بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الكاتب بقلم ريازانوف

محاضرات في تاريخ الماركسية

« السابق التالي »

المحاضرة الأولى [مدخل – الثورة الصناعية في إنكلترا- الثورة الفرنسية الكبرى وأثرها في ألمانيا]

الموضوع الذي سأعالجه تاريخي بحت، لكنني آخذ في الوقت نفسه على عاتقي المهمة التالية: لما كان ماركس وانجلز معلمانا، يستأثران باهتمامكم بصفتهما واضعي التصور المادي للتاريخ، وبصفتهما مبدعي الاشتراكية العلمية، ففي ودي أن أسرد عليكم تاريخهما مستخدما منهجهما بالذات، مطبقا تصورهما المادي.

على الرغم من أن برنامجنا ينوه بأهمية الجماعة، ترانا نعزو أحيانا أهمية مسرفة إلى دور الأفراد في التاريخ. وفي الآونة الأخيرة بوجه خاص، ترانا نهّون إلى حد ما من دور الجماهير ونضرب صفحا عن الشروط الاقتصادية والتاريخية العامة التي تحدد دور الأفراد. إن شخصية انجلز تنحني قليلا أمام تفوق شخصية ماركس.. ولا يكاد يكون في الامكان العثور في تاريخ القرن التاسع عشر على رجل حدد مثله بنشاطه وبنتاجه العلمي فكر وعمل سلسلة من الأجيال في جملة من البلدان. وعما قريب يكون قد تصرم أربعون عاما على وفاة ماركس، ولكنه لا يزال حيا، ويواصل فكره ممارسة تأثيره، محدِّدا التطور الفكري حتى لأنأى البلدان، بلدانا لم تسمع باسمه يوم كان على قيد الحياة.

إن اسم ماركس معروف جدا في روسيا. وها قد انقضى خمسون عاما ونيف على صدور الترجمة الروسية لـ«الرأسمال»، ولكن تأثير الماركسية لا يني يتزايد عاما بعد عام. ولن يكون في مستطاع أي مؤرخ مستقبلا أن يدرس التاريخ الروسي ابتداء من عام 1880 من دون أن يدرس قبل ذلك مؤلفات ماركس وانجلز، نظرا إلى عمق تغلغلهما في تاريخ الفكر الاشتراكي والاجتماعي الروسي، وفي تاريخ الحركة العمالية الثورية الروسية.

ها نحنذا نقف أمام رجلين نابغتين حددا وجهة الفكر الإنساني. فلنرَ إذن إلى الشروط والبيئة التي ترعرعا فيها. إن كل إنسان نتاج لوسط تاريخي محدد، وكل نابغة كبير يأتي بشيء ما جديد، إنما يفعل ذلك على أساس ما فُعل قبله. إنه لا ينبجس من العدم. بل أكثر من ذلك: فنحن إذا أردنا تحديد عبقرية رجل من الرجال ودرجة ابتكاره وأصالته، ما استطعنا سبيلا إلى ذلك إلا إذا تكونت لدينا فكرة تقريبية عما فُعل قبله، وعن التطور الذي كان الفكر الإنساني والمجتمع الإنساني قد أدركاه يوم شرع ذلك الرجل يتكون ويتنسم تأثير الوسط المحيط. وعليه، لا بد لنا حتى نفهم ماركس –وسيكون ذلك بمثابة تطبيق عملي لمنهج ماركس على ماركس ذاته- من أن ندرس تأثير الوسط التاريخي على ماركس وانجلز.

رأى ماركس النور في 5 أيار 1818 في تريير [40]، وانجلز في 28 تشرين الثاني 1820 في بارمن. وتريير وبارمن مدينتان ألمانيتان تقعان في إقليم واحد، إقليم الراينلاند الذي يحيط به نهر الراين الذي يؤلف خط الحدود الفاصل بين فرنسا وألمانيا. لقد ولد إذن ماركس وانجلز في زمن واحد تقريبا، بفاصل سنتين ونيف.

ولدا في ألمانيا، في إقليم واحد، في النصف الأول من القرن التاسع عشر. والطفل، كما تعلمون، يكون عرضة على الأخص لتأثير الوسط العائلي في السنوات الأولى في حياته. وبدءا من السنة العاشرة، أو السنة الثانية عشرة، يتعرض لتأثير أكثر تعقيدا، تأثير المدرسة، حيث يبدأ بالاحتكاك بجملة من الظاهرات والوقائع التي كان يجهلها في الدائرة الضيقة للحياة العائلية.

