بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الكاتب بقلم ريازانوف

محاضرات في تاريخ الماركسية

« السابق التالي »

المحاضرة السادسة [الردة من عام 1852 إلى 1862 -«تريبيون» النيويوركية – حرب القرم – آراء ماركس وانجلز – المسألة الإيطالية – مناقشة ماركس وانجلز مع لاسال – المناظرة مع فوغت – موقف ماركس من لاسال]

قلت لكم في المرة السابقة أن تصفية رابطة الشيوعيين في 1852 أدت بماركس وانجلز إلى وقف كل نشاط سياسي مباشر طوال سنوات عديدة. وسأحاول الآن أن أسلط الضوء على الحقبة المنصرمة من عام 1852 إلى حين تأسيس الأممية الأولى، وأن أشرح لكم لماذا لم يكن أمام ماركس وانجلز من خيار، أثناء تلك الحقبة، غير الامتناع عن العمل والنشاط.

إن الردة، التي بدأت في 1849، والت تعزيز مواقعها. وأدركت أوجها في عام 1854. فقد ألغيت الحريات السياسية قاطبة. وحُظرت الاتحادات العمالية جميعا. وكانت حرية الصحافة قد ألغيت في النصف الثاني من عام 1849. وحافظت بروسيا على مجلس للنواب، لكنه كان مجلسا مغرقا في رجعيته.

كان على ماركس وانجلز آنئذ أن يتدبرا حلا لمسألة شائكة للغاية هي مسألة حياتهما المادية، كان واجبا عليهما أن يتدبرا خبزهما اليومي، لأن العبقري النابغة بحاجة، نظير أي إنسان آخر، إلى أن يأكل. ومن الصعب أن نتصور كم كان وضعهما يومئذ عسيرا. كان انجلز، ابن صناعي غني صاحب معامل في ألمانيا وإنكلترا، قد اختلف اختلافا عنيفا مع والده، وما كان يريد أن يذهب ليتذلل إليه. وقد سعى هو وماركس إلى تدبر عمل فكري ما، لكن الأبواب في ألمانيا كانت مسدودة في وجهيهما. وما كان متاحا لهما، في أمريكا، أن يعملا إلا في جرائد عمالية، لكن التعاون مع أشباه تلك الجرائد ما كان يدر شيئا.

عندئذ كتب ماركس لحساب مجلة أمريكية أثره التاريخي الأكثر نبوغا: 18 برومير لويس بونابرت. إنه تاريخ ثورة شباط. وفيه يبيِّن ماركس كيف حدد صراع الطبقات مصير تلك الثورة، وكيف خانت شتى أحزاب البرجوازية، بما فيها طرفها الأكثر ديموقراطية، عن طواعية واغتباط، أو بدون إرادتها وهي تذرف العبرات، كيف خانت جميعها البروليتاريا وأباحتها للجنرالات والجلادين، وكيف تهيأت تدريجيا الشروط التي أتاحت لرجل عادم الأهلية مثل نابليون الثالث أن يستولي على السلطة.

كان وضع ماركس المادي قد زاد سوءا على سوء. وأثناء السنوات الأولى من إقامته في لندن، فقد اثنين من أولاده، ابنا وبنتا. وحين قضت هذه الأخيرة نحبها، ما كان عنده مال حتى لدفنها.
وقرر انجلز عندئذ مكرها أن يعود إلى «مهنته الخسيسة»، كما كان يسمي التجارة، وأن يقبل بوظيفة مستخدم في الفرع الإنكليزي من معمل والده. فقصد مانشستر. وفي البدء، لم يكن إلا مستخدما بسيطا. وكان عليه أن يكسب ثقة والده وثقة إدارة الفرع، وأن يظهر أنه يعرف كيف يكون تاجرا جيدا.

لبث ماركس في لندن. ولم يكن قد بقي من رابطة الشيوعيين سوى عدد صغير من العمال المتجمعين حول جمعية التثقيف الشيوعي والمتعيشين من مزاولة مهنهم كخياطين وعمال طباعة. وفي أواخر 1851 اتيحت لماركس، على نحو لامتوقع، إمكانية العمل في صحيفة أمريكية، تريبيون النيويوركية التي كانت عهدئذ واحدة من أوسع الصحف نفوذا. وقد سأله واحد من محرريها أن يكتب سلسلة من المقالات عن ألمانيا. وكان ذلك المحرر، ويدعى تشارلز دانا، قد قدم إلى ألمانيا أثناء ثورة 1848 وتعرف فيها إلى ماركس. وكان قد أقام في كولن وعرف مواهب ماركس الصحفية. ولما كانت هجرة الألمان إلى أمريكا قد تزايدت نسبتها كثيرا فإبان الثورة، فقد ارتأى أنه من الضروري توسيع الباب المخصص لشؤون أوربا الغربية برسم تلك الفئة من القراء. وقد سبب عرض التعاون الذي عرضه على ماركس حرجا كثيرا لهذا الأخير، إذ كان يومئذ عاجزا عن الكتابة بالإنكليزية. وقصد ماركس انجلز، وقام عندئذ بينهما تعاون غربي للغاية. كما ذكرت لكم، كان ماركس قد كتب بمفرده تقريبا البيان الشيوعي، بيد أن «البيان» مهر بإمضاء ماركس وانجلز، بالرغم من أن هذا الأخير لم يشارك في إنشائه أكثر مما شارك في إنشاء الأسرة المقدسة. على أن انجلز قام عهدئذ بعمل كبير. وقد نسبت مقالاته، التي جمعت فيما بعد في مجلد واحد بعنوان الثورة والثورة المضادة في ألمانيا، إلى ماركس. لكننا نعرف اليوم، من مراسلات ماركس مع انجلز، أنها من وضع هذا الأخير. بيد أنه ينبغي لنا أن نحذر المغالاة. فهي في الواقع من تأليف ماركس وانجلز المشترك، لكن انجلز هو الذي حررها اعتمادا على إرشادات عدة من ماركس، وكذلك على مختلف المقالات التي نشرها هو وصديقه في الصحيفة الراينية الجديدة. وعلى ذلك بدأ تعاون ماركس مع تريبيون النيويوركية. وبعد زهاء عام من الزمن كان ماركس قد استوعب الإنكليزية إلى حد مكنه من الشروع مقالاته مباشرة بتلك اللغة.

