بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الكاتب بقلم ريازانوف

محاضرات في تاريخ الماركسية

« السابق التالي »

المحاضرة الرابعة [نقد وجهات النظر الشائعة عن تاريخ «رابطة الشيوعيين» – ماركس منظما – الصراع ضد فيتلنغ – تأسيس «رابطة الشيوعيين» -«البيان الشيوعي» – المساجلة مع برودون].

صاغ ماركس، كما رأينا، وجهة نظر جديدة كل الجدة في تاريخ الفكر الاجتماعي والسياسي في القرن التاسع عشر. وقد استفاد في ذلك من كل علم عصره ومن كل فلسفته. أما عن تأثير الفكر الاشتراكي عليه فلم أتحدث البتة تقريبا، وهذا لأن ذلك التأثير لم يبدأ إلا في زمن لاحق. وسوف أعالج اليوم مسألة مغايرة تماما. لقد وعدتكم في المرة الأخيرة بأن أعرض لكم مساهمة ماركس في إنشاء رابطة الشيوعيين. وكنت قد وعدتكم سابقا بعرض سيرة حياة ماركس وانجلز بالاعتماد على منهجهما بالذات. وهأنذا أجد نفسي مكرها على أن ألاحظ، بعد تمحيص جميع المعطيات التي تتضمنها كتابات ماركس وانجلز عن تاريخ رابطة الشيوعيين، أن هذه المعطيات لا تصمد لنقد جاد. لم يتطرق ماركس إلى ذلك التاريخ إلا مرة واحدة في حياته، وذلك في نص لم تكتب له الشهرة وهو السيد فوغت الصادر في عام 1860. وقد ارتكب ماركس فيه جملة من الأخطاء. بيد أن نبذة كتبها انجلز في عام 1885 هي التي تُعتمد عادة للاستعلام عن تاريخ رابطة الشيوعيين. وإليكم بصورة تقريبية كيف يصور انجلز الأمر:

كان، يا ما كان، فيلسوفان وسياسيان ألمانيان، ماركس وانجلز، وكانا قد اضطرا إلى مبارحة ألمانيا. عاشا في فرنسا، وزارا بلجيكا، وكتبا مؤلفات ذات طابع علمي جذبت انتباه المثقفين، ووقعت بعد ذلك بين أيدي العمال. وذات يوم من الأيام توجه العمال إلى ذينك العالمين اللذين كانا ملازمين بكل طمأنينة جدران مكتبهما، متحاشين النشاط العملي الفظ، منتظرين بإباء وأنفة في حجرتهما قدوم العمال للقائهما. والحال أن تلك الساعة المباركة أزفت: فقد قدم العمال ودعوا ماركس وانجلز إلى اتحادهم. وأعلن ماركس وانجلز أنهما لن يدخلا إليه ما لم يتم أولا قبول برنامجهما. فوافق العمال، ونظموا رابطة الشيوعيين، وكلفوا للحال ماركس وانجلز بكتابة بيان الحزب الشيوعي. كان أولئك العمال ينتمون إلى «اتحاد العادلين» الذي حدثتكم عنه في محاضرتي الأولى عن تاريخ الحركة العمالية في فرنسا وإنكلترا. وكما قلت لكم، تأسست تلك المنظمة في باريس وعانت من محنة شديدة بعد محاولة البلانكيين الانقلابية الفاشلة في 12 أيار 1839. فبعد تلك الهزيمة شد أعضاؤها الرحال إلى لندن. وكان في عدادهم شابر الذي نظم في شباط 1840 جمعية التثقيف العمالي.

حتى يكون لديكم فكرة أوضح عن الكيفية التي يُسرد بها ذلك التاريخ عادة، سأقرأ عليكم من كتيب ستكلوف عن ماركس:

«أثناء إقامة ماركس في باريس، كان على صلات شخصية بقادة إتحاد العادلين المؤلف من مهاجرين سياسيين ومن حرفيين، لكه لم ينتسب إليه لأن برنامج هذا الاتحاد، وهو برنامج مشبع بالروح المثالية والتهييجية، ما كان من الممكن أن يلقي في نفسه قبولا. لكن شيئا فشيئا حدث في الاتحاد تطور قرّب الشقة بينه وبين ماركس وانجلز اللذين كانا يؤثران بأحداثيهما ورسائلهما، وعن طريق الصحافة أيضا، على الآراء السياسية لأعضائه. وفي حالات نادرة كان الصديقان ينقلان آراءهما إلى مراسيلهما بواسطة نشرات مطبوعة على الحجر. وبعد القطيعة مع المهيج فيتلنغ و«النقد الصارم للمنظِّرين المتقلبين»، تهيأ الجو لدخول ماركس وانجلز إلى «الرابطة». وحضر المؤتمر الأول للرابطة، التي تسمت باسم رابطة الشيوعيين، انجلز وفلهلم وولف، وانعقد المؤتمر الثاني في تشرين الثاني 1847 بمشاركة ماركس شخصيا. وبعد الاستماع إلى الخطاب الذي عرض فيه ماركس فلسفته الاشتراكية الجديدة، كلف المؤتمر هذا الأخير بأن يضع مع انجلز برنامج الرابطة. وعلى هذا النحو رأى النور البيان الشيوعي الشهير».

لا يفعل ستكلوف شيئا سوى ترداد ما كتبه مهرينغ الذي يردد هو نفسه ما يرويه لنا انجلز. والحال، كيف لنا ألا نصدق هذا الأخير؟ وبالفعل، هل هناك لرواية تاريخ مشروع ما أو قضية ما رواية أفضل من ذاك الذي شارك بنفسه في تنظيمه؟ بيد أنه يتوجب علينا مع ذلك أن نخضع للتمحيص النقدي كلمات انجلز، وكلمات أي مؤرخ آخر، ولاسيما أنه حرر نبذته بعد زهاء أربعين عاما من وقوع الأحداث التي يصفها فيها. ففي مثل هذا الردح الطويل من الزمن يكون من السهل نسيان شيء ما، ولاسيما إذا كتب المرء ما كتبه في شروط وحالة معنوية مختلفة كل الاختلاف.

إن لدينا وقائع أخرى لا تتفق البتة وتلك الرواية. فماركس وانجلز ما كانا بمنظِّرين مجردين كما يصورهما ستكلوف. بل على العكس، فما أن فهم ماركس أن جميع أولئك الذين يقولون بضرورة تحويل النظام الاجتماعي القائم تحويلا جذريا لا يمكنهم الاعتماد إلا على الطبقة العاملة، على البروليتاريا التي تجد في وجودها بالذات جميع حوافز كفاحها ضد ذلك النظام، حتى شق طريقه إلى الوسط العمالي وسعى مع صديقه إلى دخول جميع الأماكن وجميع المنظمات التي كان أولئك العمال يتعرضون فيها لمؤثرات مغايرة. والحال أن أشباه تلك المنظمات كانت قائمة. فلنتفحصها.

