعادة بعض امتيازاتها القديمة. ومن بين الاعتبارات التي أخذ بها هؤلاء المؤرخون نلمس الشعور بالفخر لظفر الطبقة التي ينتمون إليها. وبما أن البرجوازية لا تعرف مجاملة الفروسية في مناحي عواطفها، فإننا نعثر، كثيراً، في براهين أبرز علمائها، على قسوة في الحكم على المغلوبين. ويقول غيزو في كراس جدلي له: “إن الأقوى يمتص الأضعف وله الحق في ذلك”. ولكن موقفه من الطبقة العاملة ليس بأقل قسوة. إن هذه القسوة التي تتزين أحياناً بالحيدة هي التي أوقعت شاتوبريان في الخطأ. وعلاوة على ذلك لا نعلم كيف ينبغي فهم الصيرورة التاريخية في خضوعها للقوانين. وأخيراً يمكن أن تبدو المدرسة الجديدة آخذة بمبدأ الجبرية لأنها في محاولتها إثبات وجهة نظرها القائلة بأن التاريخ تسيره قوانين معينة قد قللت من اهتمامها بالشخصيات الكبيرة[24]. ويصعب الإقرار بذلك على أناس تشربوا الأفكار التي جاء بها القرن الثامن عشر عن التاريخ. ولهذا السبب ترامت الاعتراضات من كل جانب على هذه المدرسة التي انفرجت فيها ثغرة من التناقض لم تسد بعد كما سلفت الإشارة.

وفي كانون الثاني من عام 1826 كتب سانت بوف في مجلة “ليغلوب” بعد ظهور الجزأين الخامس والسادس من تاريخ الثورة الفرنسية لمؤلفه تيير بأن الإنسان، نتيجة المؤثرات التي يتعرض لها في كل وقت، قادر أن يدخل في سياق الأحداث، بقرار إرادي، قوة جديدة غير متوقعة من شأنها، في حالات كثيرة أن تعدل كثيراً في هذا السياق فتملي عليه وجهة أخرى. وهذه القدرة تتأبى على القياس لخصيصة التحول فيها.

ولا ينبغي أن يفهم أن سانت بوف يرى أن هذه القرارات الإرادية” تتم دونما أسباب تقتضيها. كلا، إن ذلك لدليل على السذاجة. وقصاراه الإشارة إلى أن الخصائص الثقافية والأخلاقية التي يتصف بها الإنسان والتي تلعب دوراً متفاوت الأهمية في الحياة العامة: (كمواهب الفرد ومعارفه وروح التصميم وعدم التردد والشجاعة أو الجبن لديه) لاتعدام أثراً ملموساً تحدثه في سياق الأحداث وخاتمتها. ولا تفسر هذه الخصائص بالقوانين العامة التي تحدد تطور الشعب فحسب ولكنها مدينة بوجودها دائماً وإلى درجة بعيدة، للفعل الذي تمكن تسميته: مصادفات الحياة الخاصة.

ولنورد بعض الأمثلة التي تصور هذه الفكرة والتي تبدو مع ذلك واضحة من تلقاء نفسها.

حدث في أثناء حرب وراثة النمسا أن أحرزت الجيوش الفرنسية انتصارات مؤزرة كان بوسع فرنسا معها أن تلزم النمسا بالتخلي عن قسم كبير من بلاد البلجيك الحالية، إلا أن لويس الخامس عشر لم يقتضها ذلك لأنه كان يحارب، على حد قوله، بصفته ملكاً لا تاجراً. ولكن لو كانت صفات لويس الخامس عشر على غير ما كانت عليه لأمكن أن تتسع رقعة فرنسا الأمر الذي يفضي إلى إحداث تعديل في سياق التطور الاقتصادي والسياسي لهذه البلاد.

ومن المعلوم أن فرنسا كانت، في أثنا حرب السنوات السبع حليفة النمسا، وكانت مدام بومبادور، كما يقال: تساهم، بدور فعال، في دفع فرنسا للاشتراك مع النمسا في حربها لأن مدام بومبادور املأت فخراً عندما وصفتها ماري تيريز، ذات المكانة السامية “بابنة العم” و”بالصديقة الوفية” وذلك في الرسائل التي كانت تبعث بها إليها. ويجوز القول بأن لويس الخامس عشر لو كان أكثر تماسكاً وتشدداً في أخلاقه وأقل استرسالاً واستسلاماً لمحظياته لما كان بوسع مدام بومبادور أن تقوم بمثل هذا التأثير في سياق الأحداث ولكان بالإمكان أن تأخذ وجهة أخرى.

ولنتابع: لقد كانت حرب السنوات السبع وخيمة العواقب على فرنسا وتكبد قوادها هزائم مخزية. وكان سلوكهم أبعث على الدهشة والاستغراب، إذ أطلق الدوق ريشيليو لنفسه العنان سلباً ونهباً وكان سوبيز وبروغلي يتنابذان بلا انقطاع. وهكذا عندما هاجم بروغلي العدو قرب ولينجنكهوس لم يحمل سوبيز بدوره كما كان متفقاً وكما كان ينبغي له أن يفعل فاضطر بروغلي أن يحارب وهو يتراجع[25]. وكانت مدام بومبادور، في ذلك الحين، تحامي عن سوبيز الذي أظهر عجزاً فاضحاً. وهنا يمكن القول أيضاً لو أن لويس الخامس عشر كان أقل اندفاعاً وراء شهوات وكانت محظاياته بعيدات عن الشؤون السياسية لما أمكن أن تأخذ الحوادث هذا الشكل المفجع بالنسبة إلى فرنسا.

ويؤكد المؤرخون الفرنسيون بأنه كان على فرنسا أن تتجنب الحرب في أوروبا وتوجه جهودها إلى البحار لتدافع عن مستعمراتها ضد إنجلترا، فإذا لم تكن قد فعلت ذلك فالخطيئة هي خيطئة مدام بومبادور الخالدة التي كانت تود أن تدخل السرور إلى قلب “صديقتها المخلصة” ماري تيريز. إن حرب السنوات السبع قد أفقدت فرنسا أفضل مستعمراتها، وقد ترك ذلك الحدث، ولا ريب، أعظم الأثر في تطور العلاقات الاقتصادية لهذا البلد. إن أثرة امرأة واحدة تبدو هنا وكأنها “عامل” مؤثر في التطور الاقتصادي.

هل ثمة حاجة إلى أمثلة أخرى؟ سنورد أيضاً مثالاً صارخاً مستمداً من حرب السنوات السبع نفسها. ففي آب عام 1761 تمكنت القوات النمساوية أن تتم اتصالها بالجيش الروسي في سيليزيا وتم لها أن تحتوي، ضمن هذا الطوق، فريدريك بالقرب من ستريغو. وكان وضع الملك البروسي ميؤساً ولكن الحلفاء تأخروا في مهاجمته، فبعد أن بقي بوتورلين[26]  أكثر من عشرين يوماً ساكناً لا يريم حراكاً أمام الخصم ترك سيليزيا نفسها ولم يبق إلا قسماً من قواته لدعم القائد النمساوي لودن. واحتل لودن مدينة شوويبيتز القريبة من معسكر فريدريك غير أن هذا النجاح ظل عديم الجدوى. فماذا كان يحدث لو كان بوتورلين أمضى عزيمة؟ أو لو هاجم الحلفاء فريدريك دون أن يتركوا له الوقت الكافي حتى يتحصن في معسكره؟ يجوز أن يسحق جيشه ويجبر على الخضوع لجميع مطالب الظافرين. وقد حدث ذلك لشهور خلت من وقوع حوادث غير مرتقبة منها موت الامبراطورة إليزابيت، وقد عدلت تلك الحوادث فجأة وبصورة عميقة الوضع القائم لمصلحة فريدريك. ولرب متسائل يقول: ما الذي كان يحدث لو أخذ مكان بوتورلين قائد أكثر حزماً كسوفوروف[27] مثلاً.