في عام 1853 إذن، بات في متناول ماركس منبر للتعبير عن آرائه. ومن سوء الحظ أن ذلك المنبر لم يكن في أوربا، وإنما في أمريكا. وكان قراء الصحيفة يبحثون فيه عن جواب لأسئلتهم. وكانت أمريكا تولي يومئذ اهتماما كبيرا لأحداث أوربا الغربية، ولكن فقط بقدر ما تؤثر على أحداث أمريكا. كانت المسالة الجوهرية بالنسبة إلى الولايات المتحدة يومئذ هي مسألة تحرير الزنوج وإلغاء الرق. وكان لا يزال بين ولايات الشمال وولايات الجنوب مسألة أخرى مختلف عليها، هي مسألة حرية التجارة.

في مسألة الرق، كانت تريبيون النيويوركية التي يكتب فيها ماركس تقف إلى أقصى اليسار. وكانت تؤيد إلغاء الرق. أما في مسألة حرية التجارة، فكانت تأخذ بوجهة نظر أنصار مذهب الحماية. وبديهي أن ماركس كان متفقا معها بصدد النقطة الأولى، لكن ليس بصدد النقطة الثانية. ومن حسن الحظ أن أوربا كانت تقدم مواد كافية لمواضيع أخرى.

في ربيع 1853 تسارعت الأحداث في أوربا، لكن ما ينبغي أن نلاحظه أن ذلك التسارع لم يكن بنتيجة ضغط الجماهير الشعبية. كانت عدة دول كبرى، من أمثال روسيا وفرنسا وإنكلترا، وجميعها معنية على قدر سواء باستتباب النظام، قد طفقت على حين بغتة تتخاصم. وتلك هي السمة المميزة للطبقات السائدة والأمم السائدة: فما أن تنعتق من خوف الحركة الثورية حتى تنشب الخلافات فيما بينها. وهكذا انفجر من جديد التنافس الذي كان قائما بين إنكلترا وفرنسا وروسيا قبل ثورة 1848، والذي كان قد أخلى مكانه، انحناء أمام الضرورة، لتحالف مناهض للثورة. فقد بدأ وكأن روسيا، التي ساهمت في استتباب «النظام» في أوربا الغربية، تطالب بمكافأة على تلك الخدمة. وقد ارتأت أنه آن الأوان لتنشب مخالبها في شبه جزيرة البلقان، ولتجرد تركيا من قسم من أملاكها. وتدعمت مواقع حزب الحرب في بلاد نيقولا الأول. وكان معقد رجائه أن فرنسا لن تكون في حالة تؤهلها لإبداء مقاومة ما، وان إنكلترا بحكومتها المحافظة لن تنقض الاتفاق الودي القائم بينها وبين روسيا. ونشب في بادئ الأمر خلاف حول مفاتيح قبر السيد المسيح، وفي الواقع حول السيطرة على مضائق الدردنيل.

تصرمت بضعة شهور. وتفاقم الموقف إلى درجة رأت معها فرنسا وإنكلترا نفسيهما مضطرتين إلى إعلان الحرب على روسيا، بالرغم من رغبتهما في تجنب مواجهة مسلحة تدركان أنها لن تجدي فتيلا. وطرحت حرب القرم المسألة الشرقية بكل وساعتها. وأتيحت عندئذ لماركس وانجلز، وأن في أمريكا وليس في أوربا، إمكانية العمل في المادة المهمة التي تقدمها لهما أحداث الساعة. وتجدر الإشارة على اغتباطهما كليهما بتلك الحرب. وبالفعل، كانت الدول الرئيسية الثلاث في أوربا وحصن الثورة المضادة فيها في سبيلها إلى التقاتل والتمازق، والحال أنه عندما يتصارع اللصوص فيما بينهم فلن يكون الكاسب إلا الشرفاء من الناس. ومن هذا المنظور كان ماركس وانجلز يريان إلى تلك الحرب. وكان عليهما بعد ذلك أن يحددا الموقف الواجب اتخاذه من كل بلد من البلدان المتحاربة على حدة.

أرى ضرورة للتوقف عند هذه النقطة، لأننا رجعنا على الدوام في مسائل التكتيك تجاه الأطراف المتحاربة، تلك المسائل التي لعبت دورا بالغ الأهمية أثناء ثورتينا الاثنتين، وبخاصة أثناء الأخيرة منهما، إلى التكتيك الذي انتهجه ماركس وانجلز في 1853. ولقد كان يسود الاعتقاد في أوساطنا بشكل عام أن ماركس وانجلز انحازا فورا في حرب القرم إلى جانب تركيا ضد روسيا. وبالفعل، كان ماركس وانجلز يعزوان أهمية ضخمة إلى القيصرية الروسية، عماد الرجعية الأوربية، يعزوان أهمية كبرى إلى الحرب ضد روسيا لأنهما كانا يريان في حرب كتلك عاملا قمينا بتطوير الطاقة الثورية في ألمانيا بالذات. لهذا كان من المحتم أن يصفقا لحرب ضد روسيا. وفي المقالات التي كتباها معا متقاسمين العمل (تولى انجلز كتابة المقالات العسكرية بوجه خاص، وماركس المقالات الدبلوماسية والاقتصادية)، نالت روسيا نصيبا موفورا من نقد عديم الشفقة.

