لينين
هل دخلنا في مرحلة النضالات الثورية الحاسمة؟ هل أزفت الساعة التي يتوجب فيها على البروليتاريا ـ تحت طائلة زوالها هي بالذات ـ أن تؤدي رسالتها وتنجز تحويل العالم؟ ذلك أنه لا مراء في أن هذا القرار ليس مرهونا بنضج البروليتاريا الإيديولوجي أو التنظيمي وحده إذا لم يكن ذلك النضج وذلك التصميم على الكفاح نتيجة لوضع العالم الاجتماعي ـ الاقتصادي الموضوعي الذي يحفز على اتخاذ مثل ذلك القرار. وأيا يكن الحدث، وسواء أكان هزيمة أو نصرا، فإنه لا يصلح البتة لأن يحسم هذه المشكلة. بل لا يمكن أصلا التقرير بأنه نصر أو هزيمة إذا ما جرى تقييم الحدث في ذاته وبمعزل عن غيره: فصلة الحدث المنفرد المنعزل بكلية التطور التاريخي ـ الاجتماعي هي وحدها التي تقرر ما إذا كان يمثل نصرا أو هزيمة على صعيد التاريخ العالمي.
ولهذا فإن المناظرة التي قامت في صفوف الاشتراكية ـ الديموقراطية الروسية (يوم كانت تضم المناشفة والبلاشفة على حد سواء) إبان الثورة الأولى لتصل إلى الذروة بعد هزيمة هذه الثورة، المناظرة التي كانت تستهدف معرفة ما إذا كان الواجب عند الكلام عن الثورة تركيز الاهتمام على عام 1847 (قبل الثورة الحاسمة) أو على عام 1848 (بعد هزيمة الثورة)، تتجاوز بالضرورة الإطار الضيق للمشكلات الروسية الخالصة. إذ أنه لا سبيل إلى الوصول إلى رأي قاطع بصددها إلا إذا حلت المسألة المتعلقة بمعرفة الطابع الأساسي لعصرنا. وإنما في هذا الإطار وحده أيضا يمكن الوصول إلى جواب محدد على تلك المسألة المحدودة والروسية الخالصة المتعلقة بمعرفة ما إذا كانت ثورة 1905 ثورة بورجوازية أو بروليتارية وما إذا كان سلوك العمال الثوري والبروليتاري سلوكا صحيحا أو خاطئا. ولكن مجرد طرح المسألة بمثل هذه الحدة منذ أيام الثورة الروسية الأولى يشير إلى الاتجاه الذي ينبغي البحث فيه عن جواب لها. ذلك أن الانفصال بين اليمين واليسار في الحركة العاملة يميل أكثر فأكثر، حتى خارج حدود روسيا، إلى أن يتخذ شكل مناقشة حول الطابع العام للعصر. مناقشة تستهدف معرفة ما إذا كانت بعض الظاهرات الاقتصادية التي تأخذ أكثر فأكثر طابعا أشد بروزا (تركز الرأسمال، الأهمية المتعاظمة للرأسمال المالي الكبير، الاستعمار، الخ) هي مجرد تدرجات كمية في تطور الرأسمالية «السوي» أم أنها النذير بمجيء مرحلة رأسمالية وإمبريالية جديدة؟ مناقشة لمعرفة ما إذا كان من الواجب اعتبار الحروب التي راحت تتكاثر بشكل ملحوظ بعد مرحلة من السلم النسبي (حرب البوير، الحروب الإسبانية ـ الأميركية والروسية ـ اليابانية، الخ) حروبا «عارضة» و«طارئة» أم علائم تنذر بمرحلة من حروب لن تني تتفاقم حدة وعنفا؟ وأخيرا مناقشة لمعرفة ما إذا كانت طرائق نضال البروليتاريا القديمة كافية لضمان حماية المصالح البروليتارية الطبقية إذا ما استجدت ظروف جديدة يدخل فيها تطور الرأسمالية في مرحلة جديدة؟ أي لمعرفة ما إذا الأشكال الجديدة للنضال الطبقي البروليتاري التي أعلنت عن ظهورها قبل الثورة الروسية وأثناءها (الإضراب الجماهيري السياسي، التمرد المسلح) هي أحداث تظل دلالتها محلية وخصوصية أو حتى «أخطاء» و«ضلالات» أم أنها المحاولات العفوية الأولى التي باشرتها الجماهير مدفوعة بغريزتها الطبقية السليمة لتكيف عملها مع الوضع العالمي؟ إن الجواب العملي الذي أعطاه لينين لهذه السلسلة المتلاحمة من الأسئلة معروف، وهو يجد أوضح تعبير له في الواقعة التالية: فبعد سحق الثورة الروسية الأولى بفترة وجيزة، وفي الوقت الذي كان فيه المناشفة ما يزالون يعولون ويندبون وينحون باللائمة على العمال لأنهم «تجاوزوا حدودهم»، خاض لينين في مؤتمر شتوتغارت كفاحا صلبا من أجل وضوح وجلاء مواقف الأممية الثانية إزاء خطر الحرب العالمية الإمبريالية الداهم وحاول توجيه هذه المواقف باتجاه ما يجب فعله ضد تلك الحرب.
ولقد تمت الموافقة في مؤتمر شتوتغارت على التعديل الذي اقترحه لينين وروزا لوكسمبورغ ثم أعاد مؤتمرا كوبنهاغن وبال توكيده. وكان هذا معناه أن الأممية الثانية قد أقرت رسميا بخطر نشوب حرب عالمية إمبريالية قريبة وبواجب البروليتاريا في أن تشن ضدها نضالا ثوريا. إذن فمن الجلي أن لينين لم يكن وحيدا في هذا المضمار، كما لم يكن وحيدا عندما تعرف في الإمبريالية، من وجهة النظر الاقتصادية، مرحلة جديدة للرأسمالية. وقد اعترف اليسار بأسره، بل حتى بعض عناصر جناح الوسط واليمين من الأممية الثانية، بوجود وقائع اقتصادية تقدم للإمبريالية أساسها. وقد حاول هيلفردينغ أن يصيغ نظرية اقتصادية عن هذه الظاهرات الجديدة، وتوصلت روزا لوكسمبورغ إلى بيان أن تعقيد اقتصاد الإمبريالية في مجمله هو نتيجة ضرورية لعملية إعادة الإنتاج في الرأسمالية، أي توصلت إلى أن تدمج الإمبريالية عضويا بنظرية المادية التاريخية عن التاريخ والى أن تقدم أساسا اقتصاديا عينيا لـ «نظرية الانهيار». ومع ذلك عندما وجد لينين نفسه وحيدا مع وجهة نظره في آب 1914 [13] ـ وفيما بعد أيضا ـ فإن ذلك لم يكن من قبيل الصدفة. وانعزاله غير قابل للتفسير بحجج نفسية أو أخلاقية تقول بأن «الجبن» هو الذي كان وراء استسلام وخيانة ذلك العدد الكبير من قادة الأممية الثانية الذين حكموا في السابق نفس حكم لينين الصائب على الإمبريالية. كلا. فمواقف شتى التيارات الاشتراكية في آب 1914 كانت نتيجة عينية ومباشرة للسلوك النظري والتكتيكي الذي كانت تلك التيارات قد تبنته حتى ذلك الحين.
