بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الكاتب بقلم ريازانوف

محاضرات في تاريخ الماركسية

« السابق التالي »

المحاضرة الخامسة [ثورة 1848 الألمانية – ماركس وانجلز في الراينلاند –إ نشاء «الصحيفة الراينية الجديدة» -غوتشالك وفيليش – اتحاد كولن العمالي – سياسة «الصحيفة الراينية الجديدة» وتكتيكها – ايتيين بورن – انعطاف في تكتيك ماركس – هزيمة الثورة وخلافات في الآراء في «رابطة الشيوعيين» – الانشقاق].

هنا نحنذا وصلنا الآن إلى ثورة شباط. وكنا قد بيَّنا أن البيان الشيوعي طبع قبل بضعة أيام من ثورة شباط. ولم يكن تنظيم رابطة الشيوعيين قد اكتمل إلا في تشرين الثاني 1847. وكان هذا التنظيم يضم الحلقات الأجنبية في باريس وبروكسيل ولندن، ولم يكن على صلة إلا ببضع مجموعات ألمانية صغيرة.

كانت القوى المنظمة التي يمكن للفرع الألماني من رابطة الشيوعيين أن يعتمد عليها غير ذات وزن كبير إذن. والحال أن الثورة اندلعت منذ 24 شباط 1848 في باريس، وسرعان ما امتدت إلى ألمانيا. ففي 3 آذار، في كولن، كبرى مدن الراينلاند، حدث ضرب من ثورة شعبية. واضطر القيِّمون على شؤون المدينة أن يوجهوا عريضة إلى ملك بروسيا يسألونه فيها أن يحسب حساب الغليان الشعبي وأن يقدم بعض تنازلات. وكان ذلك الغليان، أو إذا شئتم ذلك التمرد الشعبي الذي حدث في 3 آذار 1848 في كولن، يقوده رجلان: غوتشالك، وهو طبيب ذو شعبية واسعة في أوساط العمال وفقراء سكان كولن، وفيليش، وهو ضابط سابق. ولم تندلع الثورة في فيينا، عاصمة النمسا، إلا بعد عشرة أيام. وفي 18 آذار، انتقلت شرارتها إلى برلين، عاصمة بروسيا.

كان ماركس آنئذ في بروكسيل. وقد سددت الحكومة البلجيكية، تحاشيا منها لمصير الحكم الملكي الفرنسي، ضرباتها إلى المهاجرين المقيمين في بروكسيل، واعتقلت ماركس وطردته من بلجيكا. وتوجه ماركس إلى باريس حيث كانت الدعوة قد وجهت إليه للقدوم إليها. وقد بعث واحد من أعضاء الحكومة المؤقتة، فلوكون، وهو مدير تحرير صحيفة كان انجلز يتعاون معها، برسالة فورية إلى ماركس يعلن فيها أن جميع قرارات الحكومة السابقة قد باتت لاغية المفعول على مجمل الأرض الفرنسية الحرة.

وبادرت اللجنة الإقليمية البروكسيلية، التي كانت لجنة لندن قد نقلت إليها كامل صلاحيتها غب انفجار الثورة في البر الأوربي، إلى نقل هذه الصلاحيات بدورها إلى ماركس. وقد برزت في أوساط العمال الألمان، الذين تجمعوا يومئذ بأعداد كبيرة في باريس، خلافات وحدثت انشقاقات وتنظمت مجموعات متابينة. وقد انتسبت إلى واحدة من تلك المجموعات ابن بلدنا باكونين الذي وضع، مع الشاعر الألماني هرفيغ، مشروع تشكيل تنظيم مسلح واقتحام ألمانيا.

بذل ماركس ما بوسعه لصرفهم عن خطتهم، واقترح عليهم التوجه فرادى إلى ألمانيا والمشاركة في الأحداث الثورية فيها. وأصر باكونين وهرفيغ على مشروعهما. ونظم هرفيغ فرقة ثورية، ونصب نفسه قائدا عليها، وتوجه نحو الحدود الألمانية حيث دحر. وأفلح ماركس ورفاق آخرون في العبور إلى ألمانيا حيث أقاموا في أماكن شتى. واستقر المطاف بماركس وانجلز في الراينلاند.

كان على ماركس وانجلز أن يأخذا في اعتبارهما أن الفرع الألماني من رابطة الشيوعيين يفتقر إلى أي تنظيم. ولم يكن له إلا مناصرون قلائل. فماذا كان على ماركس وانجلز ورفاقهما الأقربين أن يفعلوا؟ لقد حاول انجلز، بعد تصرم زهاء أربعين عاما، أن يشرح التكتيك الذي سارا عليه هو وماركس في عام 1848 في ألمانيا. فردا على سؤال وجهه إليه رفاق صغار السن، أعطى جوابا واضحا. سئل لماذا آثر مع ماركس البقاء في الراينلاند، في كولن، على الذهاب إلى برلين. فقال: وقع اختيارنا على الراينلاند لأنه كان الإقليم الأكثر تطورا من الناحية الصناعية، ولأن قانون نابليون، إرث الثورة الفرنسية، كان لا يزال ساري المفعول فيه، ولأنه كان بوسعنا بالتالي الاعتماد على هامش أكبر من حرية العمل والتحريض. وفضلا عن ذلك، كان الراينلاند يضم بروليتريا كثيرة التعداد. صحيح أن كولن لم تكن المدينة الأكثر تطورا من وجهة النظر الصناعية، لكنها كانت مقر السلطة الإدارية ومركز الراينلاند. كذلك كانت كولن، بتعداد سكانها، من أهم مدن الراينلاند، مع أن عدد قاطنيها ما كان يتجاوز يومئذ 8000 نسمة. وكان سكانها من البرليتاريين كثيري التعداد، وإن تكن نسبة العمال المستخدمين في الصناعة الكبيرة ضئيلة. وكان المعامل الرئيسية تتمثل يومئذ بالمصافي. فقد كانت كولن مشهورة عصرئذ بإنتاج ماء الكولونيا، لكن لم يكن فيها وجود لصناعة آلية كبيرة. وكان تطور الصناعة النسيجية فيها أوهى شأنا بكثير من تطورها في ايبرفيلد وبارمن. وعلى كل حال، كان لماركس وانجلز أسباب وجيهة لاختيار كولن مكانا لإقامتها. فقد كانا يرغبان في التأثير على ألمانيا كلها، وفي تأسيس صحيفة كبيرة تكون منبرا للبلاد قاطبة، وكانت كولن في نظرهما أنسب الأماكن لذلك. وبالفعل، كانت أول جريدة سياسية كبيرة للبرجوازية الألمانية قد طبعت في كولن في عام 1842. وفي وقت وصولهما كانت الاستعدادات لإصدار جريدة قد قطعت شوطا بعيدا، بحيث أفلحا في وضع اليد عليها وفرا.