هل يترتب على ذلك أن ماركس وانجلز أخذا بناصر المدنية والأنوار والتقدم ضد روسيا، وأنهما ثارا على هذه الأخيرة كي يصطفا إلى جانب الإنكليز والفرنسيين المستنيرين والمتمدنين؟ خطأ فادح أن نتصور ذلك. فالصديقان انتقدا في مقالاتهما فرنسا وإنكلترا بقدر ما انتقدا روسيا. وفضحا بلا شفقة جميع محاولات نابليون وبالمرستون لتصوير تلك الحرب وكأنها حرب المدنية والتقدم ضد الهمجية الآسيوية. أما فيما يتعلق بتركيا، التي لم تكن إلا ذريعة تلك الحرب، فمن الخطأ الاعتقاد، كما يفعل غالبية الناس، أن ماركس كان من أنصار تركيا. فلا ماركس ولا انجلز نسيا أن تركيا بلد أشد همجية وأكثر آسيوية حتى من روسيا. والحق أن انتقاداتها لم توفر أحدا من المتحاربين. وفي نظرهما لم يكن هناك سوى معيار واحد. فقد كانا يقلبان النظر في كل حدث بدالَّة تأثيره على تسارع الثورة وعلى اشتداد ساعد الاندفاعة الثورية. ومن جهة النظر هذه انتقدا مسلك إنكلترا وفرنسا اللتين خاضتا غمار الحرب على كره منهما كما سبق أن ذكرت لكم، إذ غصبهما عليها عناد نيقولا الأول الذي أشاح بلا أخذ ولا رد عن كل تسوية. وقد كان لتخوف الطبقات الحاكمة ما يبرره، فالحرب طال أمدها مما كان متوقعا. فقد بدأت في عام 1853 ولم تنته إلا في 1856 بعقد صلح باريس. وقد أثارت في إنكلترا وفرنسا غليانا شديدا بين الجماهير العمالية والفلاحية. وأرغمت نابليون والحكام الإنكليز على بذل جملة من الوعود والتنازلات. وانتهت الحرب بانتصار فرنسا وإنكلترا وتركيا. أما بالنسبة إلى روسيا فكانت بمثابة حافز على تحقيق «الإصلاحات الكبرى». فقد أظهرت للعيان مدى عدم أهلية بلد يسوده نظام القنانة لمقارعة بلدان رأسمالية. وصار من الواجب أن تطرح مسألة تحرير الفلاحين على جدول الأعمال.

لكن كانت لا تزال هناك حاجة إلى صدمة كي تخرج أوربا الهاجعة بعد الانفجار الثوري في 1848-1849 من سباتها خروجا نهائيا. فحين انفصل ماركس وانجلز عن جماعة فيليش وشابر، كانا قد أعلنا أن ثورة جديدة لا يمكن أن تكون إلا نتيجة انقلاب اقتصادي جديد عنيف، وأنه كما كانت ثورة 1848 نتيجة أزمة 1847 فلا مناص من أن تكون الثورة الجدية حصيلة أزمة اقتصادية جديدة. وكان الازدهار الاقتصادي، الذي بدأ في 1849، قد تقدم بقوة فائقة في السنوات التاليات حتى أن حرب القرم نفسها عجزت عن تسديد ضربة محسوسة إليه.

بل كانت الظواهر تشير إلى أن الازدهار سيدوم إلى ما لانهاية. وهذا مع أن ماركس وانجلز كانا راسخي اليقين في عام 1851 بأن الأزمة التالية ستقع في 1853 على أبعد تقدير. وكانت أبحاثهما القديمة (وبخاصة أبحاث انجلز) قد أدخلت في ذهنيهما أن الأزمات، تلك الطفرات، تلك الانقطاعات الدورية في تطور الإنتاج الرأسمالي، تتكرر كل 5-7 سنوات. وعلى أساس هذا الحساب كان من المفروض بالأزمة التالية لأزمة 1847 أن تحدث في 1843. لكن ماركس وانجلز أخطآ. فمرحلة التطور المتواصل للإنتاج الرأسمالي، مقرونة بذبذبات صعود وهبوط غير ذات شأن، دامت حتى 1857. وفي ذلك العام فقط انفجرت الأزمة. لكنها كانت أزمة ذات أبعاد منقطعة النظير قوة واتساعا.

استقبل ماركس بحماسة تلك الأزمة، بالرغم من أنه ترتبت عليها عواقب مزعجة للغاية بالنسبة إليه. لم يكن كسبه من تعاونه مع تريبيون النيويوركية مرتفعا. فقد كان يتقاضى في البداية عن كل مقال ما يعادل عشرة روبلات ذهبية، وهي تعرفة رفعت فيما بعد إلى 15 روبلا. بيد أن هذا الكسب كان يسمح له بأن يعيش، ولو عشية الكفاف، في السنوات الأولى من حياته كمهاجر إلى لندن، وهذا بمساعدة انجلز الذي كان يتولى العبء الأكبر من العمل لحساب الصحف الأمريكية. فضلا عن ذلك، كان ماركس يعمل بمثابرة في مؤلفه الاقتصادي الكبير ويجد الوقت أيضا للكتابة مجانا للصحيفة الميثاقية المركزية، الصحيفة الشعبية.

بعد أزمة 1857 تردى الوضع من جديد. فقد كانت الولايات المتحدة من أكثر الدول تأثرا بالأزمة، واضطرت تريبيون النيويوركية إلى ضغط نفقاتها، وفعلت ذلك على حساب مراسليها الأجانب. وغرق ماركس من جديد في الديون، واضطر إلى البحث عن أي عمل ظرفي. ولبث على هذا الوضع المحرج حتى عام 1859. ثم عاد إلى التعاون مع تريبيون النيويوركية التي لم يتركها نهائيا إلا عام 1862.

لكن لئن عانى ماركس في حياته الشخصية من مضايقات كثيرة، فإنه أحس ابتداء من عام 1857 بالسعادة كثوري. وكما توقع، كانت الأزمة الجديدة العلة الرئيسية لسلسة من حركات ثورية في عدد كبير من الأقطار. ففي أمريكا انطرحت مسألة إلغاء الرق بصورة ملحة، وفي روسيا بات إلغاء القنانة مطروحا على جدول الأعمال، واضطرت إنكلترا البرجوازية إلى تعبئة قواها كافة لمواجهة انتفاضة واسعة النطاق في الهند الشرقية، كذلك أمست أوربا الغربية في حالة غليان.

كانت ثورة 1848 قد تركت جملة من المسائل بلا حل. فإيطاليا بقيت مقسمة. وكانت أقاليمها الشمالية تقع تحت سلطان النمسا. وكانت المجر قد سحقت بمساعدة القوات الروسية، وربطت من جديد بالنمسا. وكانت ألمانيا، كما في السابق، حشدا من إمارات ودول شديدة التفاوت فيما بينها، وكانت تتقدمها جميعا بروسيا والنمسا الطامحة كل واحدة منها إلى فرض هيمنتها على الاتحاد الكونفدرالي الألماني.