نحن نرى إذن ماركس وانجلز من الآن في وسط جغرافي معين: ألمانيا. وسنرى فيما بعد ما الطبقة التي كانا ينتميان إليها بحكم أصلهما. وفي حوالي العام 1830 كانا قد أمسيا صبيين واعيين، وإنما في ذلك الوقت طفقا يتعرضان لتأثير الوسط التاريخي الاجتماعي.

لنرَ كيف كان الوضع التاريخي العام يوم بدأ ماركس وانجلز يحييان حياة واعية. إن عامي 1830 و1831 عامان ثوريان بالنسبة إلى أوربا. في 1830 اندلعت ثورة تموز [41] في فرنسا. فطغت على أوربا بكاملها، من الغرب إلى الشرق، بل أنها أدركت روسيا ذاتها، حيث حركت في مملكة بولونيا انتفاضة 1831 [42]. إذن ما أن إذن ما إن غدا ماركس وانجلز غلامين واعيين بقدر أو بآخر، حتى وجدا نفسيهما في دوامة الثورة، يتلقيان انطباعات الحقبة الثورية. لكن ثورة تموز 1830 لم تكن هي نفسها سوى إكمال لثورة أخرى أعظم شأنا، لا مناص لنا من معرفة نتائجها وتأثيرها حتى نفهم الوسط التاريخي الذي شب فيه كل من ماركس وانجلز عن الطوق.

تحدد تاريخ القرن التاسع عشر امتدادا إلى عام 1830 بعاملين أساسين: الثورة الصناعية في إنكلترا والثورة الفرنسية الكبرى. وقد بدأت الثورة الصناعية في إنكلترا في حوالي عام 1760، وامتدت على حقبة طويلة جدا من الزمن. وأدركت أوجها في أواخر القرن الثامن عشر، ولكنها لم تنته إلا في حوالي عام 1830. فما الثورة الصناعية (كما سماها انجلز)؟

في النصف الثاني من القرن الثامن عشر كانت إنكلترا قد أضحت قطرا رأسماليا. كان فيها طبقة من العمال، من البروليتاريين، أي طبقة من رجال محرومين من كل ملكية، غير مالكين لأدوات إنتاج، وبالتالي مكرهين على بيع قوة عملهم كما تباع السلعة حتى يعيشوا. وكان يوجد فيها أيضا طبقة من الرأسماليين الذين يستغلون طبقة العمال. وكان فيها أخيرا طبقة من كبار الملاك العقاريين.

بيد أن الرأسمالية في إنكلترا كانت لا تزال تعتمد تقنيا حتى منتصف القرن الثامن عشر على الإنتاج اليدوي القديم، على المهنة. ولا نقصد بذلك الإنتاج الحرفي القديم حيث كانت كل منشأة لا تضم سوى رب عمل واحد، واثنين أو ثلاثة من العرفاء، وبعض المبتدئين. فقد كان ذلك الإنتاج الحرفي قد أخلى الساح لنمط الإنتاج الرأسمالي. وفي النصف الثاني من القرن الثامن عشر كان الإنتاج الرأسمالي في إنكلترا قد أضحى معمليا [43]. وفي الطور المعملي من تطور الإنتاج، يواصل الرأسماليون استغلال العامل، لكن على نطاق واسع، وفي مشغل أكبر بكثير من مشغل الحرفي. أما من منظور تنظيم العمل، فإن الإنتاج المعملي يتميز عن الصناعة الحرفية بجمعه لمئات من الحرفيين في مقر كبير. ويقوم بين أولئك الرجال الذين يعدون بالمئات، أيا تكن المهنة التي يعملون فيها، تقسيم مكتمل للعمل مع كل ما يترتب على هذا التقسيم من نتائج. تلك هي المنشأة الرأسمالية، منشأة بلا آلات، لكن تقسيم العمل، تقسيم كيفية الإنتاج بالذات إلى عمليات جزئية متباينة، يكون قد قطع فيها شوطا بعيدا. وفي منتصف القرن الثامن عشر تحديدا أدركت هذه الحقبة المعملية أوج ازدهارها في إنكلترا.

