بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الكاتب بقلم ريازانوف

محاضرات في تاريخ الماركسية

« السابق التالي »

المحاضرة الثالثة [الصلة بين الاشتراكية العلمية والفلسفة –المادية – كانط – فيخته – هيغل -فيورباخ – مادية ماركس الجدلية –الرسالة التاريخية للبروليتاريا].

توقفنا عند الفترة التي هجر فيها ماركس الحرفة الصحفية في ألمانيا كي يشد الرحال إلى الخارج. وسألخص لكم الآن ما قلته لكم في المرة السابقة. فقد أخذت على عاتقي، كما تذكرون، مهمة دراسة حياة ماركس وانجلز على ضوء منهج البحث الذي وضعاه بنفسيهما.

رأينا أن ماركس وانجلز كانا، على الرغم من عبقريتهما، رجلين منتميين إلى عصر محدد. وإنكم لتذكرون كيف أدركا سن الوعي، أي كيف خرجا من حقبة الطفولة التي تأتي فيها الانطباعات والتأثيرات الرئيسية من الأسرة، وكيف سقطا تحت تأثير المرحلة التاريخية التي كان طابعها يتحدد بصورة رئيسية بأثر ثورة تموز على ألمانيا، وبتطور الحركة الثورية في ذلك العصر. وقد أضحت لكم أن ماركس وانجلز ما كانا من نتاج تلك الحقبة التاريخية المحددة فحسب، بل كانا أيضا من حيث أصلهما من أبناء منطقة معينة، الراينلاند الذي كان يومئذ أكثر أقاليم ألمانيا أممية وتصنيعا والذي تأثر أكثر من أي إقليم آخر بالثورة الفرنسية. وأبنت لكم أن ماركس تعرض، في السنوات الأولى من حياته، لمؤثرات مغايرة لتلك التي تعرض لها انجلز، وأن أثر الفلسفة الفرنسية في بيته كان قويا للغاية. أما انجلز فقد خضع، على العكس، لتأثير الدين في أسرة تكاد أن تكون متزمتة. وعليه، كانت المسائل المتعلقة بالدين أشد إيلاما على الدوام لانجلز منها لماركس. وفي ختام المطاف، وصل كل من ماركس وانجلز، بطريقتين مختلفتين، وأحدهما بسهولة نسبية وثانيهما بصعوبة نسبية، إلى استنتاجات متماثلة.

لقد تركناهما في الفترة التي صارا فيها ممثلي الفكر السياسي والفلسفي الأكثر جذرية في ذلك الزمن. تركناهما في اللحظة التي همّ فيها ماركس بالرحيل إلى باريس ليصوغ وجهة نظره الجديدة. وحتى ندرك ما الجديد الذي صاغه ماركس حقا وهو لما يتجاوز الخامسة والعشرين من العمر، سأحاول أن أبين لكم باقتضاب ما كان لاقاه في مضمار الفلسفة.

لقد سبق للرفيق ديبورين أن درس معكم مسائل الوعي والروح والمادة والكينونة الخ، وأعطاكم في أرجح الظن أسماء بعض الفلاسفة. وسأرجع إلى كلمات انجلز في مقدمة كراسته: تطور الاشتراكية العلمية، فقد كتب يقول:

«إننا لنفتخر، نحن الاشتراكيين الألمان، بأننا نستمد أصلنا لا من سان سيمون وفورييه وأوين فحسب، بل أيضا من كانط وفيخته وهيغل». ولا يأتي انجلز بذكر اسم فيلسوف ألماني رابع، فيورباخ الذي كرس له فيما بعد مؤلَّفا خاصا. وسأعرض عليكم الآن الأصل الفلسفي للاشتراكية العلمية.

لست اختصاصيا، شأن الرفيق ديبورن، في الفلسفة. لكنني بذلت ما بوسعي في الماضي كي أكوّن لنفسي فكرة عن المسائل الفلسفية الأساسية، نظير ما فعل كل من يهتم بمسألة أصل التطور الإنساني.

إن المسالة الرئيسية، كما يطرحها انجلز، هي أن نعرف هل يوجد مبدأ خلاق سبق العالم، وبعبارة أخرى، هل هناك إله كما علمونا في طفولتنا. إن ذلك الخالق، ذلك الكائن الكلي القدرة، يمكن أن يتلبس أشكالا مختلفة بحسب الأديان. يمكن أن يتجلى في شكل عاهل سماوي لامحدود القدرة، تعمل تحت إمرته جحافل لا يحصى لها عد من الملائكة. ويمكنه أن يحول سلطاته إلى البابا والأساقفة والكهنة. ويمكنه أخيرا، بصفته عاهلا صالحا ومستنيرا، أن يسن لمرة واحدة ونهائية دستورا وقوانين أساسية تنظم شؤون الإنسانية قاطبة، وأن يكتفي، في حكمته اللامتناهية، بحب أولاده واحترامهم من دون أن يعود إلى التدخل في تصريف أمورهم. بكلمة واحدة، يمكنه أن يتجلى في الأشكال الأكثر تنوعا، ولكن الإقرار بوجود هذا الإله يستتبع الإقرار بوجود كائن وجد منذ الأزل، قال للكون ذات يوم: كن، فكان، وصارت كلمته للحال واقعا.

إذن، كانت فكرة خلق هذا العالم، نية خلقه، الرغبة في خلقه، موجودة في مكان ما خارج هذا العالم. أين بالضبط؟ لا أحد يدري. ولم يتمكن أي فيلسوف بعد، ولا حتى فلاسفتنا الجدد في بتروغراد، من فك ذلك اللغز.

إن ذلك الكائن الأزلي يخلق الوجود كله. وهكذا فإن الوعي والفكر يحددان كل ما هو موجود. الفكرة تخلق المادة، الوعي يحدد الكينونة. وفي الواقع، ليس هذا الشكل الجديد من تجلي «المبدأ الأول»، على الرغم من غلافه الفلسفي، سوى التصور اللاهوتي القديم للعالم.

زبدة القول، أنها مسألة معرفة ما إذا كان من الممكن أن يطرأ شيء ما في الكون الذي نتحرك فيه، في ما هو موجود، بدون تدخل كائن مجهول موجود فيما وراء حدود هذا الكون. كائن يقع خارج إدراكنا، يدعي يهوه، أو الأب، أو الابن، أو الروح القدس، أو حتى العقل. بل يمكننا أن نسميه، كما يفعل انجيل القديس يوحنا، الكلمة. «في البدء كان الكلمة». وهذه الكلمة فطرت الوجود. فطرت العالم.