في سردي لتاريخ الحركة العمالية، توقفت عند عام 1840 تقريبا. فبعد هزيمة أيار 1839 كف اتحاد العادلين عن الوجود كتنظيم مركزي. وعلى كل حال، وابتداء من 1840، لا نعود نعثر على أثر لوجوده أو لنشاطه كتنظيم مركزي. وإنما كل ما تبقى منه حلقات منعزلة كان ينظمها الأعضاء القدامى في اتحاد العادلين. وقد تكلمنا عن واحدة من تلك الحلقات رأت اتحاد العادلين. وقد تكلمنا عن واحدة من تلك الحلقات رأت النور في لندن.

أما الأعضاء الآخرون في اتحاد العادلين فقد لاذوا بالفرار إلى سويسرا، وكان أعظمهم نفوذا وتأثيرا فلهلم فيتلنغ.

كان فيتلنغ، الخياط مهنة واحد أوائل الحرفيين الألمان الثوريين، ينتقل شأن الكثير من الحرفيين في ذلك الزمن من مدينة إلى أخرى، وكان قد قدم إلى باريس للمرة الأولى في عام 1835، بيد أنه لم يمكث فيها لفترة طويلة من الزمن إلا بعد أن قدم إليها للمرة الثانية في عام 1837. وقد انتسب فيها إلى اتحاد العادلين ودرس نظريات لامينه، ممثل الاشتراكية المسيحية، وسان سيمون وفورييه. وفي باريس أيضا التقى ببلانكي وأتباعه وتبادل وإياهم أطراف الحديث. وفي أواخر عام 1838، كتب ، بناء على طلب من رفاقه، كراسة الإنسانية كما هي وكما ينبغي أن تكون، وقد ذاد في هذه الكراسة عن افكار الشيوعية.

بعد محاولة فاشلة للدعوة في سويسرا الفرنسية، ثم في سويسرا الألمانية، بادر مع بعض رفاق له إلى تنظيم حلقات في أوساط العمال والمهاجرين الألمان. وفي 1842 نشر مؤلَّفه الرئيسي ضمانات التآلف والحرية الذي عرض فيه بإسهاب وجهات النظر التي سبق له التعبير عنها في عام 1838.

لن أعرض عليكم تفاصيل وجهات النظر تلك. إنما كان فيتلنغ يتميز عن سائر طوباويي عصره بكونه ما كان يؤمن (تحت تأثير بلانكي جزئيا) بإمكانية الوصول إلى الشيوعية بالاقناع. والمجتمع الجديد الذي وضع مخططه في جميع تفاصيله لا يمكن أن يتحقق بغير العنف. وكلما تم القضاء على المجتمع القائم بسرعة أكبر، تحرر بسرعة أكبر أيضا الشعب. وخير وسيلة لذلك هي دفع الفوضى والاختلال الاجتماعي القائم إلى أقصى حد ممكن. فكلما تردت الأحوال، تعاظمت الآمال. وكان أضمن العناصر القادرة على الإطاحة بذلك المجتمع وأكثرها ثورية في نظر فيتلنغ البروليتاريا المتشردة، اللومبن –بروليتاريا، بله بروليتاريا اللصوص وقطاع الطرق.

في سويسرا التقى باكونين –وكان يعتنق بعضا من الأفكار الواردة أعلاه- بفيتلنغ وأطلعه على نظرياته، وحينما اعتقل فيتلنغ في ربيع 1843 في زوريخ وفتح ضده أتباعه تحقيق قضائي، وجد باكونين نفسه متورطا في القضية، فاضطر إلى المهاجرة.

بعد أن مضى فيتلنغ مدة عقوبته، أعيد في أيار 1844 إلى ألمانيا. وبعد طول عناء أفلح في مغادرة هامبورغ إلى لندن حيث استقبل بحفاوة عظيمة.

ونظم على شرفه اجتماع حاشد حضره، علاوة على الاشتراكيين والميثاقيين الإنكليز، المهاجرون الفرنسيون والألمان. كان ذلك الاجتماع أول اجتماع أممي كبير في لندن. وقد أتاح لشابر الفرصة كي ينظم، في تشرين الأول 1844، جمعية أممية تسمت باسم جمعية الأصدقاء الديموقراطيين للشعوب كافة. أما الهدف الذي وضعته نصب عينيها فكان تقريب الشقة بين الثوريين من جميع القوميات، وتمتين روابط الإخاء بين مختلف الشعوب، وانتزاع الحقوق الاجتماعية والسياسية. وقد قادها شابر وأصدقاؤه الأقربون.

كان فيتلنغ، الذي مكث في لندن قرابة عام ونصف عام، يتمتع في البداية بنفوذ واسع في الجمعية العمالية اللندنية التي كانت تدور فيها مناقشات حامية الوطيس حول مختلف المواضيع المرتبطة بـ«الساعة الراهنة»، لكنه سرعان ما اصطدم بمعارضة قوية. فقد كان رفاقه القدامى من أمثال شابر وباور ومول قد تآلفوا، أثناء فراقهم، مع الحركة العمالية الإنكليزية ووجدت مذاهب أوين طريقها إلى عقولهم.

لم تكن البروليتاريا، كما رأينا، طبقة خاصة وذات مصالح خاصة في نظر فيتلنغ. لم تكن سوى شطر من السكان الفقراء، المضطهَدين، وكان العنصر الأكثر ثورية بين هذه العناصر الفقيرة اللومبن-بروليتاريا [40] . كان فيتلنغ يزعم أن اللصوص وقطاع الطرق يمثلون واحدا من العناصر الأكثر موثوقية في الكفاح ضد المجتمع القائم. ولم يكن يعزو أي أهمية للدعاية. وكان يتصور مجتمع الغد في شكل مجتمع شيوعي تتولى قيادته حفنة قليلة من حكماء الناس. وكان يرى أنه من الضروري، كي يجتذب الجماهير إليه، أن يستغل الشعور الديني: فجعل من المسيح رائدا للشيوعية، التي صورها مسيحية مطهرة من كل الشوائب التي شابتها على مر الأجيال.

وحتى نحسن فهم الخلافات التي قامت فيما بعد بينه وبين ماركس وانجلز، ينبغي أن نتذكر أن فيتلنغ كان عاملا موهوبا جدا، ثقف نفسه بنفسه، وكان ذا موهبة أدبية مرموقة، لكنه كان يشكو من جميع عيوب العصاميين من الناس. وعديدون هم العصاميون في روسيا من أشباه فيتلنغ، ولا شك في أنكم قابلتم منهم الكثيرين.

إن العصامي يتدرب، بوجه عام، على استخلاص شيء ما بالغ الجدة من تلافيف دماغه، يبتكر جهازا ما ينم عن براعة عظيمة، لكن يتضح عند التجربة أنه انفق طاقة وزمنا هائلين كيلا يكتشف في خاتمة المطاف سوى أمريكا. وقد يحدث له أن يبحث عن مبدأ دائم ما، أن يبتكر وسيلة لإسعاد الإنسان أو لتحويله إلى عالم بمثل لمح البصر.

والحال أن فيتلنغ كان ينتمي إلى تلك الفئة من العصاميين. فقد كان يريد أن يكتشف وسيلة تسمح للبشر بأن يتمثلوا بصورة شبه فورية أي علم كان. وكان يريد ابتكار لغة عالمية. ومن الوقائع التي لها دلالتها أن عصاميا آخر وعاملا، وهو برودون، قد شرع بدوره بتنفيذ تلك المهمة. ويصعب أحيانا أن نميز ما كان فيتلنغ يحبذه ويقدمه في المعزة: أشيوعيته أم لغته العالمية. كان يعد نفسه نبيا حقيقيا، فما كان يطيق نقدا، وكان يضمر شكا وريبة تجاه الناس المتعلمين بوجه خاص لأنهم لم يحملوا على محمل الجد فكرته الراسخة عن لغة عالمية.