وإنما ابتداء من عام 1760 طفقت تتبدل أسس الإنتاج التقنية بالذات. فمحل أدوات الحرفيين القديمة حلت آلات. وحدث هذا التجديد أول ما حدث في الفرع الرئيسي من الصناعة الإنكليزية: النسيج. وطرأ تحول كبير على الجانب التقني من مهنة النساج والغزال بنتيجة التطبيق المتعاقب لسلسلة من الاختراعات. ولن أعدد تلك الاختراعات جميعا. سأقول فقط أنه في حوالي العام 1780 كان قد تم اختراع المغزل والمنسج الآليين، وفي عام 1785 اخترع واط أيضا آلته البخارية المتقنة التي أتاحت إمكانية إقامة المعامل في المدن بعد أن كانت من قبل لا تقام إلا عند مجاري المياه المولدة للطاقة الضرورية. ونجمت عن ذلك شروط موائمة لتركز الإنتاج. وابتداء من 1785 بدأت محاولات استخدام البخار كمحرك في عدد من فروع الصناعة. لكن تقدم التقنية الصناعية لم يتم بالسرعة التي تتحدث عنها أحيانا موجزاتنا المدرسية. لهذا قلت أن الحقبة الممتدة من 1760 إلى 1830 هي بكاملها حقبة تلك الثورة الصناعية الكبرى. ومن ذلك أن المغزل الذي يعرفه الكثيرون منكم، المغزل الآلي Self-Acting الكثير الانتشار في معاملنا، لم يأخذ شكله المكتمل، المتقن، النهائي، إلا في عام 1825. كذلك لم يأخذ النول الآلي شكله الراهن إلا في عام 1813، مع أن الأنوال الأولى اخترعت قبل عام 1760 (نول كارترايت في عام 1785)، أي قبل ذلك التاريخ بمدة لا بأس بطولها.

نحن إذن أمام بلد ما ونت الاختراعات تتوالى بلا انقطاع منذ سبعين عاما، ومال ونى فيه الإنتاج يتركز أكثر فأكثر، وما ونت فيه أنوال الغزل والنسيج الصغيرة تنقرض وتزول تدريجيا، وكان يحل محل الحرفيين أعداد متزايدة باستمرار من البروليتاريين. وهكذا نجد في إنكلترا في نهاية القرن الثامن عشر، وعلى الأخص في أواسط القرن التاسع عشر، وبدلا من طبقة العمال القديمة التي شرعت بالتكون في القرنين السادس عشر والسابع عشر والتي ما كانت تمثل، حتى في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، سوى جزء ضئيل من السكان، نجد طبقة كثيرة التعداد من السكان، تسم بميسمها العلاقات الاجتماعية كافة.

وبالتواقت مع تلك الثورة الصناعية، طرأ قدر من التركز في داخل الطبقة العاملة بالذات، كما طرأ تغير على العلاقات الاقتصادية كافة. فقد سُلخ الغزالون والنساجون عن شروط وجودهم المعهودة. في البدء كان العامل في المعمل لا يتميز كثيرا عن الحرفي أو الفلاح، فكان مطمئنا إلى الغد، مدركا أنه يحيا في الشروط نفسها التي عاش فيها والده أو جده، لكن كل شيء قد تغير الآن. فالعلاقات العائلية العريقة القدم بين أصحاب المنشآت والعمال قد اندثرت، وصار أصحاب المنشآت يلقون إلى قارعة الطريق بالعشرات والمئات من العمال. وعندئذ ثارت ثائرة هؤلاء الأخيرين على هذا التبدل الجذري، على هذا الانقلاب في شروط حياتهم. استولى على قلوبهم الغيظ، وانصب غيظهم وحقدهم في البداية على العلامة الخارجية لتلك الثورة الجديدة المعاكسة لمصالحهم، أي على الآلات التي كانت تشخص في نظرهم الشر كله. وفي مطلع القرن التاسع عشر حدثت سلسلة من أعمال تمرد العمال على الآلات، على التحسين التقني للإنتاج. وبلغت حركات التمرد تلك أقصى مداها في إنكلترا في حوالي العام 1815، وذلك على اثر الابتداء باستخدام المنسج الآلي المطور. ويومئذ اجتاحت الحركة المراكز الصناعية جميعا، وبعد أن كانت عفوية، تنظمت وابتدعت شعاراتها وزعماءها.

