بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الكاتب بقلم ريازانوف

محاضرات في تاريخ الماركسية

« السابق التالي »

المحاضرة الثانية [الحركة الثورية في ألمانيا في 1830 – الراينلاند – سنوات مراهقة ماركس وانجلز – كتابات انجلز الأدبية – ماركس محرر «الصحيفة الراينية».]

لنر الآن إلى الوضع في ألمانيا بعد 1815. كانت الحروب النابوليونية قد انتهت. وقد شاركت في تلك الحروب، علاوة على إنكلترا، محور التكتل، روسيا المتحالفة مع الألمان والنمساويين. وكان ألكسندر الأول قد لعب الدور الرئيسي في مؤتمر فيينا [40] الذي قرر مصير أوربا. ولم يكن صلح فيينا أجدى لأوربا من مؤتمر فرساي [41] الذي أنهى الحرب الإمبريالية الأخيرة. فقد جرد فرنسا من كل فتوحاتها الإقليمية في الحقبة الثورية. وأعطيت المستعمرات الفرنسية لإنكلترا. وانشطرت ألمانيا، التي كانت تنتظر اتحادها من حرب التحرير تلك، إلى شطرين بصورة نهائية: ألمانيا الشمالية والنمسا.

وسرعان ما قامت بعد 1815 في أوساط المثقفين والطلبة حركة ترمي بصورة أساسية إلى إعادة توحيد ألمانيا. وكان العدو الرئيسي يومئذ روسيا التي عقدت، بعد مؤتمر فيينا مباشرة، مع كل من ألمانيا والنمسا التحالف المقدس الرامي في المقام الأول إلى خنق الصبوات الثورية. وكان المؤسسان الرسميان لذلك الحلف ألكسندر الأول وإمبراطور النمسا [42]، أما في الواقع فقد كان رأسه المدبر مترنيخ، موجه السياسة النمساوية. لكن روسيا كانت تُعد المعقل الأول للرجعية. لهذا كان للحركة اللامشروعة، التي ظهرت بين المثقفين والطلبة الألمان والتي كان هدفها تطوير الثقافة والتعليم في أوساط الشعب لإعداد العدة لتوحيد ألمانيا، اتجاه مناوئ للروس من البداية. وقد أسست جمعيات عديدة، وبرزت من بينها الحلقات الجامعية في إيينا وهس الخ. وفي عام 1819 اغتال طالب يدعى كارل ساند الكاتب الألماني كوتزبو [43] الذي كان يعد بحق جاسوسا روسيًا. وقد قدم ذلك العمل الإرهابي، الذي ترك أثرا عميقا في روسيا حيث أصبح كارل ساند قدوة غالبية كانونيينا [44] المقبلين، قدم لمترنيخ وللحكومات الألمانية ذريعة لشن حملة اضطهادات ضد المثقفين. لكن الجمعيات الطالبية وطدت أقدامها بدلا من أن تندثر، وشكلت رويدا تنظيمات ثورية.

إن حركتنا الكانونية، التي تمخضت عن محاولة عصيان مسلح لم يكتب لها النجاح في 14 كانون الأول 1825، ليست حركة معزولة ومحصورة بالمثقفين الروس. فقد تطورت تحت تأثير الحركة الثورية لمثقفي بولونيا والنمسا وفرنسا وأسبانيا.. وكان يقابلها تيار أدبي خاص، كان أبرز ممثليه وأهمهم شأنا وأكثرهم نموذجية، من 1818 إلى 1830، الصحفي الألماني لودفيغ بيرن. كان من أصل يهودي، وكان له تأثير عظيم على تطور الفكر السياسي الألماني. وبوصفه ديموقراطيا سياسيا حقيقيا، لم يكترث كثيرا للمسألة الاجتماعية، لاقتناعه بأن من الممكن إصلاح كل شيء وتحسين كل شيء متى ما منح الشعب الحرية السياسية الكاملة.

لقد كانت لثورة تموز 1830 صدى قوي في أوربا قاطبة، بل أنها تسببت في بعض أرجاء ألمانيا في فتن وانتفاضات. لكن نظرا إلى أن الحركة لم تكن ذات جذور عميقة في الجماهير الشعبية، فقد تغلبت عليها الحكومة بيسر وسهولة مقابل بعض تنازلات.

لقد أرغمت هزيمة انتفاضة 1831 البولونية، تلك العاقبة المباشرة لثورة تموز، عددا لا يستهان به من الثوريين البولونيين على البحث عن ملاذ لهم وملجأ في ألمانيا كي يفلتوا من ملاحقات الحكومة القيصرية. وترتب على ذلك في أوساط المثقفين الألمان، احتدام الكره لروسيا وتعاظم التعاطف مع بولونيا الرازحة تحت نير الاضطهاد.