لكنت تلك الجريدة كانت جريدة الديموقراطية. هاكم كيف حاول انجلز أن يفسر لماذا اختارا تسميتها بـ«جريدة الديموقراطية». يقول أنه لم يكن ثمة وجود يومئذ لأي تنظيم بروليتاري وأنه لم يكن من سبيل للاختيار إلا بين طريقين: إما الشروع من الأيام الأولى بتنظيم حزب شيوعي، وإما استخدام المنظمات الديموقراطية القائمة وتجميعها في تنظيم واحد والقيام في إطار هذا التنظيم بالدعاية الضرورية واجتذاب مختلف الجمعيات العمالية إليه. وقد اختار ماركس وانجلز الطريق الثاني: فقد عزفا عن تشكيل منظمات بروليتارية خاصة في الراينلاند ودخلا إلى الاتحاد الديموقراطي الذي كان قائما في كولن. وعلى هذا النحو وجدا نفسيهما من البداية في وضع مغلوط إلى حد ما إزاء اتحاد كولن العمالي الذي كان غوتشالك وفيليش قد أسساه بعد 3 آذار مباشرة.

كان غوتشالك، كما أخبرتكم، طبيبا، وواسع الشعبية في أوساط الطبقة الأشد إملاقا في كولن. لم يكن، بنظرياته، شيوعيا. وكان، قبل تأسيس رابطة الشيوعيين، قريبا في أفكاره من فيتلنغ وأنصاره. كان ثوريا جيدا، لكنه كان يتأثر بسهولة بالتيارات المختلفة. كان بشخصه رجلا لا يؤخذ عليه مأخذ، لم يكن لديه برنامج راسخ، لكنه كان يدرك جيدا ما كنه الديموقراطية لأنه صرح من أول مداخلة له في المجلس البلدي: «إنني لا أتكلم باسم الشعب، لأن جميع هؤلاء المستشارين البلديين ينتمون أيضا إلى الشعب، كلا، إنما أخاطبكم باسم الطبقة العاملة فحسب». كان يميز إذن الطبقة العاملة، الشغيلة، عن الأمة بوجه عام. وكان يحبذ الإجراءات الثورية، لكنه كان يطالب في الوقت نفسه، وهو الجمهوري، باتحاد بين الجمهوريات الألمانية. وقد كانت هذه، كما سنرى، واحدة من النقاط الأساسية لخلافه مع ماركس. وسرعان ما ضمت الجمعية التي أسسها، اتحاد كولن العمالي، جميع العناصر البروليترية في المدينة تقريبا. وقد بلغ عدد هؤلاء 7000 عضو، وهذا رقم كبير بالنسبة إلى مدينة من 80000 نسمة.

وسرعان ما نشب نزاع بين هذه الجمعية العمالية وبين التنظيم الذي كان ماركس وانجلز ينتسبان إليه. وقد كانت تضم أيضا عناصر لا تشاطر غوتشلاك وجهات نظره. وكان مول، الذي أرسلته كما تذكرون اللجنة الشيوعية اللندنية إلى لجنة بروكسيل للمداولة في أمر تنظيم المؤتمر، واحدا من الأعضاء الرئيسيين في الاتحاد العمالي، وكان بالطبع على صلة وثيقة بماركس وانجلز. وكان ينتسب إلى ذلك الاتحاد أيضا شابر الذي يساهم في الحركة العمالية منذ عام 1830.

وعلى هذا النحو، لم يلبث أن تنظَّم جناحان داخل الاتحاد العمالي الذي كانت تنشط في مواجهته الجمعية الديموقراطية التي ينتسب إليها كل من ماركس وانجلز.

تلك كانت نتيجة الخطة التي عرضها انجلز، بعد انقضاء حقبة مديدة، في مقاله عن الصحيفة الراينية الجديدة. كان ماركس وانجلز يأملان أن تصير جريدتهما، التي شرعت بالصدور في كولن في الأول من حزيران 1848، مركزا للالتقاء والتجمع يضم، في مجرى الكفاح الثوري، جميع التنظيمات الشيوعية المقبلة. ولا يجوز لأحد أن يتصور أن ماركس وانجلز دخلا إلى جريدة الديموقراطية تلك بصفتهما ديموقراطيين، وإنما دخلا إليها بصفتهما شيوعيين يصنفان نفسيهما إلى أقصى يسار الديموقراطية. وما توانا عن توجيه أعنف النقد لا إلى أخطاء الحزب الليبرالي الألماني فحسب، بل أيضا إلى أخطاء الديموقراطية، بحيث أنهما خسرا، من الأشهر الأولى، جميع المساهمين في جريدتهما. وقد انتقد ماركس الديموقراطية بقسوة، في أول مقال صدَّره في الصحيفة الراينية الجديدة. وحين ورد نبأ سحق البروليتاريا الباريسية في أيام حزيران، والمجزرة التي تسبب فيها كافينياك بمساندة الأحزاب البرجوازية كافة والتي قضى فيها عدة آلاف من البروليتاريين الباريسيين، نشرت الصحيفة الراينية الجديدة، جريدة الديموقراطية، مقالا مشبوب العاطفة نددت فيه بالجلادين البرجوازيين وبمشايعيهم من الديموقراطيين. وهاكم مقطعا قصيرا من ذلك المقال:

«لقد سُحق العمال الباريسيون من قبل عدو متفوق بالقوة، لكنهم لم يبيدوا. لقد دحروا، لكن أعداءهم هزموا. لقد بدد الانتصار المؤقت للقوة الوحشية جميع أوهام ثورة شباط، أظهر للعيان انحلال كل الحزب الجمهوري القديم وانقسام الأمة الفرنسية إلى قسمين: أمة المالكين وأمة العمال. ومن الآن فصاعدا لم يبق للجمهورية المثلثة الألوان سوى لون واحد، لون المهزومين، لون الدم. لقد أصبحت الجمهورية الحمراء.