إن التصور اللينيني عن الإمبريالية هو من جهة أولى كشف نظري مرموق، ومن الجهة الثانية، ومهما بدت هذه الملاحظة متناقضة ظاهريا، تصور لا ينطوي، من وجهة النظر الاقتصادية الخالصة، إلا على النزر اليسير من الوقائع الجديدة. إن التصور اللينيني عن الإمبريالية يستند في أكثر من نقطة ارتكاز واحدة على تحليلات هيلفردينغ، ولا يمكن أن يصمد من وجهة النظر الاقتصادية الخالصة ـ ومن حيث عمق الفكر وعظمة التصور ـ للمقارنة مع إنجاز روزا لوكسمبورغ في تطويرها المرموق لنظرية ماركس عن إعادة الإنتاج. بيد أن تفوق لينين يكمن في أنه عرف ـ وهنا يتجلى كشفه النظري الفذ ـ كيف يربط بصورة عينية وكاملة نظرية الإمبريالية الاقتصادية بجميع قضايا الساعة الراهنة السياسية ويجعل من مضمون الاقتصاد في تلك المرحلة الجديدة الخيط الهادي لجميع الأعمال العينية في العالم المنظم على ذلك النحو. ولهذا نبذ على سبيل المثال بعض تصورات الشيوعيين البولونيين المتطرفة في نزعتها اليسارية بوصفها تصورات منتمية إلى «المدرسة الاقتصادية الإمبريالية». وهنا أيضا تكمن ذروة نضاله ضد تصور كاوتسكي عن «ما فوق الإمبريالية»، وهي النظرية التي كانت تضع آمالها في إنشاء تروست سلمي عالمي للرأسمال لا تعود معه الحرب العالمية مسارا محتوما أو حتى «سويّا»، وذلك من خلال محاولة كاوتسكي فصل اقتصاد الإمبريالية عن سياستها. وصحيح أن نظرية روزا لوكسمبورغ (وبانيكوك وغيرهما من ممثلي اليسار) عن الإمبريالية ليست نظرية اقتصادية خالصة بالمعنى الضيق للكلمة، فالجميع، وروزا لوكسمبورغ بوجه خاص، يسلطون الضوء على تلك اللحظات من الاقتصاد الإمبريالي التي يأخذ فيها هذا الاقتصاد بالضرورة منعطفا سياسيا (استعمار، صناعة تسلح، الخ). بيد أن هذه العلاقة لا تصبح عينية، أي أن روزا لوكسمبورغ تبين بصورة فذة لا نظير لها أن الانتقال إلى الإمبريالية، أي إلى عصر غزو أسواق المستعمرات والمواد الأولية وما يتيحه هذا الغزو من إمكانيات لتصدير الرأسمال الخ، قد أصبح محتوما بحكم صيرورة التراكم، وأن ذلك العصر، الذي يمثل المرحلة الأخيرة من الرأسمالية، يجب أن يكون عصرا من الحروب العالمية. وبذلك تكون روزا لوكسمبورغ قد صاغت نظرية العصر بكامله، نظرية الإمبريالية الحديثة بوجه عام. ولكنها لم تنجح في ربط هذه النظرية بمتطلبات الساعة العينية، وكراستها الممهورة بإمضاء «يونيوس» ليست البتة، في قسمها العيني، التتمة الضرورية لـ«تراكم الرأسمال». والصحة النظرية التي حاكمت بها ذلك العصر بكامله لا تتحول لديها إلى وعي واضح للقوى الفاعلة العينية التي من واجب النظرية الماركسية أن تقدرها حق قدرها وأن تستخدمها على نحو ثوري.
بيد أن تفوق لينين بصدد هذه النقطة غير قابل البتة للتفسير بصيغ عامة على شاكلة «العبقرية السياسية» و«النظرة العملية الثاقبة» الخ. وإنما هو بالأحرى تفوق نظري محض في تقييم الصيرورة العامة. ذلك أننا لا نجد في حياته قرارا عمليا واحدا لم يكن النتيجة الموضوعية والمنطقية لموقفه النظري. وإذا كان المحور الأساسي الذي يقوم عليه هذا الموقف هو المطالبة بالتحليل العيني للوضع العيني، فإن العقول غير الجدلية هي وحدها التي ترى في هذا المبدأ مجرّد مظهر من مظاهر أساسية «الواقعية النزعة». والحق أن التحليل العيني للوضع العيني لا يتعارض في نظر الماركسي مع النظرية «الخالصة»، بل على النقيض من ذلك: فهذا التحليل هو نقطة الذروة في النظرية الأصيلة، النقطة التي تجد فيها النظرية إنجازها الحقيقي وتتحول إلى ممارسة.
إن تفوق لينين يعود إلى أنه كان بين جميع خلفاء ماركس أقل من تشوهت رؤيته بفعل المقولات الصنمية لمحيطه الرأسمالي. ذلك أن التفوق الحاسم للاقتصاد الماركسي على جميع المذاهب الاقتصادية التي سبقته وتلته يكمن في أنه أفلح بفضل منهجه، وحتى إزاء المسائل الأكثر تعقيدا التي لا يعود معها مهرب في الظاهر من الاستنجاد بالمقولات الاقتصادية الخالصة، الطبقات (التي تعبر هذه المقولات عن وجودها الاجتماعي) من خلال صيرورة تطورها. (فلنفكر بالفارق بين الرأسمال الدائم والرأسمال المتحول من جهة والتمييز الكلاسيكي بين الرأسمال الثابت والرأسمال المتداول من جهة ثانية. ولقد سبق لماركس بصياغته لمشكلة فضل القيمة أن كشف عن الانقسامات الطبقية القائمة بين البورجوازية والبروليتاريا. وزيادة الرأسمال الدائم تظهر هذه العلاقة من خلال المجموع الديناميكي لصيرورة تطور المجتمع بأسره وتزيح النقاب عن صراع شتى الجماعات الرأسمالية على تقاسم فضل القيمة).
إن نظرية الإمبريالية هي لدى لينين نظرية القوى الطبقية العينية التي تفلتها الإمبريالية من عقالها وتجعلها قادرة على العمل والفعل أكثر منها نظرية التكوين الضروري اقتصاديا لتلك القوى وحدوده الاقتصادية كما هو شأنها لدى روزا لوكسمبورغ. إنها نظرية الوضع العالمي العيني الذي خلفته الإمبريالية. وعندما يحلل لينين ماهية الرأسمالية الاحتكارية فإن ما يحظى باهتمامه الأول الوضع العالمي العيني وما ينجم عنه من تبدلات في وضع المجتمع الطبقي، أي الطريقة التي قسمت بها الدول الاستعمارية الكبرى العالم، الطريقة التي تتطور بها التمايزات داخل البورجوازية والبروليتاريا مع حركة تركز الرأسمال (فئة أصحاب الإيرادات الطفيلية والأرستقراطية العمالية الخ)، وبوجه خاص الطريقة التي يحكم بها تطور الرأسمالية الاحتكارية الداخلي، بسبب تفاوت وتيرته من قطر إلى آخر، بالتقادم والبلى على الأشكال السلمية المؤقتة لتقاسم «مناطق النفوذ» وغيرها من التسويات، ويؤدي إلى نشوب خصومات ومنازعات جديدة لا سبيل إلى حلّها إلا بالعنف، أي بالحرب.