وتسببت ثورة تموز والانتفاضة البولونية في قيام عدد من الحركات الثورية التي يخلق بنا أن نتوقف عندها. وسأسرد عليكم الأحداث والوقائع التي أمكن لها، بصورة أو بأخرى، التأثير على ماركس وانجلز اللذين كانا لا يزالان فتيين يافعين. ففي 1832 كان إقليم بفالز مركز الحركة الثورية في ألمانيا الجنوبية. وكان إقليم بفالز، شأنه شأن إقليم الراينلاند، قد وقع في أيدي الفرنسيين لحقبة مديدة من الزمن، ولم يُرجع إلى ألمانيا إلا بعد 1815. ويومئذ أعطي الراينلاند لبروسيا، وبافلز لبافاريا حيث كانت الرجعية تعيث فسادا على نحو مماثل لما كانت تفعله في بروسيا. ولم يكن ثمة بد بالطبع من أن يقاوم سكان الراينلاند، وكذلك سكان بفالز، الذين اعتادوا على قدر من الحرية النسبية في ظل النظام الفرنسي، النظام الذي صاروا خاضعين له. وكان كل نهوض للحركة الثورية في فرنسا يشد بالضرورة من أزر معارضتهم. وفي 1831 انتشرت تلك الحركة على نطاق واسع للغاية في أوساط المثقفين الليبراليين في بافلز. وفي 1832 نظم المحاميان فيرث وشيبنفايفر في مدينة هامباخ حفلا كبيرا توالى فيه على المنصة عدد من الخطباء، بينهم بيرن، ليعلنوا ضرورة قيام ألمانيا حرة وموحدة. وكان في عدادهم صانع فراشي يدعى يوهان بيكر، وكان له من العمر آنئذ 23 عاما، وسوف نلتقي باسمه غير مرة في تاريخ الحركة الثورية الأوربية. وراح بيكر، الوثيق الصلة بعدة أجيال من الثورين الروس، يثبت للمثقفين أنه لا يجوز الاقتصار على التحريض، وانه لا بد من إعداد العدة للانتفاضة المسلحة. كان ثوريا نموذجيا، موهوبا جدا، قبل أن يصير فيما بعد كاتبا. بيد أنه لم يكن قط منظِّرا لامعا، بل كان يمثل بالأحرى نموذج الثوري العملي. وبعد حفل هامباخ، أمضى بضع سنوات أخرى في ألمانيا حيث مارس الدعاية والتحريض ونظم عمليات هرب للثوريين المسجونين. وفي عام 1832، وفيما كان هو نفسه في السجن، قامت مجموعته بهجوم مسلح على حامية فرانكفورت حيث مقر دييت الاتحاد الكونفدرالي الجرماني. وكان الطلبة والعمال المنتسبون إلى تلك المجموعة مقتنعين بأن انتفاضة مظفرة في تلك المدينة سيكون لها وقع عظيم في ألمانيا، بيد أن الإخفاق كان من نصيبهم. وقد شارك كارل شابر، الذي كان يشتغل يومئذ في ألمانيا، مشاركة فعالة في تلك الانتفاضة، وبعد الاندحار تمكن من الهرب إلى فرنسا. وكانت كل تلك الحركة الثورية متركزة بوجه الخصوص في المناطق التي لبثت ردحا طويلا من الزمن تحت السيطرة الفرنسية.

في إمارة هس أيضا قامت حركة ثورية بقيادة الراعي فيديغ، النصير الراسخ اليقين للحرية السياسية ولتوحيد ألمانيا. وقد نظم فيديغ مطبعة سرية كان يطبع فيها بياناته، ويسعى إلى تجميع المثقفين حوله. وكان في عداد هؤلاء واحد من أولئك الذين شاركوا أوسع المشاركة في الحركة، أعني جورج بوخنر مؤلف مسرحية «موت دانتون». فيقينا منه بضرورة كسب تعاطف الجماهير القروية، أنشأ برسم فلاحي إقليم هس صحيفة دعائية خاصة كانت أول محاولة في نوعها. ولم يطل العمر بتلك الصحيفة التي كان فيديغ يطبعها في مطبعته السرية. واعتقل منظموها. وأفلح بوخنر في الإفلات من الملاحقات: فهرب إلى سويسرا حيث قضى نحبه بعد مدة قصيرة. أما فيديغ (خال فلهلم ليبكنخت الذي تأثر، ولا بد، عميق التأثر بتلك الأحداث وإن كان غرا يافعا) فقد أودع السجن وتعرض لعقوبات جسدية.