ولمواجهة هذه الحركة، المعروفة في التاريخ باسم حركة اللوديين، والتي اقتبست تسميتها في رأي بعضهم من اسم واحد من العمال، وفي رأي بعضهم الآخر من اسم الجنرال الخرافي لودا الذي كان العمال يوقعون به بياناتهم، لجأت الطبقات الحاكمة والاوليغارشية السائدة إلى أشد التدابير حزما وصرامة. فكل عمل من أعمال التدمير، وكل محاولة لتخريب الآلات عقوبتها الموت، وقد قضى الكثير من العمال شنقا.

كانت هناك حاجة إلى دعاية مناسبة لتنوير العمال، ولإفهامهم أن خطأ وضعهم لا يرجع إلى الآلات نفسها، وإنما إلى الشروط التي تستخدم فيها هذه الآلات الجديدة. والحال أن الحركة الثورية التي تجعل هدفها تحويل العمال إلى كتلة جماهيرية واعية، قادرة على التصدي لشروط اجتماعية وسياسية معينة، طفقت تنمو وتتطور بقوة في إنكلترا ابتداء من عام 1815 تحديدا. ولن أدخل في تفاصيل تلك الحركة، لكن بودي التنويه بأنها وإن بدأت في 1815-1817 فإن روادها ظهروا في أواخر القرن الثامن عشر.

لكن حتى نفهم دور هؤلاء الرواد، ينبغي علينا أن ندرس الآن فرنسا، لأنه يشق علينا أن نفهم الخطوات الأولى للحركة الإنكليزية من دون أن نعرف دور الثورة الفرنسية.

اندلعت الثورة الفرنسية في 1789، وأدركت ذروتها في 1793. وبدءا من 1794 طفقت تأفل، وبعد بضعة أعوام أفضت إلى قيام دكتاتورية نابليون العسكرية. ففي 1799 قام نابليون بانقلابه، وشغل منصب القنصل لمدة خمس سنوات، ثم أعلن نفسه إمبراطورا، وملك على فرنسا حتى عام 1815.
كانت فرنسا، حتى نهاية القرن الثامن عشر، قطرا تحكمه ملَكية مطلقة. وفي الواقع، كانت السلطة في أيدي النبالة والاكليروس اللذين كانا يبيعان مقابل إعانات مالية جزءا من نفوذهما للبرجوازية المالية التجارية التي كانت قيد التكوين. وأفضى غليان الجماهير الشعبية، والمنتجين الصغار، والفلاحين، والصناعيين الصغار والمتوسطين غير المتمتعين بأي امتياز، أفضى إلى حركة ثورية قوية أجبرت السلطة الملكية، في خاتمة المطاف، على القبول بتنازلات. فاستدعى لويس السادس عشر «المجالس العامة» [44]. وفي إبان صراع الفئتين الاجتماعيين الممثلتين بطبقة فقراء المدن وبطبقة أصحاب الامتيازات، سقطت السلطة، في 10 آب 1792، بين يدي البرجوازية الصغيرة الثورية والعمال الباريسيين. ويومئذ سيطر اليعاقبة مع روبسبير ومارا اللذين ينبغي أن نضيف إليهما الجيروندي دانتون. وعلى مدى سنتين كان مصير فرنسا بين أيدي الشعب الثائر الذي كانت باريس طليعته. كان اليعاقبة ممثلي البرجوازية، لكنهم دفعوا بمطالب هذه البرجوازية إلى حدها المنطقي. ما كانوا لا بشيوعيين ولا باشتراكيين، وما كان روبسبير ومارا ودانتون سوى برجوازيين صغارا ديموقراطيين أخذوا على عاتقهم الدور والمهمة اللذين كان يفترض بالبرجوازية قاطبة أن تنجزهما: تحرير فرنسا من جميع مخلفات العهد الإقطاعي، وخلق الشروط السياسية التي تسمح لجميع المالكين بمزاولة نشاطهم بحرية، ولكل مالك صغير بأن يتدبر لنفسه دخلا متوسطا من خلال مهنة شريفة أو استثمار شريف لعمل الغير. لكن اليعقوبيين روبسبير ومارا، في نضالهما ضد الإقطاع، وضد الأرستقراطية، وبصورة رئيسية ضد أوربا قاطبة التي كانت تنقض على فرنسا، لعبا دور زعماء ثوريين. وقد كان عليهما، في مجرى ذلك الكفاح ضد أوربا قاطبة، أن يلجآ إلى استخدام خطة الدعاية الثورية. وكي يواجها قوة النبلاء والملوك بقوة الجماهير الشعبية، أطلقا شعار: «الحرب على القصور، السلم للأكواخ!». وتحت رايتهما نقشا شعار: الحرية، المساواة، الإخاء.