والحال أن فيتلنغ كان في عام 1844 واحدا من أشهر الناس وأكثرهم شعبية لا في أوساط العمال فحسب، بل في أوساط المثقفين الألمان أيضا. وقد ترك لنا الشاعر الشهير هايني وصفا بليغ الدلالة للقائه بالخياط الشهير:

«كان أكثر ما جرح كبريائي عدم تهذيب ذلك الغلام تجاهي أثناء محادثتنا. فقد بقي معتمرا قبعته، وفيما لبثت واقفا جلس على مقعد ورفع ركبته اليمنى إلى علو ذقنه، وما توقف عن حك ركبته تلك بيده الطليقة. وقد خيل إلي في البداية أن ذلك الوضع اللامحتشم عادة اكتسبها أثناء مزاولته لمهنته كخياط، لكنه سرعان ما بدد وهمي. فحين سألته لماذا لا يكف عن حك ركبته، أجابني بلهجة لاأبالية، وكان الأمر في منتهى الطبيعة، أنه في مختلف السجون الألمانية التي سجن فيها كان يوضع في الأغلال، لكن نظرا إلى أن القيد الحديدي الذي كان يضرب حول ركبته كان في الكثير من الأحيان أضيق مما ينبغي، فقد أورثه أكلاناً يرغمه على حك ركبته.. وأنني لأقر بأنني تراجعت بضع خطوات إلى الوراء حين سرد ذلك الخياط على مسامعي، وهو يرفع الكلفة فيما بيننا على ذلك النحو المنفر، أشباه تلك القصص عن القيود في السجون… ألا ما أغربها من نقائض في قلب الإنسان! فأنا الذي قبلت ذات يوم بكل خشوع في مونستر ذخيرة الخياط حنا اللايدني [41]»، والأغلال التي حملها، والكلابات التي عذب بها، أنا الذي تأججت حماسة لخياط ميت، أحسست بالمقابل باشمئزاز لا دفع له من ذلك الخياط الحي، من ذلك الرجل الذي كان مع ذلك رسولا وشهيدا لنفس القضية التي قاسى من أجلها العذاب حنا اللايدني الماجد».

وبالرغم من أن هذا الوصف لا يشرف هايني كثيرا، فإنه يظهر للعيان أي انطباع عميق خلفه في ذلك الشاعر الذي كان يعزه ويتزلف إليه عدد لا حصر له من المعجبين. ويبدو هايني هنا وكأنه رب الفكر والفن الكبير الذي ينظر بفضول، وإن بقدر من الاشمئزاز، إلى ذلك النموذج من المكافحين الذي لا عهد له بعد. وبذلك الفضول الباطل عينه كان شعراؤنا القدامى يقلبون النظر في الإنسان البلشفي. وعلى العكس من ذلك، كان مثقف كماركس يسلك غير ذلك المسلك حيال فيتلنغ. ففي نظره كان فيتلنغ الناطق الموهوب بلسان صبوات تلك البروليتاريا عينها التي قام بصياغة رسالتها التاريخية. إليكم ما كتبه عن فيتلنغ قبل أن يتعرف إليه:

«ما الملَّف الذي يستطيع البرجوازية [الألمانية], بمن فيها فلاسفتها وأدباؤها, أن تعارض به كتاب فيتلنغ ضمانات التآلف والحرية بصدد مسألة انعتاقها السياسي؟ ألا فلنقارن بين التفاهة الجافة والرعديدية للأدب السياسي الألماني وبين تلك البداية الباهرة للعمال الألمان, لنقارن بين هذه الجزمة التي بطول سبعة فراسخ [42] للبروليتاريا الطفلة وبين النعال الضيقة للبرجوازية، فنكشف في البروليتاريا التي تنوء بآلامها جبار الغد بجثته الهائلة».

كان من المحتم بالطبع أن يسعى كل من ماركس وانجلز إلى التعرف إلى فيتلنغ. وكان الصديقان, كما رأينا، قد تعرفا أثناء إقامتهما القصيرة في إنكلترا في عام 1845 إلى ميثاقيين إنكلترا وإلى المهاجرين الألمان. فهل التقيا بفيتلنغ الذي كان يعيش آنئذ في لندن؟ هذا ما لا يمكن الجزم به. ولم تقم بينهما وبينه علاقات وثيقة إلا في مستهل 1846 حين قدم فيتلنغ إلى بروكسيل حيث كان المقام قد استقر بماركس منذ عام 1845 على إثر إبعاده من فرنسا.

كان ماركس قد غطس منذ ذلك الحين في المعمل التنظيمي، وكانت بروكسيل تقدم تسهيلات كبيرة من هذه الزاوية. فقد كانت بلجيكا أشبه بمحطة وسيطة بين فرنسا وألمانيا. وكان العمال والمثقفون الألمان المتوجهون إلى باريس يمضون عادة بضعة أيام في بروكسيل، ومن هناك كان الأدب اللامشروع يسرب إلى جميع أنحاء ألمانيا. وكان بين العمال الذين اختاروا الإقامة المؤقتة في بروكسيل عدد لا يستهان به من أصحاب المواهب الأكيدة.

لهذا سرعان ما طرح ماركس فكرة دعوة مؤتمر لجميع الشيوعيين بغية إنشاء أول تنظيم شيوعي عام. وكان من المفروض أن ينعقد ذلك المؤتمر في فيرفييه، وهي مدينة تقع على الحدود الألمانية، بحيث يسهل على الشيوعيين الألمان الحضور إليها. وما أمكنني أن أتأكد بشكل قاطع مما إذا كان ذلك المؤتمر قد انعقد فعلا، لكن جميع الاستعدادات له كانت قد تمت على يدي ماركس قبل فترة طويلة من قدوم مندوبي اتحاد العادلين من لندن لدعوته إلى الانتساب إليه.

صحيح أن ماركس وانجلز كانا يريان أنه من الأهمية بمكان الوصول إلى الحلقات الواقعة تحت نفوذ فيتلنغ، ولهذا بذلا جهودا كثيرة للاتفاق معها على برنامج أساسي مشترك. بيد أن محاولاتهما لم تتمخض إلا عن قطيعة. وقد روى لنا قصة تلك القطيعة واحد من مواطنينا، وكان قد توقف في بروكسيل يومئذ في طريقه إلى فرنسا. أقصد به الناقد الروسي ب. أنينكوف الذي كان لحين من الزمن من المعجبين بماركس، قبل أن يقلع بعد ذلك عن اعتناق قضية الثورة.

لقد ترك لنا وصفا مثيرا للاهتمام عن إقامته في بروكسيل في ربيع 1846، وصفا ينطوي على قدر لا بأس به من الأكاذيب، ولكن على قسط من الحقيقة أيضا. وقد ترك لنا فيما ترك تقريرا عن جلسة دار فيها نقاش حاد بين ماركس وفيتلنغ.