يمم قسم من الثوريين الذين أفلح بيكر في تهريبهم من السجن، وكذلك شابر الذي فر بعد انتفاضة فرانكفورت، ثم شوستر، يمموا بوجوههم شطر باريس حيث استقر بهم المقام وأسسوا جمعية سرية: «اتحاد المنفيين». وتحت تأثير شوستر وعدد من العمال الألمان المقيمين في باريس، اشتد ساعد التيار الاشتراكي أكثر فأكثر في تلك الجمعية، وأدى في نهاية المطاف إلى انشقاقها. وأسس قسم من أعضائها، بزعامة شوستر، «اتحاد العادلين» الذي قضيت له ثلاث سنين من العمر والذي شارك المنتسبون إليه في انتفاضة بلانكي، وكان مآلهم، شأن البلانكيين، إلى الاعتقال والسجن. وبعد الإفراج عنهم توجه شابر ورفاقه نحو لندن حيث أنشؤوا جمعية للتثقيف العمالي، تحولت فيما بعد إلى جمعية شيوعية.

في ذلك العهد كان المثقفون الألمان واقعين تحت تأثير ل. بيرن ومجموعة من الكتاب الذين كان أبرزهم وألمعهم هنري هايني، الشاعر والصحفي معا. وقد ساهمت مراسلاته من باريس، وكذلك مراسلات بيرن، إسهاما مرموقا في تكوين الشبيبة الألمانية.

كان مسقط رأس بيرن في بفالز، وهايني في الراينلاند، وكانا كلاهما يهوديين. وكان ماركس هو الآخر يهوديا. فإلى أي حد أثر أصله اليهودي على تطوره؟

في تاريخ الاشتراكية الألمانية لعب أربعة يهود، ماركس ولاسال وهايني اليهودي وبيرن، دورا بالغ الأهمية. ولا مراء في أن أصل ماركس وهايني اليهودي كان له بعض التأثير على وجهة تطورهما السياسي. فقد كان الطلبة يرفعون يومئذ عقائرهم بالاحتجاج على النظام السياسي والاجتماعي السائد في ألمانيا، لكن المثقفين اليهود كانوا أشد إحساسا بوطأته. وينبغي أن نقرأ المقالات التي يصف فيها بيرن عسف الرقابة، ويندد فيها بضيق الأفق السائد في ألمانيا يومئذ، وبهيمنة البوليس، لكي ندرك أن كل إنسان، مهما ضؤل حظه من الاستنارة، كان مكرها بالحتم والضرورة على الاحتجاج على شروط الحياة تلك، والتي كانت تثقل بوطأتها على اليهود بوجه خاص. وقد أمضى بيرن حداثته كلها في الحي اليهودي من فرنكفورت. وقد ترك النظام القروسطي الذي كان يحيا في ظله اليهود أثرا عميقا في نفسه، وفي نفس هايني كذلك.

ولم تكن الشروط التي عاش فيها ماركس مماثلة، ولهذا كاد بعض مؤرخي سيرته أن ينكروا إنكارا تاما تأثير الوسط اليهودي عليه.

كان والده، هنري ماركس، المحامي مهنةً والإنسان المثقف والمنعتق من الأحكام المسبقة الدينية، يكنّ بالغ الإعجاب للأدب الفلسفي المبدع في القرن الثامن عشر. وقد علم ابنه أن يطالع مؤلفات كتاب من أمثال لوك وفولتير وديدرو. وكان لوك في الفلسفة خصما للفطرية. وكان يقول أن الإنسان لا يحمل أفكارا فطرية، وأن كل فكرة إن هي إلا نتاج التجربة والتربية. وقد سار الماديون الفرنسيون على خطاه. فكانوا يثبتون أنه لا يوجد في روح الإنسان شيء ليس أساسه الإحساس أولا، ولا يمر بالحواس أولا. كذلك ما كانوا يعترفون بأي فكرة فطرية.

لئن كان والد ماركس قد انقطع منذ عهد بعيد عن أداء فرائض دينه، فقد بقي مع ذلك يهوديا، ولم يعتنق المسيحية إلا في عام 1824. وقد جهد مهرينغ في السيرة التي وضعها عن حياة ماركس كي يثبت أن هنري ماركس أراد، بفعلته تلك، أن يفوز بحق الدخول إلى المجتمع المسيحي المثقف. وفي ذلك قسط من الحقيقة، لكن لئن تنصر هنري ماركس فهذا كي يفلت من ضروب التنكيد الجديدة التي بات يواجهها اليهود منذ عودة الراينلاند إلى بروسيا. وقد أبدى ماركس نفسه، على الرغم من أنه كان منقطعا عن كل صلة روحية بالوسط اليهودي، اهتماما كبيرا بالمسألة اليهودية في شبابه. فقد كان يتصل بالطائفة اليهودية في تريير. وكان اليهود يرفعون آنئذ عرائض متوالية يلتمسون فيها تخفيف وطأة مختلف الإجراءات الجائرة المتخذة بحقهم. وبناء على طلب من أقربائه الأقربين والطائفة اليهودية في ترير، حرر ماركس، وكان له من العمر آنئذ 24 سنة، واحدة من تلك العرائض.