إن تلك المنجزات الأولى للثورة الفرنسية قد عادت بالفائدة المباشرة على راينلاند حيث جرى تنظيم جمعيات يعقوبية. وتطوع الكثيرون من الألمان في الجيش الفرنسي. وقد ساهم بعضهم في جميع الجمعيات الثورية في باريس. وكان للثورة الفرنسية تأثير بالغ ودائم في إقليم راينلاند حيث حافظ الجيل الفتي في مطلع القرن التاسع عشر على زاهي تقاليدها البطولية. وقد كان على نابليون الغاصب نفسه، في صراعه مع أوربا الملكية والإقطاعية، أن يعتمد على المنجزات الأساسية للثورة الفرنسية، لمجرد أنه كان غاصبا، عدوا للنظام الإقطاعي. كان قد بدأ حياته العسكرية في الجيش الثوري. وقد حارب الجنود الفرنسيون، الحافية أقدامهم، الرثة ثيابهم، شبه العزل من الأسلحة، ضد القوات النظامية البروسية وقهروها بحماستهم، بتفوقهم العددي، ببراعتهم في تثبيط معنويات الجيش المعادي وتفكيكه عن طريق قذفه بالمناشير قبل قصفه بالرصاص. وقد لجأ نابليون نفسه في حروبه إلى تلك الدعاية الثورية. وكان يعلم حق العلم أن المدافع وسيلة عمل قوية، لكنه لم يهمل قط، حتى آخر أيام حياته، أداة الدعاية الثورية التي تفكِّك قوات الخصوم.

وامتد تأثير الثورة الفرنسية إلى الشرق أيضا، فوصل حتى إلى سان بطرسبورغ. وتروي كتبنا القديمة أن الناس، عند وصول نبأ سقوط الباستيل، راحوا يتبادلون التهاني ويتعانقون في شوارع سان بطرسبورغ بالذات.

وكان في روسيا أصلا مجموعة قليلة من الرجال، أشهرهم راديتشيف [45]، تفهم عميق الفهم معنى أحداث الثورة الفرنسية. وقد بان أثر هذه الثورة في أقطار أوربا طرا بقدر أو بآخر. وحتى في إنكلترا، القطر الذي كان يومئذ على رأس جميع الأحلاف الموجهة ضد فرنسا، امتد أثرها لا إلى العناصر البرجوازية الصغيرة فحسب، بل أيضا إلى الأعداد الكبيرة من العمال الذين أوجدتهم الثورة الصناعية. وفي حوالي 1791-1792 على وجه التحديد رأى النور في إنكلترا أول تنظيم عمالي ثوري، وحمل ذلك التنظيم اسم جمعية التراسل، وقد تسمى بهذا الاسم احتيالا على القانون الإنكليزي الذي يحظر على كل جمعية في بلدة من البلدات أن تقيم صلة تنظيمية مع جمعية أخرى في بلدة أخرى. في نهاية القرن الثامن عشر، كانت إنكلترا قطرا دستوريا. وكان قد حدث فيها ثورتان: أولاهما في أواسط القرن السابع عشر، وثانيتهما في أواخره. وكانت تعتبر أكثر الأقطار تحررا، وكانت النوادي والجمعيات مرخصا لها فيها، لكن لم يكن يحق لأي من تلك النوادي أو الجمعيات أن يقيم علاقة تنظيمية مع غيره. وتداركا لأمر هذا التحظير ابتكر العمال تنظيم جمعيات مراسلة حيثما وجدوا إلى ذلك سبيلا. وكانت تلك الجمعيات تراسل بعضها بعضا. وكان على رأس جمعية لندن اسكافي يدعي توماس هاردي، وهو اسكتلندي من أصل فرنسي. وقد اجتذب عددا كبيرا من العمال إلى الجمعية التي كان هو منظمها. وكان رسم الدخول زهيدا للغاية. وكانت الجمعية تنظم اجتماعات ومهرجانات خطابية. وكان معظم العمال المنتسبين إليها حرفيين واسكافيين وخياطين. وآية ذلك أن الثورة الصناعية التي تحدثت عنها كانت قد بدأت تمارس تأثيرها التفكيكي على الإنتاج المعملي القديم وعلى المهن القديمة. وسأذكر لكم اسما آخر يرتبط بالتاريخ اللاحق للحركة التريديونيونية في إنكلترا، هو فرنسيس بلاس، الخياط مهنةً. وبين سائر الحرفيين الأعضاء في جمعيات التراسل تلك، سأذكر الاسكافي هولكرافت، الشاعر، الكاتب، الخطيب المفوه، الذي لعب دورا كبيرا في أواخر القرن الثامن عشر.