هذه الفكرة عن الكلمة، مبدأ الأشياء جميعا، كافحها في القرن الثامن عشر الماديون، ممثلو الفلسفة الجديدة للطبقة الجديدة، البرجوازية الثورية، وذلك في نطاق نقدهم للنظام الاجتماعي القديم، النظام الإقطاعي. وكان التصور القديم للعالم يقف عاجزا عن أن يفسر لهم أصل ما جد من جديد في زمانهم، ما يميز عصرهم عن العصور السابقة.

كان الوعي والفكرة والعقل، المنظور إليها على أنها واحدة وثابتة، تشكو في نظرهم من عيب جوهري. وبالفعل، كانت الملاحظة تدلهم على أن كل ما هو أرضي يتغير. فالكائن يتلبس الأشكال الأكثر تنوعا. وكانت التجربة تدلهم (من دون أن نتكلم عن الأسفار والاكتشافات التي كانت تقدم لهم في كل يوم مواد جديدة) على أن هناك أناسا شتى، ودولا مختلفة، وأفكارا متباينة.

وكان مرامهم أن يعرفوا مصدر هذا التنوع، وكيف تظهر الفروق القائمة بين البشر والأشياء.

كان الفلاسفة كلما تبحروا في دراسة الماضي، وجدوا شعوبا مختلفة. ومن تلك الشعوب من اندثر وباد، ومنها من واصل الاستمرار في الحياة. فالإنكليز قد اجتازوا حقبا مختلفة، وكذلك حال الفرنسيين. فمن أين جاء ذلك الاختلاف في الزمان والمكان، إذا كانت علة كل شيء تكمن في مبدأ أوحد، في إله فاطر على سبيل المثال؟ ولم يكن هناك من مخرج إلا بالافتراض بأن ذلك الإله يقرر، من دون أن تكون لدى الإنسان القدرة على فهم السبب، أن توجد اليوم إنكلترا، وغدا ألمانيا، وبعد غد فرنسا. وحسبما يعن في باله، يسود آل ستيوارت اليوم في إنكلترا، وغدا يقطع رأس تشارلز الأول ويتولى كرومويل زمام السلطة.

بدءا من القرن الثامن عشر، بل بدءا من القرن السابع عشر، وطردا مع التبدلات العميقة التي كانت تطرأ على الوجود والعالم الإنساني والعلاقات بين البشر تحت تأثير البشر بالذات، راح وجود الألوهية، كمصدر لكل شيء، يثير المزيد فالمزيد من الشك. وبالفعل، أن ما يفسر كل شيء في تنوعه، في الزمان وفي المكان، لا يكون قد فسر شيئا بعد ما دام اختلاف الأحداث، لا الجامع المشترك بينها، يجد تفسيره بكونها طرأت في شروط مختلفة، تحت تأثير علل مختلفة. فكل فارق من هذه الفوارق يجب أن يفسر بالأسباب الخاصة، وبالمؤثرات الخاصة التي أنتجته.

كان الفلاسفة الإنكليز، العائشون في ظل رأسمالية قيد التحول السريع والمعايشون لتجربة ثورتين اثنتين، قد سبق لهم أن تساءلوا هل من وجود فعلا لقوة تدبر كل شيء وتفعل كل شيء، بصرف النظر عن إرادة البشر. وكانت قد ساورتهم الشكوك أيضا في أن تكون جميع تلك الأفكار المختلفة التي ظهرت وتصارعت في زمن الثورة الإنكليزية أفكارا فطرية. فتلك الأفكار كانت تحمل طابع الجدة، على الرغم من كل الجهود التي بذلت للتوفيق بينها وبين تعاليم الكتاب المقدس.

وكان الماديون الفرنسيون، الذين حدثتكم عنهم، قد طرحوا المسألة بمزيد من الوضوح. ففي نظرهم لم يكن ثمة من وجود لتلك القوة التي يقال أنها توجد عالمنا، تلك القوة الإلهية التي تهتم على الدوام بأوربا الجديدة، تفكر في كل شيء وتتدبر كل شيء. فما الظاهرات طرا، وما التاريخ قاطبة، إلا نتيجة فعل بني الإنسان بالذات.

ما كان الماديون الفرنسيون يعرفون كيف يفسرون ما يحدد أفعال البشر، لكنهم كانوا يعرفون أن ليست الآلهة، ليست قوة خارجية ما هي التي تصنع التاريخ، وإنما البشر أنفسهم هم الذين يصنعون الأحداث. لكن هنا كانوا يقعون في تناقض. فقد كانوا يعلمون أن البشر يختلفون في سلوكهم لأن لهم آراء ومصالح مختلفة. لكنهم ما كانوا يعرفون بعد ما يثير تلك الاختلافات المصلحية، ما كانوا يعرفون تأثير الشروط المادية على الإنسان الذي يتكون فيها. بل كانوا يعتقدون، على العكس، أن تكوين البشر يتحدد بهذا المشرع أو ذاك من المشرعين الذين يتحكمون بهم ويحددون أفعالهم على غرار إله من الآلهة.

كان بعض الماديين الفرنسيين قد طرحوا مسألة أخرى أيضا. فقد كان خصومهم قد رددوا عليهم بالقول: صحيح أن الله لا يمكن أن يكون هو عينه يهوه اليهود الرهيب، كما لا يمكن أن يكون هو عينه الأب أو الابن أو الروح القدس في الديانة المسيحية، لكن يوجد مبدأ روحي وضع في المادة إمكانية التفكير بالذات، وسبق بالتالي الطبيعة وتقدم عليها. فأجاب الماديون الفرنسيون بأن ذلك أيضا لا يحتاج إلى قوة خارجية ما، لأن القدرة على الإحساس متضمنة من الأساس في المادة بالذات.

كان العلم بوجه عام، والعلوم الطبيعية بوجه خاص، لا تزال ناقصة التطور في العصر الذي انصرف فيه الماديون الفرنسيون إلى إنشاء فلسفتهم، لكن العلوم كانت قد توصلت إلى تقرير تلك الفكرة الأساسية.

إن كل من يسمى نفسه ماديا أن يكون الوعي والفكر، بالمعنى الذي نفهم به هاتين الكلمتين، قد سبقا المادة وتقدما على الطبيعة. فعلى مدى مئات الألوف من السنين وملايين السنين، لم يوجد على الأرض أي كائن حي، متعضٍ ، وبناء عليه لم يوجد ما يسمى بالفكر، لم يوجد ما يدعي بالوعي. فالكينونة والطبيعة والمادة قد سبقت الوعي والروح والفكر.