«لقد كانت ثورة شباط ثورة عظيمة، ثورة التعاطف العام، إذن أن التناقضات التي برزت فيها فيما بعد كانت لا تزال في حالة الكمون، كما أن الصراع الاجتماعي الذي كان في أساسها لم يكن بعد إلا لفظيا. أما ثورة حزيران فقد كانت، على العكس، ثورة مثيرة للنفور، لأن الفعل حل محل القول، ولأن الجمهورية ذاتها كشفت رأس المسخ بنزعها عنه التاج الذي كان يحجبه.

«هل يجوز لنا، نحن الديموقراطيين، أن ننخدع بالهوة العميقة التي تفغر فاها أمام أعيننا، وأن نحسب أن النضال في سبيل أشكال الدولة وهمي لا يفضي إلى نتيجة؟

«إن النفوس الضعيفة، الرعديدة، هي وحدها التي يمكن أن تطرح ذلك السؤال. إنه لمن واجبنا الانتصار بالنضال في الصراعات التي تنشأ عن شروط المجتمع البرجوازي بالذات، والتي لا سبيل إلى تسويتها بالتوهمات الخيالية. فأفضل شكل للدولة هو الشكل الذي لا تستتر فيه التطاحنات الاجتماعية، ولا تضغط بالقوة، أي بصورة مصطنعة وسطحية. إن أفضل شكل للدولة هو الشكل الذي تتصادم فيه تلك التطاحنات بحرية في مجرى الصراع، وتجد بالتالي عن هذا السبيل حلها.

«لكن قد يسألنا سائل: ألن نذرف دمعة واحدة، ألن نزفر زفرة واحدة، ألن ننبس ببنت شفة من أجل ضحايا الحنق الشعبي، من أجل الحرس القومي، والدرك، والحرس الجمهوري، والقوات المقاتلة؟

«ستهتم الدولة بأراملهم وأيتامهم، وسترفعهم إلى الأوج مراسيم، وستقام لهم جنازات عظيمة، وستطوبهم الصحافة الرسمية من الخالدين، ومن الرشق إلى الغرب ستمجد الرجعية الأوربية أسماءهم.

«لكن عامة الشعب، الذين عضهم الجوع بنابه، وغشتهم الصحافة، وهجرهم الأطباء، ونعتهم المواطنون «الشرفاء» باللصوص ومضرمي الحرائق والأشقياء، ونساؤهم وأولادهم الذين قضي عليهم بالبؤس الأسود، وممثلوهم الناجون من المذبحة والمنفيون إلى ما وراء البحار… إنه لامتياز للصحافة الديموقراطية وحق لها أن تضفر حول جباههم القاتمة أكليل الغار».

لقد كتب هذا المقال في 28 حزيران 1848. ومن غير الممكن أن يكون قد كتب بريشة ديموقراطي. إن شيوعيا، ولا أحد غير الشيوعي، يمكن أن يكون مؤلفه، وما كان لماركس وانجلز أن يخدعها أحدا بتكتيكهما. فتوقفت صحيفتهما عن تلقي أي عون مالي من البرجوازية الديموقراطية، وصارت حقا وفعلا جريدة عمال كولن، جريدة العمال الألمان.

في أثناء ذلك، كان الأعضاء الآخرون في رابطة الشيوعيين، المشتتون في جميع أنحاء ألمانيا، يوالون عملهم. ويخيل إلي أنه يتوجب عليّ أن اخص بالذكر واحدا منهم: ايتيين بورن، عامل الطباعة. يصدر انجلز عليه حكما في غير صالحه في مقدمة لكراسة لماركس. فقد اختار بورن تكتيكا آخر. فمنذ وصوله إلى ألمانيا استقر في برلين، المركز العمالي الهام، وجعل هدفه تأسيس تنظيم عمالي كبير. وبمساعدة بعض رفاق له، أسس صحيفة صغيرة الإخاء العمالي، وقام بتحريض منظم بين مختلف فئات العمال. ولم يكتف، كما فعل غوتشلاك وفيليش في كولن، بتنظيم جمعية محض سياسية. وإنما شرع بتنظيم جمعيات شتى بغية الدفاع عن المصالح الاقتصادية للعمال، وانصرف بكل طاقته إلى العمل والنشاط، فإذا بتنظيمه يمتد إلى جملة من المدن المجاورة وإلى مناطق أخرى من ألمانيا. لكن هذا التنظيم كان يشكو من ثغرة. فقد كان عماليا صرفا، وكان يلح، شأن «الاقتصادوية» الروسية قيما بعد، إلحاحا مجاوز الحد على المهام الاقتصادية الصرف للطبقة العاملة. وهكذا، وفيما كان بعض أعضاء رابطة الشيوعيين من أمثال بورن، وهو رجل موهوب، ينشئون تلك التنظيمات العمالية الصرف، كان غيرهم، ومن ضمنهم ماركس، يبذلون كل ما بمستطاعهم، في جنوب ألمانيا، لتحويل الحزب الديموقراطي بحيث تكون الطبقة العاملة نواته وبحيث يكون على أقصى حد من الديموقراطية. وفي هذا الاتجاه كان ماركس يوالي عمله. وكانت الصحيفة الراينية الجديدة تعالج المسائل الهامة قاطبة، وهي تبقى إلى اليوم نموذجا للجريدة الثورية. وما من جريدة روسية أو أوربية وصلت إلى مستوى الصحيفة الراينية الجديدة. وعلى الرغم من مضي ما يناهز خمسة وسبعين عاما على كتابة مقالاتها، فإن هذه المقالات لم تفقد شيئا من نضارتها، من حميتها الثورية، ومن نفاذ تحليلها للأحداث. وعند قراءتها، وعلى الأخص مقالات ماركس منها، يخيل للمرء أنه يسمع تاريخ الثورة الألمانية والثورة الفرنسية يسرد نفسه من تلقاء نفسه، وذلك لما في أسلوبها من حيوية، ومن مضمونها من عمق.