ففي الوقت الذي تتحدّد وتتوضح فيه ماهية الإمبريالية بوصفها رأسمالية احتكارات، وماهية الحرب كتطور ضروري وتعبير عن الميل إلى تركز أكبر والى الاحتكار المطلق، تتوضح أيضا التمايزات داخل المجتمع بدلالة هذه الحرب. ومن الوهم والسذاجة التصور مع كاوتسكي بأن في الإمكان تعبئة تلك الفئات من البورجوازية التي لا تجد نفسها «معنية» مباشرة بالإمبريالية والتي لم «تبتلعها» الإمبريالية ضد الحرب والإمبريالية. ذلك أن التطور الاحتكاري يجرّ في ركابه البورجوازية كلها ويجد سندا له لا في أوساط البورجوازية الصغيرة فحسب، وهي الطبقة المتذبذبة على الدوام، بل أيضا في بعض أوساط البروليتاريا (وإن بصورة مؤقتة فقط). ولكن ليس من الصحيح الزعم، على حد ما يفعل المشككون والريبيون المحترفون، أن البروليتاريا الثورية ستعزل نفسها بنفسها عن المجتمع إذا ما نبذت الإمبريالية نبذا قاطعا باتا. فتطور المجتمع الرأسمالي هو دوما متناقض وحركته أبدا متناحرة. وللمرة الأولى في التاريخ تخلق الرأسمالية الاحتكارية اقتصادا عالميا بكل ما في الكلمة من معنى. والحرب الإمبريالية الخاصة بالرأسمالية الاحتكارية هي بالتالي الحرب العالمية الأولى بالمعنى الدقيق للكلمة. وهذا يعني قبل كل شيء أن الأمم المضطهَدة والمستغَلة من قبل الرأسمالية تجد نفسها لأول مرة في التاريخ غير وحيدة منعزلة في نضالها ضد مضطهِديها، بل منقادة بوجودها بالذات في دوامة الحرب العالمية. فالسياسة الاستعمارية المتقدمة للرأسمالية لا تستغل الشعوب المستعمَرة عن طريق نهب ثرواتها وخيراتها فحسب كما كانت الحال في مطلع العصر الرأسمالي، ولكنها تقلب رأسا على عقب في الوقت نفسه البنية الاجتماعية لتلك الشعوب وتجعلها رأسمالية. وليس الهدف من ذلك بالطبع سوى تشديد الاستغلال وتعميقه (تصدير رؤوس الأموال، الخ)، ولكن نتيجته المحتومة التي لا دخل لإرادة الإمبريالية فيها هي بداية التطور البورجوازي داخل البلدان المستعمَرة، والتتمة الأيديولوجية الضرورية لهذا هي بداية النضال من أجل الاستقلال القومي. ومما يساعد على التعجيل بهذه الصيرورة أن الحرب الإمبريالية تجند كل احتياطي الرجال الشاغرين في البلدان الإمبريالية وتجرّ البلدان المستعمرة إلى الحرب بصورة نشيطة من جهة أولى وتشجع تصنيعها السريع من الجهة الثانية، وبذلك تعجل بتطورها أيديولوجيا واقتصاديا.
بيد أن وضع البلدان المستعمرة يمثل حالة مشتطة، قصوى، من العلاقات بين الرأسمالية الاحتكارية وبين أولئك الذين تستغلهم. والانتقال التاريخي من عصر إلى آخر لا يتم أبدا بصورة ميكانيكية: فنمط الإنتاج الجديد لا يمكن أن يولد وأن يؤثر على مجرى التاريخ لمجرد أن نمط الإنتاج السابق الذي تم تجاوزه قد أدى في كل مكان رسالته في تحويل المجتمع. فأنماط الإنتاج التي يخلف بعضها بعضا من خلال تجاوزه والأشكال الاجتماعية والانقسامات الطبقية المطابقة لأنماط الإنتاج تلك تظهر في التاريخ متداخلة متصالبة متعارضة. وهكذا فإن التطورات التي تبدو متشابهة من زاوية مجردة (على سبيل المثال الانتقال من الإقطاعية إلى الرأسمالية) ترتبط بصورة مختلفة كل الاختلاف بالكلية التاريخية-الاجتماعية، بحكم السياق التاريخي المختلف كل الاختلاف الذي تتم فيه، وبذلك تصبح لها دلالة ووظيفة جديدتان كل الجدّة.
لقد تجلت الرأسمالية الصاعدة كعامل يساعد على ولادة الأمم. وقد استطاعت بعد نضالات ثورية قاسية، وانطلاقا من التعدد الموروث عن العصر الوسيط في السيادات الإقطاعية الصغيرة، أن تحول الجزء الرأسمالي الأكثر تقدما من أوروبا إلى أمم كبيرة. وقد كان النضال في سبيل الوحدة الألمانية والإيطالية آخر تلك النضالات الثورية موضوعيا. ولكن إذا كانت الرأسمالية قد استمرت في التطور في تلك الدول إلى حد التحول إلى رأسمالية احتكارية إمبريالية، وإذا كانت قد بدأت تسير في الاتجاه نفسه في بعض البلدان المتأخرة (روسيا واليابان)، فهذا لا يعني أنها فقدت وظيفتها في توليد أمم أخرى في سائر أجزاء العالم. بل على العكس من ذلك تماما ! فالتطور الرأسمالي المتقدم بلا توقف قد ولد حركات قومية لدى جميع الشعوب الأوروبية التي كانت ما تزال «بلا تاريخ». ولكن نضالات هذه الشعوب في سبيل «تحررها القومي» ما عادت مجرّد نضالات ضد الإقطاع أو الحكم المطلق الإقطاعي الداخلي، وبالتالي ما عادت تقدمية بصورة تلقائية وحتمية، بل صار محتما عليها أن تأخذ مكانها في سياق التنافس الإمبريالي بين الدول العالمية الكبرى. ودلالتها التاريخية وتقييمها مرهونان بالوظيفة الموضوعية التي تؤديها في إطار ذلك السياق العيني.
لقد سبق لماركس أن أدرك بوضوح كامل أهمية هذه المسألة. وقد كانت بالتأكيد في عصره مشكلة إنجليزية في جوهرها، أعني مشكلة العلاقات بين إنكلترا وإرلندا. ويلح ماركس كبير الإلحاح على أن «الشرط المسبق لتحرر الطبقة العاملة الإنكليزية، بغض النظر عن دواعي العدالة الأممية، يكمن في استبدال الوحدة المدعومة بالقوة، أي عبودية إرلندا، بتحالف حر وعلى أساس من المساواة إذا كان ذلك ممكنا، أو بانفصال كامل إذا لم يكن منه مناص». لقد أدرك ماركس تمام الإدراك أن استغلال إرلندا هو من جهة أولى ورقة رابحة حاسمة بالنسبة إلى قوة الرأسمالية الإنكليزية التي كانت وحدها المتمتعة بطابع احتكاري في ذلك العصر، وأن موقف الطبقة العاملة الإنكليزية المبهم والمشوّش من هذه المسألة هو من الجهة الثانية علة انقسام المضطهدين وصراع المستغلين ضد المستغلين بدلا من أن يجمعهم ويوحدهم النضال ضد مستغليهم المشتركين. لقد فهم ماركس إذن أن النضال في سبيل تحرر إرلندا القومي هو وحده القادر على تشكيل جبهة فعالة حقا في نضال البروليتاريا الإنكليزية ضد البورجوازية الإنكليزية.