لكن لا ينبغي لنا أن نتصور أن المادة هي بالضرورة شيء ما فج، ثقيل، قذر، وأن الفكر هي شيء ما رهيف، خفيف، طاهر. علما بأن الماديين المبتذلين، أو أحيانا بعض الماديين الصغار في السن، يندفعون في حميا النقاش، أو بغية السخرية من فريسيي المثالية الذين لا يتوقف سيل كلامهم عن «العظمة» و«الجمال» والذين يرتاحون كل الارتياح مع ذلك لقذارة عالم البرجوازية ودناءته، يندفعون إلى التوكيد عن قصد وتصميم أحيانا بأن المادة شيء ثقيل وفج.

أما إذا تتبعنا، على العكس من ذلك، تطور العلوم الفيزيائية في المئة والخمسين سنة الأخيرة، للاحظنا أن المادة أضحت شيئا أثيريا وحركيا إلى حدود لا تتصور. فمنذ أن قلبت الثورة الصناعية قواعد الاقتصاد الطبيعي القديم، أخذ كل شيء يتحرك. فكل ما كان راقدا استيقظ، وكل ما كان ساكنا دخل في مدار الحركة. وفي المادة الكتمية، الجامدة، تم، على ما بدا يومئذ، اكتشاف قوى كانت لا تزال مجهولة، وأشكال جديدة من الحركة.

إن الواقعة التالية ستبين لكم مدى النقص الذي كانت عليه معارف الماديين الفرنسيين. فحين كتب هولباخ، وهو من أكثر الماديين الفرنسيين تماسك منطق، كتابه نظام الطبيعة، ما كان يعرف بعد ما يعرفه اليوم كل تلميذ مدرسة مجتهد في السنة الثانية عشرة من العمر. فالهواء كان في نظره شيئا لامنظورا، واحدا من العناصر الرئيسية المكونة للطبيعة، وبعبارة أخرى، ما كانت معرفته بالهواء أفضل من معرفة الإغريق به قبل ألفي عام. وبعد بضع سنوات من نشر المؤلَّف الرئيسي لهولباخ، أثبتت الكيمياء، التي طورها على الأخص لافوازييه، أن الهواء مركب من الآزوت والأوكسجين اللذين يشوبهما بمقادير طفيفة للغاية عدد معين من عناصر أخرى. وبعد مئة سنة، وفي أواخر القرن التاسع عشر، اكتشفت الكيمياء بين تلك العناصر الأخرى غازات مثل الارغون والهيليوم، وهذه الغازات هي بدورها ضرب من المادة، ولكن بالغة الرهافة.

إليكم مثالا آخر. إن البرق اللاسلكي كثير الاستعمال في روسيا السوفياتية. وقد أدى لنا خدمات جلى أثناء الحصار والحرب الأهلية. ولولاه لكنا تهنا في دياميس الظلمات. والحال أن البرق اللاسلكي لم يكن له من وجود قبل 26 عاما. ففي سنة 1897 أو 1898 اكتشفت في المادة الفجة، الخادمة، جواهر لامادية إلى أبعد حد، بحيث لم يكن هناك مفر، لوضع أسماء لها، من اللجوء إلى تسميات مقتبسة من اللاهوت الهندوسي القديم. إن البرق اللاسلكي ينقل الأصوات. ففي مقدورنا أن نسمع هنا في موسكو حفلة موسيقية تقام على بعد آلاف الفراسخ. وقبل زهاء أسبوعين علمنا أن في الامكان إرسال برقية لا تستنسخ توقيعك الخطي فحسب، بل أيضا صورتك الشخصية. وتحقيقا لذلك يكفي أن يجري تعديل جهاز اخترعه التقني الفرنسي بيلان، وهذا كله يتم لا بمساعدة «الروح»، وإنما بمساعدة مادة بالغة الدقة والرهافة، تقاس وتوجه من قبلنا.

لقد ضربت لكم تلك الأمثلة كي أبين لكم مدى تخلف التصورات المألوفة عن المادية واللامادية. ولقد كانت هذه التصورات أشد تخلفا أيضا في القرن الثامن عشر. ولو كان في متناول ماديي ذلك العصر هذه الوقائع الجديدة كافة، لكانوا أقل «فجاجة» ولما كان «المرهفون» أشاحوا عنهم.

كان الفلاسفة الألمان المعاصرون لكانط يعتنقون وجهة النظر التقليدية «القويمة». فكانوا يردون المذهب المادي على أنه زنديق ولا أخلاقي. لكن كانط ما كان يكتفي بحل بمثل تلك البساطة. وكان يدرك حق الإدراك كل تهافت الأفكار الدينية القديمة. لكن لم يكن يملك لا الجرأة ولا المنطق اللازم ليبت صلته بصورة نهائية بتلك الأفكار.

وفي عام 1781 نشر مؤلَّفه الرئيسي نقد العقل الخالص. وقد أبان فيه أنه لا وجود البتة لأي برهان على وجود الله وعلى خلود النفس وعلى أزلية الأفكار، وأن علمنا يقوم على أساس التجربة. على أنه أضاف القول أننا لا نستطيع أن نعرف الأشياء ذاتها، لا نستطيع أن نعرف ماهيتها بالذات، وإنما فقط الأشكال التي تتجلى بها تلك الأشياء فتؤثر على حواسنا. وماهية الأشياء، المختفية وراء الظاهرة، لن تكون أبدا في متناولنا. هكذا يكون كانط قد أقام نوعا من جسر بين المادية والمثالية، بين العلم والدين. ما كان ينكر تقدم العلم، وما كان ينكر أن العلم يساعد على فهم الأشياء، لكنه ترك في الوقت نفسه مخرجا للاهوت بقبوله بإطلاق اسم الله على ماهية الأشياء.

بيد أن كانط أوغل إلى أبعد من ذلك في محاسبته المزدوجة، في رغبته في التوفيق بين العلم والإيمان. فقد كتب مؤلَّفا آخر، نقد العقل العملي. وقد أوضح فيه أنه إذا كان من الممكن الاستغناء في النظرية عن الله وخلود النفس الخ، فلا مناص في الممارسة من الاعتراف بتلك المبادئ جميعا، لأنه بدونها يبقى النشاط بالذات مفتقرا إلى أساس أخلاقي.