منذ عام 1858 برزت في جميع دول أوربا الغربية حركة معارضة ثورية طرحت على جدول الأعمال من جديد المسائل القديمة المعلقة. ففي ألمانيا اشتد ساعد التيار المؤيد للتوحيد. واحتدم الصراع بين الحزب الوحدوي الجرماني الطامح إلى وحدة ألمانيا قاطبة وبين الحزب الألماني المعتدل الذي يبوئ بروسيا مكانة الزعامة ويرى أنه يتوجب على جميع الدول الألمانية باستثناء النمسا، أن تتحد حولها.

في إيطاليا أيضا تيقظت الصبوات القومية. أما في فرنسا، حيث أدت أزمة 1857 إلى انهيار مشاريع عديدة وجرت أوخم عواقبها على الصناعة النسيجية، فقد نمت وتطورت المعارضة البرجوازية الصغيرة وبدر عن المنظمات الثورية السرية، وبخاصة الجماعات البلانكية، نشاط جديد. ودبت الحياة ثانية في أوصال الحركة العمالية، وبخاصة في مجال البناء والنجارة، بعد أن كانت خمدت تماما عقب هزيمة حزيران. وفي روسيا أخيرا حصلت سلسلة من افلاسات البيوتات التجارية، وطرقت الحكومة رويدا رويدا باب الإصلاحات الليبرالية.

سعت الحكومات الأوربية، وفي المقام الأول الحكومة الفرنسية، إلى تحويل انتباه الشعب نحو السياسة الخارجية تملصا من المصاعب الداخلية. واضطر نابليون، الذي ذكرته محاولة اغتياله على يد الثوري الإيطالي أورسيني في كانون الثاني 1858 أن شرطته ليست كلية القدرة والقوة، اضطر أن يقيم اعتبارا للغليان المتعاظم. والتفافا منه حول تذمر الجماهير العمالية، رفع شعار تحرير إيطاليا من النير النمساوي. وفي تلك السنة نفسها عقد اتفاقا سريا مع كافور، وزير ملك سردينيا. فكما كانت بروسيا هي الدولة الأقوى بين دول ألمانيا المقسمة، كذلك كانت مملكة سردينيا هي الأقوى في إيطاليا، وقد غدت المحور الذي توحدت حوله البلاد قاطبة.

كانت الصحافة الرسمية تنادي علنا وجهارا بضرورة توحيد إيطاليا، لكن الاتفاق الذي كان نابليون وعد بموجبه سردينيا بمساعدته كان له في الواقع مرمى مغاير تماما. فلم يكن بيت القصيد توحيد إيطاليا، وإنما توسيع ممتلكات سردينيا التي وعدت بمقاطعتي لومبارديا وفينيسيا. ومقابل ذلك يتلقى نابليون، فضلا عن الوعد بعدم المساس بممتلكات البابا، مقاطعتي نيس والسافوا. والواقع أن نابليون، الذي كان يتخبط بين المعارضة اليسارية والحزب الاكليريكي، ما كانت له رغبة في خصام البابا، ولهذا كان ضد التوحيد الحقيقي لإيطاليا. ومن جهة أخرى كان يؤمِّل، عن طريق وضع اليد على إقليمين جديدين، أن ينال رضى الوطنيين الفرنسيين.

على هذا النحو برزت إلى حيز الوجود مسألة سياسية هي من أهم المسائل إطلاقا، مسألة كانت تهتز لها أوربا قاطبة، وينفعل لها بخاصة الثوريون في شتى الأقطار. فما الموقف الذي كان يتوجب على الثوريين والاشتراكيين اتخاذه؟ هل ينبغي عليهم أن يصطفوا إلى جانب نابليون الذي كان يلعب تقريبا دور الثوري بإطلاقه شعار حق إيطاليا في تقرير مصيرها بنفسها، أم إلى جانب النمسا التي كانت تمثل الاستبداد وتضطهد إيطاليا والمجر، إنها، كما نرى، مسألة بالغة الأهمية وتستدعي تكتيكا محددا، وتعيد إلى أذهاننا الوضع في 1914. لهذا سأعرض عليكم تكتيك ماركس وانجلز وموقفهما، وكذلك تكتيك لاسال وموقفه.

لم أجد حتى الآن داعيا للكلام عن لاسال، مع أنه كان واحدا من أوائل أتباع ماركس وشارك في أحداث 1848. لن أتوقف عند سيرة حياته، لأن ذلك يشط بنا عن موضوعنا. فبعد فترة اعتقال قصيرة مكث لاسال في ألمانيا حيث صرف اهتمامه إلى أبحاث علمية، وثابر على اتصاله بماركس وانجلز. وتسببت المسألة الإيطالية في مجادلة بالغة الأهمية بينه وبين ماركس وانجلز، لأن الخلاف إنما كان، والحق يقال، خلافا بين طرفين في حزب واحد. فإلامَ يرتد الاختلاف في وجهات النظر بينهم؟ هذا ما سنراه الآن.

كان نابليون الثالث ومحازبوه يعرفون حق المعرفة كيف يتلاعبون بالرأي العم. فكما في أثناء حرب القرم، أغرقت فرنسا في 1858-1859 في بحر من الكراسات والأهاجي التي ترمي، بجميع الوسائل الممكنة وبكل الأساليب الممكن تخيلها، إلى إثبات ليبرالية نابليون وعدالة قضية إيطاليا. وقد شارك في تلك الحملة عدد غفير من الصحفيين المتطوعين أو المرشوين من قبل الحكومة. وكان الصحفيون المتطوعون يمثلهم بصورة رئيسية المهاجرون المجريون والبولونيون. فكما كان هؤلاء المهاجرون قد رأوا في حرب القرم قبل بضع سنوات حربا للتقدم والمدنية على الاستبداد الآسيوي، وجندوا لحساب نابليون وبالمرستون فقرا من المتطوعين، كذلك راحوا يتهافتون الآن على إثبات أن نابليون يقاتل في سبيل التقدم وحق الشعوب في تقرير مصائرها بنفسها وعلى وجوب قيام الجميع لنجدته وتقديم العون له. وانخرط أولئك المهاجرون، الذين ما كان بعضهم يتأبى عن مال نابليون، في سلك الجيش الإيطالي-الفرنسي.