ضرب ماركس بقبضته على الطاولة وصاح بفيتلنغ: «الجهل لم يساعد أحدا قط وما أجدى نفعا قط». وكلمات ماركس هذه تبدو مشاكلة للواقع. وبالفعل، كان فيتلنغ يعارض، شأن باكونين، العمل الدعائي التحضيري بحجة أن الفقراء يقفون على الدوام على أهبة الثورة، وأن هذه الثورة يمكن بالتالي أن تتم في أي لحظة شرط أن يتوفر لها قادة يمتلكون العزم والتصميم.

وبموجب فحوى رسالة لفيتلنغ نفسه نادى ماركس في ذلك الاجتماع بضرورة تطهير صفوف الشيوعيين ونقد جميع المنظِّرين المتقلبين، وقد أعلن وجوب نفض اليد من كل اشتراكية تعتمد على طيب الإرادة لا غير، وصرح بأنه من الضروري أن تسبق تحقيق الشيوعية حقبة تمسك البرجوازية أثناءها بزمام السلطة.

هكذا نرى أن الخلافات في وجهات النظر بين ماركس وانجلز من جهة وبين فيتلنغ من الجهة الثانية كانت مماثلة تقريبا للخلافات التي برزت في صفوف الثوريين الروس بعد أربعين عاما.

في أيار 1846 وقعت القطيعة النهائية. وعلى الإثر سافر فيتلنغ إلى لندن، ومنها إلى أمريكا التي أقام فيها إلى حين اندلاع ثورة 1848.

تابع ماركس وانجلز، بمساعدة رفاق آخرين وطدا الأواصر معهم عصرئذ، عملهما التنظيمي. وفي بروكسيل أنشآ جمعية التثقيف العمالي التي ألقى فيها ماركس على العمال محاضرات في الاقتصاد السياسي. وكان في بروكسيل، علاوة على عدد معين من المثقفين الذين كان من أبرزهم ف. وولف (الذي أهداه ماركس فيما بعد الكتاب الأول من الرأسمال) وويدماير، عمال من أمثال اسطفان بورن وفالو وسيلر وآخرون.

سعى ماركس وانجلز، بالاعتماد على ذلك التنظيم وبمساعدة من رحل من رفاقهما من بروكسيل، إلى عقد الأواصر مع حلقات ألمانيا ولندن وباريس وسويسرا. ورويدا رويدا، راح يتزايد عدد أتباع ماركس وانجلز. ووضع ماركس يومئذ الخطة التالية بغية تجميع العناصر الشيوعية قاطبة. فقد فكر بتحويل ذلك التنظيم القومي الألماني الصرف إلى تنظيم أممي. وكان لا بد في البداية من أن تُنشأ في بروكسيل وباريس ولندن مجموعة أو نواة من الشيوعيين المتفاهمين فيما بينهم أكمل التفاهم. ثم كان على تلك المجموعات أن تعين لجانا مكلفة بعقد الصلات مع المنظمات الشيوعية الأخرى. وعلى هذا النحو تكون قد قامت روابط أوثق مع الأقطار الأخرى، ويكون قد مهد السبيل أمام اجتماع أممي لتلك اللجان. وبناء على اقتراح ماركس، سميت اللجان الأخيرة بلجان التراسل الشيوعي.

لما كان تاريخ الاشتراكية الألمانية والحركة العمالية قد كتبه أدباء وصحفيون لهم باع طويلة في مضمار التراسل أو كانوا أعضاء في مكاتب المراسلة والصحافة، فقد تصور أولئك المؤرخون أن لجان التراسل لم تكن سوى مكاتب عادية للمراسلة.

وزبدة القول، خيل إليهم أن ماركس وانجلز قد عقدا العزم على تأسيس مكتب مراسلة في بروكسيل ليرسلا منه رسائل مطبوعة على الحجر، أو كما كتب مهرينغ في آخر مؤلفاته عن ماركس:

«نظرا إلى افتقار ماركس ورفاقه إلى جريدة خاصة بهم، فقد سعوا جهدهم بقدر المستطاع إلى سد تلك الثغرة بنشرات مطبوعة طباعة عادية أو حجرية. وفي الوقت نفسه سعوا إلى تأمين مراسلين نظاميين لهم في المراكز الكبرى التي يحيا فيها الشيوعيون. وكانت أشباه مكاتب المراسلين تلك موجودة في بروكسيل ولندن، وقد اتجهت النيات نحو تأسيس مكتب في باريس. وقد كتب ماركس إلى برودون يسأله تعاونه».

والحال أنه يكفينا أن نقرأ بعناية وانتباه جواب برودون كي ندرك أن الهدف كان مؤسسة لا تشبه إلا أقل الشبه مكتبا عاديا للمراسلة. ولو تذكرنا أن تبادل الرسائل ذاك قد تم في صيف 1846، لما وجدنا مناصا من الاستنتاج بأنه قبل زمن طويل من وصول مندوب من لندن ليقترح على ماركس الانتساب إلى اتحاد العادلين، الذي كان قد زال من الوجود أساسا، كانت توجد في لندن وبروكسيل وباريس منظمات تعود بادرة إنشائها إلى ماركس بلا مراء.

تذكروا ما قلته لكم عن جمعية التراسل اللندنية التي نظمها في 1792 توماس هاردي. وكانت لجان التراسل التي نظمها نادي اليعاقبة حين حُظر عليه تنظيم فروع مرتبطة به في الأقاليم تمثل تنظيما مشابها لتنظيم ماركس. وبعد دراسة تلك الوقائع والمقارنة فيما بينها خلصت إلى الاستنتاج، قبل زهاء عشر سنوات، بأن ماركس، عند تأسيسه جمعياته، كان عاقدا النية بالضبط على أن يجعل منها لجان مراسلين.

وبالفعل، وجدت في بروكسيل في النصف الثاني من سنة 1846 لجنة مراسلين مكتملة التنظيم، تلعب دور الصحيفة المركزية وإليها ترسل التقارير. وقد ضمت عددا لا يستهان به من الأعضاء، وفي عدادهم عمال كثيرون. ووجدت في باريس لجنة نظمها انجلز، وكانت تقوم بدعاية مكثفة في أوساط الحرفيين الألمان، كما وجدت في لندن لجنة يقودها شابر وباور ومول (وهو مول عينه الذي قيل أنه قدم بعد ستة شهور إلى بروكسيل ليدعو ماركس إلى الانتساب إلى اتحاد العادلين). وكما يتضح من رسالة مؤرخة في 20 كانون الثاني 1847 نقلها إلى مهرينغ، قدم مول إلى بروكسيل لا بصفته مندوب اتحاد العادلين، وإنما بصفته مندوب لجنة المراسلين الشيوعيين في لندن، ليقدم تقريرا عن الوضع في الجمعية اللندنية.

هكذا توصلت إلى الاقتناع بأن قصة تأسيس رابطة الشيوعيين، كما رواها انجلز وكما تناقلتها فيما بعد مؤلفات شتى، ما هي إلا قصة خرافية لا تصمد للنقد. فالعمل التحضيري الضخم الذي قام به بصورة رئيسية ماركس يذكرنا إلى حد كبير بالعمل التحضيري الذي أنجزه الاشتراكيون-الديموقراطيون الروس الأوائل بعد زهاء خمسين سنة حين سعوا إلى توحيد المنظمات القائمة. كل ما هنالك أن تنظيم الايسكرا هو الذي ناب مناب لجان المراسلين، كما أن مختلف الجمعيات العمالية التي كان ينشط فيها عملاء الشيوعيين قد نابت منابها لجانب واتحادات كان عملاء المركز يبذلون قصارى جهدهم للتغلغل فيها ولاكتسابها لقضيتهم.