يصف الشاعر الألماني هايني، الذي سبق لي أن حدثتكم عنه والذي كان الصديق الحميم لماركس وكان له عليه فترة من الفترات تأثير مرموق، يصف على نحو ممتع للغاية دوافع موقف كانط ذاك. فقد كان لدى كانط خادم طاعن في السن يدعى لامب، أقام لديه أربعين عاما وكان يحيطه بالرعاية الحنون. وكان لامب يجسد، في نظر كانط، العالم العادي الذي لا يستطيع أن يحيا بدون إيمان. وبعد أن يعرض هايني ببراعة كل الأهمية الثورية لـ نقد العقل الخالص بالنسبة إلى النضال ضد اللاهوت، بل حتى ضد الإيمان بمبدأ إلهي بحث، يفسر لماذا احتاج كانط إلى نقد العقل العملي الذي رمم فيه كل ما كان قد هدمه. إليكم ما كتبه:

«التراجيديا تعقبها الملهاة التهريجية. وعمانوئيل كانط لعب الآن دور الفيلسوف المتصلب. فقد انقض يهاجم يهاجم السماء، وأرغم حاميتها على وضع سلاحها، سيد العالم ممدد يسبح في دمه، لا رحمة بعد اليوم، ولا عناية أبوية، ولا مكافأة في الآخرة عن الفضيلة في هذه الدنيا، الخلود يحتضر، هنا أنين وهناك حشرجة. لكن لامب العجوز موجود هنا، المظلة تحت ذراعه، يتفرج مكروب النفس، ووجهه يغطيه عرق بارد، والدموع تنسال منه. عندئذ تدلف الشفقة إلى قلب كانط، فيظهر أنه ليس فيلسوفا كبيرا فحسب، وإنما رجل طيب القلب أيضا. فبعد هنيهة من التأمل، يقول بلهجة شبه متسامحة وشبه ساخرة معا: «لامب العجوز بحاجة إلى إله، وإلا فلن يعرف للسعادة طعما. والحال أن الإنسان يجب أن يكون سعيدا على هذه الأرض. هكذا يتكلم العقل العملي. حسنا! ليكن الأمر كذلك: فالعقل العملي يضمن وجود الله».

لقد لعب كانط دورا عظيما أيضا في تاريخ العلم. فقد اثبت، مع عالم الفلك الفرنسي لابلاس، أن أرضنا لم يخلقها الله في يوم واحد، كما يروي لنا ذلك الكتاب المقدس، وأنها حصيلة تطور طويل الأمد، وأنها تكونت مع جميع الأفلاك السماوية عن طريق تركز مادة عادة الشكل، ومتخلخلة للغاية.

كان كانط في الواقع توفيقيا بين الفلسفتين القديمة والجديدة، وقد بقي كذلك في جميع مضامير الحياة العملية. لكنه إن لم يعرف كيف يقطع أواصره بالماضي قطعا جازما، فقد خطأ مع ذلك خطوة هامة إلى الأمام، وجاء تلاميذه المتماسكو المنطق ممن فهموا، نظير هايني، السبب الحقيقي لمحاسبته المزدوجة، ليطرحوا جانبا نقد العقل العملي وليستخلصوا من نقد العقل الخالص الاستنتاجات المتطرفة التي يتضمنها بين طياته.

لن أتوقف عند فيخته الذي أتى انجلز بذكره. فتأثير فيخته كان على لاسال أكثر منه بكثير على ماركس. لكن فلسفته تشتمل على عنصر لم يتعرض له البتة مذهب كانط، وكان له بالغ الأثر في المثقفين الثوريين الألمان. فلئن كان كانط فيلسوفا مسالما لم يبارح على امتداد عشرات السنوات مدينته العزيزة كونيكسبرغ، فقد كان فيخته رجل عمل وليس مجرد فيلسوف. وعنصر النشاط هذا هو الذي ضمَّنه فلسفته. فقد عارض التصور القديم عن قوة خاصة تتحكم بأمر الناس بتصور جديد يجعل من الشخصية الإنسانية ونشاطها المصدر الرئيسي لكل نظرية ولكل ممارسة.

لكن الفيلسوف الذي كان له أكبر الأثر على ماركس وانجلز كان هيغل الذي يقوم نظامه كله على أساس نقد مذهبي كانط وفيخته. كان هيغل، في شبابه، قد تحمس للثورة الفرنسية، وحين حضرته الوفاة في عام 1831كان أستاذا جامعيا وموظفا بروسياً تحظى فلسفته باستحسان السلطات.

كيف أصبحت فلسفة هيغل المعين الذي كان ماركس وانجلز ولاسال يروون منه ظمأهم إلى المعارف؟ ماذا كان في تلك الفلسفة لتجتذب لا محالة نخبة الفكر الثوري والاجتماعي؟

كانت فلسفة كانط، في قسماتها الأساسية، قد تكونت قبل الثورة الفرنسية الكبرى. ويوم اندلعت شرارة تلك الثورة، كان كانط قد ناهز الخامسة والسبعين. ولئن أحس بأثرها، فإنه لم يستخلص منها استنتاجات جذرية. بيد أنه تمثل فكرة التطور فيما يتعلق بالطبيعة وبتاريخ كوكبنا، وأن يكن نظامه كله يرتد إلى تفسير العالم كما هو كائن عليه.

وعلى العكس من ذلك، سعي هيغل، الذي كان قد جاز تقلبات الحياة الاقتصادية والسياسية في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، إلى تفسير العالم كما يتطور. فلا شيء ثابت. وعقل العالم وفكرته الطلقة لا يعيشان ولا يتجليان إلا في سيرورة الحركة والتطور المتصل. كل شيء يدور، كل شيء يتغير، كل شيء يندثر. والحركة المتصلة والتطور المتصل للفكرة يحددان تطور عالمنا في الميادين كافة. ولفهم الظاهرات التي تحيط بنا لا يكفي أن ندرسها كما هي موجودة، بل ينبغي أن نفهم كيف تطورت، لأن كل ما حولنا هو نتيجة تطور سابق. بل أكثر من ذلك: فلئن بدا هذا الشيء أو ذاك للوهلة الأولى في حالة سكون وجمود، فإننا نلحظ، عند تفحصه بانتباه، أنه يحدث في داخله حركة، صراع، وأنه توجد فيه مؤثرات وقوى تبقى عليه في المظهر الذي نعرفه عليه، ومؤثرات أخرى وقوى أخرى تجنح إلى تغييره. في كل ظاهرة، في كل علة، يحدث صراع بين ذينك المبدئين، الأطروحة والنقيضة. أول هذين المبدئين يثبت ويصون، وثانيهما يهدم ويدمر. وصراع هذين المبدئين الموجود في كل ظاهرة يفضي إلى شيء ما وسيط، إلى اتحادهما.