لم يكن ماركس يحتقر بحال من الأحوال إذن أبناء دينه السابق، بل كان يهتم بالمسألة اليهودية ويشارك في النضال في سبيل انعتاق اليهود. وما كان ذلك ليمنعه من أن يميز تميييزا واضحا بين اليهود الفقراء وبين ممثلي الدوائر المالية العليا، وأن كان عدد اليهود الأثرياء في المنطقة التي كان يحيا فيها ماركس ضئيلا، والحق يقال. فقد كانت الأرستقراطية اليهودية متركزة يومئذ في هامبورغ وفرانكفورت.

تقع تريير، التي رأى فيها النور ماركس وعدد من أسلافه الذين كانوا من الحاخامات، في إقليم راينلاند كما سبق أن ذكرت. وكان هذا الإقليم يشهد حياة سياسية وصناعية مكثفة. وهو لا يزال إلى اليوم واحدة من أكثر مناطق ألمانيا تصنيعا. ويضم مدنا من أشباه سولنجن ورمشايد المعروفتين بمصاهرهما الفولاذية، وكذلك بارمن وإلبرفليد، مركزي الصناعة النسيجية. كانت تريير، التي عاش فيها ماركس، مدينة قروسطية قديمة لعبت في القرن العاشر دورا مرموقا، وكانت مع روما واحدة من حواضر المسيحية. وكان فيها مدابغ ومعامل نسيج، لكن الصناعة المعملية كانت واهية التطور فيها قياسا إلى الأجزاء الشمالية من راينلاند حيث كانت تقوم مراكز العدانة وصناعة القطن. وكانت تريير، الواقعة وسط منطقة مختصة بزراعة الكروم حافظت على مخلفات المشاعة القروية القديمة وكانت غالبية الفلاحين فيها من الملاك الصغار وزراع الكرمة الذين تطيب لهم حياة المسرة والخمرة الجيدة، أقول كانت تريير قد صانت إلى حد ما عادت مدينة من القرون الوسطى. وكان ماركس يولي فائق اهتمامه يومئذ لوضع الفلاحين. وكان يقوم بجولات في القرى المجاورة، ويتزود بالمستندات والبيِّنات بصدد حياتهم. وقد أظهرت المقالات التي نشرها بعد بضع سنوات أنه مطلع حق الإطلاع على تفاصيل الحياة القروية، وعلى نظام ملكية الأرض، وعلى طرائق الزراعة لدى فلاحي الموزيل.

في المدرسة الثانوية كان ماركس، كما تثبت ذلك بوجه خاص شهادة واحد من أساتذته بصدد موضوع إنشائي كتبه، من ألمع التلاميذ. فبناء على تكليف من ذلك الأستاذ بكتابة موضوع إنشاء عن اختيار مهنة للشبان، بيَّن ماركس أن المرء لا يستطيع اختيار مهنته بحرية، وأنه يولد في شروط تحدد سلفا مهنته وتصوره للعالم. ويمكننا، لو شئنا، أن نرى في ذلك البذرة الأولى للتصور المادي للتاريخ. ولكن لا يجوز أن نرى فيه سوى الدليل على أن ماركس استوعب منذ حداثته، وتحت تأثير والده، الأفكار الأساسية للمادية الفرنسية. وكل ما هنالك أنه عبر تلك الأفكار في شكل خاص.

ترك ماركس المدرسة الثانوية في السادسة عشرة من العمر. ودخل إلى الجامعة في عام 1836، أي في زمن كانت قد سكنت فيه الاضطرابات الثورية وران فيه قدر من الهدوء على الحياة الجماعية.

وحتى تحسنوا فهمي، سأرجع إلى حركتنا الثورية الروسية. فاندفاعة الحركة الثورية في العقد الثامن دامت حتى 1883-1884، يوم صار واضحا أن نارودنايا فوليا [45] القديمة قد غلبت على أمرها. وكانت سنوتا 1886-1889، وعلى الأخص بعد محاولة اغتيال الكسندر الثالث في 1 آذار، سنوات رجعية تماما في الجامعات حيث توقفت الحركة الثورية توقفا تاما. وقد شرع أترابي في السن – أعني أولئك الذين لم يفقدوا الحس الثوري- يدرسون الأسباب التي آلت بفعلها تلك الحركة السياسية الثورية إلى الفشل، وانكبوا مؤقتا على العلم.