لم ينتبه المؤرخون لذلك العمل التنظيمي الذي أنجزه ماركس، لأنهم ما كانوا يرون في هذا الأخير سوى مفكر من وراء مكتب. وعلى هذا النحو لم يروا دور ماركس كمنظم، لم يروا واحدا من أكثر جوانب شخصيته إثارة للاهتمام. وإذا لم نفهم الدور الذي كان يؤديه ماركس (أشدد فأقول: ماركس وليس انجلز) في عامي 1846-1847 كموجه وملهم لكل ذلك العمل التنظيمي، يتعذر علينا أن ندرك الدور الكبير الذي أداه فيما بعد كمنظم في عامي 1848-1849 وفي عهد الأممية الأولى.

وإنما بعد سفر مول إلى بروكسيل، وحين اقتنع ماركس بأن معظم اللندنيين قد انعتقوا من تأثير فيتلنغ، تقرر، بمبادرة من لجنة بروكسيل في أرجح الظن، دعوة المؤتمر إلى الانعقاد في لندن باعتبارها المدينة التي يتوفر فيها القدر الأكبر من التسهيلات. وعندئذ بدأ نقاش وصراع بين الميول المتباينة. وفي باريس بوجه خاص، حيث كان يعمل انجلز، كان ذلك الصراع بالغ الحدة. وحين نقرأ رسائله، يساورنا الظن بأننا قد انتقلنا إلى أوساطنا الروسية لبضع سنوات خلت. فصراع الأجنحة الذي يصفه يذكرنا إلى حد يبعث على الدهشة بمناقشاتنا حول مختلف البرامج. فثمة تيار يمثله غرون الذي كان يذود عن الشيوعية الألمانية أو الشيوعية «الحقة» التي نجد وصفا ساخرا لها في البيان الشيوعي. وكان انجلز يتبنى برنامجا أساسيا آخر. وطبيعي أن كل واحد من الخصوم كان يسعى إلى اكتساب تأييد أكبر عدد ممكن من الأصوات. وكثيرا ما كان يخيل لانجلز أنه انتزع النصر لا لأنه أفلح في إقناع المترددين فحسب، كما كتب يبلغ لجنة بروكسيل، بل أيضا لأنه أشد مكرا من خصومه أو لأنه أحرجهم وجعل الأمر يسقط في أيديهم.

في صيف 1847 انعقد المؤتمر في لندن ولم يحضره ماركس. وكان ممثل بروكسيل ف. وولف. وكان انجلز يمثل شيوعيي باريس. وما كان عدد المندوبين بالكبير، لكن لم ينفعل أحد لذلك أكثر من اللزوم. وفي عام 1898 أيضا، حين تأسس الحزب الاشتراكي-الديموقراطي العمالي الروسي، لم يضم مؤتمر مينسك سوى ثمانية أو تسعة أشخاص يمثلون ثلاث أو أربع منظمات.

وقر قرار المؤتمرين على التجمع في إطار «رابطة الشيوعيين». وتم إقرار نظام أساسي صاغت فقرته الأولى بوضوح ودقة الفكرة الجوهرية للشيوعية الثورية:

«هدف الرابطة هو الإطاحة بالبرجوازية، وسيطرة البروليتاريا، وإلغاء المجتمع البرجوازي القديم، القائم على أساس تطاحن الطبقات، وتأسيس مجتمع جديد بلا طبقات ولا ملكية فردية».

وتم إقرار دستور تنظيمي بشرط إخضاعه للدراسة من قبل اللجان المختلفة، على أن يتم تبنيه نهائيا في المؤتمر التالي مع التعديلات التي يكون قد قر الرأي على ضرورة إدخالها عليه.

كان مبدأ «المركزية الديموقراطية» في أساس التنظيم. كان على كل عضو من الأعضاء أن يجاهر باعتناقه للشيوعية وأن يحيا حياة تتفق وأهداف الرابطة. وكانت مجموعة محددة من الأعضاء تشكل النواة الأساسية للتنظيم. وكان اسمها المتحد. وكان هناك لجان إقليمية. وكانت شتى أقاليم القطر الواحد تتحد تحت قيادة مركز تشمل سلطاته القطر بأسره. وكانت تلك المراكز مسؤولة أمم اللجنة المركزية.

غدا ذلك التنظيم فيما بعد نموذجا يحتذى بالنسبة إلى جميع الأحزاب الشيوعية للطبقة العاملة في مستهل تطورها. لكن كانت له ميزة خاصة ما لبثت أن اختفت في زمن لاحق، وان يكن في الامكان العثور عليها لدى الألمان حتى عام 1860. فاللجنة المركزية لـ«رابطة الشيوعيين» لم تكن تنتخب شخصيا في المؤتمر. وكانت سلطاتها المطلقة كمركز تنقل إلى اللجنة الإقليمية للمدينة التي يقع عليها اختيار المؤتمر كمكان إقامة للجنة المركزية. وعلى هذا النحو، إذا وقع اختيار المؤتمر على لندن، فإن تنظيم هذه المنطقة ينتخب لجنة مركزية من خمسة أعضاء على الأقل. وكان ذلك هو السبيل لتأمين اتصالها الوثيق مع التنظيم القومي الكبير. وهذا النمط التنظيمي هو الذي نلتقيه فيما بعد لدى الألمان في ألمانيا ذاتها وفي سويسرا. فلجنتهم المركزية كانت ترتبط على الدوام بمدينة محددة يسميها المؤتمر وتحمل اسم المدينة الطليعية.

في المؤتمر، قر الرأي أيضا على وضع مشروع لـ«قانون إيمان» شيوعي يكون بمثابة أول برنامج لـ«الرابطة». وكان على مختلف الأقاليم أن تقدم برنامجها إلى المؤتمر التالي. وتقرر، فضلا عن ذلك، المباشرة بطبع مجلة شعبية. وتلك هي أول مجلة عمالية أمكن لنا أن نعرف بوجودها، وقد حملت، كما ترون [43]، جهارا اسم الشيوعي. وفي الصفحة الأولى من تلك المجلة، التي صدرت قبل سنة واحدة من نشر البيان الشيوعي، يمثل الشعار القائل: «يا بروليتاري جميع الأقطار، اتحدوا!».

إن تلك المجلة تحفة نادرة للغاية من تحف المكتبات. ولست أعرف لها إلا نسخا ثلاثا. وقد عثرت فبي عام 1912 على النسخة التي هي بين يديّ الآن، ووصفهتا في مقال يرجع إلى عام 1914. وقد تم فيما بعد العثور على نسخة ثانية في محفوظات الشرطة البرلينية، وماير هو الذي عثر عليها ووصفها في عام 1919. ووجد مؤخرا الأستاذ غرونبرغ نسخة ثالثة ونشرها في كراسة خاصة.