العقل والفكر لا تبقى في نظر هيغل ساكنة، لا تجمد في حالة واحدة، لا تستقر في أطروحة. بل على العكس، فهذه الأطروحة، هذه الفكرة التي تعارض نفسها بنفسها تنقسم إلى فكرتين معاكستين واحدتهما للأخرى: الإثبات والنفي، النعم واللا. ومن صراع هذين العنصرين المتعاكستين، المتضمنين في النقيضة، تتكون الحركة التي يسميها هيغل بالجدل للتوكيد على عنصر الصراع الموجود فيها. في هذا الصراع، في هذا الجدل، يتوازن الضدان ويؤسس كل منهما الآخر. ويتمخض انصهار هاتين الفكرتين المتناقضتين عن فكرة جديدة: تركيبهما. وتنقسم هذه الفكرة الجدية بدورها إلى فكرتين متعارضتين، فتتحول الأطروحة إلى نقيضة، وتذوب كلتاهما بدورهما في تركيب جديد.

كان هيغل يعد إذن كل ظاهرة، كل شيء، سيرورة، شيئا قيد تحول دائم وتطور متصل. فكل ظاهرة ليست نتيجة تبدل سابق فحسب، بل تحمل في ذاتها جرثومة تبدل جديد. وهي لا تتوقف أبدا عند درجة معينة. بل على العكس، فما أن ترتفع إلى درجة عليا حتى يبدأ بالنسبة إليها صراع تناقضات جديدة. وكما يقول هيغل ويحسن القول، فإن صراع التناقضات هذا هو نفسه مصدر كل تطور.

ذلكم هو كنه العنصر الثوري في فلسفة هيغل. فمع أن هيغل كان مثاليا، ومع أن المبدأ كان بالنسبة إليه الروح لا الطبيعة، الفكرة لا المادة، فقد مارس تأثيرا ضخما على العلوم التاريخية والاجتماعية كافة، وحتى على العلوم الطبيعية. وقد حث على دراسة الواقع، ودعا إلى البحث عن جميع أشكال تطور الفكرة المطلقة، وكلما كانت تظاهرات هذه الفكرة متنوعة، كانت متنوعة أيضا الظاهرات والسيرورات التي ينبغي درس تطورها.

وحتى نحسن فهم ما كان يجذب ماركس وانجلز ولاسال، وكذلك ثوريينا الروس بييلنسكي وهرزن وباكونين وتشيرنيشفسكي، إلى تلك الفلسفة الجافة للغاية في مظهرها الخارجي، بلغتها الضبابية، سأقرأ لكم ما قاله عنها تشيرنيشفسكي:

«التغير الأبدي للشكل، التدمير الأبدي للشكل المتولد عن مضمون أو توق معين، بنتيجة اشتداد هذا التوق بالذات، بنتيجة التطور الأقصى للمضمون عينه –أن من فهم هذا القانون الأبدي والكوني الأكبر، ومن تعلم أن يطبقه على كل ظاهرة، يلبث مطمئنا أمام المصادفات التي تحتار لها الباب الآخرين. فهو إذ يردد مع الشاعر: «لقد راهنت بكل ما لديّ على العدم، والعالم بأسره يخصني»، لا يتحسر على شيء مما فات أوانه ويقول: «ليكن ما سيكون، ولكننا نحن الذين سنظفر في خاتمة المطاف».

لن أتوقف عند الجوانب الأخرى من الفلسفة الهيغيلية، تلك الجوانب التي تبين لماذا كانت تلك الفلسفة بمثابة حافز قوي على دراسة الواقع. لكن كلما كان تلاميذ هيغل يتبحرون في دراسة الواقع على ضوء المنهج الجدلي الذي ابتكره أستاذهم وبإرشاده وهديه، كان يتضح لهم العيب الأساسي في تلك الفلسفة: كونها فلسفة مثالية، لأن المبدأ المحرك، الخالق، في نظرها، هو الفكرة المطلقة، الوعي المحدد للكينونة.

كانت هذه النقطة الضعيفة في نظام هيغل تستدعي النقد. وكان من الممكن القول أن فكرته المطلقة لا تعدو أن تكون في جوهرها طبعة جديدة من الإله المسيحي القديم، أو الإله المصفى، اللامادي، الذي خلقه فلاسفة من أمثال فولتير لأنفسهم أو للشعب.

وإنما من وجهة النظر تلك تناول واحد من أكثر تلامذة هيغل موهبة، ل. فيورباخ، فلسفة معلمه. كان قد فهم حق الفهم واستوعب كل الاستيعاب الجانب الثوري من تلك الفلسفة. لكنه طرح السؤال التالي: هل يمكن لتلك الفكرة المطلقة أن تحدد حقا في تطورها الكينونة كلها؟ على هذا السؤال، أجاب فيورباخ بالنفي. وقد قلب الأطروحة الأساسية لهيغل، وأوضح أن الكينونة، على العكس من ذلك، هي التي تحدد الوعي، وأنه مر زمن كانت فيه الكينونة موجودة بلا وعي، وأن الفكر والفكرة هما نتاج تلك الكينونة بالذات. وذهب إلى أن الفلسفة الهيغيلية هي آخر الأنظمة اللاهوتية، لأنها تحل محل الله كائنا، عنه يصدر كل شيء، الفكرة المطلقة. وأوضح فيورباخ أن جميع أفكارنا عن الله ومختلف الأنظمة الدينية، بما فيها المسيحية، هي من نتاج الإنسان عينه، وأن ليس الله هو الذي يخلق الإنسان، وإنما الإنسان هو الذي يخلق الله على صورته. وحسبنا أن نقشع عالم الأشباح والملائكة والساحرات وسائر تظاهرات الماهية الإلهية حتى يظهر العالم الإنساني. وعلى هذان يكون الإنسان المبدأ الأساسي في كل فلسفة فيورباخ. وأسمى شرائع العالم الإنساني ليست شريعة الله، وإنما خير الإنسان بالذات. وبعبارة أخرى، عارض فيورباخ المبدأ اللاهوتي الإلهي القديم بمبدأ جديد، المبدأ الانثربولوجي.