وأننا لنواجه تيارا من هذا النوع في ألمانيا حين دخل ماركس إلى الجامعة. انكب ماركس على الدراسة بجد. ولدينا عنه وثيقة مهمة في ذلك العهد: رسالة وجهها إلى والده وخاطبه فيها مخاطبة الصديق الحميم، وعرض له بلا لف أو دوران أفكاره. كان هنري ماركس يقدر ويفهم أحسن التقدير وألفهم ابنه، وحسبنا أن نقرأ رده لنحكم على ثقافته الرفيعة. وبموجب روح ذلك الزمان، نرى ماركس يبحث عن تصورات ومذاهب تسمح له بأن يعلل نظريا الحقد الذي كان يعتمل في نفسه تجاه النظام السياسي والاجتماعي السائد. وسأدرس فيما بعد هذه المسألة بالتفصيل. سأقول لكم الآن أن ماركس، عبر بحثه ذاك، اعتنق الفلسفة الهيغيلية في شكلها الذي أعطاها إياه الهيغيليون الشبان الذين بتوا كل صلة لهم بتا مبرما بجميع الأحكام المسبقة واستخلصوا من تلك الفلسفة الاستنتاجات الأكثر راديكالية في مضمار السياسة والعلاقات المدنية والعلاقات الدينية. وفي 1841 أنهى ماركس دراسته الجامعية بدبلوم الدكتوراه.

في ذلك الوقت بالضبط وقع انجلز بدوره تحت تأثير الهيغليين الشبان.

رأى انجلز النور في بارمن، المدينة الواقعة في شمال الراينلاند، في مركز صناعة القطنيات والأصواف، غير بعيد عن إيسن [46] التي ستصبح فيما بعد مركز صناعة العدانة. وكان انجلز من أصل ألماني ومن أسرة ميسورة.

إن بين يديّ غوتا [47] التجار وأصحاب المعامل في الراينلاند. أسرة انجلز تحتل فيها مكانة كريمة. ولها فيها شعارها النسَبي الخاص بها. وهذا الشعار مزدان، وكأنه يشير إلى المجرى السلمي لحياة انجلز المستقبلة وإلى ميوله السلمية، بملاك مع غصن زيتون. وبذلك الشعار دخل انجلز إلى الحياة. وأرجح الظن أن أسلافه اختاروه لأن انجلز ينعني في الألمانية «ملاك». ويرجع أصل أسرة انجلز إلى القرن السادس عشر. كانت إذن أسرة ذات شأن. أما في يخص ماركس، فإن أسرته لم تحظ باهتمام كثير، بل أنه لتصعب معرفة جده معرفة يقينية. المعروف فقط أن ماركس كان من أسرة حاخامات. وحول أصل أسرة انجلز توجد روايتان. فطبقا لبعض المعطيات يقال أن انجلز سليل بعيد للفرنسي لانج [48]، البروتستنتي اللاجئ إلى ألمانيا. لكن أقربائه الحاليين ينكرون تلك الواقعة ويجهدون لإثبات أصله الألماني الصرف. وعلى كل الأحوال، كانت أسرة انجلز ابتداء من القرن السابع عشر قد أمست أسرة عريقة من أصحاب معامل الجوخ، وصار أحفادها أصحاب معامل قطنية وأناسا في منتهى اليسر وذوي ميول أممية قوية. وقد أسس والد انجلز، مع صديقه إرمن، معملا للنسيج في وطنه، ومعملا آخر في مانشتر، وبذلك صار صناعيا إنكليزيا-ألمانيا.

كان انجلز الأب يعتنق الديانة البروتستنتية وينتمي إلى الطائفة الإنجيلية. وهو يشبه شبها قويا قدامى الكالفينيين الذين كانوا يجمعون بين إيمان عميق وبين اقتناع لا يقل عمقا بأن دعوة الإنسان أن يتدبر لنفسه مالا وأن يكدس رأسمالا بالإنتاج والتجارة. كان في حياته الخاصة رجلا متدينا، متعصبا، يكرس جميع الساعات التي تتركها له قضاياه المالية لتأملات الورع والتقي. على هذا النحو قامت بين انجلز ووالده علاقات معاكسة تماما لتلك التي كانت قائمة بين ماركس وأبيه. فأفكار انجلز قادته، منذ وقت مبكر، إلى منازعات مع والده. فرغبة من هذا الأخير في أن يجعل من ابنه تاجرا، أنشاه التنشئة الموافقة. وحين ناهز السابعة عشرة من العمر أرسله إلى بريمن، وهي من أشهر المدن التجارية في ألمانيا. وهناك عمل انجلز الفتى ثلاثة أعوام في مكتب تجاري. وتظهر لنا رسائله إلى زملائه في المدرسة كيف كان يبذل كل ما أوتي من طاقة لينجو بنفسه من تأثير وسطه. فقد قدم إلى بريمن متدينا، بيد أنه سرعان ما سقط تحت تأثير بيرن وهايني. وفي التاسعة عشرة من العمر بدأ يكتب، واحتل مكانه بين المفكرين الأحرار الديموقراطيين الألمان. وتتضمن مقالاته الأولى (الموقعة بالاسم المستعار «أوسفالد»)، التي لفتت إليه الأنظار، نقدا لاذعا للوسط الذي قضى فيه طفولته. وأثارت رسائله من فوبرتال (من اسم وادي ألفوبر الذي تقع فيه مدينتنا بارمن وإلبرفيلد) وقعا وديا. وظهر واضحا منها أن كاتبها شب عن الطوق في تلك المنطقة وأنه يعرف كل من فيها منم رجال ناهبين. وفي بريمن انعتق انجلز من كل حكم مسبق ديني، وصار شبيها بيعقوبي فرنسي قديم.