لم تصدر المجلة إلا مرة واحدة يتيمة. وقد كتب مقالات العدد الأول واليتيم ممثلو رابطة الشيوعيين المقيمة في لندن بصورة رئيسية، وتولوا بأنفسهم تنضيدها طباعيا. وقد كتبت الافتتاحية بأسلوب شعبي جدا. وبلغة بسيطة عرضت الخصائص التي تميز التنظيم الشيوعي الجديد عن تنظيم فيتلنغ والتنظيمات الفرنسية. ولم ترد فيها كلمة واحدة عن اتحاد العادلين. وأفرد مقال خاص للشيوعي الفرنسي كابيه، مؤلف اليوتوبيا المشهورة رحلة إلى ايكاريا. وكان هذا الأخير قد قام في 1847 بدعاية مكثفة بغية تجميع الناس العاقدي العزم على الهجرة إلى أمريكا وإنشاء مستوطنة شيوعية في الأرض البكر على طراز المستوطنة التي وصفها في روايته ايكاريا. بل أنه قصد لندن خصيصا ليكسب فيها تأييد شيوعيي تلك المدينة لقضيته. وقد أخضع المقال الآنف الذكر تلك الخطة لنقد مفصل وأوصى العمال بألا يغادروا القارة الأوربية لأن الشيوعية لن تقوم لها قائمة إلا في أوربا. وضمت المجلة أيضا مقالا طويلا كتبه، في رأيي، انجلز. وتنتهي المجلة بعرض سياسي واجتماعي كان واضعه بلا مراء مندوب لجنة بروكسيل إلى المؤتمر، ف. وولف.

في نهاية تشرين الثاني 1847، انعقد المؤتمر الثاني في لندن، وحضره هذه المرة ماركس. وقبل انعقاد ذلك المؤتمر، كتب إليه انجلز من باريس يبلغه أنه وضع مشروعا أوليا لتعليم ديني أو قانون إيمان شيوعي، ولكنه يرتئي أنه من الأقرب إلى المنطق عنونته باسم البيان الشيوعي. وأرجح الظن أن ماركس حمل بدوره إلى المؤتمر الاطروحات التي كان قد صاغها. والشيء الجدير بالذكر أن الأمور هناك لم تسر على ما يرام كما يصور لنا ستكلوف. فقد كان المؤتمر مسرحا لمناقشات حامية. ودامت المداولات عدة أيام، ووجد ماركس مشقة كبيرة في إقناع الغالبية بصحة البرنامج الجديد. وقد تم تبني هذا البرنامج في معالمه الأساسية، وكلف المؤتمر ماركس بصورة خاصة بأن يكتب باسم رابطة الشيوعيين لا قانون إيمان بل بيانا كما كان اقترح انجلز. وصحيح أن ماركس، وقد سماه المؤتمر لإنشاء البيان، قد استفاد من المشروع الذي وضعه انجلز، لكنه هو وحده الذي تحمل المسؤولية السياسية للبيان أمام الرابطة. وإذا كان البيان يعطي انطباعا قويا بوحدته، فذلك يرجع على وجه التحديد إلى أن ماركس كتبه بمفرده. صحيح أن يحتوي أفكارا صاغها ماركس وانجلز صياغة مشتركة، لكن فكرته الأساسية، كما نوه بذلك على الدوام انجلز نفسه، ترجع إلى ماركس وحده:

«إن الفكرة الأساسية في البيان، وأعني أن الإنتاج الاقتصادي والبنية الاجتماعية المتحددة به جبريا يشكلان أساس التاريخ السياسي والفكري لحقبة تاريخية بعينها، وأن التاريخ كله بالتالي، منذ انحلال المشاعة القروية البدائية، كان تاريخ الصراع الطبقي، أي الصراع بين المستغَلين والمستغِلين، بين الجماهير الخاضعة والطبقات السائدة في شتى درجات التطور الاجتماعي، وأن ذلك الصراع قد بلغ الآن درجة لا يمكن معها للطبقة المستغَلة والمضطهدة [البروليتاريا] أن تنعتق من نير الطبقة التي تستغلها وتضطهدها [البرجوازية] من دون أن تحرر في الوقت نفسه وإلى الأبد المجتمع قاطبة من الاستغلال، أقول: أن تلك الفكرة الأساسية ترجع إلى ماركس وحده دون غيره».

لقد أكدت على هذه النقطة حتى تعرفوا، كما كان يعرف انجلز و«رابطة الشيوعيين»، أن وضع البرنامج الجديد كان إلى حد كبير من صنع ماركس، وأن هذا الأخير هو الذي عهد إليه بمهمة إنشاء البيان. وبحوزتنا رسالة هامة تؤكد تلك الحقيقة كما لا يؤكدها أي شيء آخر. وفضلا عن ذلك، تلقى تلك الرسالة ضوءا مثيرا للاهتمام على العلاقات بين ماركس والتنظيم العمالي الخالص الذي كان يميل إلى اعتبار «المثقف» رجلا يصلح فقط لأن يصوغ أدبيا ما يفكر ويشعر به العامل. وحتى نحسن فهم مدلول تلك الرسالة، سأضيف القول أن المؤتمر سمي، بموجب النظام الأساسي، لندن كمكان لإقامة اللجنة المركزية، وأن هذه اللجنة المركزية انتخبت من قبل تنظيم لندن.

إن الرسالة التي سأقرأها عليكم قد أرسلت في 26 آذار من قبل اللجنة المركزية إلى لجنة بروكسيل الإقليمية كي تنقلها إلى ماركس. وهي تشتمل على القرار الذي اتخذته في 24 كانون الثاني اللجنة المركزية.

«إن اللجنة المركزية تكلف، بموجبه طيا، لجنة بروكسيل الإقليمية بأن تبلغ المواطن ماركس بأنه إذا لم يصل بيان الحزب الشيوعي الذي تعهد بإنشائه في المؤتمر الأخير إلى لندن قبل الأول من شباط من السنة الجارية، فإن إجراءات ستتخذ بحقه حسب المقتضى. وفي حال عدم إنجاز المواطن ماركس لعمله، ستطلب اللجنة المركزية الإعادة الفورية للوثائق الموضوعة تحت تصرف ماركس.
باسم اللجنة المركزية
وبتفويض منها:
شابر، باور، مول».

كما يتضح من هذه الرسالة ذات اللهجة الآمرة، لم يكن ماركس في نهاية كانون الثاني قد أنجز بعد العمل الذي كلف به في كانون الأول. وهذه واحدة من السمات المميزة لماركس: فعلى الرغم من كل موهبته الأدبية، كان يفتقر إلى السهولة واليسر في العمل. كان يشتغل على الدوام مطولا في نصوصه، ولاسيما إذا تعلق الأمر بوثيقة هامة. وكان يريد أن تحرر هذه الوثيقة بصورة مثلى حتى تقاوم هجمة الزمن. وبحوزتنا صفحة من واحدة من مسوداته تظهر مدى عنايته بكل جملة من جمله.