بيد أن النمسا لم تمكث هي الأخرى مكتوفة اليدين. فقد كانت تمول صحفيين لا هم لهم غير أن يثبتوا أنها تذود في تلك الحرب عن مصالح ألمانيا قاطبة، وأنه إذا انتصر نابليون على النمسا فسيستولى أيضا على الراين، وأن الأمر بالتالي ليس أمر إيطاليا وإنما أمر ألمانيا، وأن النمسا بإبقائها إيطاليا الشمالية تحت سلطانها تذود في الواقع عن حياض ألمانيا. وكانوا يقولون: لحماية الراين لا مناص من السيطرة على البو (نهر في لومبارديا).

هذا ما كانه التياران الرئيسيان في الصحافة الأوربية عهدئذ. وفي ألمانيا بالذات، كانت المسالة تزداد تعقيدا بحكم الخلاف الناشب بين الحزب الجرماني الوحدوي والحزب الألماني المعتدل. وطبيعي أن الجرمانيين الوحدويين، الذين كانوا يريدون اتحاد ألمانيا جمعاء بما فيها النمسا، كانوا يقفون بجانب هذه الأخيرة. أما المعتدلون، الذين كانوا يرنون بأبصارهم إلى بروسيا، فكانوا يعلنون على العكس أنه ينبغي أن تترك النمسا تتدبر شأنها بمفردها. صحيح أنه كان بين ذينك النقيضين فروق وتلاوين شتى، لكن ذلك ما كان يغير اللوحة العامة.

ما الموقف الذي تبناه في هذه المسألة ماركس وانجلز من جهة، ولاسال من الجهة الأخرى؟ كان ثلاثتهم يقفون على أرضية البيان الشيوعي، وكان ثلاثتهم قد كافحوا أثناء ثورة 1848 في سبيل تكوين جمهورية ألمانية تضم المناطق الألمانية من النمسا. وعليه، ما كان يبدو أنه من الممكن أن ينشب بينهم أي خلاف في وجهات النظر. أما في الواقع فقد كانت اختلافاتهم لا تقل عمقا عن تلك التي قسمت، في بداية الحرب الإمبريالية، صفوف الاشتراكيين-الديموقراطيين الذين كانوا متحدين حول الراية الماركسية.

أظهر ماركس وانجلز في مقالاتهما وكراساتهما أن ألمانيا لا تحتاج إلى إيطاليا الشمالية للدفاع عن الراين، وأنها تستطيع، أكثر من ذلك، أن تقبل بلا خطر بأن تعيد النمسا إلى إيطاليا الموحدة جميع أقاليمها الإيطالية، وأعلنا أن كل محاولة للأخذ بناصر النمسا بحجة الذود عن صالح ألمانيا أن هي ألا تواطؤ مع الاستبداد النمساوي.

لكن ماركس وانجلز انتقدا من جانب آخر –وهذه واحدة من السمات المميزة لموقفهما- نابليون بمثل العنف الذي انتقدا به الرجعية النمساوية والبروسية. كان خطر انتصار كامل لنابليون يبدو لهما أوهى شأنا من خطر انتصار تنتزعه النمسا. وقد أبان انجلز أن نابليون سيهاجم ولا بد ألمانيا بعد انتصاره على النمسا، ولهذا قال بالأطروحة التالية: على إيطاليا وألمانيا أن تحققا اتحادهما بقواهما الذاتية. وبناء عليه، لا يجوز للثوريين أن يأخذوا لا بناصر نابليون ولا بناصر النمسا في المسألة الإيطالية. والشيء الوحيد الذي يجب أن يضعوه نصب أعينهم هو صالح الثورة البروليتارية. ولا يجوز لهم أن ينسوا أن ثمة عاملا آخر له ما له من الأهمية. وقد نوه انجلز بسداد بأن نابليون ما كان ليجرؤ على إعلان الحرب على النمسا لو لم يطمئن إلى موافقة روسيا الضمنية، ولو لم يتيقن من أن هذه الأخيرة لن تهب لمساعدة النمسا. وكان يقدر أنه من المحتمل للغاية أن يكون هناك وجود لاتفاق ما بهذا الخصوص بين فرنسا وروسيا. ففي إبان حرب القرم ردت النمسا، كما كان يعلن أبناء جلدتنا، بجحود منكر على جميل روسيا التي كانت قد ساعدتها، بتفانٍ وتجرد منقطعي النظير على ما يقولون، على سحق الثورة المجرية. وما كان لروسيا، كما تدل الظواهر، إلا أن تغتبط بمشاهدة النمسا وهي تنال عقابها على يد نابليون. وإذا كان هناك فعلا اتفاق بين فرنسا وروسيا، وإذا هبت هذه الأخيرة لمعونة فرنسا، فعلى ألمانيا جمعاء في هذه الحال أن تهب لنجدة النمسا، لكن ألمانيا هذه ستكون ألمانية ثورية. وعندئذ يتحقق الوضع الذي كان ماركس وانجلز يعقدان عليه الرجاء في أيام ثورة 1848.

إنها ستكون حرب الثورة ضد الرجعية، حربا تحل فيها بالتعاقب محل جميع الأحزاب البرجوازية التي ستعجز عن اكتساب تأييد الطبقات الدنيا أحزاب أكثر فأكثر جذرية، وتمهد السبيل بالتالي لانتصار الحزب الأكثر تطرفا، الأكثر ثورية، حزب البروليتاريا.

تلك هي وجهة نظر ماركس وانجلز. ومغايرة لها كانت وجهة نظر لاسال. واختلاف آرائهم يجد بعض تفسيره في تباين الشروط الموضوعية التي كانوا يحيون في ظلها. فلاسال، الذي كان يعيش في بروسيا، كان مرتبطا ومشدودا بعرى وثيقة إلى الوسط البروسي. أما ماركس وانجلز فكانا يقطنان إنكلترا، فكانا، لتحررهما من التأثير المباشر للوسط الألماني، يحاكمان الأحداث الأوربية من منظور مصالح الثورة الأممية، وليس فقط من منظور المصالح الألمانية أو البروسية.

كان أخطر أعداء ألمانيا في نظر لاسال عدوها الداخلي، النمسا. فهذه الأخيرة كانت أدهى خطرا من فرنسا الليبرالية أو روسيا التي كانت قد طفقت تسير على طريق الإصلاحات. وكانت هي العلة الرئيسية للردة القاسية التي أثقلت بوطأتها على ألمانيا. أما نابليون فإنه، وإن يكن غاصبا تسنم سدة السلطة عن طريق انقلاب، ممثل الليبرالية والتقدم والمدنية. لهذا كانت مهمة الديموقراطية البروسية في الحرب التي كانت تدور رحاها أن تترك النمسا لمصيرها وأن تتمنى اندحارها.