في عام 1841 تطوع انجلز بصفته ابن صاحب معمل غني –وكان في حوالي العشرين من العمر- في مدفعية الحراسة في برلين. وهناك شق طريقه إلى حلقة الشبان الهيغيليين التي كان ماركس يتردد هو الآخر عليها. وشاركهم نضالهم ضد الآراء المسبقة القديمة، وانتمى، نظير ماركس، إلى الاتجاه الأكثر راديكالية في الفلسفة الهيغيلية. ولكن فيما بقي ماركس، إذا جاز التعبير، حبيس حجرة العمل والمطالعة يعد نفسه للحرفة الجامعية، كان انجلز، الذي بدأ بالكتابة منذ عام 1839، قد احتل باسمه المستعار مكانة مرموقة في الأدب وشارك بأوفى قسط في الصراع الإيديولوجي الجاري بين أتباع الأنظمة الفلسفية القديمة والجديدة.

إني ألفت انتباهكم بوجه خاص إلى عامي 1841-1842. فهما العامان اللذان كانت فيهما مجموعة كاملة من الروس الموسكوفيين تحيا في ألمانيا. وكان في عدادهم باكونين وأوغاريف وفرولوف الذين كانوا يعيشون في شروط شبه متماثلة ويبدون نحو الفلسفة عين الحماسة التي كان يبديها نحوها كل من ماركس وانجلز. وفي وسعكم أن تحكموا على ذلك بأنفسكم من الواقعة التالية:

كتب انجلز في عام 1842 نقدا عنيفا لفلسفة خصم هيغل، شيلنغ. وكان هذا الأخير قد دعي يومئذ من قبل الحكومة البروسية للقدوم إلى برلين لمعارضة فلسفة هيغل بفلسفته التي كان يحاول التوفيق فيها بين الإنجيل والعلم. وتشبه الآراء التي كان انجلز يعتنقها عهدئذ شبها قويا الآراء التي عبر عنها بييلنسكي وباكونين في مقالاتهما في ذلك الزمن، إلى حد أن كراسته التي انتقد فيها «فلسفة الوحي» لشيلنغ كانت تعزى حتى الآونة الأخيرة إلى باكونين. ونحن نعرف اليوم أن ليس باكونين هو الذي كتبها، لكن الموضوع والتعابير والبراهين المستخدمة لإثبات تفوق النظرية الهيغلية تشبه غاية الشبه تعابير باكونين وبراهينه إلى حد لا نستغرب معه أن يكون عدد من الروس قد اعتبروا –وما يزالون- أن ذلك المؤلف قد خطته يراعة باكونين.
كان انجلز في عام 1842 قد أدرك الثانية والعشرين من العمر. وهكذا يكون قد أضحى في عهد مبكر كاتبا ديموقراطيا، جذريا، ناجز التكوين. وكان، كما قال بنفسه في قصيدة ممتعة وصف فيها شخصه، يعقوبيا متحمسا. وهو يشبه عظيم الشبه، من هذه الزاوية، الألمان القلائل الذين التزموا بالثورة الفرنسية. وبحسب تعبيره، كان نشيد المارسييز يتردد باستمرار على شفتيه، وكان يطالب بالمقصلة، لا أكثر ولا أقل. هكذا كان انجلز في عام 1842. وكان ماركس قد وصل إلى الدرجة ذاتها من التطور. وفي 1842 أخيرا التقيا منة خلال عملهما المشترك.