ويورد سانت بوف في معرض تحليله آراء المؤرخين “الجبريين” فكرة ثانية خليقة بأن تسترعي انتباهنا. ففي مقالته المشار إليها عن كتاب تاريخ الثورة الفرنسية لميني يميل إلى الإفصاح عن أن سير الثورة الفرنسية ومآلها لم يكونا منوطين بالأسباب العامة التي اكتنفتها فحسب وبالميول والأهواء التي أهاجتها بدورها، ولكنها كانت مشروطة أيضاُ بمجموعة من الحوادث الجزئية التي تستعصي على انتباه المؤرخ، وهي إذا صح القول ليست معدودة من جملة الأحداث الاجتماعية. وقد كتب في هذا المعنى مبيناً أنه بينما كانت تلك الأسباب “العامة” تعمل عملها من حيث الأثر والسياق لم تكن القوى الطبيعية والفيزيولوجية معلقة بلا عمل فقد حافظ الحجر على ثقله النوعي والدم على جريانه في العروق. فلو لم تود تلك الحمى اللاهبة بميرابو ولو أن آجرة أو انفجاراً دماغياً أودى بحياة روبسبير أو أن رصاصة أصابت بونابرت أفلا يتغير وجه الأحداث؟ أو كان بالمستطاع أن يظل اتجاهها ضمن النهج الذي أخذته دون تغيير؟ وهل نجرؤ على الجزم بأن الخاتمة ستكون هي نفسها؟ ونتيجة لوجود عدد كاف من المصادفات المماثلة يمكن للنتيجة أن تجيء على غير الشكل المحتوم الذي يدعيه بعضهم. ومن حقنا قبول هذه المصادفات لأنها لا تستبعد الأسباب العامة التي نجمت عنها الثورة ولا الأهواء التي احتوتها تلك الأسباب.

ثم يذكر المثال المعروف عن أنف كليوبترا فلو كان أقصر قليلاً مما كان عليه لتغيير وجه العالم. وحتى يصل إلى نتيجة، مع اعترافه بأن العديد من البراهين تدور في صالح النص الذي أورده مينيي. يشير إلى أن خطأ مينيي راجع إلى اعتباره عمل الأسباب العامة وحده هو الباعث على نتائج ساهمت في إيجادها جملة من الأسباب المغمورة الغامضة التي تصعب الإحاطة بها. إن تفكيره الصلب يبدو وكأن يرفض الإقرار بوجود شيء لا يرى له نظاماً أو قانوناً.

ـ 6 ـ

هل تقوم اعتراضات سانت بوف على أساس؟ إنها تنطوي على جانب من الحقيقة، ولكن ما هو هذا الجانب؟ لا بد لإبرازه من تفحص الفكرة القائلة بأن الإنسان كفوء “بقرار إرادي” لأن يدخل على سياق الأحداث قوة جديدة تستطيع تعديلها بشكل ملحوظ. وقد قدمنا آنفاً عدة أمثلة تبدو كافية لتوضيح ما رمينا إليه. فنتأمل.

لا أحد يجهل أن قدرة فرنسا العسكرية، في زمن لويس الخامس عشر، ما انفكت تتدنى باطراد. وقد لاحظ هنري مارتان أن الجيوش الفرنسية، في أثناء حرب السنوات السبع، كانت تجرد خلفها أرهاطاً من المومسات والتجار والخدم وتضم من جياد الجر والنقل ثلاثة أضعاف ما تضمه من جياد الركوب. ووضعها هذا يذكر إلى حد بعيد بعصائب داريوس واكسيركيس أكثر مما يذكر بجيوش تورين وغوستاف أدولف[28]. وقد كتب أرشينهولتز في تاريخه، عن حرب السنوات السبع أن الضباط الفرنسيين غالباً ما كانوا يبارحون مراكزهم ليذهبوا على القصبات ويرقصوا هناك. وكانوا لا ينفذون أوامر رؤسائهم إلا عندما يروق لهم ذلك. وهذه الحالة المؤسفة إنما ترد إلى انحطاط طبقة الأشراف التي مازالت متمكنة من ناصية المناصب الهامة في الجيش كما يعود إلى الفوضى الشاملة التي كانت تلازم “النظام القديم هذا النظام الذي يسير بخطى حثيثة نحو الكارثة”. فهذه الأسباب العامة، بمفردها، كافية لأن تجعل حرب السنوات السبع تسير في غير صالح فرنسا. ولكن منالمؤكد أن قصور القواد أمثال سوبيز كان من شأنه أن يزيد في احتمالات الهيزمة التي لحقت بفرنسا والتي تبتعثها الأسباب العامة. وبما أن سوبيز مدين بمنصب القيادة لمدام بومبادور فعلينا الاعتراف بأن المركيزة، المأخوذة بالخيلاء، كانت أحد “العوامل” التي زادت من فعل الأسباب العامة ذات الأثر المفجع بالنسبة لفرنسا في حرب السنوات السبع.

والنفوذ الذي كانت تتمتع به المركيزة دي بومبادور لم يكن راجعاً إلى قوتها وحدها وإنما كان ناجماً عن سلطة الملك الراضخ لمشيئتها. وهل يمكننا القول بأن خلال لويس الخامس عشر كانت ما هي عليه، ضرورة، بالنظر للسياق العام الذي أخذه تطور العلاقات الاجتماعية في فرنسا؟ قطعاً لا. إن السياق التاريخي سيظل ماضياً في نهجه، ويجوز أن يشغل مكان لويس الخامس عشر ملك آخر لا يؤثر النساء إيثاره لهن، ولعل سانت بوف يقول عندئذ بأن ذلك قد تم نتيجة لفعل الأسباب الفيزيولوجية الغامضة، وسيكون على حق في ما يقوله. وإذا كان الأمر كذلك فمن طبائع الأمور أن مجرى حرب السنوات السبع وخاتمتها قد أثرتا في تطور فرنسا الاقتصادي، هذا التطور الذي كان من شأنه أن يأخذ وجهة أخرى فيما لو أن حرب السنوات السبع لم تحرم  فرنسا من معظم مستعمراتها.

ولكن ألا تتعارض هذه النتيجة مع الفكرة القائلة بأن التطور الاجتماعي يتم وفق قوانين محددة؟

الجواب قطعاً: لا، فمهما بدا فعل الخصائص الفردية، في الحالة المذكورة آنفاً، ثابتاً لا ينازع فيه، فمما لا ينازع فيه أيضاً أن هذا الفعل لا يمكن أن يتحقق إلا في شروط اجتماعية محددة. وبعد هزيمة “روسباخ” بلغ حنق الفرنسيين على حامية سوبيز مبلغاً لا حدود له. وكانت تتلقى كل يوم عدداً من الرسائل المغفلة المليئة بالسباب والتهديد. وقد أثر ذلك في مدام بومبادور وحرمها الرقاد[29] ومع ذلك فلم تكف عن حماية سوبيز، وقد أشارت عام 1762 في رسالة بعثت بها إليه إلى أنه لم يحقق الآمال المعقودة عليه وتضيف إلى قولها هذا ما نصه: “لا تخش شيئاً سأرعى مصالحك وسأحاول أن أعيد الصفاء بينك وبين الملك”[30].