إذا ما قرأتم ناقدَينا وصحيفينا القديمين دوبروليوبوف وتشذيرنيشفسكي، ترون أن تصورهما عن العالم يقوم على أساس ذلك المبدأ الانثربولوجي، وأن نقطة الانطلاق بالنسبة إليهما هي الإنسان بحاجاته. ولإرساء أسس المجتمع الإنساني الحق، ينبغي الاهتمام لا بالروح وحده، وإنما بالجسد أيضا، كما ينبغي الانكباب على تلبية جميع حاجات الإنسان. ينبغي أن تخلق للحياة شروط يمكن فيها للإنسان أن يطور مواهبه كافة. وبفضل فيورباخ تحديدا توصلا إلى تلك الاستنتاجات التي توصل إليها أيضا ماركس وانجلز وسائر المثقفين المتقدمين عصرئذ.

إنها لظاهرة مثيرة للاهتمام إلى أقصى درجة. حسبنا أن نقارن مؤلفات ماركس وانجلز السابقة لعام 1845 مع مؤلفات هرزن وبييلنسكي ودوبروليوبوف وتشيرنيشفسكي، حتى ندرك تشابه الأفكار ووجهات النظر المعروضة فيها، وهو تشابه لا يزداد إلا عمقا بقدر ما يبتعد كتابنا الروس عن هيغل ليقتربوا من فيورباخ. والحال أنكم تعلمون أن لا تشيرنيشفسكي ولا دوبروليوبوف، وكم بالأحرى هرزن، كانوا ماركسيين أو شيوعيين، وان اعتنقوا مذهب الاشتراكية. لقد توقفوا جميعهم عند طور معين، بمن فيهم تشيرنيشفسكي نفسه الذي توغل أكثر مما توغل الآخرون في الطريق الذي دفعت به إليه دراسة فيورباخ.

ماركس وحده هو الذي ادخل شيئا جديدا كل الجدة على فلسفة فيورباخ باستخلاصه منها استنتاجات جديدة. لكن حتى نفهم الجديد الذي ادخله ماركس على الفلسفة الألمانية، ينبغي علينا أن نرجع إلى الوراء.

حين حدثتكم عن شباب ماركس، لفتّ أنظاركم إلى واقعة صغيرة لها دلالتها. فقد أوضح ماركس في واحد من مواضعيه الإنشائية في المرحلة الثانوية أنه توجد، حتى قبل ولادة كل إنسان، جملة من الشروط التي تحدد تحديدا حتميا مهنته في المستقبل. كان ماركس يعرف إذن، هو لا يزال على مقاعد الدراسة الثانوية، الفكرة التي تفرض نفسها بوصفها النتيجة المنطقية لفلسفة القرن الثامن عشر المادية. الفكرة التي تقول أن الإنسان نتاج البيئة والظروف، ولهذا لا يسعه أن يكون حرا كامل الحرية في اختياره لمهنته، ولا يمكنه أن يكون صانع سعادته. وليس في هذه الأطروحة، كما قلت، شيء جديد، ليس فيها شيء يعود إلى ماركس وحده دون غيره. وكل ما هنالك أن هذا الأخير صاغ صياغة مبتكرة إلى حد بعيد ما كان قرأه مرارا وتكرارا في مؤلفات الفلاسفة الذين كان والده مولعا بهم. وحين دخل إلى الجامعة ووجد نفسه في ذلك الوسط الفكري الجديد الذي كانت الهيمنة فيه للفلسفة الألمانية الكلاسكية، عارض من فوره مثالية هذه الفلسفة بتصور أكثر مادية. لهذا استخلص بفائق السرعة من الفلسفة الهيغيلية جميع الاستنتاجات الجذرية التي تنطوي عليها وهلل لمؤلف فيورباخ ماهية المسيحية. وكان هذا الأخير قد توصل إليها الماديون المتطرفون في القرن الثامن عشر، مع فارق واحد وهو أن فيورباخ، تلميذ هيغل، رأى في ما لم ير فيه أولئك الماديون سوى خداع وخرافة طورا ضروريا من أطوار الحضارة الإنسانية. لكن الإنسان بقي لديه، كما لدى الماديين الفرنسيين في القرن الثامن عشر، صورة مجردة إلى حد بعيد.

كان يكفي المضي قدما إلى الأمام في تحليل الإنسان والبيئة حتى يتضح أن هذا الإنسان يشكل بذاته تنوعا بالغا، وأنه يوجد في أشكال فائقة التنوع، ويكتسي بملابس شديدة التفاوت. فملك بروسيا ورئيس إقليم الراينلاند كانا إنسانيين مثلما كان إنسان فلاح الموزيل وعامل المعامل اللذين كان ماركس يتعاطى وإياهما في بلاده. فقد كان لهم جميعا الأعضاء ذاتها، والرأس ذاتها، والسيقان ذاتها، والأذرع ذاتها. لم يكن ثمة فارق أساسي من وجهة النظر الفيزيولوجية والتشريحية بين فلاح الموزيل والنبيل الريفي البروسي، ولكن كان بينهما مع ذلك فارق هائل منة منظور وضعهما الاجتماعي.

لكن الناس يختلفون عن بعضهم بعضا لا في المكان فحسب، بل في الزمان أيضا. فقد كان أهل القرن السابع عشر يتميزون عن أهل القرن الثاني عشر. فمن أين جاءت تلك الاختلافات إذا كان الإنسان ذاته لا يتغير، وإذا لم يكن إلا نتاج الطبيعة؟

في هذا الاتجاه تحديدا شرع ذهن ماركس بالعمل. فلا يكفي أن يقال أن الإنسان نتاج البيئة، وأن البيئة تكوّن الإنسان. فلتكوين أناس على ذلك القدر من الاختلاف، لا بد أن تكون البيئة نفسها مختلفة وأن تحتوي على عناصر متناقضة. وبالفعل، أن هذه البيئة ليست محض محتشد من الناس، وإنما هي وسط اجتماعي يرتبط الناس فيه فيما بينهم بوشائج محددة، وينتمون إلى فئات اجتماعية مختلفة.

لهذا ما كان يمكن لماركس أن يكتفي بنقد فيورباخ للدين. فقد فسر هذا الأخير ماهية الدين بماهية الإنسان، لكن ماهية الإنسان بشيء مجرد، بشيء يخص الإنسان كفرد. وإنما يمثل الإنسان بنفسه جملة، منظومة من علاقات اجتماعية محدد، ولا وجود لإنسان منعزل. لكن الروابط الطبيعية القائمة بين الناس تقل أهمية عن الروابط الاجتماعية التي تقوم فيما بينهم في مجرى التطور التاريخي. لهذا لم يكن الشعور الديني شيئا طبيعيا، وإنما هو نتاج اجتماعي.