وتصور ماركس هذا لم يبق عديم التأثير في الحركة العاملة الإنكليزية في ذلك العصر فحسب، بل إنه لم يأخذ طريقه أيضا إلى نظرية الأممية الثانية وممارستها. وهنا أيضا كان مقدرا للينين أن يبعث الحياة من جديد في تلك النظرية، ولكنها كانت حياة أنشط بكثير وأكثر عينية بما لا يقاس مما كان متاحا لماركس نفسه أن يفعله. ذلك أن الواقع التاريخي الأممي هو الذي جعل منها مسألة راهنة، ولهذا فإنها لم تبق عند لينين مجرد نظرية، بل تحولت إلى ممارسة قبل كل شيء. والحقيقة أن ما من أحد منا يستطيع أن يتجاهل أن المشكلة الهائلة التي نواجهها ههنا، وأعني ثورة جميع المضطهَدين على النطاق العالمي لا ثورة العمال وحدهم، هي نفس المشكلة التي ما ونى لينين عن اعتبارها من البداية جوهر المسألة الزراعية في روسيا، بخلاف رأي النارودنيين والماركسيين الشرعيين والاقتصاديين الخ. والمسألة تتعلق في جميع هذه الحالات بما أطلقت عليه روزا لوكسمبورغ اسم السوق «الخارجية» للرأسمالية، أي السوق غير الرأسمالية، سواء أكانت واقعة داخل الحدود السياسية أم خارجها. فالرأسمالية المتوسعة لا تستطيع من جهة أولى أن تبقى على قيد الحياة بدون تلك السوق، ولكن وظيفتها الاجتماعية من الجهة الثانية هي قلب البنية الاجتماعية الأصلية لهذه السوق وتحويل هذه الأخيرة إلى سوق رأسمالية، وعلى وجه التحديد سوق رأسمالية «داخلية»، الأمر الذي يولد لديها ميولا إلى الاستقلال. إن العلاقات جدلية هنا أيضا. ولكن ما لم تجده روزا لوكسمبورغ، انطلاقا من هذا المنظور التاريخي العظيم والحقيقي، هو الطريق المفضي إلى تسوية عينية للمسائل العينية المرتبطة بالحرب العالمية. فقد بقيت المسألة لديها مجرد منظور تاريخي، مجرد طريقة عظيمة وحقيقية في وصف العصر وتمييزه، العصر المنظور إليه في كليته. وإنما إلى لينين يعود الفضل في تخطي النظرية إلى الممارسة، وهذه الخطوة تعني أيضا، وهذا ما لا يجب أبدا أن ننساه، تقدما نظريا، لأنها خطوة تقود من المجرّد إلى العيني.
إن الانتقال إلى العيني انطلاقا من التقييم الصحيح على صعيد التجريد للواقع التاريخي الراهن، انطلاقا من البرهان على الطابع الثوري المجمل لكل المرحلة الإمبريالية، يكتسب كل حدته مع مسألة الطابع الخاص لهذه الثورة. وأحد فتوح ماركس النظرية الكبرى أنه ميز دقيق التمييز بين الثورة البورجوازية والثورة البروليتارية. وقد كان لهذا التمييز، إزاء أوهام معاصريه وعدم نظجهم، أهمية حاسمة من وجهة النظر العملية والتكتيكية، وقدم منهجا لا نظير له في الكشف عن العناصر الجديدة حقا والبروليتارية حقا في حركات العصر الثورية. بيد أن هذا التميز تحول وتحجر في الماركسية المبتذلة في شكل فصل ميكانيكي النزعة. وقد كانت النتيجة العملية لهذا الفصل لدى الانتهازيين تعميما دوغمائيا انطلاقا من الملاحظة الصحيحة تجريبيا التي ترى أن كل ثورة في العصر الحديث تبدأ عمليا كثورة بورجوازية وإن كانت مقترنة بأعمال ومطالب بروليتارية فالثورة في مثل هذه الأوضاع هي مجرّد ثورة بورجوازية في نظر الانتهازيين ان نتيجة هذا الفصل بين الثورتين البورجوازية والبروليتارية هي أن البروليتاريا يتوجب عليها أن تتخلى عن الأهداف الثورية الطبقية الخاصة بها.
ولكن التصور المتطرف في يساريته يسقط هو الآخر في تأويل ميكانيكي النزعة لا يقل خطرا عن التصور الانتهازي، وإن كان قد اكتشف الطابع السفسطائي للنظرية الانتهازية ووعى الطابع الثوري لعصرنا. فقد خلص إلى القول، بعد أن اعترف بأن البورجوازية قد انتهت على الصعيد الأممي من أداء دورها الثوري في العصر الإمبريالي، بأننا دخلنا من الآن فصاعدا في مرحلة الثورة البروليتارية الخالصة، مؤكدا بذلك سقوطه في نزعة الفصل الميكانيكي بين الثورة البورجوازية والثورة البروليتارية. والحق أن النتيجة العملية لهذا الموقف بالغة الخطورة، إذ أنه يهمل، وأحيانا يزدري وينبذ، كل ديناميكية الغليان والانحلال المميزة للعصر الإمبريالي (المسائل الزراعية والاستعمارية والقومية)، وهي ديناميكية ثورية موضوعيا من خلال ارتباطها بالثورة البروليتارية. ثم إن نظريي الثورة البروليتارية الخالصة أولئك يتخلون عن طيب خاطر عن حلفاء البروليتاريا الفعليين البالغي الأهمية، ويزدرون ذلك السياق الثوري الذي يفتح للثورة آفاقا عينية، وينتظرون بالتالي الثورة البروليتارية «الخالصة» في سماء التجريد مع زعمهم في الوقت نفسه أنهم يعدون لها العدة. وقد قال لينين: «إن من ينتظر ثورة اجتماعية خالصة لن يعرفها أبدا، وليس ثوريا إلا بالكلام الثوري الذي لا يفهم الثورة الحقيقية».
ذلك أن الثورة الحقيقية هي التحويل الجدلي للثورة البورجوازية إلى ثورة بروليتارية. وإذا كان من الوقائع التاريخية الثابتة التي لا مراء فيها أن تلك الطبقة التي كانت في الماضي قائدة الثورات البورجوازية الكبرى والمنتفع الأول بها قد أصبحت من الآن فصاعدا مناهضة للثورة موضوعيا، فهذا لا يعني البتة أن المشكلات الموضوعية التي تدور هذه الثورات حول محورها قد سويت على الصعيد الاجتماعي، كما لا يعني أن الفئات الاجتماعية التي يمثل الحل الثوري لتلك المشكلات أهمية حيوية بالنسبة إليها قد تمت تلبية حاجاتها. بل على العكس من ذلك تماما ! فالانعطاف المضاد للثورة الذي نفذته البورجوازية لا يتترجم في عداء هذه الأخيرة للبروليتاريا فحسب بل في عزوفها أيضا عن التقاليد الثورية الخاصة بها. إنها تتنازل للبروليتاريا عن ميراث ماضيها الثوري. فالبروليتاريا هي من الآن فصاعدا الطبقة الوحيدة القادرة على السير بالثورة البورجوازية إلى نهاية الشوط بصورة منطقية متلاحمة. وهذا يعني من جهة أولى أن مطالب الثورة البورجوازية التي ما تزال راهنة لا يمكن تحقيقها إلا في إطار ثورة بروليتارية، ويعني من الجهة الثانية أن الإنجاز الكامل لمطالب الثورة البورجوازية يفضي بالضرورة إلى الثورة البروليتارية. إذن فالثورة البروليتارية تعني في آن واحد إنجاز الثورة البورجوازية وتجاوزها.