وهكذا نراها لا تكترث للرأي العام فلمَ كل ذلك؟ من الثابت أن مرد ذلك يرجع إلى أن المجتمع الفرنسي، آنئذ. لم تكن لديه الوسائل الكفيلة بإرغامها على الاكتراث له. ولكن لماذا لم يستطع المجتمع الفرنسي أن يحملها على الاكتراث له؟ لقد حال دون ذلك تكوين المجتمع الفرنسي الذي يرجع بدوره إلى علاقة القوى الاجتماعية القائمة في فرنسا يومئذ. ويتضح، بالتالي، بهذه العلاقة، لماذا أمكن لشخصية لويس الخامس عشر ولرغائب محظياته أن تترك أثراً مفجعاً في مصير فرنسا. ولو أن هذا الاستسلام للنساء كان خصيصة من خصائص الطباخين أو السواس في البلاط لا خصيصة من خصائص الملك نفسه لما كان له أي أثر تاريخي. ومن الجلي أننا لا نهتم لهذا الضعف إلا بقدر المكانة الاجتماعية التي يشغلها من ابتلي فيه. ويدرك القارئ أن هذا التعليل يمكن أن ينطبق على جميع الأمثلة الواردة آنفاً. ويكفي أن يبدل ما ينبغي تبديله كأن يضع “روسيا” مكان “فرنسا” و”بوتورلين” مكان “سوبيز”…الخ وعلينا ألا نعيد ما سبق بيانه.

ونخلص إلى أن الأفراد، بفضل الخصائص والميزات التي يتمتعون بها يمكنهم أن يؤثروا في مصير المجتمع. ويمكن أن يكون أثرهم شديداً إلا أن إمكان هذا التأثير وكذلك الساعة أو مداه محددان بتنظيم المجتمع وبعلاقات القوى الاجتماعية. إن سجايا الفرد ليست “عاملاً” من عوامل التطور الاجتماعي إلا بمقدار ما تسمح العلاقات الاجتماعية بذلك ويبقى هذا العامل ما سمحت به هذه العلاقات وبالشكل الذي تبيحه.

من الممكن أن يتعرض علينا بأن الأثر الذي يحدثه الفرد إنما يعود إلى مواهبه! نحن على وفاق في الرأي غير أن الفرد لا يستطيع إبراز مواهبه إلا عندما يحتل في المجتمع مكاناً يتيح له ذلك. فلماذا وجد مصير فرنسا نفسه في يد رجل تنقصه الأهلية اللازمة وتنعدم فيه الرغبة لتكريس نفسه للصالح العام؟ إن ذلك يرد إلى التنظيم الاجتماعي، فالتنظيم الاجتماعي هو الذي يحدد، في كل حين، الدور وبالتالي الأهمية الاجتماعية التي يمكن أن توسد إلى بعض الشخصيات الموهوبة أو عديمة الأهلية.

ولكن إذا كان دور الفرد مرتهناً بالتنظيم الاجتماعي فأنى للتأثير الاجتماعي، المشروط بهذا الدور، أن يناقض الفكرة القائلة بأن التطور الاجتماعي يسير وفق قوانين ثابتة؟ إن هذا الدور لا يتعارض والمفهوم المشار إليه وإنما هو وجه من أوجه التعبير الصارخة عنه.

وتجدر الإشارة إلى أن إمكان تأثير الفرد في المجتمع، هذا الإمكان الذي يحدده التنظيم الاجتماعي، يفتح الباب واسعاً أمام تأثير ما يسمى المصادفات على المصير التاريخي للشعوب. إن شهوانية لويس الخامس عشر كانت نتيجة ضرورية لتكوينه الشخصي، ولكن ذلك، بالقياس إلى السياق العام للتطور الفرنسي، كان مجرد مصادفة. ومع ذلك فقد ترك هذا التكوين الشخصي أثره في مستقبل فرنسا وكان أحد الأسباب التي حددت هذا المستقبل. إن موت “ميرابو”، كان بالبداهة، نتيجة تطور مرضي يخضع لقوانين الطبيعة، ولكن ضرورة هذا التطور لا علاقة لها بسير التطور العام في فرنسا. لقد نجم الموت عن بعض الصفات التي تتميز بها البنية العضوية لذلك الخطيب المفوه وللشروط الفيزيائية التي تسرب، من خلالها، الداء إليه. وهذه الصفات وهذه الأسباب لا تعدو كونها مجرد مصادفات بالقياس إلى سير التطور العام لفرنسا. ومع ذلك فقد ترك موت “ميرابو” أبلغ الأثر في سياق الثورة اللاحق، وينبغي إدراجه في عداد الأسباب التي استدعت تلك الثورة.

إن عمل الأسباب العرضية لأيرزوابين في المثل المضروب عن “فريدريك” الذي نجا من المأزق الذي وقع فيه نتيجة تردد “بوتورلين”. ولكن تسمة “بورتورلين”، بالنسبة إلى التطور العام لروسيا، لا يعد وكونه أمراً عرضياً، بالقدر الذي سلفت الإشارة إليه، وبدهي أن هذه التسمية لم تكن لها أية علاقة بالسياق العام لتطور بروسيا. ومع ذلك فثمة ما يدعو للافتراض بأن تردد “بوتورلين” هو الذي أنقذ “فريدريك”. ولو كان “سوفوروف” مكان “بوتورلين” لأمكن أن يبدل هذا من تاريخ بروسيا. وتبعاً لذلك نرى أن مصائر الأمم مرتهنة بالمصادفات التي يمكن أن نسميها مصادفات من الدرجة الثانية. كان هيجل يقول:

“كل ما هو قام ينطوي على عنصر من عناصر المصادفة”.

ففي مجال العلم لا ينصرف اهتمامنا إلا إلى الشيء “التام” لهذا يمكننا القول بأن جميع ظاهرات التطور التي يدرها العلم تنطوي على عنصر من عناصر المصادفة. ولكن ألا ينفي ذلك إمكان المعرفة العلمية للحوادث؟ قطعاً لا، لأن المصادفة ظاهرة نسبية، فهي لا تبدو إلا في نقاط التقاطع التي تتصالب فيها ظاهرات التطور الضرورية. إن ظهور الأوروبيين في أمريكا كان بالنسبة إلى سكان المكسيك والبيرو مجرد مصادفة بمعنى أنه لم يتأت عن التطور الاجتماعي لتلك البلاد. غير أن الشغف بخوض البحار، هذا الشغف الذي استحوذ على الأوروبيين في الغرب، في نهاية القرون الوسطى، لم يكن مصادفة وكذلك السهولة التي كانت قدرة الأوروبيين تحطم بها مقاومة السكان الأصليين. ولم تكن نتائج فتح المكسيك والبيرو من قبيل المصادفات لأنها نجمت عن محصلة قوتين: الوضع الاقتصادي للبلاد المحتلة، من جهة، والوضع الاقتصادي للفاتحين من جهة أخرى. وهاتان القوتان ومحصلتهما يمكن أن تكون موضوع دراسة علمية دقيقة.