ترتيبا على ما تقدم، لا يكفي القول بأن الإنسان هو نقطة الانطلاق لفلسفة جديدة. بل ينبغي أن يضاف القول أن ذلك الإنسان الاجتماعي، الذي هو نتاج تطور اجتماعي محدد، يتكون ويتطور على أرضية مجتمع محدد، متمايز تمايزا محددا. وفي حال تعميق التحليل، نلاحظ أن تمايز الوسط الاجتماعي إلى طبقات متباينة ليس شيئا قَبليا، طبيعيا، وإنما نتاج تطور تاريخي طويل. ولو درسنا الكيفية التي تم بها ذلك التطور، لرأينا أنه كان على الدوام نتيجة صراع تناقضات وتعارضات تبرز إلى حيز الوجود في مرحلة معينة من التطور الاجتماعي.

لم يتوقف ماركس عند هذا الحد، بل أخضع لنقده سائر اطروحات فيورباخ الفلسفية. وأدخل على الفلسفة النظرية، التأملية المحض، عنصرا جديدا: النشاط العملي الثوري القائم على أساس نقد الواقع.

كان فيورباخ، نظير الماديين الفرنسيين، يقول أن البشر نتاج الظروف والتربية، نتاج رد فعل الكينونة على الوعي. وكان يظهر للعيان على هذا النحو أن الإنسان، بما هو عليه من حال، برأسه وذراعيه وساقيه، ليس، وأن تميز عن سائر العالم الحيواني، سوى جهاز حسي محدد تعرض لتأثير الطبيعة المحيطة. فأفكاره جميعا وخطرات ذهنه كافة هي انعكاس تلك الطبيعة. وعليه، ما الإنسان في نظر فيورباخ إلا عنصر سلبي يسجل بكل دعة جميع الانطباعات التي يتلقاها من الطبيعة.

وقد عارض ماركس هذا التوكيد بتوكيد آخر: فكل ما يتم في الإنسان، كل تبدلات الإنسان بالذات، ليست نتيجة فعل الطبيعة فيه فحسب، وإنما أيضا، وإلى حد بعيد، نتيجة فعله هو في الطبيعة. أن كل تطور الإنسانية إنما يكمن في أن الحيوان البدائي، الإنساني الشكل، لا يكتفي، في صراعه المتصل من أجل البقاء، بأن يتعرض سلبا لتأثير الطبيعة، بل يفعل هو نفسه في الطبيعة، وبتحويله إياها يحول شروط وجوده، ويحول ذاته بذاته في الوقت نفسه.

على هذا النحو أدخل ماركس على فلسفة فيورباخ السلبية العنصر الثوري، عنصر العمل والنشاط. وقد قال، خلافا لفيورباخ، أن دور الفلسفة ليس تفسير هذا العالم فحسب، بل تحويله أيضا. فالنظرية تكتمل بالممارسة، ونقد الواقع والعالم المحيط ونفيها يكتملان بالعمل الايجابي، بالنشاط العملي. على هذا النحو أدخل ماركس على الفلسفة المادية المبدأ الثوري، على هذا النحو حوّل فلسفة فيورباخ التأملية إلى فلسفة للعمل والنشاط. فعلى الإنسان أن يثبت بممارسته كلها، بعمله كله، صحة فكره وبرنامجه. وكلما أحسن تطبيق هذا البرنامج في الممارسة، وكلما جسَّده في الواقع على نحو أسرع، أثبت على نحو أفضل أن هذا الواقع ذاته يحتوي من الأساس على جميع العناصر اللازمة لإنجاز المهمة التي أخذها على عاتقه ولتحقيقه البرنامج الذي وضعه.

لقد صاغ ماركس في وقت مبكر للغاية نقد فيورباخ هذا في خطوطه الكبرى. ولو تتبعنا بعناية وانتباه مسار فكره، سهل علينا أن نفهم بأي طريقة وصل إلى فكرته الأساسية التي قاده إنشاؤها إلى الشيوعية العلمية.

كان ماركس ينتمي بأصوله إلى الوسط الفكري الألماني، ومع المثقفين خاض النقاش وأدار دفته ليقنعهم بتهافت مبادئهم القديمة.

قال: إننا جميعا متفقون على الإقرار بأن ألمانيا الراهنة، بروسيا التي تعسر فيها الحياة للغاية والتي لا وجود فيها لا لحرية الفكر ولا لحرية التعليم، متفقون على الإقرار بأن ذلك العالم كله شيء قليل الإغراء والجاذبية. ولا يساورنا ريب في وجوب تغييره إذا كنا لا نريد أن يغرق الشعب الألماني نهائيا في حماة ذلك المستنقع الكريه.

لكن –يتساءل ماركس- بأي صورة يمكن تغييره؟ أنه لن يتغير ما لم توجد في المجتمع الألماني مجموعة، فئة من الناس المعنيين، بحكم شروط حياتهم بالذات، بتغييره.

ويحلل ماركس على التوالي جميع الفئات الموجودة في المجتمع الألماني: النبالة، سلك الموظفين، البرجوازية. ويصل إلى الاستنتاج بأن هذه الأخيرة، بعكس البرجوازية الفرنسية التي لعبت دورا ثوريا مرموقا، ليست في حالة تؤهلها للقيام بعبء دور الطبقة المحررة القادرة على تغيير النظام الاجتماعي بأسره.

لكن أي طبقة أخرى تستطيع القيام، والحالة هذه، بعبء ذلك الدور؟ هنا يخلص ماركس، الذي كان يدرس بعناية يومئذ تاريخ إنكلترا وفرنسا ووضعهما، إلى الاستنتاج بأن تلك الطبقة لا يمكن أن تكون غير البروليتاريا.