إن إدراك هذه الحقيقة يفتح آفاقا واسعة لفرض الثورة البروليتارية وإمكانياتها. ولكن هذا يتطلب جهودا هائلة من قبل البروليتاريا الثورية وحزبها القائد، لأن تحقيق هذا الانتقال الجدلي يفرض على البروليتاريا لا أن تملك معرفة صحيحة بالكلية الحقيقية فحسب، بل أن تتجاوز أيضا الميول البورجوازية الصغيرة والعادات الفكرية التي كانت تحول دون رؤيتها الواضحة لتلك الكلية (وعلى سبيل المثال الآراء المسبقة القومية). وهكذا تنطرح على البروليتاريا ضرورة تجاوز نفسها لتتولى قيادة جميع المضطهدين. ويأتي في المقام الأول نضال الشعوب المضطهَدة في سبيل استقلالها القومي، وهو نضال له تأثير بالغ على التربية الثورية، سواء بالنسبة إلى بروليتاريا الشعب المضطهِد التي تتجاوز نزعتها القومية الخاصة بتأييدها ذلك الاستقلال القومي إلى نهاية الشوط أو بالنسبة إلى بروليتاريا الشعب المضطهَد التي تتجاوز هي أيضا نزعتها القومية الخاصة بتبنيها شعارات الاتحاد الفبدرالي والتضامن الأممي. ذلك أن البروليتاريا تناضل على حد قول لينين «في سبيل الاشتراكية وضد جوانب ضعفها الذاتي». والنضال في سبيل الثورة، وانتهاز الفرص الموضوعية التي يتيحها الوضع الأممي، والكفاح الداخلي في سبيل إنضاج وعي الثوريين الطبقي، هي جوانب مترابطة متلاحمة من صيرورة جدلية واحدة.
إن الحرب الإمبريالية ترفد إذن البروليتاريا بالحلفاء من كل مكان عندما تناضل هذه البروليتاريا ضد البورجوازية بصورة ثورية. ولكن عندما لا تعي البروليتاريا وضعها ومهامها فإن الحرب الإمبريالية تقضي عليها بتمزق ذاتي رهيب، وتجعل منها مجرد استطالة ذيلية للبورجوازية. إن الحرب الإمبريالية تخلق وضعا أمميا يتيح للبروليتاريا إمكانية تزعّم جميع المضطهَدين والمستغَلين، ويمكن فيه لنضالها في سبيل تحررها أن يصبح علامة ودليل تحرر جميع أولئك الذين تسترقهم الرأسمالية وتستعبدهم. ولكنها تخلق في الوقت نفسه وضعا عالميا يتوجب فيه على ملايين البروليتاريين أن يفتكوا بوحشية فائقة التهذيب بملايين من البروليتاريين الآخرين، وذلك بهدف تعزيز وتطوير الوضع الاحتكاري لمستغِليهم. والمصير الذي سيكون من نصيب البروليتاريا مرهون بتفهمها لموقفها التاريخي الخاص وبوعيها الطبقي. ذلك أن «البشر يصنعون بأنفسهم تاريخهم الخاص، لا في الظروف التي يختارونها هم بالطبع، وإنما في الظروف التي يجدونها من فورهم في مواجهتهم». وليست المسألة هنا معرفة ما إذا كانت البروليتاريا تريد الكفاح أو لا، وإنما معرفة المصالح التي ينبغي عليها أن تناضل في سبيلها، أمصالحها هي أم مصالح البورجوازية. إن المسألة التي يطرحها موقف البروليتاريا التاريخي ليست هي الاختيار بين الحرب والسلم وإنما الاختيار بين الحرب الإمبريالية وبين الحرب على هذه الحرب، أي الحرب الأهلية.
إن ضرورة الحرب الأهلية، كوسيلة دفاعية في يد البروليتاريا تجاه الحرب الإمبريالية، تولد شأن جميع أشكال نضال البروليتاريا من شروط الصراع التي يفرضها تطور الإنتاج الرأسمالي والمجتمع البورجوازي على البروليتاريا. أما نشاط الحزب وأهمية رؤيته النظرية الصحيحة فإنهما يمحضان البروليتاريا تلك القوة الضرورية للمقاومة أو الهجوم، وهي القوة التي تملكها فعلا في إطار ذلك الوضع بحكم العلاقات الطبقية ولكن التي لا تستطيع الارتفاع بها إلى مستوى الإمكانيات الموضوعية القائمة بحكم النقص في نضجها النظري والتنظيمي. وهكذا ظهر الإضراب الجماهيري، حتى قبل الحرب الإمبريالية، كردّ فعل عفوي للبروليتاريا ضد المرحلة الإمبريالية من الرأسمالية، وهذا الواقع الذي حاول يمين الأممية الثانية ووسطها إخفاءه بكل الوسائل قد أصبح شيئا فشيئا التراث المشترك لليسار الجذري. ولكن هنا أيضا كان لينين الوحيد الذي أدرك منذ عام 1905 أن الإضراب الجماهيري لا يكفي كسلاح للنضال الحاسم. ولقد وضع، بتقييمه تمرد موسكو الفاشل كمرحلة فاصلة وبمحاولته استخلاص التجارب العينية منه بينما كان بليخانوف يزعم «أنه ما كان ينبغي اللجوء إلى السلاح وشهره»، أقول: وضع الأسس النظرية لتكتيك البروليتاريا الضروري في الحرب العالمية قبل نشوبها بسنوات عدة. ذلك أن المرحلة الإمبريالية من الرأسمالية ونقطة الأوج التي تبلغها مع الحرب العالمية تشيران بلا لبس إلى أن الرأسمالية قد دخلت في المرحلة التي ستقرر بقاءها أو زوالها. ومن هنا تبذل البورجوازية بما تتمتع به من غريزة حادة كطبقة اعتادت على الحكم والسيادة وتدرك أن اتساع دوائر هيمنتها وتطور جهاز دولتها يوازيهما تقلص في الأساس الاجتماعي الواقعي لهيمنتها، أقول تبذل قصارى جهودها لتوسيع هذا الأساس (عن طريق جسر «الفئات المتوسطة» في ركابها ورشوة الأرستقراطية العمالية الخ)، وكذلك إلى سحق أعدائها الألداء سحقا نهائيا قبل أن يتنبَّه هؤلاء الأعداء ويواجهوها بمقاومة حقيقية. وهكذا فإن البورجوازية هي التي تصفي في كل مكان الأشكال «السلمية» لصراع الطبقات ـ تلك الأشكال التي كانت بالرغم من طابعها المؤقت والمهزوز مبرر النظرية التحريفية ـ وهي التي تختار أشكالا أشد «عنفا» (كما يحدث في الولايات المتحدة الأميركية). فهي توطد هيمنتها أكثر فأكثر على جهاز الدولة وتتحد به إلى درجة أن المطالب الاقتصادية المحضة تصبح عرضة أكثر فأكثر إلى الاصطدام بهذا الجدار، والى درجة يجد العمال أنفسهم مرغمين معها على النضال ضد السلطة (وبالتالي في سبيل السلطة لاشعوريا) حتى وإن كانوا لا يتطلعون إلى أكثر من تلافي تدهور وضعهم الاقتصادي وخسارة المكاسب المتحققة. وبنتيجة هذا التطور تجد البروليتاريا نفسها مكرهة على استخدام تكتيك الإضراب الجماهيري، بينما يبلغ ذعر الانتهازية من الثورة حدا تصبح معه على استعداد دائم للتخلي عن المكتسبات المتحققة بدلا من أن تستخلص النتائج الثورية من ذلك الوضع. والإضراب الجماهيري هو في حد ذاته، وموضوعيا، وسيلة ثورية. فكل إضراب جماهيري يخلق وضعا ثوريا تستخلص منه البورجوازية بمساعدة جهاز الدولة الحد الأقصى من النتائج الضرورية لها للحفاظ على سيطرتها. وإزاء هذه الأساليب تجد البروليتاريا نفسها عاجزة، بل إن سلاح الإضراب الجماهيري يصبح هو نفسه وبالضرورة مفلولا إزاءها إذا لم تشهر البروليتاريا السلاح هي أيضا في مواجهة سلاح البورجوازية. وهذا يوجب عليها أن تبذل قصارى جهودها لتتسلح بدورها، ولتوقع الفوضى والبلبلة في صفوف جيش البورجوازية الذي يتألف من غالبية ساحقة من العمال والفلاحين، ولتردّ سلاح البورجوازية إلى نحرها هي بالذات. (إن ثورة 1905 تقدم أمثلة عديدة تجلّت فيها غريزة طبقية صحيحة إلى أبعد الحدود، ولكنها تظل من وجهة النظر هذه مجرد غريزة).