بعد أسبوعين أو ثلاثة أسابيع من إعلان الجمهورية في فرنسا (10 آب 1792)، بعثت جمعية هاردي للتراسل، بواسطة السفير الفرنسي في لندن، بخطاب تعاطف وتأييد إلى الجمعية التأسيسية [46]. وقد ترك ذلك الخطاب، وهو من أوائل بيانات التضامن الأممي، أثرا كبيرا في الجمعية التأسيسية، لأنه صادر عن الشعب الإنكليزي، ولأن الطبقات السائدة في إنكلترا كانت تبدي آنئذ عن عداء لدود حيال فرنسا. وقد ردت عليه الجمعية التأسيسية بقرار خاص. وقد تذرعت الاوليغارشية الإنكليزية بعلاقات جمعيات التراسل باليعاقبة الفرنسيين كي تقوم بحملة ملاحقة ضدها. ورفعت عدة دعاوي على هاردي وعلى عدد من رفاقه. ولو قرأنا خطابات وكلاء النيابة في تلك المحاكمات، لرأينا كيف انتهزت المجموعات الرأسمالية الإنكليزية سانحة الثورة كي تجرد فرنسا الثورية من مستعمراتها في آسيا وأمريكا.

لقد عمدت الاوليغارشية، تخوفا من انهيار أسس سيطرتها، إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات ضد الحركة العمالية الوليدة. فالجمعيات والاتحادات التي كان قد رخص للعناصر البرجوازية والأفراد الميسورين بإنشائها، والتي كان من المستحيل فيما بعد الامتناع عن الترخيص بها للحرفيين، قد جرى في العام 1800 تحظيرها. وحظرت بوجه خاص جميع الجمعيات التي تتبادل التراسل فيما بينها. وفي العام 1799 صدر قانون خاص بتحظير كل اتحادات للعمال في إنكلترا. ومن 1799 إلى 1824 حرمت الطبقة العاملة الإنكليزية من كل حق في الاجتماع والتكتل.

لنرجع إلى عام 1815. فحركة اللوديين، التي كان هدفها الأوحد تدمير الآلات، أخلت الساح لنضال أكثر وعيا. ورأت النور تنظيمات ثورية جديدة جعلت هدفها تغيير شروط الحياة السياسية للطبقة العاملة. وقد طالبت في المقام الأول بحق الاجتماع، وبحق التكتل، وبحرية الصحافة. وبدأت سنة 1817 بكفاح مستعر الأوار تمخض في عام 1819 في مركز الصناعة القطنية، مانشستر، عن معركة كتبت لها الشهرة، معركة تعرف باسم معركة بيترلو. فكما أن نيقولا الثاني صفق لعساكره الشجعان الذين أطلقوا النار على عمال إياروسلافل، كذلك هنأ ملك إنكلترا الفرسان البواسل الذين قهروا العمال العزل من السلاح. فضلا عن ذلك، اتخذت إجراءات جديدة صارمة ضد الطبقة العاملة، تعرف باسم القوانين الستة. لكن تلك الاضطهادات لم تؤد إلا إلى تعزيز الكفاح الثوري. ففي عام 1824، وبفضل بلاس على الأخص الذي كان قد غدا يومئذ صناعيا غنيا من دون أن يقطع صلاته بالراديكاليين في مجلس العموم، حصل العمال الإنكليز على تنازل: قانون التكتل المشهور. وصار لحركتهم الساعية إلى إنشاء منظمات مهنية غرضها الدفاع عنهم وحمايتهم من اضطهاد أرباب العمل والحصول على شروط عمل أفضل وعلى أجور أكثر ارتفاعا، صار لها أساس شرعي. وابتداء من ذلك اليوم شرعت الحركة التريديونيونية الإنكليزية بالتطور. وتكونت في داخلها جمعيات سياسية جعلت غايتها الفوز بحق الانتخاب العام.