ماذا كانت النقطة المركزية في السياسية الداخلية والخارجية للصحيفة الراينية الجديدة؟ قبل الانتقال إلى هذا السؤال، بودي أن ألفت انتبهاكم إلى أن ماركس وانجلز ما كانت لهما من تجربة بالثورة غير تجربة الثورة الفرنسية الكبرى. فقد درس ماركس تاريخها بعناية، وبذل ما بمستطاعه كي يستخلص منها المبادئ التكتيكية الواجب اتبعاها في زمن الثورة المقبلة التي تنبأ بها، بخلاف برودون، بسداد وصواب. والحال، ماذا تعلمنا تجربة الثورة الفرنسية؟ لقد اندلعت تلك الثورة في 1789. وقد دامت عقدا كاملا من الزمن، ومن 1789 إلى 1799، أي إلى عام قيام نابليون بانقلابه. وكانت تجربة الثورة الإنكليزية في القرن السابع عشر تشير أيضا إلى أن الثورة المقبلة ستكون بدورها طويلة الأمد على الأرجح. كانت الثورة قد اندلعت شرارتها الأولى وسط الفرح والحماسة العامة، وكانت البرجوازية قد ترأست الشعب الرازح تحن نير الاضطهاد، وأطاحت بالحكم المطلق، وإنما بعد انتصارها فحسب تطور صراعها، وفي إبان هذا الصراع، هذه الثورة الأكثر جذرية، انتقلت السلطة أكثر فأكثر إلى الأحزاب المتطرفة. وعلى مدى ثلاث سنين دارت رحى ذلك الصراع حتى استولى اليعاقبة في خاتمة المطاف على مقاليد السلطة. وقد خيل لماركس، الذي درس بعناية تنظيم حزب اليعاقبة السياسي، أنه إنما أثناء التطور الطويل الأمد للثورة يتم التوصل إلى تنظيم قوة تكون تدريجيا في إبان العمل والنشاط.

هذه المقدمة النظرية هي التي تفسر خطأه. وقد تمسك بذلك الرأي ردحا طويلا من الزمن، ولم يقلع عنه إلا بعد تعاقب أحداث عديدة. وقد كانت الهزيمة الحزيرانية للبروليتاريا الباريسية أول ضربة تسدد إلى الثورة في الغرب. وقد أتاحت فورا للرجعية أن ترفع رأسها في بروسيا والنمسا. والحال أنه كانت تقف خلف بروسيا والنمسا روسيا وقيصرها نيقولا الأول الذي عرض، منذ البداية، مساعدته على ملك بروسيا. وفي بادئ الأمر ردت بروسيا عرضه فيما يتعلق بالقوة المسلحة، لكنها قبلت المال. وكان نيقولا الأول يملك يومئذ أعظم احتياطي للذهب في أوربا. ووضع المال تحت تصرف الحكومة البروسية. وعرض نيقولا الأول كتائب روسية على الحكومة النمساوية التي كانت هنغاريا قد شهرت راية العصيان ضدها. وتم قبول الاقتراح.