ولم تضطر اللجنة المركزية إلى اتخاذ إجراءات معاقبة. فقد نجح ماركس في إنجاز عمله في مطلع شباط. وهذا تاريخ ينبغي التنويه به. فقد صدر «البيان» في النصف الثاني من شباط، أي قبل بضعة أيام من ثورة شباط. وعليه، ما أمكن له بذاته أن يلعب أي دور في التحضير لتلك الثورة، ونظرا إلى أن النسخ الأولى لم تصل إلى ألمانيا قبل أيار-حزيران 1848، يترتب على ذلك أنه لم يكن له أيضا من تأثير كبير على الثورة الألمانية. ففي ذلك الزمن لم يعرفه ولم يستوعبه سوى مجموعة صغيرة من الشيوعيين البروكسيليين واللندنيين.

دعوني أحدثكم الآن قليلا عن مضمون البيان. أنه برنامج رابطة الشيوعيين الأممية. وبحوزتنا اليوم بعض معلومات عن تركيب تلك الرابطة. فقد كانت تضم بلجيكيين، وبعض الميثاقيين الإنكليز الميالين إلى الشيوعية، وكذلك وعلى الأخص ألماناً. وقد كان على البيان أن يأخذ باعتباره لا قطرا واحدا دون غيره، وإنما العالم البرجوازي بأسره الذي يعرض عليه الشيوعيون، لأول مرة، أهدافهم جهرا وعلانية.

يزودنا الفصل الأول بصورة باهرة وواضحة ودقيقة عن المجتمع الرأسمالي البرجوازي، عن صراع الطبقات الذي أوجده والذي يواصل تطوره على أساس ذلك المجتمع. وفي تلك الصورة نرى كيف تكونت البرجوازية جبريا في رحم النظام الإقطاعي القديم، وكيف تغيرت شروط وجودها تدريجيا غب تحول العلاقات الاقتصادية، وما الدور الثوري الذي لعبته في كفاحها ضد الإقطاع، وإلى أي درجة منقطعة النظير طورت قوى المجتمع الإنتاجية، وكيف أوجدت للمرة الأولى في التاريخ إمكانية الانعتاق المادي للبشرية قاطبة.

تلي ذلك لمحة تاريخية عن تطور البروليتاريا. وفيما نرى أن البروليتاريا تتطور وفق قوانين جبرية، شأنها شأن البرجوازية، وأنها تقفو في تطورها أثر هذه البرجوازية وكأنها ظلها. ونرى فيها أيضا كيف تتكون البروليتاريا تدريجيا في طبقة خاصة، وكيف وبأي أشكال تخوض نضالها ضد البرجوازية إلى أن تخلق تنظيمها الطبقي الخاص بها.

ثم يعرض «البيان» بعد ذلك ويدحض جميع الاعتراضات التي يشهرها الإيديولوجيون البرجوازيون ضد الشيوعية. ولن أتوقف عند هذه النقطة، لأنكم جميعكم، أنا متيقن من ذلك، قد قرأتم أو ستقرؤون عما قريب البيان.

ثم يعرض ماركس بعد ذلك، بالاستناد إلى انجلز، وان على نطاق أضيق مما كان يسود الاعتقاد آنفا، تكتيك الشيوعيين قياسا إلى سائر الأحزاب العمالية الأخرى. وهنا يخلق بنا أن نلحظ سمة خاصة مثيرة للاهتمام. يقول البيان أن الشيوعيين لا يمثلون حزبا خاصا يقف موقف المعارضة من الأحزاب العمالية الأخرى، وأنهم يتميزون عن هذه الأحزاب بكونهم فقط يمثلون طليعة العمال، الطليعة التي تمتاز على سواد البروليتاريا بفهمها لشروط الحركة العمالية ومسارها ونتائجها العامة.

سيكون من الأيسر عليكم من الآن فصاعدا، وقد بتم تعرفون التاريخ الحقيقي لـ«رابطة الشيوعيين»، أن تفهموا سبب تلك الصياغة لمهام الشيوعيين. فقد أملاها وضع الحركة العمالية عصرئذ، وبخاصة في إنكلترا. فالقلائل من الميثاقيين الذين دخلوا إلى الرابطة لم يقبلوا بفعل ذلك إلا بشرط حفاظهم على ارتباطهم بحزبهم. ولم يلتزموا إلا بتنظيم ضرب من نواة شيوعية في قلب الحركة الميثاقية بهدف نشر برنامج الشيوعيين وأهدافهم فيها.

يحلل «البيان» التيارات العديدة التي كانت تناضل يومئذ في سبيل ترجيح كفتها في أوساط الاشتراكيين والشيوعيين. وينتقدها بعنف ويردها ردا قاسيا، ما خلا الطوباويين الكبار سان سيمون وفورييه وأوين الذين كان ماركس وانجلز قد قبلا إلى حد ما بمذاهبهم، ولاسيما مذاهب الاثنين الأخيرين منهم، وأعادا سبكها ثانية. لكن بينما يتبنى البيان انتقاداتهم الموجهة إلى النظام البرجوازي، يعارض الاشتراكية المسالمة، الطوباوية، المتحاشية للكفاح السياسي، بالبرنامج الثوري للشيوعية النقدية البروليتارية الجديدة.

في الختام، يمحص البيان تكتيك الشيوعيين إبان الثورة، وبخاصة حيال الأحزاب البرجوازية. فقواعد هذا التكتيك تختلف من بلد إلى آخر بدالة الشروط التاريخية. فحيثما تكن البرجوازية قد أمست هي الطبقة السائدة، توجه البروليتاريا كفاحها كله ضدها. أما في الأقطار التي لا تزال البرجوازية فيها طبقة تصبو إلى السلطة السياسية، كما في ألمانيا، فإن الحزب الشيوعي يسندها في نضالها الثوري ضد النظام الملكي والنبالة.

بيد أن الشيوعيين لا يتهاونون لحظة واحدة في بث الوعي الصافي بتعارض المصالح الطبقية بين البرجوازية والبروليتاريا وفي ترسيخه في أذهان العمال. وهم يعطون على الدوام مكانة الصدراة لمسألة الملكية الفردية بوصفها المسألة الأساسية للحركة كلها. تلك هي القواعد التكتيكية التي صاغها ماركس وانجلز عشية ثورة شباط-آذار 1848. وسوف نرى، في المحاضرة التالية، كيف طبقها واضعاها في الممارسة، وما التعديلات التي أدخلتها عليها تجربة الثورة.

لقد عرضت عليكم الخطوط الكبرى لـ«البيان». وهذه الوثيقة تحوي جميع نتائج النشاط العلمي الذي أنجزه ماركس وانجلز، وبخاصة الأول، بين 1845 و1847. ففي إبان ذلك، كان انجلز قد هيأ المواد التي جمعها في إنكلترا عن وضع الطبقة العاملة في إنكلترا، أما ماركس فقد انكب على تاريخ المذاهب السياسية والاقتصادية. فالتصور المادي للتاريخ، الذي أتاح لهما إمكانية التحليل السديد للعلاقات المادية ولشروط الإنتاج والتوزيع التي تتحدد بها العلاقات الاجتماعية كافة، قد تمت صياغتهما له في إبان تينك السنتين في معرض كفاحهما ضد شتى المذاهب المثالية.