إن المصادفات التي رافقت حرب السنوات السبع تركت أبلغ الأثر في تاريخ بروسيا. غير أن هذا التأثير، لو وقع في مرحلة أخرى من مراحل تطورها، لأمكن أن ينتهي إلى نتائج أخرى. وهنا أيضاً كانت نتائج المصادفات محددة بمحصلة قوتين: الحالة الاجتماعية والسياسية التي تسود بروسيا، من جهة، وحالة الدول الأوروبية التي كانت تبسط نفوذها عليها، من جهة أخرى. وهنا أيضاً نجد أن عامل المصادفة لا يحول دون القيام بدراسة علمية للظاهرات.

نحن نعلم الآن أن الأفراد يتركون غالباً أبلغ الأثر في مصير المجتمع، غير أن هذا الأثر إنما تحدده البنية الداخلية لهذا المجتمع وموقع هذا المجتمع من المجتمعات الأخرى. ولكن هذه الفكرة لا تستنفد مسألة دور الفرد في التاريخ، وعلينا الآن تناول الموضوع من منحى آخر.

لقد كان “سانت بوف” يحسب أن جملة من بسائط الأسباب الغامضة، تشاكل الأسباب التي ألمع إليها، يمكنها أن تهيء للثورة الفرنسية نتيجة مناقضة للنتيجة المعروفة.وذلك خطل فاح. وبالغاً ما بلغ تداخل الأسباب السيكولوجية والفيزيولوجية البسيطة فلم يكن بمستطاعها أن تستبعد الحاجات الاجتماعية الجسيمة التي اكتنفت الثورة الفرنسية. وطالما أن هذه الحاجات لم تلب فما كان بمقدور الثورة أن يهدأ لها أوار في فرنسا. وحتى يمكن لهذه الحركة أن تؤول إلى نتائج مغايرة لما هو معروف، كان حتماً عليها أن تحل مكان الحاجات الراهنة حاجات جديدة مغايرة لها. وبدهي أن أي اجتماع لتلك البسائط من الأسباب لا يمكن أن يوجد تلك الحاجات.

لقد قامت دواعي الثورة الفرنسية على طبيعة العلاقات الاجتماعية نفسها بينما بسائط الأسباب التي يفترضها “سانت بوف” لا يمكن أن تكمن إلا في الخصائص الفردية التي يتصف بها الأفراد. وفي واقع ما بلغته قوى الإنتاج يكمن السبب الأول للعلاقات الاجتماعية، وهي لا ترتهن بالخصائص الذاتية، لهذا الفرد أو ذاك، إلا بمقدار ما يكون هؤلاء الأفراد أقدر على إحكام الفن التطبيقي والإتيان بالمخترعات والمبتكرات. وليست هذه الخصائص هي كل ما فكر فيه “سانت بوف”، ولكن ما من خصيصة أخرى، يمكن استحضارها، بقادرة أن تؤثر مباشرة في حالة القوى المنتجة، وبالتالي في العلاقات الاجتماعية التي تحدد وجودها أي في العلاقات الاقتصادية التي تبتعثها. وبالغاً ما بلغت الخصائص الفردية لشخص ما فليس بإمكانه أن يلغي العلاقات  الاقتصادية القائمة إذا كانت تلك العلاقات تتوافق وحالة القوى المنتجة.

إن خصائص الفرد الشخصية تجعل صاحبها أقدر على تحقيق الحاجات الاجتماعية الناشئة عن العلاقات الاقتصادية القائمة أو معارضتها. وهكذا كانت  فرنسا، من الوجهة الاجتماعية، بحاجة قصوى، في نهاية القرن الثامن عشر، لأن تحل مكان المؤسسات السياسية البائدة مؤسسات أخرى أكثر انطباقاً على نظامها الاقتصادي الجديد. إن أنجع رجال السياسة المرموقين، في ذلك الحين، هم الذين استطاعوا، أكثر من سواهم، الإسهام في تحقيق هذه الحاجة الملحة. ولنسلم بأن “ميرابو” و”روبيسبير” و”بونابرت” كانوا من هذا النفر من الناس، فما الذي كان يحدث لو أن الموت المبكر لم يختطف “ميرابو” ويقصه عن مسرح السياسة؟ أكان الحزب الملكي الدستوري يستمر طويلاً محافظاً على قوته؟ وهل كانت مقاومته للجمهوريين تشتد عنفاً واحتداماً؟ تلكم هي المسألة. ما من “ميرابو” في الدنيا كان بوسعه أن يحول دون ظفر الجمهوريين. إن قوة “ميرابو” تكومن في تأييد الشعب له وثقته به. والشعب يريد الجمهورية والبلاط يستثيره بإصراره على الدفاع عن النظام القديم، وعندما يحيط الشعب علماً ويقتنع بأن “ميرابو” لا يوافقه في نزعاته الجمهورية فسوف يكف عن تأييده، ومن المحتمل أن يفقد هذا الخطيب المفوه كل نفوذه قبل أن يصبح، بلا ريب، ضحية من ضحايا الحركة التي جاهد عبثاً لإيقافها.

ويصدق هذا القول أو ما يقاربه على “روبيسير”. ولنفترض أنه كان من حزبه على جانب من القوة لا يمكن أن تتوافر لشخص سواه. ولكن ذلك لم يكن ليجعله قوة الحزب كلها. فلو أنه قتل في كانون الثاني من عام 1793 نتيجة لسقوط آجرة عليه، لحل مكانه شخص آخر حتى ولو كان دونه من عدة وجوه، ولن تكف الأحداث عن السير وفاق ما كانت ستصير إليه وفي الاتجاه نفسه. وما كان بمقدور الجيروندين، حتى في هذه الحالة، تحامي الهزيمة التي حاقت بهم، ويمكن أن يفقد حزب روبيسبير السلطة في زمن أقصر، وعندئذ ما كنا نتحدث عن الحركة الانقلابية التي جرت في شهر ترميدور بل كان بوسعنا أن نتحدث عن الحركة الانقلابية التي جرت في شهر فلوريال أو بريليال أو مسيدور. وقد يوجد من يقول بأن “روبسبير” في حركته الإرهابية الصاخبة كان أبعد من أن يؤخر في سقوط حزبه بل لعله كان قد عجل فيه. ونحن هنا لا نناقش هذا الاحتمال ولنفترض أنه يقوم على دعائم راسخة. وفي هذه الحالة يتم سقوط حزب روبسبير لا في شهر ترميدور بل في شهر فريكتيدور أو فنديمير أو برومير. وسيتم سقوطه عاجلاً أو آجلاً. وكان ذلك أمراً مقضياً لأن طبقات الشعب التي كان يرتكز عليها هذا الحزب لم تكن مهيأة لأن تمكث في الحكم طويلاً. وعلى كل حال فلا يمكن الكلام هنا على نتائج “مناقضة” للنتائج التي أسهم عمل روبسبير العنيف في إيجادها.