والحرب الإمبريالية تزيد من حدّة توتر الوضع هذا إلى أقصى الحدود. فالبورجوازية تضع البروليتاريا أمام الإحراج التالي: إما أن تسفك دماء رفاقها الطبقيين في البلدان الأخرى على مذبح المصالح الاحتكارية للبورجوازية وأن تسفك دمها هي بالذات في سبيل هذه المصالح، وإما أن تطيح بهيمنة البورجوازية بعنف السلاح. وكل وسائل النضال الأخرى ضد هذا العنف الفائق المفروض على البروليتاريا تقف عاجزة لأنها ستتحطم جميعها، بلا استثناء على صخرة الجهاز العسكري للدول الإمبريالية. وعلى هذا، وإذا كانت البروليتاريا تريد الإفلات من طوق ذلك العنف الفائق، فإن عليها أن تشنّ بنفسها القتال ضد ذلك الجهاز العسكري وأن تردّ السلاح الذي اضطرت البورجوازية الإمبريالية إلى تسليمه إلى الشعب إلى نحر البورجوازية وأن تستخدمه لإبادة الإمبريالية.
وهكذا نرى أن وجهة النظر البلشفية لا تنطوي على أي شيء خارق للعادة. بل على العكس: فعقدة الموقف تتحدد في العلاقات الطبقية بين البورجوازية والبروليتاريا. فالحرب، على حد تعريف كلاوزيفيتش [14]، ليست سوى استمرار السياسة، ولكنها استمرارها من جميع الزوايا والمستويات. أي أن الحرب لا تعني أن الخط الذي سار عليه قطر من الأقطار في أيام «السلم» في مضمار سياسة الدولة الخارجية قد أفضى إلى نتيجته النهائية فحسب، بل تعني أيضا أن الحرب تشحذ إلى أعلى مستوى، ومن خلال تمايز الطبقات في قطر من الأقطار (أو في العالم قاطبة)، الميول والنزعات التي سبق لها أن أعلنت عن نفسها بصورة فعالة في قلب المجتمع في أيام «السلم». إذن فالحرب لا تخلق وضعا جديدا كل الجدة لا بالنسبة إلى قطر محدد ولا بالنسبة إلى طبقة محددة داخل أمة محددة. والشيء الجديد الذي تضيفه الحرب فعلا يتمثل فقط في التحويل النوعي للحدة الكمية الخارقة لجميع المشكلات. ومن هذه الزاوية وحدها، ولهذا السبب وحده، تخلق الحرب وضعا جديدا.
ليست الحرب إذن، من وجهة نظر اقتصادية واجتماعية، سوى إحدى مراحل التطور الإمبريالي للرأسمالية. ولهذا فإنها ليست بالضرورة سوى إحدى المراحل في نضال البروليتاريا الطبقي ضد البورجوازية. والنظرية اللينينية عن الإمبريالية تستمد أهميتها من أن لينين أقام بصورة نظرية متماسكة ـ وهذا ما لم يفعله أحد غيره قط ـ صلة منطقية بين الحرب العالمي والتطور الإجمالي، وبرهن على هذه الصلة بوضوح كبير على ضوء المشكلات العينية التي تثيرها الحرب. ولكن لما كانت المادية التاريخية هي نظرية النضال الطبقي البروليتاري، فإن إرساء تلك الصلة يظل ناقصا إذا لم تكن نظرية الإمبريالية نظرية تيارات الحركة العاملة في الوقت نفسه. إذن فليست المسألة مسألة الفهم الواضح للكيفية التي يتوجب بها على البروليتاريا أن تتصرف تبعا لمصالحها الطبقية في ذلك الوضع الأممي المستجد فحسب، بل هي أيضا وفي الوقت نفسه مسألة تبيان الأسس النظرية التي تقوم عليها سائر المواقف «البروليتارية» تجاه الإمبريالية والحرب الإمبريالية وتبيان طبيعة التبدلات الطارئة على بنية البروليتاريا، هذه التبدلات التي تولّد أنصارا وأتباعا لتلك النظريات وتحوّل هذه الأخيرة بالتالي إلى تيارات سياسية.
إن المسألة قبل كل شيء هي إقامة البرهان على وجود هذه التيارات السياسية فعلا، وإقامة البرهان على أن الموقف الذي وقفته الاشتراكية-الديموقراطية إزاء الحرب لم يكن نتيجة ضلال مؤقت وجبن الخ، بل كان النتيجة الحتمية لتطورها السابق، وبالتالي إقامة البرهان على أن هذا الموقف يجب أن يُفهم في إطار تاريخ الحركة العاملة وأن يجري تحليله بدلالة «الاختلافات السابقة في الآراء» في أوساط الاشتراكية-الديموقراطية (التحريفية، الخ). بيد أن وجهة النظر هذه التي هي البداهة بعينها في أصول المنهج الماركسي (لننظر على سبيل المثال إلى الطريقة التي عالج بها «البيان الشيوعي» التيارات المعاصرة له) لم تفرض نفسها وتنتصر إلا بصعوبة بالغة في أوساط الجناح الثوري من الحركة العاملة. بل إن جماعة «الأممية» نفسها، أي جماعة روزا لوكسمبورغ وفرانز مهرينغ [15]، لم تتمكن من تطبيق وجهة النظر المنهجية هذه ولم تفلح في استخلاص جميع النتائج منها. وبديهي أن كل إدانة للانتهازية وللموقف الذي تقفه من الحرب لا تنطلق من واقع أن الانتهازية تمثل تيارا محددا ومتمايزا من وجهة النظر التاريخية من تيارات الحركة العاملة ولا تفهم أن حاضر الانتهازية هو النتيجة العضوية لماضيها، أقول إن مثل هذه الإدانة لا ترتفع إلى أكثر من المستوى المبدئي الأولي للنقاش الماركسي ولا تتوصل إلى استخلاص الاستنتاجات المترتبة على الإدانة نفسها، وهي استنتاجات عملية وعينية ضرورية في لحظة العمل على صعيد التكتيك وعلى صعيد التنظيم معا.