بالاستناد مجدد إلى تجربة الثورة الفرنسية، قالت الصحيفة الراينية الجديدة بالتكتيك التالي. إن الحزب ضد روسيا هي وسيلة الخلاص الوحيدة لثورة أوربا الغربية التي آذاها اندحار البروليتاريا الباريسية. ويظهر تاريخ الثورة الفرنسية للعيان أن هجوم الائتلاف الرجعي على فرنسا قد أعطى الحركة الثورية دفعا جديدا. فالأحزاب المعتدلة وجدت نفسها وقد نحيت جانبا. وتولت قيادة الحركة الأحزاب التي عرفت كيف ترد بأصلب عزم العدوان الخارجي. وقد أدى هجوم الائتلاف على فرنسا إلى إعلان قيام الجمهورية في 10 آب 1792. وكان ماركس وانجلز يأملان أن تتمخض حرب الرجعية على الثورة الجديدة عن النتائج عينها. لهذا كانت الصحيفة الراينية الجديدة تنتقد روسيا بعنف، فتصورها قوة تقف دائما على أهبة الاستعداد لمساندة الرجعية النمساوية والألمانية. وكان كل مقال يبين أن الحرب ضد روسيا هي الوسيلة الوحيدة لانقاد الثورة. وكانت الصحيفة تسعى جهدها إلى تهيئة الديموقراطية لتلك الحرب بوصفها المخرج المعقول الوحيد. وكان ماركس وانجلز، أكرر ذلك، مثابرين بكل ما أوتيا من جهد ليثبتا أن الحرب ضد روسيا ستعطي الثورة دفعا جديدا، وستعزز الصبوات الثورية لدى الشعب الألماني. لهذا كانا يدافعان في جريدتهما عن كل حركة معارضة موجهة ضد النظام القائم. فكانا المدافعين الأكثر حماسة عن الثورة المجرية، وأيدا البولونيين الذين كانوا قد قاموا قبل مدة وجيزة بمحاولة تمرد جديد. وكانا يطالبان بإحياء بولونيا المستقلة، ويطالبان بأن تعيد ألمانيا والنمسا إلى بولونيا جميع الأقاليم التي انتزعتاها منها، وبأن تحذو روسيا حذوهما. ولما كانا يحبذان اتحاد ألمانيا برمتها في جمهورية واحدة، فقد طالبا الدانمرك بإعادة بعض المناطق الألمانية، خلا الأجزاء التي يغلب عليها العنصر الدانمركي من تلك المناطق. وبكلمة واحدة، لبثا وفيين في كل مكان للأطروحة الأساسية في «البيان الشيوعي»، ومحضا تأييدهما لكل حركة ثورية تعارض النظام القائم. بيد أننا لا نستطيع أن نكتم عن أنفسنا (وستلاحظون ذلك بأنفسكم حين ستتاح لكم، بعد بضعة أشهر، إمكانية قراءة المقالات التي نشرها ماركس وانجلز في الصحيفة الراينية الجديدة بالروسية) أن الجانب السياسي هو الغالب في تلك المقالات الباهرة. ففيها يوجه النقد بصورة متواصلة إلى الأفعال السياسية للبرجوازية وللبيروقراطية. وتكرس الصحيفة الراينية الجديدة مكانا قليلا نسبيا للمسالة العمالية. ومن المفيد، من هذه الزاوية، أن نقارن بين جريدتي ماركس وبورن. فجريدة هذا الأخير تشبه صحيفة حرفية تعاونية. وأكبر اهتمامها توليه للمسألة العمالية. وليس كذلك حال الصحيفة الراينية الجديدة. فهي لا تكاد تتعرض لهذه المسالة. إنها تنتقد بعنف بيان الحقوق الأساسية للشعب الألماني. وتنتقد كل التشريع المتشرب بروح النزعة الليبرالية القومية. وتذود بقوة عن حياض الفلاحين. وتبرهن للبرجوازية أن عليها أن تطالب بتحرير الفلاحين. لكنها قليلة للغاية المقالات المكرسة لمطالب الطبقة العاملة حتى نهاية 1848. ولا نقع على أثر لهذه المطالب في أي موضع من الصحيفة الراينية الجديدة التي كانت غارقة بتمامها تقريبا في مهمتها السياسية الأساسية، أي في شحذ الأهواء السياسية وتأجيجها والدعوة إلى تكوين قوى ثورية ديموقراطية قادرة على تحرير ألمانيا دفعة واحدة من جميع مخلفات العهد الإقطاعي.

لكن في أواخر 1848 تغير الوضع. فالرجعية، التي كانت قد بدأت تعزز مواقعها بعد هزيمة البروليتاريا الباريسية في حزيران، شمخت بأنفها أكثر في تشرين الأول 1848. وساهم سحق البروليتاريا المجرية بمساعدة الروس في دحر الحركة في برلين. واستعادت الحكومة البروسية رباطة جأشها وشجاعتها: ففي كانون الأول 1848 حلت الجمعية الوطنية وفرضت على البلاد دستورا تولت وضعه بنفسها. والحال أن البرجوازية البروسية، بدلا من أن تقابل في ذلك الحين السلطة الملكية بمقاومة صلبة، بذلت قصارى جهدها لتحقيق الاتفاق بين هذه السلطة وبين الشعب.

أما ماركس فكان يبرهن، على العكس، أن السلطة الملكية قد كابدت من هزيمة في آذار 1848 وأنه لا مجال لاتفاق معها. وإنما يتوجب على الشعب أن يضع لنفسه دستوره من دون أن يقيم وزنا للسلطة الملكية، وأن يعلن ألمانيا جمهورية واحدة وغير قابلة للقسمة. لكن الجمعية الوطنية، التي كانت الغلبة فيها للبرجوازية الليبرالية الديموقراطية، كانت تتوجس خيفة من قطيعة نهائية بينها وبين الحكم الملكي. ولهذا واصلت انتهاج سياستها التوفيقية إلى أن جرى حلها.

وأمسى واضحا عندئذ لماركس أنه من المستحيل الاعتماد حتى على القسم الأكثر راديكالية من البرجوازية الألمانية. فالشطر الديموقراطي من البرجوازية، الذي كان من الممكن عقد الآمال على قدرته على انتزاع حريات سياسية تفسح في المجال أمام تطور الطبقة العاملة، أثبت عجزه عن إنجاز تلك المهمة. وإليكم وصف ماركس لتلك البرجوازية في كانون الأول 1848 بعد التجربة المحزنة لجمعيتي برلين وفرانكفورت:

«لئن تباهت ثورتا 1648 و1789 بأنهما قادتا عملا إبداعيا، فإن برلينيي 1848 قد راهنوا بشرفهم على أن يكونوا من آبدات التاريخ. كان نورهم أشبه بنور النجوم الواصل إلى سكان الأرض بعد عشرة آلاف سنة من انطفاء الكوكب الذي صدر عنه. ولقد كانت الثورة البروسية في آذار صورة مصغرة لكوكب من ذلك النوع بالنسبة إلى أوربا. وكان نورها نور جثة اجتماعية مر عهد طويل على تحللها.