ولا يزيد على ذلك افتراضنا أن رصاصة قضت على حياة نابليون في معركة “أركول”. إن ما قام به في معارك إيطاليا وغيرها كان بوسع قواد آخرين أن يقوموا به. وقد يتحقق ذلك بمواهب أدنى نسبياً دون أن يستتبع إحراز انتصارات مؤزرة. غير أن الجمهورية الفرنسية كانت ستخرج ظافرة، على كل حال، من الحروب التي خاضتها، لأن جنودها كانوا أفضل جنود أوروبا قاطبة. وأما ما يتعلق بانقلاب 18 برومير وأثره في حياة فرنسا الداخلية فنجد، هنا أيضاً ووفقاً للاحتمالات كافة، بل أن السياق العام والنتائج الناجمة عن الأحداث، ستكون، من حيث الأساس، النتائج نفسها التي تمت تحت حكم نابليون. إن الجمهورية التي تلقت الضربة القاضية في 9 ترميدور كانت سبيلها الاحتضار البطيء. وستعجز حكومة الإدارة (الديركتوار) عن إقرار النظام وهو ما ترومه البرجوازية قبل كل شيء بعد أن خلعت نير الأنظمة الأخرى. وكان يلزم لاستتباب النظام “سيف ماض” على حد تعبير “سييز”. وفي سبيل إيجاد هذا “السيف المحسان” انصرف التفكير إلى جوبيرت ولكن جوبيرت قتل في “نوفي” فجرت على الألسنة أسماء مورو ومكدونالد وبرنادوت[31]، ولم يذكر اسم نابليون إلا مؤخراً. ولو أن نابليون قتل كجوبيرت لما كان موضع بحث ولكان عثر على “سيف” آخر.

وغني عن القول أن الرجل الذي توصله الأحداث إلى مقام الديكتاتورية يترتب عليه أن ينزعه، بلا هوادة، إلى السلطة وأن يدوس ويسحق، دون رحمة أو شفقة، كل من يقف في طريقه. وكان بونابرت يتمتع بإرادة حديدية ولا يدخر وسعاً للوصول على أهدافه. ولكنه لم يكن أوحد ع صره في الأنانية والقدرة والمواهب والطموح. والمكان الذي نجح في إشغاله لم يكن بالمقدر له أن يظل شاغراً.

ولنفترض أن قائداً آخر تسنم هذا المنصب وكان أكثر إيثاراً للسلم ولم يؤلب عليه أوروبا. ثم قضى نحبه في قصر التويلري بدلاً من جزيرة سانت هيلين، وعندئذ ما كان بمقدور آل بوربون أن يعودوا إلى فرنسا. وهذه النتائج، بالنسبة إليهم، تغدو مغايرة لما حدث فعلاً.. أما إذا أخذت القضية بالنسبة إلى سياسة فرنسا الداخلية، فلن تختلف النتائج عما تم فلاً إلا بالقدر اليسير. لأن هذا “السيف الماضي” بعد أن يستتب النظام وتتأكد سيطرة البرجوازية، لا يلبث أن يتعبها مدفوعاً باستبداديته وبالعادات المستحكمة في نفسه من حياة الثكنات. وعندئذ تقوم حركة ليبرالية كالتي حدثت في عهد “الرستوراسيون” ويشتد النضال شيئاً فشيئاً. وبما أن “السيوف المواضي” تفتقر إلى المرونة فمن المحتمل أن يرقى “لويس فيليب” الفاضل عرش أبناء عمومته الأعزاء لا في عام 1830 وإنما في عام 1820 أو في عام 1825. وهذه التغيرات التي تطرأ على سياق الأحداث كان من شأنها أن تؤثر، إلى درجة ما، في الحياة السياسية الداخلية لأوربا وبالتالي في حياتها الاقتصادية. ولكن النتيجة النهائية لم يكن بمقدورها، بأي شكل، أن تجيء “مناقضة” لما حدث. ويمكن للأفراد ذوي النفوذ، بفضل الخصائص الفكرية وبفضل صفاتهم الذاتية، أن يعدلوا في الملامح التي تتلبسها الأحداث وبوسعهم أيضاً تغيير بعض نتائجها الخاصة. ولكنهم لا يستطيعون تغيير الاتجاه العام المحدد بقوى أخرى.

ـ 7 ـ

وهاكم أيضاً ما تجب ملاحظته.

إننا، في مناقشتنا دور الرجال العظام في التاريخ نقع فريسة خطأ في التقدير نرى من المفيد استرعاء انتباه القارئ إليه.

عندما أخذ نابليون علا عاتقه القيام بدور “السيف الماضي” المدعو إلى إنقاذ النظام الاجتماعي نحى عن القيام به جميع القواد القادرين على إتيان ما فعله بما يماثله أو يقاربه. وعندما دعت الحاجة الاجتماعية لديكتاتور عسكري أوحد، صلب العود، حالت الهيئة الاجتماعية دون إشغال هذا المكان من قبل القواد العسكريين الآخرين الموهوبين. ومنذ ذلك الحين حالت قوة هذه الهيئة دون ظهور مواهب من الطراز نفسه. ومن هذه الناحية جاء خطأ التقدير الذي ألمعنا إليه. إن قدرة نابليون الشخصية تبدو لنا مبالغاً فيها كثيراً لأننا ننسب إليه كل القوة الاجتماعية التي دفعت به إلى المكان الأول وأيدته بدعمها. ولئن تبدت لنا قدرته الشخصية خارقة، فما ذلك إلا لأن القدرات الأخرى لم يقيض لها أن تخرج من عالم القوة إلى عالم الفعل. وعندما يطرح هذا السؤال: ما الذي كان سيحدث لو لم يظهر نابليون؟ تتيه مخيلتنا في تأملاتها وتتراءى لنا الحركة الاجتماعية التي ترتكز عليها قوته مستحيلة التحقق بدونه.

في تاريخ التطور الثقافي للإنسانية يغدو من الندرة بمكان أن يطمس نجاح فرد المعية فرد آخر. ونحن، دواليك، عرضة للخطأ في التقدير الذي نوهنا به. فعندما يطرح الوضع الاجتماعي أمام ذوي الفكر ا لناطقين باسمه جملة من المهام تجتذب هذه المهام انتباه بقية الأدمغة المفكرة حتى تتحقق. وعندما تتحقق ينصرف انتباههم إلى مواضيع أخرى. وحينما ينجز الشخص الموهوب (آ) المهمة (س) ينصرف انتباه الشخص (ب) إلى مهمة أخرى هي (ع). وعندما يطرح هذا السؤال: ما الذي كان يحدث لو أن (آ) قضى نحبه قبل أن ينجز المهمة (س) فقد يتخيل المرء، لأول وهلة، أن سمط التطور الفكري قد انفرط عقده، وننسى أن موت (آ) يجعل (ب) أو (ج) أو (د) يأخذ كل منهم على عاتقه إتمام هذه المهمة. وبذلك يستمر عقد التقدم بالرغم من موت (آ) السابق لأوانه.