كان ماركس، حتى قبل البيان، قد عرض المذهب الجديد في أكمل شكل وأبهره في محاجَّة له ضد برودون. وهذا مع أن ماركس كان لا يزال يدلل في مؤلفه الأسرة المقدسة على تقدير كبير لبرودون. ففيمَ يكمن سبب القطيعة بين الحليفين السابقين؟

كان برودون عاملا في أصله وعصاميا نظير فيتلنغ، لكنه أكثر موهبة حتى من هذا الأخير، وكان واحدا من المع الصحفيين الفرنسيين. وفي مؤلفه «ما الملكية؟»، الصادر في عام 1841، يوجه نقدا عنيفا إلى الملكية البرجوازية ويخلص إلى الاستنتاج الجريء بأن الملكية إن هي في ختام التحليل إلا سرقة. لكن سرعان ما اتضح أن برودون، بإدانته الملكية، لم يكن يضع نصب عينيه سوى واحد من أشكالها فقط، الملكية الرأسمالية الخاصة القائمة على استغلال الرأسمالي للمنتج الصغير. وفي الوقت الذي كان برودون يطالب فيه بإلغاء الملكية الرأسمالية الخاصة، كان يخاصم الشيوعية. وكان يرى في صيانة الملكية الخاصة للفلاح والحرفي وتعزيزها الضمانة الوحيدة لازدهار أحوال هذين الأخيرين. وكان يعتقد أن وضع العامل يمكن أن يتحسن لا بواسطة الاضرابات، لا بواسطة النضال الاقتصادي، وإنما عن طريق تحويل العامل إلى مالك. وقد تبنى برودون بصورة نهائية وجهة النظر تلك في 1845-1846، وهي الفترة التي خيل فيها المخطط الذي يمكن بموجبه، على حد زعمه، وقاية الحرفيين من شر الإفلاس وتحويل العمال إلى منتجين مستقلين.

سبق أن حدثتكم عن الدور الذي كان انجلز يلعبه في باريس عهدئذ. قلت أن خصمه الرئيسي في النقاش الدائر يومئذ حول مختلف البرامج الأساسية كان كارل غرون، ممثل «الاشتراكية الحقة». كان كارل غرون على صلة وثيقة ببرودون، وقد عرض نظرياته على العمال الألمان المقيمين في باريس. وقبل أن ينشر برودون مؤلفه الجديد الذي أراد أن يزيح فيه القناع عن جميع «التطاحنات الاقتصادية» في المجتمع المعاصر وأن يفسر من أين يأتي البؤس وأن ينشئ فلسفة البؤس، نقل مخططه لغرون، فسارع هذا إلى استعماله في محاجَّته ضد الشيوعيين. وبادر انجلز من فوره إلى نقل ذلك المخطط إلى لجنة بروكسيل، حسب ما جاء في قول غرون نفسه. وقد كتب يقول:

«ما ذا نرى فيه؟ لا أكثر ولا أقل من «بازارات العمل» المعروفة منذ عهد بعيد في إنكلترا، جمعيات الحرفيين من مختلف المهن، الجمعيات التي أثبتت سابقا فشلها مرارا وتكرارا، ومستودع كبير، وجميع المنتجات المقدمة إلى أعضاء الجمعيات تقدر حسب كلفة المادة الأولية ومجموع العمل المنفق في صنعها، وتدفع قيمتها بمنتجات أخرى مثمَّنة بالطريقة نفسها. وكل كمية المنتجات المجاوزة لحاجات الجمعية والمباعة في السوق يذهب إيرادها لصالح المنتجين. على هذا النحو يخيل للماكر برودون أنه مستطيع إلغاء الربح الذي يحققه الوسيط التجاري».

في رسالة أخرى، ينقل انجلز تفاصيل جديدة عن مخطط برودون، ويعرب عن سخطه من أن العمال لا تزال تجتذبهم الأوهام القائلة على سبيل المثال بتحويل العمال إلى ملاكين عن طريق شرائهم المشاغل بمدخراتهم.

لهذا ما أن ظهر كتاب برودون، حتى انكب ماركس على العمل ورد على فلسفة البؤس بمؤلَّف جعل عنوانه بؤس الفلسفة، وفيه يدحض أفكار برودون واحدة واحدة. لكنه لا يكتفي بالنقد: فهو يعارض نظرات برودون بأسس الشيوعية النقدية التي سبق له صوغها.

كان ذلك المؤلف، يلمعان القريحة ودقة الفكر ووضوحه فيه، بمثابة مدخل لائق إلى البيان الشيوعي، وهو لا يقل وزنا عن آخر مقال لماركس ضد برودون، وقد كتب بعد ثلاثين عاما، في 1874، برسم العمال الطليان. أن ذلك المقال المعنون بـ«اللامبالاة السياسية» (نشرته بالروسية في 1913 في بروسفييستشينيه)، لا يختلف البتة عن بؤس الفلسفة –مما يظهر أن صياغة وجهة نظر ماركس كانت قد اكتملت نهائيا منذ عام 1847.

أكرر فأقول أن ماركس كان قد صاغ وجهة نظره في عام 1845، ولكن في شكل أقل وضوحا. وقد اقتضته كتابة بؤس الفلسفة سنتين من العمل المكثف. وبدراسته شروط تكوين البروليتاريا وتطورها في المجتمع البرجوازي، كان يتبحر أكثر فأكثر في دراسة قوانين النظام الرأسمالي، القوانين التي تحكم إنتاج المجتمع الرأسمالي وتوزيعه. وقد محص مذاهب الاقتصاديين البرجوازيين على ضوء المنهج الجدلي، وأبان أن جميع المقولات الأساسية وجميع الظاهرات في المجتمع البرجوازي، من البضاعة إلى القيمة إلى المال إلى الرأسمال، تمثل شيئا ما عابرا. وفي بؤس الفلسفة يحاول، لأول مرة، أن يحدد المراحل الرئيسية لتطور الإنتاج الرأسمالي. صحيح أنه لم يتعد في ذلك المعالم الاولى والعريضة، لكن ذلك الكتاب يظهر أن ماركس هو في الطريق الصحيح، وأنه امتلك المنهج الموثوق، بوصلة أمينة لا تخطئ يتوجه بواسطتها في متاهة الاقتصاد البرجوازي. بيد أن ذلك المؤلَّف يظهر للعيان أيضا أنه لا يكفي امتلاك المنهج الأمين، وأنه لا يجوز الاكتفاء باستنتاجات عامة، وأنه من الضروري دراسة الرأسمالية بدقة وعناية لمعرفة جميع خفايا تلك الاوالية المعقدة. وكان لا يزال على ماركس أن ينجز عملا هائلا كي يحول إلى صرح عظيم ونظام متكامل ذلك الرسم الأولي العبقري المتمثل بـ«بؤس الفلسفة» فيما يتعلق بدراسة المسائل الاقتصادية الرئيسية. وقبل أن يحوز ماركس، على عظيم الأسف من جانبه، على إمكانية إنجاز تلك المهمة –وإن يكن الثمن الضروري لذلك امتنعاه عن الاهتمام بالنشاط العملي- كان عليه أولا أن يمر بثورة 1848 التي كان هو وانجلز ينتظرانها بفارغ الصبر، والتي كانا قد تنبآ بها، والتي كانا يستعدان لها ويتهيئان، والتي صاغا برسمها الاطروحات الأساسية المعروضة في البيان الشيوعي.

« السابق التالي »