«لقد تطورت البرجوازية الألمانية برخاوة وخوف وبطء بالغ إلى حد أنها رأت نفسها، لحظة انتصابها ضد القطاع والحكم المطلق، تقف موقف العداء من البروليتاريا ومن جميع شرائح السكان المدنيين الذين تتفق مصالحهم وأفكارهم مع مصالح البروليتاريا وأفكارها. لقد رأت أنها تواجه عدوا لا في طبقة وراءها فحسب، وإنما في أوربا كلها أمامها. وبعكس البرجوازية الفرنسية في 1789، لم تكن هي الطبقة التي تذود عن المجتمع الحديث قاطبة ضد ممثلي المجتمع القديم والملَكية والنبالة. لقد انحطت إلى مستوى فئة اجتماعية معارضة للملَكية والشعب معا، مترددة إزاء كل خصم من خصومها، إذ أنها كانت تجدهم على الدوام في مرمى نظرها إما أمامها وإما وراءها، ومن البداية كانت تميل إلى خيانة الشعب وإلى عقد تسوية مع الممثل المتوج للمجتمع القديم، لأنها تنتمي هي نفسها إلى ذلك المجتمع القديم، فهي لا تمثل مصالح المجتمع الجديد ضد القديم، وإنما تمثل مصالح متجددة في داخل مجتمع شائخ، ولئن أمسكت بدفة الثورة فليس لأن الشعب يقف وراءها، وإنما لأن الشعب كان يدفع بها أمامه، وقفت على الرأس لا لأنها تمثل مبادرة عصر اجتماعي جديد، فهي شريحة من الدولة القديمة، شريحة لم تشق لنفسها الطريق، لكنها دفعت بقوة الانقلاب إلى سطح الدولة الجديدة، لا ثقة لها في نفسها ولا إيمان لها بالشعب، تدمدم ضد الكبار، ترتعد أمام الصغار، أنانية تجاه هؤلاء وأولئك وواعية لأنانيتها، ثورية قياسا إلى المحافظين ومحافظة قياسا إلى الثوريين، لا ثقة لها في شعاراتها بالذات، عندها جمل بدلا من أفكار، مذعورة من العاصفة العالمية ومستغلة لهذه العاصفة، لا حول لها ولا قوة وتلجأ إلى الانتحال في جميع الاتجاهات، لا تدلل على ابتكار إلا بدناوتها، لا ثقة لها في ذاتها ولا إيمان لها بالشعب، بلا دعوة تاريخية عالمية، عجوز مقعد، ملعون من الجميع ويرى نفسه في شيخوخته مكرها على توجيه الصبوات الفتوية لشعب قوي وعلى تنحيتها جانبا، عجوز أعمى، أصم، أدرد [40]: تلك هي البرجوازية البروسية كما وجدت نفسها، بعد ثورة آذار، عندما تسلمت دفة قيادة الدولة».

هذا وصف سديد للغاية لبرجوازية 1848. وهو ينطبق، كما ترون، على البرجوازية الروسية حرفيا.

لقد رأى ماركس البرجوازية وهي تعمل. والآمال التي كان علقها في البيان، وإن بتحفظ كبير، على البرجوازية التقدمية لم تتحقق. وعليه، وابتداء من خريف 1848، عدل ماركس وانجلز تكتيكهما في كولن بالذات وفي الصحيفة الراينية الجديدة. فقد نقل ماركس مركز ثقل عمله إلى الأوساط البروليتارية، وهذا من دون أن يمتنع عن تأييد الديموقراطية البرجوازية، ومن دون أن يبت صلته عضويا بالحزب الديموقراطي. وبالتعاون مع مول وشابر، عزز الدعاية في جمعية كولن العمالية التي كان لها ممثلها أيضا في اللجنة الإقليمية للجمعيات الديموقراطية. وبعد اعتقال غوتشالك، انتخب مول رئيسا للجمعية العمالية، مما يظهر للعيان تعزز مواقع الشيوعيين. وآل التيار الاتحادي، الذي كان يتزعمه غوتشالك، رويدا رويدا إلى أقلية. وحين اضطر مول إلى الهرب بصورة مؤقتة من كولن، انتخب ماركس مكانه رغما عن رفضه المتكرر. وفي شباط، في موعد انتخابات البرلمان الجديد، وقعت خلافات في وجهات النظر. فقد ألح ماركس ومجموعته على أن يصوت العمال للديموقراطيين، حيثما يعجزون عن إنجاح مرشحيهم، وهذا ما احتجت عليه الأقلية.

لكن الخلافات في وجهات النظر، في آذار ونيسان، بين العمال والديموقراطيين، المتحدين في اللجنة الإقليمية للجمعيات الديموقراطية، أخذت حدة بالغة لم يعد معها من الانشقاق مفر. وخرج ماركس ورفاقه من اللجنة. وسحبت الجمعية العمالية ممثلها وسعت إلى الارتباط بالجمعيات العمالية التي نظمها بورن في شرق ألمانيا. ثم أعيد تنظيمها وحولت إلى نادٍ مركزي له تسعة فروع أو نواد عمالية. وفي آخر نيسان، نشر ماركس وشابر نداء دعوا فيه جميع الجمعيات العمالية في الراينلاند ووستفاليا إلى مؤتمر إقليمي كيما تنظم نفسها وتنتخب نوابا إلى المؤتمر العمالي العام الذي يفترض فيه أن ينعقد في حزيران في لايبزغ.

لكن فيما انصرف ماركس ورفاقه إلى تنظيم حزب الطبقة العاملة، سددت ضربة جديدة إلى الثورة. فقد قررت الحكومة البروسية، التي كانت أقدمت على حل الجمعية الوطنية البروسية، أن تتلخص أيضا من الجمعية الوطنية الألمانية. ويومئذ بدا، في جنوب ألمانيا، ما سمي بالنضال في سبيل دستور الإمبراطورية.

كان على ماركس في كولن أن يلزم جانب الحذر الشديد بسبب وضعه. صحيح أنه لم يكن مكرها على العمل سرا، لكن كان من الممكن طرده من كولن بمحض أمر حكومي. وبالفعل، كان ماركس قد حزم أمره، تحت ضغط الملاحقات المتواصلة من قبل الحكومة البروسية، وبعد إبعاده عن باريس بناء على طلب هذه الأخيرة، وتحسبا من إبعاده عن بلجيكا أيضا، على أن يتخلى عن جنسيته البروسية، ولكن من جون أن يتجنس بجنسية أخرى. وعليه، حين عاد أدراجه إلى كولن، اعترفت به السلطات المحلية مواطنا في الراينلاند، لكنها طلبت موافقة سلطات برلين البروسية التي قررت أن ماركس خسر الحقوق المتربة على صفة المواطنية البروسية. لهذا اضطر ماركس، في الوقت الذي كان يبذل فيه مساعي عدة كي يستعيد حقوقه كمواطن بروسي، إلى تجنب المداخلات العامة في النصف الثاني من عام 1848. فحين كان المد الثوري يرتفع، والوضع يتحسن، كان يقوم بمداخلاته علنا، لكن ما أن كانت كفة الرجعية ترجح وتتصاعد موجة القمع في كولن، حتى كان يتوارى عن الأنظار، ويقصر عمله على الأدب، أي على توجيه الصحيفة الراينية الجديدة. لهذا لم يقبل إلا مكرها برئاسة جمعية كولن العمالية.