وثمة شرطان لا بد من توافرهما حتى يتمكن شخص موهوب، يتمتع بخلال معينة، منم أن يحدث بواسطتها تأثيراً عميقاً في سياق الأحداث. ينبغي لهذا الشخص، أولاً، أن يستجيب، بفضل مواهبه، أكثر من سواه لحاجات الزمن الاجتماعية. وبدهي أن نابليون لم يكن بمقدوره أن يصبح امبراطوراً فيما لو أوتي بدلاً من العبقرية العسكرية عبقرية موسيقية كبتهوفن. وينبغي ثانياً ألا يقف النظام الاجتماعي القائم عائقاً أمام الفرد الحائز على الأهلية التي تستدعيها الفترة الزمنية المعينة. ولو أن النظام القديم استمر خمساً وسبعين سنة أخرى لما زاد اعتبار نابليون بعد موته عن كونه لواء مغموراً أو بالأحرى العميد نابليون[32]. وفي عام 1789 كان القواد “دافو” و”ديزي” و”مارموت” و”مكدونالد” برتبة ثانية وكان “برنادوت” برتبة رقيب. وكان “هوش” و”مارسو” و”ليفيفر” و”بيشفر” و”ناي” و”مسينا” و”مورا” و”سولت” في عداد صف الضباط. وكان “أوجيرو” مدرباً في لعبة المبارزة بالسلاح و”لان” صباغاً و”غوفيون سان سير” ممثلاً و”جوردان” بائع حوائج نسائية و”بيسبير” حلاقاً و”برون” طوبوغرافياً و”جوبيرت” و”جينو” طالبين في كلية الحقوق و”كليبر” مهندساً معمارياً. ولم يكن “مورتيه” قد أدى بعد خدمته العسكرية في الجيش[33].

ولو أن النظام القديم قد امتد إلى يومنا لما كان ليدور في خلد أحد منا أن الممثلين والطوبوغرافيين والحلاقين والصباغين والطلاب في معهد الحقوق وبائعي أدوات الزينة، سيصبحون من العسكريين البارزين وأصحاب النفوذ في فرنسا وفي نهاية القرن الماضي[34].

لقد لاحظ ستندال أن رجلاً ولد في السنة التي ولد فياه “تتين” أي عام 1477، بوسعه، خلال أربعين سنة، أن يكون معاصراً “لرافييل” الذي توفي عام 1520 و”لينارد دي فنسي” المتوفى عام 1519، وأن يقضي سنين طوالاً مع “كورييج” المتوفى عام 1534 و”ميكيل انج” المتوفى عام 1563، ولن يزيد عمره عن 34 سنة عند وفاة “جيورجيون” ويمكنه أن يتعرف على “تنتوري” و”باسانو” و”فيرونيز” و”جول رومان” و”اندريا ديل سورتو”، وباختصار يجوز أن يصبح معاصراً لمشاهير الرسامين الإيطاليين ما خلال المنتسبين منهم إلى مدرسة “بولوني” والذين ظهروا بعد مضي قرن من ذلك التاريخ. وبالمقابل يمكننا القول أن شخصاً ولد في السنة نفسها التي ولد فيها “رومان” كان بوسعه أن يتعرف على جميع مشاهير الرسامين الهولنديين[35] وأن شخصياً له مثل عمر شكسبير كان بمقدوره أن يكون معاصراً لمجموع المسرحيين العظام[36].

ولو لوحظ منذ زمن بعيد أن الرجال الموهوبين يظهرون حيثما تكون الشروط الاجتماعية ملائمة لنموهم وهذا يعود بنا إلى القول بأن كل موهبة تظهر، أي تصبح قوة اجتماعية، لهي ثمرة العلاقات الاجتماعية. وعندئذ نستطيع أن ندرك، كما قلنا، لماذا لا يتمكن الرجال الموهوبون إلا تعديل السمة الخاصة للأحداث لا السياق العام لها. ذلك أن هؤلاء الرجال أنفسهم لا يوجدون إلا بفضل هذا السياق العام، ولولاه لما كان بمستطاعهم أن يتخطوا العتبة التي تفضل الممكن عن الواقع.

ومما لا ريب فيه أن ثمة موهبة وموهبة وقد قال “تين” بحق[37]:

“عندما تدفع حضارة جديدة فناً جديداً في طريق التطور. يتوافر عشر من الموهوبين الذين يعبرون نصف تعبر عن الفكرة العامة ويحتويها إثنان أو ثلاثة من العباقرة الذين يعبرون عنها بتمامها”.

“عندما تدفع حضارة جديدة فناً جديداً في طريق التطور. يتوافر عشرة من الموهوبين الذين يعبرون نصف تعبير عن الفكرة العامة ويحتويها إثنان أو ثلاثة من العباقرة الذين يعبرون عنها بتمامها”.

وإذا ما عملت أسباب آلية أو فيزيولوجية، لا علاقة لها بالمسيرة العامة للتطور الاجتماعي والسياسي والثقافي في إيطاليا، على قتل “رافاييل” و”ميكيل انج” و”ليونارد دي فنسي” في المهد فلابد أن ينتقص ذلك من كمال الفن الإيطالي. ولكن اتجاهه العام، في فترة عصر النهضة، كان سيظل على نهجه، لأن هذا الاتجاه لم يوجده “رافاييل” أو “ميكيل انج” أو “ليونارد دي فنسي” وإنما كانوا التراجمة الصادقين عنه. ولا ريب في أن كل مدرسة تنبثق عن شخص عبقري تحمل أتباعه على أن يبذلوا قصارى جهدهم ليمتلكوا أقل طرائقها شأناً. ولئن طوى الموت مبكراً “رافاييل” و”ميكيل انج” و”ليونارد دي فنسي” فلابد أن يترك موتهم نقصاً في الفن الإيطالي الملازم لعصر النهضة يؤثر بدوره، وبشدة، في عدد من الخصائص الثانوية التي يشتمل تاريخه عليها. غير أن هذا التاريخ ما كان ليتبدل إذا لم تتم، خلال التطور الثقافي لإيطاليا، تغيرات ترجع إلى الأسباب العامة.

ومما لا شك فيه أن الفروق الكمية تنتهي إلى أن تصبح فروقاً نوعية. وهذا المبدأ يصدق في كل مكان وآن وهو يصدق على التاريخ نفسه أيضاً. أن تياراً فنياً لا يمكن أن يخلف أثراً بيناً إذا كان تضافر الشروط غير الملائمة من شأنه أن يودي بعدد من الأشخاص الموهوبين، الواحد تلو الآخر، وكان مقدراً لهم أن يعبروا عنه. ولكن موتهم المبكر لا يمنع هذا التيار من أن يجد تعبيراً له، إلا إذا كان مدى عمقه قاصراً عن استشارة مواهب جديدة. وكما أن العمق الملازم لكل اتجاه أدبي أو فني يتحدد بمقدار ما يبلغه من مدى بالنسبة إلى الطبقة أو الفئة الاجتماعية التي يعبر عن أذواقها وبالدور الاجتماعي المعد لهذه الطبقة أو هذه الجماعة، فلا بد له أن يرجع كل شيء، في نهاية التحليل، إلى سير التطور الاجتماعي وعلاقة القوى الاجتماعية.

ـ 8 ـ

وهكذا فالخصائص الفردية التي يتصف بها الرجال العظام تحدد السمة الخاصة للأحداث التاريخية. والمصادفة، بالمعنى الذي أخذنا به، تلعب دوراً ما في سياق هذه الأحداث التي تحدد الأسباب العامة، في النهاية، اتجاهها، أي تطور القوى المنتجة وبالتالي العلاقات التي تقوم بين الناس وتحددها هذه القوى.