حين نقرأ كراسات لاسال الذي يكيل المديح لنابليون وروسيا ويحابي الحكومة البروسية، ينبغي حتى نفهم موقفه أن نتذكر أنه كان يجهد للتكلم بصفة ديموقراطي بروسي يسعى إلى البرهان للطبقات السائدة، أي لليونكر [40]، إنه لا يناسبها أن تهب لمعاونة النمسا. لكن لاسال كان يعبر في دوره ذاك عن أفكار تتناقض جوهري التناقض مع أفكار ماركس وانجلز. وقد برز منذ ذلك الحين بين أولئك الرجال خلاف أخذ فيما بعد شكلا أكثر حدة. ومنذ ذلك الحين أيضا أنجز لاسال وراء رغبته في الحصول فورا على نجاح ملموس وتطلعه إلى أن يكون «سياسيا واقعيا» لا متمذهبا، فأباح لنفسه حججا تلزمه بالوقوف إلى جانب الحزب الحاكم وتقوده إلى أن يحيط بهالة مناسبة أولئك الذين يسعى إلى إقناعهم بألا يهبوا لمعاونة النمسا. وقد كان من الممكن عند الاقتضاء اعتبار الشتائم الموجهة إلى النمسا والموقف المتساهل حيال الحكومتين البروسية والروسية مجرد تعبير عن آراء صحفي لا ينطق باسم الحزب ذاته. لكن التكتيك الذي دعا إلى انتهاجه في النضال العملي المباشر للحزب كان، كما أثبت ذلك نشاط لاسال فيما بعد، محشوا بالأغلاط والأخطاء.

انتهت الحرب بين فرنسا والنمسا بغير النهاية التي كان يتوقعها الطرفان المتعاديان. ففي البدء سجلت النمسا انتصارات إذ كانت لا تواجه سوى الطليان وحدهم، بيد أنها هزمت فيما بعد أمام القوات الإيطالية والفرنسية المتحالفة. لكن ما أن شرعت الحرب تتحول إلى حرب شعبية، وما إن أدرك نابليون أن إيطاليا جمعاء ستحقق وحدتها الثورية، وأن الدول التابعة لسلطان الحبر الأعظم ستضم إلى باقي إيطاليا، حتى تراجع القهقري وأسرع يستغل تحكيم روسيا لكي ينهي الحرب. واضطرت سردينيا إلى الاكتفاء بلومبارديا، أما فينيسيا فبقيت بين يدي النمسا. ووضع نابليون يده، تعويضا عن خسائره بالرجال والمال، على مقاطعة السافوا بكاملها، وطن ملوك ساردينيا، وحتى يبين بحسب ظاهر الحق للثوري الإيطالي الشهير غاريبالدي أن عليه في المستقبل أن يرتاب في وعود الملوك ضم مسقط رأس غاريبالدي بالذات، مدينة نيس مع الأراضي المحيطة بها. على هذا النحو ذاد نابليون عن حقوق إيطاليا وسط تهليل الليبراليين الأغبياء والثوريين المخدوعين به وتصفيقهم، ولم يجد لاسال نفسه مناصا من الاقتناع بأن نابليون ليس أقل شرا من النمساويين. وبقيت إيطاليا مقسمة كما في السابق. وسردينيا هي وحدها التي زادت ممتلكاتها الواسعة اتساعا. لكن حدثت عندئذ ظاهرة «غريبة ولامفهومة»، كما يقول دوبروليوبوف، لامفهومة بالنسبة على أولئك الذين يؤمنون بأن مصير الشعب يتقرر على الطاولة التي يجلس إليها الدبلوماسيون. فقد أثارت الخيبة والنقمة اللتان نجمتا عن سياسة نابليون في إيطاليا حركة ثورية واسعة. وقاد تلك الحركة غاريبالدي، الثوري السخي الكريم، لكن السياسي الرديء للغاية، وفي عام 1861 كانت إيطاليا بكاملها، خلا فينيسيا، قد اتحدت تحت صولجان ملك سردينيا. وتولى بعدئذ مغامرون برجوازيون وجاحدون للغاريبالدية التحقيق النهائي لوحد إيطاليا.

أرغمت الحرب الفرنسية-النمساوية ماركس على الخوض مرة أخرى في مناظرة. فكما قلت لكم، كانت الديموقراطية الألمانية برمتها قد أخذت موقفا محددا في النزاع بين نابليون والنمسا. وكان أبرز الديموقراطيين الألمان وأوسعهم نفوذا هو كارل فوغت، الثوري القديم، الذي كان اضطر في عام 1849 إلى الهجرة إلى سويسرا. لم يكن فوغت رجلا سياسيا فحسب، بل كان أيضا عالما ذائع الشهرة في جميع أرجاء أوربا. كان واحدا من الممثلين الرئيسيين للمادية الطبيعية التي غالبا ما يخلط العلماء البرجوازيون بينها وبين مادية ماركس وانجلز. وكان واسع الشعبية في روسيا في حوالي العام 1860، وكان له تأثير مرموق على التطور الفلسفي للعديد من المفكرين الروس. كان الصديق الحميم لهرزن الذي وصفه بأنه أشرف الرجال وأصدقهم وأكثرهم استقامة.

وبالفعل كان فوغت يحظى بنفوذ هائل لا بين الديموقراطيين الألمان فحسب، بل أيضا في أوساط المهاجرين الثوريين الأمميين، وعلى الأخص في الجاليات البولونية والإيطالية والمجرية. وكان بيته في جنيف مقرا سياسيا حقيقا. وكان من الأهمية بمكان بالنسبة إلى نابليون أن يكسب لقضيته تأييد ذلك العالم الشهير الذي كان في الوقت نفسه زعيم الديموقراطيين الألمان. وبفضل زهو الأستاذ السابق وخيلائه، أصاب نابليون نجاحا سهلا في غرضه. وكان فوغته على صلة وثيقة بشقيق نابليون، المعروف باسم الأمير بلون-بلون، الذي كان يتظاهر بالليبرالية وينصب نفسه حاميا للعلم. ومنه تلقى فوغت المال كي يوزعه على ممثلي مختلف جاليات المهاجرين.