ولقد كان من الواضح بالنسبة إلى لينين، وإليه وحده ـ نحن نكرر ذلك ـ منذ بداية الحرب العالمية أن مواقف شايدمان وبليخانوف وفاندرفيلد [16] الخ إزاء الحرب إن هي في الواقع إلا التطبيق المنطقي لمبادئ التحريفية على الوضع المستجد.
ولكن فيمَ تكمن ـ باختصار ـ ماهية التحريفية؟ إن التحريفية تسعى أولا إلى تجاوز وجهة نظر المادية التاريخية التي ترى إلى جميع ظاهرات الواقع التاريخي-الاجتماعي من وجهة النظر البروليتارية الطبقية وحدها لا غير. ونقطة الانطلاق التي اختارتها التحريفية هي مصالح »المجتمع بأسره«. ولكن لما لم يكن من وجود عيني لهذه المصالح العامة، ولما كان ما يمكن أن يتلبس صفة المصالح العامة ليس في الواقع سوى المحصلة المؤقتة لتفاعل وتداخل مختلف القوى الطبقية المتصارعة، فإن التحريفي يفهم نتيجة الصيرورة التاريخية المتغيرةَ دوما، على أنها نقطة انطلاق منهجية متماثلة دوما. وهكذا فإنه يجعل الأمور، حتى من وجهة النظر النظرية أيضا، تسير على رأسها. أما من وجهة النظر العملية فإن التحريفية هي في ماهيتها وبالضرورة تسوية وحل وسط، حتى ولو لم نأخذ بعين الاعتبار غير نقطة انطلاقها وحدها. وهي دوما انتقائية: أي أنها تحاول أن تثلم وتسوي على صعيد نظري الفروق الطبقية وأن تكسر من حدّتها لتجعل من وحدتها ـ وهي وحدة تسير موضوعيا على رأسها ولا وجود لها ذاتيا إلا في رأس التحريفي ـ المعيار في تقييم الأحداث.
ولهذا السبب يرفض التحريفي ثانيا الجدل وينبذه. ذلك أن الجدل ليس سوى التعبير التصوري عن حقيقة أن تطور المجتمع ينطلق في الواقع من سلسلة من التناقضات وأن هذه التناقضات (بين الطبقات، بين وجودها الاقتصادي المتناحر، الخ) تشكل الأساس والنواة الواقعية لكل حدث وأن »وحدة« المجتمع لا يمكن أن تكون، ما دام المحور الذي يقوم عليه المجتمع هو الانقسام إلى طبقات، سوى مفهوم مجرد ونتيجة عارضة دوما لتفاعل تلك التناقضات. ولكن لما لم يكن الجدل كمنهج سوى الصياغة النظرية لحقيقة أن المجتمع يتابع تطوره من خلال سلسلة من التناقضات وبالانتقال من نقيض إلى آخر، أي بطريقة ثورية، لذا فإن النبذ النظري للجدل يعني قطيعة مبدئية مع كل السلوك الثوري.
ثالثا، إن التحريفيين برفضهم الاعتراف بالواقع الراهن للجدل كحركة متناقضات تنتج دوما ما هو جديد يعرّون تفكيرهم ومحاكماتهم العقلية من كل ما هو تاريخي وعيني وجديد. والواقع الذي يمتحنونه خاضع بحكم رابطة دوغمائية وميكانيكية لـ«القوانين الحديدية الأبدية» التي تنتج بلا انقطاع وامتثالا لماهيتها الشيء ذاته دوما والتي ينصاع لها الإنسان كما لو أنها قدرة انصياعه لقوانين الطبيعة. إذن يكفي أن نعرف هذه القوانين مرة واحدة لنعرف كيف سيتطور مصير البروليتاريا. أما الافتراض بأنه يمكن أن تنشأ أوضاع جديدة غير متوقعة من قبل تلك القوانين أو أوضاع مآلها مرهون بقرار البروليتاريا، فهذا تفكير غير علمي في نظر التحريفيين. (إن التتمة الضرورية لهذا التصور هي الميل إلى التهويل من شأن الشخصيات الكبيرة والأخلاق الخ).
وينبغي أن نلاحظ، رابعا، أن هذه القوانين هي قوانين التطور الرأسمالي، وأن إلحاح التحريفي على الصحة الأبدية وما فوق التاريخية لهذه القوانين يعني أنه يعتبر المجتمع الرأسمالي، كما تعتبره البورجوازية بالذات، واقعا ثابتا غير قابل لتغيير جوهري. فالتحريفي لا يعتبر المجتمع البورجوازي نتاجا للتاريخ وبالتالي نتاجا مقضيا عليه تاريخيا بالزوال، كما أنه لا ينظر إلى العلم على أنه وسيلة لتحديد لحظة سقوط ذلك المجتمع وللتعجيل بها، بل على أنه، في أحسن الأحوال، وسيلة لتحسين وضع البروليتاريا داخل المجتمع البورجوازي. وكل محاكمة عقلية تتجاوز عمليا إطار المجتمع البورجوازي هي في نظر التحريفية وهم وطوبائية.
ولهذا، وهنا تكمن نقطتنا الخامسة، تتبنى التحريفية ما يسمى بالسياسة الواقعية. فهي تضحي دوما بالمصالح الحقيقية لمجموع الطبقة العاملة وتوجه تهمة الطوبائية إلى كل دفاع متماسك عن هذه المصالح) على مذبح الدفاع عن المصالح المباشرة لبعض الفئات. وهذه الملاحظات القليلة كافية لنتبين بوضوح أن التحريفية ما أمكنها أن تصبح تيارا حقيقيا من تيارات الحركة العاملة إلا لأن تطور الرأسمالية الجديد قد أفسح المجال بصورة مؤقتة أمام بعض فئات الطبقة العاملة للحصول بنتيجة هذا الوضع على بعض المكاسب الاقتصادية، وإلا لأن الشكل التنظيمي للأحزاب العمالية يضمن لهذه الفئات ولممثليها الفكريين نفوذا أكبر من نفوذ جماهير البروليتاريا العريضة التي ليست هي ثورية إلا غريزيا وعلى نحو مبهم وملتبس.
إن الصفة الجامعة بين جميع التيارات الانتهازية هي أنها لا تنظر أبدا إلى الأحداث من وجهة نظر البروليتاريا، وتسقط بالتالي في نزعة سياسية واقعية انتقائية لا تاريخية وغير جدلية. وهذا ما يوحّد بين تصوراتها المختلفة عن الحرب، ويظهرها جميعا بلا استثناء كنتيجة حتمية لانتهازيتها السابقة. والذيلية اللامشروطة التي تميز موقف الجناح اليميني إزاء القوى الإمبريالية في قطره القومي الخاص هي النتيجة العضوية لوجهة النظر التي تجعل من البورجوازية ـ وإن مع بعض التحفظات في البداية ـ الطبقة القائدة لتطور التاريخ والتي تحث البروليتاريا على دعم «دور البورجوازية التقدمي». وعندما يصف كاوتسكي «الأممية» بأنها مجرد أداة للسلم لا تصلح للاستخدام في أوقات الحرب، فإنه لا يزيد شيئا على قول المنشفي الروسي تشيريفانين عندما راح يندب نفسه وحظه بعد الثورة الروسية الأولى: «إنه لمن الصعب إبان الحريق الثوري وفي اللحظة التي تقترب فيها الأهداف الثورية كل الاقتراب من إمكانية إنجازها شق الطريق لتكتيك منشفي معقول»، الخ.