إن الظاهرات الناجمة عن المصادفة والخصائص الفردية التي يتسم بها الرجال البارزون لهي أظهر وأبين من الأسباب العامة التي يقتضي كشفها الغوص في الأعماق. إن القرن الثامن عشر كان قليل الاهتمام بهذه الأسباب العامة، لهذا اعتمد تفسيراً للتاريخ السلوك الواعي و”أهواء” الشخصيات التاريخية. وكان فلاسفة هذا القرن يجزمون بأن التاريخ كله كان سيأخذ وجهة أخرى نتيجة لأضأل الأسباب شأناً فيما لو أن “جوهراً فرداً” راح يمرح في دماغ حاكم ما. وتلكم هي فكرة طالما ترددت في سعر نظام الطبيعة.

إن الزائدين عن الاتجاه الجديد في العلوم التاريخية يميلون إلى القول بأنه، رغم جميع “الجواهر الأفراد” لا يمكن للتاريخ أن يشق له طريقاً غير التي سار خطاها. وهم في سعيهم لاستجلاء عمل الأسباب العامة، جهد المستطاع، أغفلوا دور الخصائص الفردية التي تتسم بها الشخصيات صانعة التاريخ. ونتيجة لذلك فإن وجود بعض الشخصيات مكان شخصيات أخرى، أكثر أو أقل كفاءة، لا يبدل شيئاً في سياق التاريخ[38].

وعندما نقبل بمثل هذه الفرضية يترتب علينا بالضرورة الاعتراف بأن العامل الفردي لا يلعب مطلقاً أي دور في التاريخ وأن كل أمر مرده إلى عمل الأسباب العامة، إلى القوانين العامة للصيرورة التاريخية. وهذا الرأي لا يترك أي حيز للشق الصحيح الذي تحتويه الفكرة المعارضة. لهذا تحافظ تلك الفكرة، إلى درجة ما، على مبرر لوجودها.

إن العداء بين هذين المفهومين قد اتخذ شكل مشاققة تشكل أحد طرفيها القوانين العامة ويشكل عمل الأفراد شقها الثاني. وإذا ما أخذنا بوجهة نظر الطرف الثاني تراءى لنا التاريخ وكأنه سلسلة من الحوادث العرضية. وإذا ما أخذنا بوجهة نظر الطرف الأول نرى، حتى السمات الخاصة للحوادث، مشروطة بتأثير الأسباب العامة ولا علاقة لها بالخصائص الفردية التي تتصف بها الشخصيات التاريخية. وينجم عن ذلك أن هذه السمات قد تحددت بالأسباب العامة ولا يمكن أن يطرأ عليها أي تعديل ولو اختلفت الشخصيات. وبذلك تستحيل النظرية إلى الجبرية.

وهذا ما لم يغب عن أذهان خصومها: إن “سانت بوف” يقابل المفاهيم التاريخية لدى “مينيي” بمفاهيم “بوسييه” الذي يعتقد أن القوة التي يشترط أثرها الحوادث التاريخية تأتي من علٍ هي تترجم عن الإرادة الإلهية. ويفتش “مينيي” عن هذه القوة في الميول البشرية التي تتجلى في الحوادث التاريخية، بطريقة تمليها الضرورة شأنها شأن قوى الطبيعة. وكلاهما يعتبر التاريخ سمطاً من الحوادث ولا يمكن، بأية حال، أن يكون على غير ما كان عليه. وكلاهما آخذ بالجبر، وفي هذا المجال يقترب الفيلسوف من الكاهن.

وهذا اللوم يظل له ما يبرره مادامت هذه النظرية التي ترى أن الأحداث الاجتماعية تخضع لقوانين معينة، ترد إلى الصفر إثر الخصائص الفردية في تلك الأحداث التي يطبعها بها الرجال العظام في التاريخ. وينبغي لهذا اللوم أن يزداد مادام مؤرخو المدرسة الجديدة، شأنهم في ذلك شأن مؤرخي وفلاسفة القرن الثامن عشر يعتبرون الطبيعة البشرية المرجع الأعلى الذي تصدر عنه وترضخ له جميع الأسباب العامة للصيرورة التاريخية. ولما كانت الثورة الفرنسية قد أبانت بأن الحوادث التاريخية ليست مشروطة بالسلوك الواعي وحده فقد وضع “مينيي” و”غيزو” ومؤرخون آخرون من المدرسة نفسها، على الصعيد الأول دور الأهواء التي تستبعد غالبة رقابة الوعي. ولكن إذا كانت الأهواء هي السبب الأخير والأعم للحوادث التاريخية فلم لا يكون لها أن تأخذ خاتمة مغايرة للنهاية التي نعرفها، فيما لو توافر لها رجال أكفاء قادرون على أن يوحوا إلى الشعب الفرنسي بميول تكون نقيض الميول التي كانت تحركه.

لقد كان من شان “مينيي” أن يجب: بأن ميولاً أخرى لم يكن بمقدورها أن تحرك الفرنسيين نتيجة لطبيعة الخلال البشرية نفسها. وهذا صحيح من جهة. بيد أن هذه الحقيقة تتسم بالجبرية الصارخة لأنها تعود وتزعم أن تاريخ الإنسانية محدداً سلفاً، حتى في أدق جزئياته، بالخصائص العامة للطبيعة البشرية. وتنشأ الجبرية هنا من احتواء العام للخاص وعلى كل حال فتكلم هي النتيجة لهذا الشكل من الاحتواء.

ولرب قائل يقول: “مادامت جميع الأحداث الاجتماعية محددة بالضرورة فليس لعملنا أي اعتبار”. إنها كلمة حق عدل بها عن قصدها، إذ كان من الواجب القول: إذا كان العام يقرر كل شيء فينجم عن ذلك أن الفردي، بما فيه وجودي ليست له أية أهمية. وهذا الاستنتاج صحيح وإن كان استعماله يمضي على غير ما أهل له. وليس له أي معنى تطبيقي للمفهوم المادي الحديث عن التاريخ حيث يترك حيز للعمل الفردي. بيد أن تطبيقه على آراء المؤرخين الفرنسيين في فترة “الرستوراسيون” له ما يبرره.

ولم يعد بوسعنا اليوم أن نعتبر الطبيعة البشرية السبب النهائية والأعم في مجال الصيرورة التاريخية. وهي إذا كانت ثابتة لا تتبدل فليس بوسعها أن تفسر سياق التاريخ المتبدل وإذا كانت تتبدل فمن البدهي أن هذه التبدلات نفسها تغدو مشروطة بالصيرورة التاريخية. وعلينا اليوم أن نعترف بأن السبب النهائي والأعم للصيرورة الإنسانية في التاريخ يكمن في تطور القوى المنتجة التي تحدد التغيرات المتتالية في العلاقات الاجتماعية بين الناس. وبجانب هذا السبب العام نرى أسباباً خاصة أي الوضع التاريخي الذي يتم، من خلاله، تطور القوى المنتجة لشعب ما والذي يرجع، بدوره وفي النهاية إلى تطور القوى نفسها لدى الشعوب الأخرى، وهذا ما يردنا إلى السبب العام نفسه.