كان ماركس قد أنهى دراسته وحصل على دبلوم الدكتوراه في نيسان 1842. وقد عقد العزم في بادئ الأمر على الاهتمام بالفلسفة والعلم، لكنه عدل عن هذا المشروع حين حرم معلمه وصديقه، برونو باور، الذي كان من زعماء الهيغليين الشبان والذي كان ينتقد انتقادا حادا اللاهوت الرسمي، من حق التدريس في الجامعة. وفي ذلك الوقت بالضبط دعي ماركس إلى المشاركة في تحرير صحيفة جديدة. كان ممثلو البرجوازية التجارية والصناعية الراديكالية في الراينلاند، كامبهاوزن وآخرون، قد عقدوا النية على تأسيس جريدة سياسية خاصة بهم. وكانت أكثر الصحف نفوذا في الراينالند صحيفة كولنيش زايتونغ، وكانت كولن [49] يومئذ أكبر مركز صناعي في المنطقة. وكانت «كولنيش زايتونغ» تجثو مستكينة أمام الحكومة. وشاءت البرجوازية الراديكالية أن تعارضها بصحيفة خاصة بها، حتى تذود عن مصالحها الاقتصادية ضد الإقطاع. وعلاوة على كامباوزن، كان باني السكك الحديدية مغيسون يلعب يومئذ دورا هاما في المنطقة. وقد قام هو وكامبهاوزن بجمع المال، لكن كان ينقصهما المحررون. وحدث يومئذ ما حدث بعدئذ في روسيا. فقد سقطت مجموعة من صحفنا التي أنشأها الرأسماليون بين أيدي جماعة محددة من الأدباء. هذا ما حصل قبل 1905 وبعده، وحتى أثناء الحرب. صناعيون مستقلون قدموا أموالا لجماعة معينة من الأدباء. وفي الراينلاند أيضا تولت مجموعة من الفلاسفة الشبان، من الأدباء الشبان، توجيه الصحيفة التي أسسها أصحاب المعامل الذين تحدثنا عنهم. ومن بين أولئك الأدباء لعب موسى هس الدور الرئيسي. كان يتقدم ماركس وانجلز في السن. وكان، مثل ماركس، يهوديا، لكنه بت مبكرا صلته بأبيه الذي كان رجلا على قدر من الثراء. وكان قد انتمى إلى الحركة التحريرية، وبعد 1830 طفق ينادي بضرورة قيام الاتحاد بين الأمم المثقفة بغية ضمان الفوز بالحرية السياسية والثقافية. وفي عام 1842 كان موسى هس ذاك قد أضحى، قبل ماركس وانجلز، وتحت تأثير الحركة الشيوعية الفرنسية، شيوعيا. ومع بعض من رفاقه، صار واحدا من ألمع محرري الصحيفة الراينية.

كان ماركس يعيش آنئذ في بون. ولردح من الزمن، لم يكن إلا مراسلا يبعث بانتظام بمقالاته إلى الصحيفة. لكنه رويدا رويدا احتل المكانة الأولى في الصحيفة التي كان يوجهها سابقا هس واثنان من رفاقه، اوبنهايم وروتنبرغ. وكان هذا الأخير صديقا لماركس، وقد زكاه لدى هيئة التحرير. هكذا نجد أن الصحيفة الراينية، والتي كانت تطبع على نفقة البرجوازية الصناعية في المنطقة، كانت في الوقت نفسه الناطقة بلسان المجموعة البرلينية من الكتاب الشبان والجذريين الذين كان ينتمي إليهم ماركس وانجلز.

في خريف 1842 قدم ماركس إلى كولن للاستقرار فيها، وأعطى الجريدة للحال اتجاها جديدا. فخلافا لرأي أصدقائه البرلينيين ولرأي انجلز، ألح على خوض الكفاح الأكثر جذرية ضد الشروط السياسية والاجتماعية القائمة، ولكن في شكل لا يتجاوز الحد في صخبه. وهنا تجلى أثر الشروط المختلفة التي تكوّن فيها كل من ماركس وانجلز، وعلى الأخص واقع أن ماركس لم يعرف الاضطهاد الديني والنير الفكري اللذين عانى منهما انجلز في حداثته. لهذا كان ماركس لا يفيض حماسة وحمية للنضال الديني ولا يرى من ضرورة لتكريس قواه كلها لنقد عنيف معادٍ للدين. بل كان يفضل، من هذه الزاوية، محاجَّة تتعمق إلى باطن الأمور على محاجَّة تستسهل السطحية، مقدار أن ذلك ضروري للحفاظ على الصحيفة وللإبقاء بالتالي عليها كمنبر. أما انجلز –وهذه سمة اتسم بها كل ما أنتجه في فتوته- فكان أقرب إلى المجموعة الأخرى التي كانت تبغي أعنف كفاح خارجي ضد الدين. ولنقل بالمناسبة أن ذلك الخلاف في التكتيك بين ماركس وانجلز يشبه الخلاف التكتيكي الذي كان قائما في نهاية 1917 وبداية 1918 في وسطنا، حيث كان بعض الرفاق يطالبون بنضال فوري وفاصل ضد الكنيسة. وكان رفاق آخرون يقدرون، على العكس، أن ذلك النضال ليس أعجل المهام، وأن أمامنا مهام تفوقه أهمية. وكانت خلافات في وجهات النظر من هذا النوع تقوم بين ماركس وانجلز وسائر الصحفيين الشبان من زملائهما. وقد وجدت مجادلتهم تعبيرها في الرسائل التي كتبها ماركس كمحرر إلى رفاقه القدامى في برلين. ويروي واضعوا سيرة ماركس أن ماركس وانجلز استقبلا استقبالا فاترا في هيئة تحرير الصحيفة الراينة. وقد توجه انجلز، الذي كان واحدا من مراسلي الصحيفة البرلينيين، إلى كولن قبل رحيله إلى إنكلترا. ومن المحتمل أن تكون قد دارت يومئذ مصارحة بينه وبين ماركس الذي كان يدافع عن تكتيكه والذي كان قد طرح بدقة ووضوح مسألة الشغيلة. إذ كان قد وجه لاذع النقد إلى القوانين المناوئة لحق الاحتطاب، مبينا أن تلك القوانين مشبعة بروح الملكية الفردية، وأنها من صنع الملاك العقاريين الذين كانوا يسعون قصارى طاقتهم إلى استغلال الفلاحين الصغار باستصدارهم قرارات حكومية تجعل منهم مجرمين. وقد نشر يومئذ في الصحيفة الراينية سلسلة من المقالات عن وضع معارفه القدامى، فلاحي الموزيل. وقد أثارت تلك المقالات مجادلة حامية بينه وبين رئيسي إقليم الراينلاند.