ترتبت على تعديل التكتيك تغيرات في الصحيفة الراينية الجديدة. وإنما بعد ذلك التعديل ظهرت المقالات الأولى عن العمل المأجور والرأسمال. وقد قدم ماركس لمقالاته بمدخل طويل شرح فيه لماذا لم تتطرق الصحيفة الراينية الجديدة بعد إلى مسالة تناحر العمل والرأسمال. وينطوي ذلك المدخل على فائدة كبرى لأنه يشير إلى تغيير في التكتيك، لكن هذا التغير، أكرر القول، جاء بعد فوات الأوان. فقد حصل في شباط، وفي أيار كانت الثورة الألمانية قد سحقت بصورة نهائية. وأرسلت الحكومة البروسية قواتها إلى جنوب شرقي ألمانيا. وكانت الصحيفة الراينية الجديدة أولى الضحايا. ففي 19 أيار صدر الأمر بإغلاقها. وبين يديّ العدد الأخير من تلك الصحيفة، العدد 301، ذلك العدد الأحمر المشهور الذي يبدأ بقصيدة شعر لفريليغراث، يعقبها بيان جديد يحذر فيه ماركس العمال ويطالبهم بألا ينساقوا وراء الاستفزاز. وغادر ماركس بعد ذلك الراينلاند. واضطر، بصفته أجنبيا، إلى مغادرة ألمانيا، أما سائر المحررين فقد تبعثروا شتاتا وأقاموا في أماكن مختلف. وتوجه انجلز ومول وفيليش نحو متمردي الجنوب.

بعد بضعة أسابيع من مقاومة بطولية، لكن رديئة التنظيم، للقوات البروسية، اضطر المتمردون إلى الالتجاء إلى سويسرا. وانتقل الأعضاء السابقون في هيئة تحرير الصحيفة الراينية الجديدة وجمعية كولن العمالية بسكناهم إلى باريس، لكنهم لوحقوا بعد مظاهرة 13 حزيران 1849 المجهضة، واضطروا إلى مغادرة فرنسا. وفي مطلع 1850 كان جميع أفراد الرعيل الأول من رابطة الشيوعيين تقريبا قد اجتمعوا من جديد في لندن. وكان مول قد لقي مصرعه أثناء التمرد في جنوب ألمانيا. وقدم كل من ماركس وانجلز وشابر وفيليش ووولف إلى لندن.

في بادئ الأمر لم يقطع ماركس وانجلز، كما نتبين من مقالاتهما، حبل الرجاء: فقد كانا يحسبان أن الحركة أصابها توقف عارض ولا مفر من أن تعقبه اندفاعة ثورية جديدة. وحتى لا تفاجئهما الأحداث على حين غرة، سعيا إلى تعزيز تنظيمهما وإلى ربطه بألمانيا بأوثق الروابط الممكنة. وأعيد تنظيم رابطة الشيوعيين القديمة: فضمت الأعضاء القدامى وعناصر جديدة جرى تجنيدها من سيليزيا وفروكلاف والراينلاند.

بيد أنه لم تتصرم أشهر قليلة حتى برزت خلافات في وجهات النظر في «الرابطة» بين الشيوعيين اليساريين والشيوعيين اليمينيين. وسوف أعرض عليكم موضوع الخلاف.

في مطلع 1850 كان ماركس وانجلز يؤمنان بأنه لن يطول بهما انتظار انطلاقة جديدة للثورة. وفي ذلك الزمن وجهت رابطة الشيوعيين نشرتيها المشهورتين اللتين كتبهما ماركس بصورة رئيسية. ولينين يحفظهما عن ظهر قلب، إذا جاز القول ويستشهد بهما باستمرار.

حتى نفهم تينك النشرتين حقا الفهم، يجب أن نتذكر الأخطاء التي ارتكبها ماركس وانجلز أثناء ثورة 1848. تظهر النشرتان للعيان أنه من الواجب توجيه الانتقاد الصارم لا إلى الليبرالية البرجوزاية فحسب، بل أيضا إلى الديموقراطية. ومن الواجب تركيز الجهود كافة لمعارضة التنظيم الديموقراطي بتنظيم عمالي، ومن الواجب في المقام الأول إنشاء حزب عمالي. ولا يجوز التوقف عن ضرب ظهور الديموقراطيين بالسياط. فكل مطلب من مطالبهم ينبغي الرد عليه بمطلب أكثر جذرية. يطالب الديموقراطيون بيوم عمل للعمال من تسع ساعات، فنطالب بيوم عمل من ثماني ساعات. يطالبون بمصادرة الملكية العقارية الكبيرة مع تعويض، فنطالب بمصادرتها بلا قيد ولا شرط. يتوجب علينا، بجميع الوسائل، أن ندفع بالثورة إلى الأمام، أن نجعلها دائمة، أن نطرحها باستمرار على جدول الأعمال. وليس لنا أن ننام على أمجادنا، وأن نكتفي بالانتصارات التي يتم انتزاعها. فكل مكسب يجب أن يكون مرقاة إلى مكسب تالٍ. والإعلان عن انتهاء الثورة يعني خيانتها. ومن الواجب العمل على نحو يتقوض معه النظام الاجتماعي والسياسي من جوانبه كافة، ويتفتت شيئا فشيئا، وذلك ما دمنا لما نطهره بعد من جميع مخلفات التطاحن الطبقي القديم.