وأخيراً فإن أثر الأسباب الخاصة يتمه عمل الأسباب الفردية أي عمل الخصائص الشخصية لرجال الدولة ومجموع “المصادفات”، وبفضلها تأخذ الأحداث أخيراً ملامحها الفردية. ولا تستطيع الأسباب الفردية أن تعدل بصورة أساسية عمل الأسباب العامة والخاصة التي تحدد، بالتالي، اتجاه وحدود الأثر الذي تخلفه الأسباب الفردية. ومهما يكن من أمر فمن المؤكد أن التاريخ سيأخذ ملامح أخرى فيما لو استعيض عن الأسباب الفردية التي تؤثر فيه بأسباب أخرى من المرتبة نفسها.

إن “مونود” و”مبرخت” يسترسلان في استشفاف كل شيء من خلال الطبيعة البشرية. وقد صرح “لامبرخت” مراراً بأن يعتبر البسيكولوجيا الاجتماعية سبب الأحداث التاريخية. وهذا خطأ فادح ومن مغبته أن الرغبة، المستحبة في حد ذاتها، ينبغي لها أن تأخذ بعين الاعتبار الحياة الاجتماعية بكاملها. وهذا من شأنه الإفضاء إلى انتقائية جوفاء بقدر ما هي منتفخة. أو الإفضاء، لدى من أعمق تفكيراً، إلى براهين كالتي أوردها “كابليتز” في كلامه على الأهمية المقارنة للذكاء والعاطفة.

لنعد إلى موضوعنا. إن الرجل العظيم يعد عظيماً لا لأن صفاته الشخصية تطبع الأحداث التاريخية بطابعها الخاص بل لأنه يتحلى بصفات تجعله أقدر من الآخرين على الاستجابة للضرورات الاجتماعية العظيمة في عصره. تلك الحاجات التي تتأتى عن الأسباب العامة والخاصة. إن “كارليل” في كتابه المعروف عن الأبطال يسمي الرجال العظام البادئين. وتأتي هذه الكلمة في موضعها تماماً. نعم إن الرجل العظيم هو البادئ لأنه يرى أبعد من الآخرين ويتشوف بقوة أكثر منهم. إنه يجد حلاً للمسائل العلمية الراهنة بقدر ما يطرحها التطور الثقافي المتقدم للمجتمع، وهو الذي ينبه إلى الحاجات الاجتماعية الجديدة، التي خلفها تطور العلاقات الاجتماعية في داخل المجتمع، ويأخذ على عاتقه أمر تحقيقها. إنه بطل، لا بمعنى أنه قادر على إيقاف أو تعديل السياق الطبيعي للأشياء بل بمعنى أن عمله هو التعبير الواعي والحر عن سياق هذه الأشياء الضروري وغير الواعي. وكل أهميته تكمن هنا وكذلك قوته. ولكن هذه الأهمية جبارة وهذه القوة هائلة.

ما هو السياق الطبيعي للأحداث؟

كان “بسمارك” يرى أن ليس  بوسعنا أن نصنع التاريخ بل علينا الانتظار حتى يصنع نفسه. ولك بفضل من يصنع التاريخ؟ إنه يصنعنا بفضل الإنسان الاجتماعي وهو “العامل” الوحيد. إن الإنسان الاجتماعي يخلق علاقاته الخاصة أي العلاقات الاجتماعية. ولئن أوجد، في فترة ما، هذه العلاقات بدلاً من تلك فلا يتم ذلك، بداهة، دون مسببات. وحالة القوى المنتجة هي التي تقدم السبب وما من رجل عظيم يستطيع أن يفرض على المجتمع علاقات لا تتلاءم أبداً مع حالة القوى المنتجة أو لم يئن بعد أو لم يئن بعد أوان تلاؤمها. وبهذا المعنى يغدو متعذراً عليه أن يصنع التاريخ إذ يصبح كمن يقدم أو يؤخر عبثاً عقارب ساعته. فليس بمقدوره أن يعجل في سير الزمن وليس بمستطاعه أن يعود به القهقري. وهنا كان “لامبرخت” على حق تماماً، فما كان بوسع “بسمارك” وهو في أوج عظمته، أن يعود بألمانيا إلى حالة الاقتصاد البدائي.

إن العلاقات الاجتماعية منطقها: فما دام الناس يعملون معاً، وفق علاقات معينة، فهم يشعرون ويفكرون ويعملون بالضرورة تبعاً لطريقة واحدة. ولن يكسب رجل الدولة شيئاً إذا خاض معركة ضد هذا المنطق. والمنطق الطبيعي للأشياء، أي هذا المنطق نفسه عن العلاقات الاجتماعية، يقضي على جهوده قضاء مبرماً. ولكن إذا استطعت أن أحيط علماً بالاتجاه الذي تأخذ فيه العلاقات الاجتماعية طريق التبدل، نتيجة التغيرات التي تطرأ على التطور الاجتماعي والاقتصادي للإنتاج، فبوسعي عندئذ أن ألم بالاتجاه الذي تتعدل طبقاً له، وبدورها، البسيكولوجيا الاجتماعية. ويصبح لدي، حينئذ، إمكان التأثير في هذه البسيكولوجيا أن التأثير في البسيكولوجيا الاجتماعية معناه التأثير في الأحداث التاريخية. وتبعاً لذلك أستطيع، بوجه من الوجوه، أن أصنع التاريخ ولست بحاجة لانتظاره حتى “يصنع نفسه”.

يعتبر “مونود” أن الأحداث والشخصيات التاريخية، الهامة حقاً، إنما تقوم على كونها إشارات ورموزاً لتطور المؤسسات والشروط الاقتصادية. الفكرة صحيحة ولكن طريقة التعبير يخالطها شيء من عدم الصحة. ونظراً لكونها صحيحة فمن الخطأ أن يعارض عمل الرجال العظام “بالحركات الوئيدة” لتلك الشروط والمؤسسات. إن تغييراً متفاوت البطء ينتاب “الأسباب الاقتصادية”، ويرغم المجتمع، بصورة دورية، على تطوير مؤسساته عاجلاً أم آجلاً. إن هذا التطور لا يتم من “تلقاء نفسه” بل يستلزم دائماً تدخل الرجال الذين توضع أمامهم المسائل الاجتماعية الهامة. والرجال الذين يسمون عظاماً هم الذين يساهمون أكثر من الآخرين في إنجاز هذه المهام. أجل، إن إنجاز مهمة ما لا يعني مطلقاً أن يكون الإنسان “رمزاً” أو “علامة” للمهمة التي تحققت.

ولئن كان “مونود” كما يبدو لنا، قد أقدم على مثل هذه المعارضة، مأخوذاً بفتنة كلمة: وئيدة، فإن هذا الوصف أثير إلى الكثيرين من التطوريين المعاصرين. وهذا النمط مفهوم من الجهة البسيكولوجية: فهو ينشأ، بالضرورة، في الوسط الذي يشعر بالاعتدال والدقة في تحديد الأمور. ولكنه، من الوجهة المنطقية لا يقوى على الصمود أمام النقد، كما أظهر “هيجل” ذلك.

إن ميدان العمل الواسع لا ينفسح أمام “البادئين” والرجال العظام وحدهم وإنما ينفسح أمام جميع الناس، أمام الذين يملكون عيوناً للنظر وآذاناً للسمع وقلباً لمحبة القريب. إن مفهوم العظمة نسبي. “وليس للإنسان حب أعظم من أن يهب حياته في سبيل إخوانه”[39].

« السابق التالي »