عندئذ ضغطت السلطات المحلية على برلين. فأخضعت الصحيفة لرقابة مزدوجة. ولما كان ماركس هو موجهها، فقد طولب برفته. وكان الرقيب الجديد يعجب أشد الإعجاب بذلك الصحفي اللامع والأريب الذي يحتال بذكاء على الرقابة، ولكن ذلك لم يمنعه من الوشاية به، لا إلى هيئة التحرير، وإنما إلى مجموعة المساهمين الذين كانوا يمولون الصحيفة. وبدأ القلق يأكل هؤلاء الأخيرين: فطالبوا ماركس بأن يكون أكثر حذرا وفطنة وأن يتحاشى المسائل الشائكة. لكن ماركس أبى ذلك. وأثبت لهم أن كل محاولة للاعتدال لن تجدي فتيلا، وأن الحكومة لن يسكن لها روع. وفي خاتمة المطاف قدم استقالته من منصبه كمدير تحرير، وهجر الصحيفة. لكن ابتعاده لم ينقذ الجريدة التي صدر بعد فترة وجيزة أمر بإغلاقها نهائيا.

خرج ماركس من الصحيفة وقد تبدل تماما عما كان عليه يوم دخلها. فحين دخلها لم يكن إلا ديموقراطيا راديكاليا، لكن ديموقراطيا يهتم بالوضع الاجتماعي والاقتصادي للفلاحين، وفي فترة لاحقة بجميع المسائل الاقتصادية الأساسية المرتبطة بوضع أولئك الفلاحين. وبعد ذلك وجد ماركس نفسه مكرها، وهو الذي لم يشغل نفسه حتى ذلك اليوم إلا بالفلسفة وأحكام القضاء، على الانكباب المتعاظم على المسائل الاقتصادية وعلى مسائل اجتماعية شتى.

وقد دارت يومئذ مجادلة بينه وبين صحيفة محافظة بخصوص مقال لهس الذي كان قد هدى انجلز منذ خريف 1842 إلى الشيوعية. وكانت خلاصة رده على تلك الصحيفة: لا حق لكم في مهاجمة الشيوعية. أنني لا أعرف الشيوعية، لكن الشيوعية التي تولت الدفاع عن المضطهَدين لا يمكن أن تدان بخفة. ينبغي امتلاك معرفة دقيقة، تامة، بذلك التيار قبل إدانته. وحين غادر ماركس الصحيفة الراينية لم يكن قد أضحى شيوعيا بعد، لكنه كان رجلا يهتم بالشيوعية كاتجاه، كفلسفة خاصة. وتوصل مع صديقه أ. روجه إلى الاستنتاج بأنه من رابع المستحيلات خوض غمار الدعاية السياسية والاجتماعية في ألمانيا. لهذا قر قرار الرجلين على الذهاب إلى باريس ونشر مجلة الحوليات الألمانية-الفرنسية فيها. وكان قصدهما من هذه التسمية، المعاكسة لميول القوميين الفرنسيين والألمان، التوكيد على أن واحدا من شروط نجاح النضال ضد الرجعية هو التحالف السياسي الوثيق بين ألمانيا وفرنسا. وفي تلك الحوليات الألمانية-الفرنسية صاغ ماركس لأول مرة النقاط الأساسية في فلسفته المستقبلية، تلك النقاط التي تحول معها من ديموقراطي راديكالي إلى شيوعي.

« السابق التالي »