بصدد تقييم «الموقف الراهن» بدأت الخلافات. فماركس، الوفي لمنهجه، كان ينطلق، بعكس خصومه الذين يقودهم شابر وفيليش، من واقع أن كل ثورة سياسية هي نتيجة بعض الشروط الاقتصادية، نتيجة ثورة اقتصادية معينة. فثورة 1848 قد سبقتها أزمة 1844 التي طالت أوربا بأسرها تقريبها، عدا أمصار الشرق النائية. والحال أن ماركس، عند تحليله في لندن الموقف الاقتصادي الجديد ووضع السوق العالمية، اقتنع بأن الموقف ليس موائما لانفجار ثوري، وأن غياب ذلك النهوض الثوري الذي كان ينتظره مع رفاق آخرين لا يكمن تفسيره الأوحد في انعدام المبادرة ونقص العزم والاقتدار لدى الثوريين. وفي نهاية 1850 قاده التحليل المفصل للموقف الآني إلى الاستنتاج بأن كل محاولة لاعتناق الثورة والتعجيل بها وتنظيم انتفاضة ثورية ستنتهي، بحكم الازدهار الاقتصادي السائد يومئذ، إلى هزيمة محتمة بقدر ما هي لامجدية. فقد كان الرأسمال الأوربي يومئذ في شروط تطور مناسبة للغاية. وكان قد تم اكتشاف مناجم ذهب فائقة الغنى في كاليفورنيا واستراليا حيث كان العمال يتدفقون بأعداد كبيرة. وعلت في 1850 موجة الهجرة الأوربية التي كانت قد بدأت في النصف الثاني من عام 1848.

إن تحليل الشروط الاقتصادية هو الذي افهم ماركس إذن أن الثورة في تراجع وتقهقر، وأنه لا بد من انتظار أزمة اقتصادية جديدة تخلق شروطا مناسبة لتجديد الحركة الثورية. لكن أعضاء رابطة الشيوعيين ما كانوا جميعهم يشاطرون ماركس وجهة نظره تلك. وكان أكثر من يماري فيها العناصر التي لم يكن لديها ثقافة ماركس وعلمه الاقتصادي، والتي كانت تعزو أهمية مسرفة إلى المبادهة الثورية لبعض الشخصيات القوية الشكيمة. وتضافر فيليش، الذي كان قد أشعل مع غوتشالك في 3 آذار شرارة الثورة في كولن ولعب دورا كبيرا في انتفاضة جنوب ألمانيا، تضافر مع شابر وعدد من أعضاء رابطة الشيوعيين المنتسبين إلى اتحاد كولن العمالي والمحازبين القدامى لفيتلنغ، ودعوا إلى تنظيم انتفاضة. وكان يكفي في رأيهم توفير الكمية اللازمة من المال وحشد بعض الرجال من أهل العزم والتصميم حتى يشتعل فتيل انتفاضة في ألمانيا. وصبوا جهودهم يومئذ على تدبر المال. وحاولوا الحصول على قرض من أمريكا لإضرام نار الثورة في ألمانيا. ورفض ماركس وانجلز وبعض من رفاقهما الأقربين في تلك الحملة. وفي نهاية الأمر وقع انشقاق، فانقسمت رابطة الشيوعيين إلى قسمين: جماعة ماركس وانجلز وجماعة فيليش وشابر.

في تلك الفترة، مني الفرع الألماني من «رابطة الشيوعيين» بفشل. وكان ماركس وانجلز قد حاولا منذ 1850، وفي أثناء إعادة تنظيم رابطة الشيوعيين في لندن، أن يعيدا تنظيم تلك الرابطة في ألمانيا وأن يعززاها ويقوياها. وقد جرى إرسال عدد من العملاء إلى ذلك القطر ليتبادلوا الرأي مع الشيوعيين الألمان. وتم اعتقال واحد منهم. ووجدت معه أوراق سمحت للأمن العام البروسي، بقيادة ستايبر المشهور، بأن يكتشف رفاقه. وأوقف عدد كبير من الشيوعيين. وحتى تظهر الحكومة البروسية للبرجوازية البروسية أنه ليس لها أن تتباكى وتتحسر على الحريات القليلة التي كانت قد جردت منها في عام 1850، عقدت العزم على تنظيم محاكمة كبرى للشيوعيين في كولن. وحكم على العديد من الشيوعيين، وبينهم لسنر وبيكر، بعقوبات سجن طويلة الأمد. وأماطت المحاكمة اللثام عن مشاركة عدد من الجواسيس في المشروع، وأتاحت الفرصة لاكتشاف ما لجأ إليه ستايبر وعملاؤه من تزوير لمحاضر ضبط الجلسات وشتى ضروب شهادات الزور. وبناء على قرار مجموعة الشيوعيين الذين بقوا مع ماركس، كتب هذا الأخير حول موضوع محاكمات رابطة الشيوعيين كراسة فضح فيها شتى أحابيل الشرطة البروسية ومكائدها. لكن المحكومين لم يجنوا كبير فائدة من ذلك. ولما انتهت المحاكمة خلص ماركس وانجلز ورفاقهما إلى الاستنتاج بأن رابطة الشيوعيين عاجزة، نظرا إلى الوضع وإلى انقطاع كل صلة بألمانيا، عن إتيان أي عمل كان، وأنه لا مناص من انتظار زمن أنسب، وفي نهاية 1852 أعلنوا رسميا حل تلك الرابطة. أما القسم الآخر من رابطة الشيوعيين، أعني مجموعة شابر وفيليش، فقد بقي على قيد الحياة الخاملة عاما آخر من الزمن. ورحل بعض من أعضائه إلى أمريكا. وبقي شابر في لندن. وبعد بضع سنوات فهم أنه اقترف غلطة في 1852، وتصالح مع ماركس وانجلز. وسأعرض عليكم في المرة القادمة ما فعله ماركس وانجلز أثناء الفترة التي حرما فيها من إمكانية العمل الثوري المباشر.

« السابق التالي »