هكذا طرح ماركس منذ 1844 هذه الأطروحة الأساسية: أن الطبقة التي تستطيع ويتوجب عليها أن تتولى مهمة تحرير الشعب الألماني قاطبة وتحويل النظام الاجتماعي لا يمكن أن تكون غير البروليتاريا. لماذا؟ لأنها الطبقة التي يتجسد في شروط حياتها كل شر المجتمع البرجوازي المعاصر. فليس ثمة من طبقة أخرى تحتل في السلم الاجتماعي مرتبة أدنى من تلك التي تحتلها البروليتاريا، وليس ثمة من طبقة أخرى تتحمل مثلها وطأة كل المجتمع الباقي. وفي حين يقوم وجود سائر الطبقات الأخرى على الملكية الفردية، تجد البروليتاريا نفسها محرومة من تلك الملكية ولا مصلحة لها البتة في بقاء المجتمع القائم. إنها لا تفتقر إلا إلى وعي رسالتها، أي إلى العلم، إلى الفلسفة. ولسوف تغدو مرتكز الحركة التحريرية قاطبة ومحورها إذا تشعبت بذلك الوعي، بتلك الفلسفة، وإذا فهمت جميع شروط تحررها، وإذا استوعبت الدور العظيم الذي يؤول إليها.

تلك هي وجهة نظر ماركس الأساسية، وجهة النظر التي كان هو أول القائلين بها.

كان الطوباويون الكبار: سان سيمون وفورييه وأوين، وعلى الأخص هذا الأخير، قد وجهوا اهتمامهم آنفا إلى «الطبقة الأكثر تعدادا والأكثر حرمانا»، إلى البروليتاريين، لكنهم انطلقوا جميعهم من فكرة أن البروليتاريا ليست إلا الطبقة الأكثر إدقاعا وبؤسا، والأشد نصَبا وتألما، وأنه من الواجب بالتالي الاهتمام بوضعها، وأن هذه المهمة تقع على عاتق الطبقات العليا، الطبقات المستنيرة. في بؤس البروليتاريا لم يروا غير البؤس، ولم يلحظوا العامل الثوري الذي ينطوي عليه ذلك البؤس، نتاج تفسخ المجتمع البرجوازي.

كان ماركس أول من أظهر أن البروليتاريا ليست طبقة متألمة فحسب، بل هي أيضا مصارع فعال ضد المجتمع البرجوازي، وأنها الطبقة التي تتحول حتما، بحكم شروط وجودها، إلى الطبقة الثورية الوحيدة في المجتمع البرجوازي.

هذه الفكرة، التي كانت قد عرضها لأول في عام 1844، عاد إلى تطويرها في مؤلَّف كتبه بالتعاون مع انجلز، وهذا المؤلَّف المعنون باسم الأسرة المقدسة، مكرس لرفيقيه القديمين في السلاح الأخوين باور. ولقد شاخ هذا المؤلَّف اليوم (ظهر في عام 1845)، لكنه لم يشخ أكثر بكثير مما شاخت بعض مؤلفات بليخانوف أو حتى لينين. لنأخذ كراسة ما لبليخانوف ظهرت في عام 1883، أو حتى للينين في عام 1903، ولسوف نرى أن القارئ الشاب لن يفقه منها شيئا البتة تقريبا إذا لم ترفق بشرح وتعليق. إن الشيوخ من أمثالي يتذكرون تماما فترة 1890، ويعرفون عن ظهر قلب جميع ممثلي التيارات الأدبية والثورية، حتى أقلهم شأنا، في تلك الحقبة. لكنكم، أنتم، تجهلون أو تكادون تلك الأسماء كلها، والنضال الذي خاضه الماركسيون الأوائل مجهول منكم تماما، وأنكم لتقرؤون بلامبالاة، بل بسأم أحيانا، الصفحات التي تهز أوتارنا العميقة.

وإنما بهذا المعنى شاخ كتاب الأسرة المقدسة الذي كتبه ماركس بصورة رئيسية. لكنه كتاب يتفجر حيوية بالنسبة إلى كل من يملك فكرة واضحة عن ألمانيا في الفترة ما بين 1840 و1850 وعما دار فيها من صراع مستعر بين مختلف التيارات الفكرية والاجتماعية. وفي ذلك الكتاب يسخر ماركس من جميع محاولات المثقفين الألمان للإشاحة عن البروليترايا أو للاكتفاء بجمعيات البر والإحسان الرامية إلى إسعاد تلك البروليترايا عينها. ويشرح للمثقفين الأهمية الثورية للبروليتاريا التي أظهرت للعيان قبل بضعة أشهر، في شخص الحاكة السيليزيين، أنها لا تتراجع أمام شهر راية العصيان ذودا عن مصالحها الأساسية.

في ذلك المؤلَّف مهد ماركس السبيل للتطور اللاحق لفلسفته الجديدة. فالبروليتاريا طبقة على حدة، لأن المجتمع الذي تحيا فيه مجتمع طبقات. والبروليتاريا تقابلها البرجوازية، فالعامل يستغله الرأسمالي. وهنا يطرح سؤال جديد نفسه. من أين يأتي الرأسماليون؟ ما الأسباب التي تمخض عنها ذلك الاستغلال للعمل الأجير من قبل الرأسمال؟ كانت هناك حاجة إلى دراسة هذا المجتمع والقوانين الأساسية لوجوده وتطوره. ومن هذه الزاوية أيضا خلف ماركس بعيدا وراءه فيورباخ الذي ما كان أبدى اهتماما يذكر بتطور العلاقات الاجتماعية والذي بقي، في هذا المضمار، دون مستوى معلمه هيغل بكثير، إذ أن هذا الأخير كان قد درس بعناية قوانين تطور المجتمع البرجوازي، وأن من وجهة نظر مثالية.

في ذلك الكتاب أشار ماركس إلى أنه من المستحيل أن يفهم المرء شيئا من تاريخ عصره إذا لم يكن يعرف حالة الصناعة، والشروط المباشرة للإنتاج، والشروط المادية لحياة الإنسان، والعلاقات التي تقوم بين البشر في سيرورة تلبية حاجاتهم المادية.

وقد انكب ماركس عندئذ على دراسة تلك المسألة بشغف. وسوف نرى فيما بعد ما سيتوصل إليه من نتائج إبان السنتين التاليتين وقبل ثورة 1848. فقد انصرف إلى دراسة الاقتصاد السياسي حتى يفهم فهما أفضل أوالية العلاقات الاقتصادية في المجتمع المعاصر.

لكن ماركس لم يكن مجرد فيلسوف يرغب في تفسير العالم، بل كان ثوريا يبغي تغييره. وكان العمل النظري عنده يواكب العمل العملي.

في المرة القادمة سأعرض عليكم كيف أسس مع انجلز خلال سنتين ونصف سنة، وعبر صراع فئوي شرس، منظمة رابطة الشيوعيين التي كلفته بكتابة البيان الشيوعي.

« السابق التالي »