حين تدخل فوغت بعزم وقوة لصالح نابليون وإيطاليا، أحدثت فعلته في أوساط المهاجرين الثوريين أثرا قويا شبيها بذاك الذي أحدثه فيما بعد تدخل بليخانوف لصالح الحلفاء. وكما يحدث دوما في مثل هذه الحال، كان يوجد بين المهاجرين المرتبطين بوثيق العرى بماركس وانجلز رجال لهم اتصال بالأوساط المهجرية الجمهورية. وصرح واحد من ممثلي هذه الأوساط، كارل بليند، على مسمع من بعض الشيوعيين أن فوغت تلقى مالا من نابليون. ونشر هذا الاتهام في صحيفة تصدر في لندن. وحين نقل فلهلم ليبكنخت، مراسل صحيفة اوسبورغ، نبأ تلك الشائعة إلى صحيفته التي بادرت إلى نشره، ادعى فوغت أنه وقع ضحية افتراء ورفع القضية إلى المحاكم وكسب الدعوى، لعجز الخصم عن تقديم أي دليل.

ونشر فوغت عندئذ، تحيط به هالة الظفر، كراسة خاصة عن تلك الدعوى، واقتناعا منه بأن ليبكنخت لا يأتي أمرا ولا يكتب سطرا واحدا بدون توجيهات من ماركس، سدد ضرباته جميعا ضد هذا الأخير. وعلى أساس معطيات ثابتة، كما زعم، اتهم ذلك الرجل «الشريف» ماركس بالوقوف على رأس عصابة من المصادرين ومزيفي النقود الذين لا يتراجعون أمام أي شيء ولا يردعهم رادع. ووجه أقذع الافتراءات ضد الشيوعيين. واتهم فوغت، المعروف بحبه لرغد العيش، اتهم ماركس بأنه يحيا حياة ترف على حساب العمال.

أثارت كراسة فوغت، بفضل اسم مؤلفها وشهرة من تهاجمه (كان ماركس قد نشر الطبعة الأولى من نقد الاقتصاد السياسي)، ضجة كبيرة، ولاقت كما هو متوقع ترحيبا عظيما من قبل الصحافة. واغتبط جميع الصحفيين البرجوازيين، وبخاصة جاحدوا الاشتراكية الذين عرفوا ماركس معرفة شخصية، واهتبلوا الفرصة، وصبوا دفقا من الشتائم على خصمهم.

كان ماركس يقدر شخصيا أنه يحق للصحافة أن تهاجم وتشتم كل رجل سياسة. فمن امتياز كل من يتعاطى النشاط العام، من ساسة وبرلمانيين وممثلين وسواهم، كما كتب يقول، أن يكال لهم المديح أو الاستهجان. وإذا رموك بحجارة أو بطاطا فاسدة، فما عليك إلا أن تذود عن حياضك وترد بالمثل. وما كان ماركس يرد على الإهانات الشخصية التي كان سيلها ينهال عليه بصورة متواصلة. لكن حين كانت مصالح الحزب، مصالح القضية، هي التي تتعرض للخطر، كان يرد، وكان رده يأتي في هذه الحال عنيفا شرسا.

حين ظهرت أهجية فوغت، تساءل المتسائلون عما إذا كان من المناسب الرد عليها. وارتأى لاسال وبعض من أصدقائه وجوب التزام الصمت، لا تصديقا منهم لأي كلمة كتبها فوغت، وإنما لأنهم كانوا يرون بأم أعينهم هالة الحظوة الكبيرة التي أحاطت بفوغت بنتيجة الدعوى التي كسبها. وكان رأيهم أن ليبكنخت طعن عن طيش وعدم روية الديموقراطي الكبير في الصميم، فسقط هذا الأخير بدوره، وهو يحامي عن شرفه، في شرك التطرف والمغالاة. وأي دعوى جديدة ستكون في هذه الحال بمثابة تأكيد لانتصاره، إذ لا وجود لأي دليل ضده. وعليه، فإن العقل والحكمة يقضيان بأن يترك الرأي العام يهدأ ويسكن.

ما كان لحجج مبتذلة كهذه أن تؤثر، بالتأكيد، على ماركس وأصدقائه. فمن الممكن أن تترك بلا رد التهجمات الموجهة ضد ماركس، ولكن ليس الافتراءات الموجهة ضد الحزب. بيد أن ماركس وأصدقاءه الأقربين كانوا في موقف حرج، على الرغم من يقينهم بأن فوغت مأجور، وذلك لأن بليند ومهاجرا آخر سحبا يومئذ كلامهما وظهر ف. ليبكنخت بمظهر المفتري الدنيء.

وفي آخر المطاف قر الرأي على وجوب الرد. ونظرا إلى فشل المحاولة التي بذلت لسوق فوغت أمام المحاكم بحكم تحيز القضاء البروسي، لم يكن هناك مفر من الرد بمنشور مكتوب. وأخذ ماركس على عاتقه تلك المهمة الصعبة. وهنا نتطرق إلى نقطة لا اتفق البتة بصددها مع المرحوم مهرينغ. فقد ذهب هذا الأخير إلى أنه كان في وسع ماركس أن يحرر نفسه بسهولة من الجهود والمتاعب التي لا يحصى لها عد وأن يتحاشى إضاعة وقت ثمين من دون أي نفع للقضية، لو أبى، لا أكثر، التدخل في الخصومة بين ليبكنخت وفوغت. لكن ذلك كان يعدل مطالبة ماركس بألا يكون ماركس.

تكمن علة خطأ مهرينغ في كونه لم يشارك قط في العمل السري ولم يتصل بعض الاتصال بالنضال الثوري المباشر إلا في السنوات الأخيرة من حياته. ولقد كان تقييمه لحادث فوغت تقييم رجل أدب. وقد قال: هل كان ثمة من داعٍ لإضاعة كل ذلك الوقت في مناظرة مع فوغت الذي ما كان يتمتع عهدئذ (أي في الوقت الذي كان فيه مهرينغ قد بدأ حياته الأدبية) بأي نفوذ سياسي؟ أضف إلى ذلك أن الظروف كانت تقضي بطبع الكتاب الموجه ضد فوغت في الخارج، فما وصلت منه إلى ألمانيا إلا كمية زهيدة من النسخ.