إن تيارات الانتهازية يتمايز بعضها عن بعض تبعا للفئات البورجوازية التي تحاول الاعتماد عليها والتي تسعى إلى جر البروليتاريا في ركابها. فالجناح اليميني من الانتهازية يعلق آماله على الصناعة الثقيلة والرأسمال المصرفي. وفي هذه الحال يعترف اعترافا غير مشروط بالإمبريالية على أنها ضرورية، ويزعم أن البروليتاريا يجب أن تضمن تحقيق مصالحها في الحرب الإمبريالية وفي عظمة أمتها وانتصارها. وفي حالات أخرى تسعى الانتهازية إلى التحالف مع تلك الفئات من البورجوازية التي تجد نفسها بالتأكيد مرغمة على المساهمة في التطور ولكن التي تشعر بأنها مبعدة إلى المرتبة الثانية. وهذه الفئات تتبع عمليا الإمبريالية (ولا معدى لها من أن تتبعها) ولكنها تتذمر من هذه العبودية و«تتمنى» أن تأخذ الأمور مجرى آخر. ولهذا السبب تطمح إلى عودة السلام والتبادل الحر والظروف «العادية»، ولكنها تظل عاجزة مع ذلك عن الظهور بمظهر الخصم الفعال للإمبريالية بل على العكس من ذلك، فهي لا تخوض معركة لا جدوى منها أصلا إلا لتكون لها حصتها في الغنيمة الإمبريالية (أقسام من الصناعة الخفيفة، البورجوازية الصغيرة، الخ). ومن خلال هذا المنظور تبدو الإمبريالية وكأنها حدث «طارئ» و«عرض عارض» وكأنها تسعى إلى تدبير حل سلمي والى تجميد التعارضات. وفي هذه الحال لا يعود المطلوب من البروليتاريا، التي يرغب وسط الحزب الاشتراكي-الديموقراطي في أن يشدها إلى ركاب تلك الفئات الاجتماعية، أن تناضل بصورة فعالة ونشيطة ضد الحرب (ولكن عدم النضال ضد الحرب يعني عمليا المساهمة فيها)، بل أن تكتفي بإعلان ضرورة سلم «عادل»، الخ.
إن «الأممية» هي التعبير التنظيمي عن وحدة مصالح البروليتاريا العالمية قاطبة. ولقد كفت «الأممية» عمليا عن الوجود من اللحظة التي تم فيها الاعتراف نظريا بإمكانية دخول العمال في صراع فيما بينهم لخدمة البورجوازية. كما أنه لم يعد في الإمكان تقويم هذه «الأممية» وإعادتها إلى الطريق القويم وإحياؤها من اللحظة التي اتضح فيها أن قتال العمال الدموي ضد العمال الآخرين تبعا لمصالح الدول الإمبريالية المتنافسة هو النتيجة الحتمية للسلوك الذي كانت العناصر المهيمنة على «الأممية» قد سلكته حتى ذلك الحين. والاعتراف بالانتهازية بوصفها تيارا محددا يعني أنها العدو الطبقي للبروليتاريا داخل المعسكر العمالي بالذات. وعلى هذا فإن طرد الانتهازية من الحركة العاملة هو الشرط الأول الذي لا غنى عنه لخوض كفاح ناجح ضد البورجوازية. ومن هنا فإن تهيئة الثورة البروليتارية تقتضي بصورة مطلقة أن يتحرر العمال من ذلك التأثير الضار من وجهة النظر الفكرية والتنظيمية. ولما كان هذا النضال هو على وجه التحديد نضال طبقتهم برمتها ضد البورجوازية العالمية، فإن النتيجة الضرورية التي يجب أن تنجم عن الكفاح ضد الانتهازية كتيار هي إنشاء «أممية» جديدة بروليتارية وثورية.
إن تمرغ «الأممية» القديمة في مستنقع الانتهازية هو نتيجة مرحلة لم يكن طابعها الثوري بارزا سافرا. وانهيار الأممية القديمة وضرورة قيام أممية جديدة هما إشارة إلى ابتداء مرحلة حتمية من الحروب الأهلية. ولكن هذا لا يعني أن القتال يجب أن يبدأ من الآن وفي كل يوم حول المتاريس، وإنما يعني أن هذه الضرورة يمكن أن تطرح نفسها وأن تبرز إلى حيز الوجود ابتداء من الغد وفي كل لحظة، وأن التاريخ قد وضع ـ باختصار ـ الحرب الأهلية على جدول الأعمال. والحزب البروليتاري، وكم بالأحرى الأممية البروليتارية، لا يمكن أن يكونا قابلين للحياة إلا إذا اعترفا اعترافا صريحا بهذه الضرورة وعقدا العزم على تهيئة البروليتاريا لهذه الضرورة ولنتائجها على المستويات المعنوية والمادية، النظرية والتنظيمية.
ونقطة انطلاق هذه التهيئة يجب أن تكون تفهم طابع تلك المرحلة ويوم تعترف الطبقة العاملة بالحرب العالمية كنتيجة حتمية لتطور الرأسمالية الإمبريالي، ويوم تفهم أن الحرب الأهلية هي المقاومة الوحيدة الممكنة للإبادة التدريجية التي تواجهها من أجل خدمة البورجوازية، يومذاك فقط يمكن أن يبدأ الإعداد المادي والتنظيمي لهذه المقاومة. ويوم تصبح هذه المقاومة فعلية، يتحول الغليان الأصم لجميع المضطهدين إلى تحالف مع البروليتاريا المناضلة في سبيل تحررها. فعلى البروليتاريا إذن أن تمتلك قبل كل شيء وعيا طبقيا صحيحا ومتجسدا تجسدا ماديا ملموسا، وعيا خاصا بها ومميزا لها حتى يكون في وسعها بواسطته أن تتولى قيادة الكفاح التحريري الحقيقي، أعني الثورة العالمية الحقيقية. والأممية التي ولدت من هذا النضال هي بالتالي إعادة توحيد للعناصر الثورية الأصيلة من الطبقة العاملة، من أجل الكفاح وعلى أرض نظرية صلبة واضحة. ولكنها في الوقت نفسه جهاز ومركز النضال التحرري للمضطهدين كافة في العالم قاطبة. إنها الحزب البلشفي، التصور اللينيني عن الحزب الموضوع برسم العالم قاطبة. وكما أن الحرب العالمية قد أظهرت، من خلال مجهر المجزرة الهائلة على نطاق الكرة الأرضية بأسرها، قوى الرأسمالية الآفلة وإمكانيات النضال ضدها، كذلك سبق للينين أن تبينها بوضوح كبير من خلال النموذج المصغر للرأسمالية الروسية الوليدة ومن خلال إمكانيات الثورة الروسية.