في فرنسا، أدت هزيمة نابليون في سنة 1815 إلى إعادة الحكم الملكي القديم لآل بوربون، فتسنم العرش لويس الثامن عشر. أنه عهد عودة الملكية الذي دام خمسة عشر عاما. فبعد أن استعاد لويس الثامن عشر عرشه بمساعدة التدخل الأجنبي، وعلى الأخص مساعدة ألكسندر الأول [47]، قام بسلسلة من التنازلات لصالح كبار الملاك العقاريين الذين تضرروا من الثورة. كان من المستحيل أن تعاد إليهم أراضيهم، إذ كان لا مفر في هذه الحال من انتزاعها من أيدي الفلاحين، لذا فقد دفع إليهم مبلغ مليار فرنك. وبذلت السلطة الملكية قصارى جهدها لكبح تطور علاقات سياسية واجتماعية جديدة. وسعت إلى سحب أكبر قدر من التنازلات التي كانت قد أرغمت على التنازل عنها. ودار الصراع بين الليبراليين والمحافظين بلا توقف، وأدى أخيرا إلى ثورة جديدة اندلعت في تموز 1830.

أما إنكلترا، التي تجاوبت في نهاية القرن الثامن عشر مع الثورة الفرنسية بتعزيزها للحركة العمالية، فقد أمست، تحت تأثير ثورة تموز، مسرح اندفاعة ثورية جديدة، وعمت البلاد حركة قوية تطالب بتوسيع حق الانتخاب. ففي ذلك العهد كان الحق الانتخابي يقتصر على أقلية زهيدة من السكان. وكان كبار الملاك العقاريين أصحاب اليد الطولى في الانتخابات، ومن هم في مجلس العموم. وقد أرغم الحزبان الحاكمان، اللذان كانا يمثلان مختلف أجنحة الأرستقراطية العقارية، الويغ والتوري [48]، على تقديم تنازلات. وكتبت الغلبة للحزب الأكثر ليبرالية منهما، حزب الويغ الذي كان يعتبر الإصلاح الانتخابي ضروريا. لكن البرجوازية الصناعية هي وحدها التي حصلت على حق الاقتراع. وردا على خيانة البرجوازية الليبرالية، التي انحاز إليها العضو السابق في جمعية المتراسلين بلاس، نظم العمال، بعد عدة محاولات غير مثمرة، جمعية لندن العمالية في عام 1836. وقد تولى قيادة تلك الجمعية عدد من العمال الموهوبين، ومنهم وليم لويت وهنري هاسرينغتون. وفي سنة 1837 صاغ لويت ورفاقه لأول مرة المطالب السياسية الأساسية للطبقة العاملة. فقد جعلوا هدفهم تنظيم العمال لا في حزب عمالي طبقي يتنصب في وجه سائر الأحزاب البرجوازية الأخرى، وإنما في حزب سياسي ينادي بأنه يريد أن تكون له حصته من النفوذ، وأن يشارك في المعترك السياسي ، وأن يكون في ظل النظام البرجوازي الحزب السياسي للطبقة العاملة. وتوجد في الوقت الراهن أحزاب عمالية من ذلك النوع في استراليا وزيلاندا الجديدة، وليس هدفها التحويل الجذري للشروط الاجتماعية، وقد تتحالف أحيانا تحالفا وثيقا مع البرجوازية بغية تأمين حصة محددة من النفوذ للعمال في الآلة الحكومية.

عمدت الوثيقة التي صاغ فيها لويت ورفاقه مطالب العمال باسم «الميثاق»، وحركتهم باسم الحركة «الميثاقية» [49]. وقد طرح العمال الميثاقيون ستة مطالب: الانتخاب العام، برلمان سنوي، اقتراع سري، تعويض برلماني، تقسيم البلاد إلى دوائر انتخابية متساوية، وإلغاء ضريبة الترشيح المفروضة على النواب. على هذا النحو بدأت الحركة الميثاقية.

في فرنسا، أدت ثورة تموز 1830 لا إلى إقامة الجمهورية، وإنما إلى إقامة حكم ملكي دستوري، على رأسه زعيم الفرع الاورليانسي الذي كان قد وقف إبان الثورة الفرنسية الكبرى، ثم في عهد عودة الملكية لاحقا، موقف المعارضة من آل بوربون. وكان لوي فليب [50] الممثل النموذجي للبرجوازية: فقد كان حرصه على الاقتصاد والتوفير يحظى بإعجاب أصحاب الدكاكين الباريسيين الصغار.

أطلقت ملكية تموز الحرية للبرجوازية الصناعية والتجارية والمالية حتى تتيح لها فرصة الإثراء السريع، وسددت ضرباتها إلى الطبقة العاملة التي تجلى في أوساطها منذ ذلك العهد، وإن بصورة غير كافية، ميل إلى التنظيم.

في السنوات الأولى التالية للثورة كانت الجمعيات الثورية تتألف بصورة رئيسية من الطلبة والمثقفين، وما كان العمال فيها إلا الاستثناء. لكن ردا على خيانة البرجوازية انفجرت انتفاضة عمالية في عام 1831 في ليون، مركز صناعة الحرير. واستولى العمال لعدة أيام متتالية على المدينة. ولم يطرحوا أي مطلب سياسي، ونقشوا على رايتهم شعارا يقول: «لنعش عاملين أو لنمت مقاتلين». وفي خاتمة المطاف غلبوا على أمرهم، وتعرضوا لانتقام رهيب.

تجددت الانتفاضة في ليون عام 1834. وكان دورها لا يستهان به، وأهم شأنا من دور ثورة تموز. فقد أثرت هذه الأخيرة على العناصر البرجوازية الصغيرة الديموقراطية بوجه خاص. أما الانتفاضة الليونية المزدوجة فقد أظهرت للعيان للمرة الأولى الأهمية الثورية للعنصر العمالي الذي رفع، وإن في مدينة واحدة فقط، راية التمرد على البرجوازية قاطبة وطرح بوضوح المسألة العمالية. ولم تكن مطالب البروليتاريا الليونية موجهة بعد ضد أسس النظام البرجوازي بالذات، ولكنها كانت موجهة ضد الرأسماليين، ضد الاستغلال.

في ذلك العهد إذن، وفي فرنسا وإنكلترا، دلفت إلى خشبة المسرح طبقة ثورية جديدة، هي البروليتاريا. في إنكلترا حاولت هذه البروليتاريا أن تنظم نفسها. وفي فرنسا، وبعد انتفاضة ليون، بدأت المحاولات الأولى لتنظيمها الثوري. وأبرز ممثلي هذه الحركة هو أوغست بلانكي، أحد عظام الثوريين الفرنسيين. فتحت تأثير الانتفاضتين الليونيتين أظهرتا للعيان أن العنصر الأكثر ثورية في فرنسا يتمثل بالعمال، طفق بلانكي مع رفاق له بتنظيم جمعيات ثورية في أوساط عمال باريس. وقد ساهم في تلك الجمعيات الثورية، كما في زمن الثورة الفرنسية الكبرى، رجال من جنسيات مغايرة: ألمان، بلجيكيون، سويسريون. وقام بلانكي ورفاقه، وكان هدفهم الاستيلاء على السلطة السياسية بهجوم عسكري مفاجئ ثم المبادرة بعد ذلك إلى تحقيق سلسلة من التدابير لصالح الطبقة العاملة، قاموا في أيار 1839 في باريس بمحاولة تمرد جريئة سرعان ما أجهضت. وقد انتهت تلك المحاولة، التي أعادت على بلانكي بالحكم بالسجن المؤبد، نهاية مؤسفة بالنسبة إلى الألمان الذين شاركوا فيها. ومن بين هؤلاء الأخيرين سأذكر شخصا واحدا فقط، هو شابر الذي سيطالعنا اسمه لاحقا. فقد اضطر مع بضعة رفاق له إلى مغادرة فرنسا، وتوجه في شباط 1840 إلى لندن حيث نظم جمعية تثقيف عمالية.

وفي ذلك الزمن الذي بلغت فيه الحركة العمالية الثورية أوجها، كان ماركس وانجلز قد صارا رجلين واعيين، أولهما في الثانية والعشرين من العمر، والثاني في العشرين.

« السابق التالي »