بيد أن كمية النسخ ليست الجانب الأهم في القضية. ولو أخذنا بهذا الاعتبار لتوجب أن نقول أنه لم يكن من المجدي أن يطبع بليخانوف مؤلفه خلافاتنا في وجهات النظر الذي لم تصل منه إلى روسيا في الأعوام الأولى سوى حوالي عشر نسخ على أبعد تقدير.

لقد ترك مهرينغ النقاش الأساسي الذي كان يدور في أوساط المهاجرين يمر من دون أن يراه. فلم يلحظ أن ذلك الحادث، الشخصي زعما، يخفي وراءه خلافات تكتيكية عميقة نشبت بين الحزب البروليتاري وبين سائر الأحزاب البرجوازية الأخرى، وأن تقلبات خطرة ظهرت، كما يبين ذلك مثال لاسال، في صفوف الحزب البروليتاري نفسه. كذلك لم يلحظ أن الكراسة الموجهة ضد فوغت انتقدت أيضا جميع حجج لاسال وأصدقائه.

إن الكتاب مقتضب: فهو يتألف من خمس عشرة ملزمة فقط. وهو من وجهة النظر الأدبية خير ما كتبه ماركس إطلاقا في أدب المناظرات. وليس في الأدب العالمي كله نظير لذلك المؤلَّف. وثمة أهجية مشهورة لباسكال ضد اليسوعيين. ولدينا في القرن الثامن عشر أهاجي ليسنغ ضد خصومه في الأدب، لكن تلك الأهاجي، شأن سائر الأهاجي التي نعرفها، لا تنشد غير هدف أدبي.

في السيد فوغت لم يأخذ ماركس على عاتقه مهمة التقويض السياسي والمعنوي لعالِم ورجل سياسي توقره البرجوازية قاطبة فحسب. والحق أنه وفى بتلك المهمة على نحو ساطع وباهر. ما كان يملك ضد فوغت سوى وثائق مطبوعة. أما الشهود الرئيسيون فقد تواروا أو سحبوا كلامهم. لهذا يتناول ماركس جميع مؤلفات فوغت السياسية ويبرهن على أن ذلك الرجل بونابرتي النزعة، وأنه لا يفعل سوى الترداد الحرفي لجميع الحجج المتواترة في المؤلفات السياسية لعملاء نابليون، ويخلص إلى الاستنتاج بأن فوغت ببغاء ذليل يردد بغباء جميع حجج البونابرتيين، أو عميل مأجور مثله مثل سائر الصحفيين البونابرتيين.

بيد أن ماركس لا يكتفي بالتنديد بفوغت سياسيا. فما أهجيته بمحض أهجية قدح وذم. إنما يستخدم ماركس ضد فوغت سلاحا يتقن كل الإتقان استعماله: سلاح التهكم والسخرية. فكلما تقدم القارئ في مطالعة الكتاب، ارتسمت أمام ناظريه الشخصية الهزلية لفوغت الذي يتحول من عالم كبير ورجل سياسي عظيم على فالستاف (بطل شكسبير) متبجح، مهذار، تحلو له أطايب الحياة على حساب الآخرين. وليس ثمة اثر أدبي كلاسيكي في أقطار العالم قاطبة لم يدل فيه ماركس بدلوه لكي يغترف منه قطعا يساهم، على ما يبدو، في إضافة قسمة جديدة إلى قسمات وجه فالستاف الحديث ذاك.

لكن فوغت كان يحظى بتأييد القسم النافذ من الديموقراطية البرجوازية الألمانية. لهذا يزيح ماركس النقاب عن الخسة السياسية لتلك الديموقراطية ويوجه في دربه ضربات إلى الاشتراكيين الذين لا يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم شعورا بالاحترام تجاه «الطبقات المستنيرة».

إن محاولة فوغت الافتراء على القسم الأكثر جذرية وفي الوقت نفسه الأكثر عوزا وإملاقا من المهاجرين الثوريين تتيح لماركس المناسبة لرسم صورة الأحزاب البرجوازية المتربعة على سدة السلطة أو العاملة في صفوف المعارضة، وعلى الأخص لتسليط الضوء على قابلية الصحافة البرجوازية للارتشاء والشراء بالمال، تلك الصحافة التي أضحت مؤسسة رأسمالية تجني الربح من بيع الكلمات، مثلها مثل مؤسسات أخرى متخصصة في بيع الزبل.

لقد كان الأشخاص المطلعون عميق الإطلاع على الحقبة الممتدة من 1849 على 1859 يؤكدون، حتى حين كان ماركس ما يزال على قيد الحياة، أنه ليس من كتاب ككتابه عن فوغت يقدم ذلك القدر الهائل من المعلومات عن طبيعة الأحزاب في ذلك الزمن. صحيح أن القارئ المعاصر بحاجة إلى شرح وتعليق ليفهم تفاصيله كافة، لكن سهل عليه أن يدرك الأهمية السياسية لتلك الأهجية.

لقد اضطر لاسال نفسه إلى الإقرار، لدى ظهور الكتاب، بأن ماركس كتب أثرا عظيما، وأن مخاوفه لم يكن لها من مبرر، وأن فوغت قد انتهى أمره إلى الأبد كرجل سياسي. تصوروا، على سبيل المثال، الدوي الذي سيخلفه أثر أدبي في عشية ثورة 1905 الروسية يحول ميليوكوف، الذي كان هو الآخر عالما مبرزا وزعيما لحزب الكاديت، إلى شخصية مضحكة، إلى سياسي إمعة.

والحال أنه كان من الأهمية بمكان في حوالي العام 1860، أي في الزمن الذي كانت قد بدأت فيه حركة جديدة في أوساط البرجوازية الصغيرة والطبقة العاملة والذي كان فيه كل حزب يسعى إلى كسب تأييد طبقة فقراء المدن، أن يتبين الجميع أن ممثلي الديموقراطية البروليتارية لا يتساوون فكريا مع أبرز ممثلي الديموقراطية البرجوازية وأكثرهم شعبية فحسب، بل يبزونهم ويتفقون عليهم بلا جدال. ولقد كانت الضربة المسددة إلى فوغت ضربة قاضية لحظوة واحد من أشهر قادة الديموقراطية البرجوازية. وما كان للاسال ألا أن يكون ممتنا لماركس الذي سهل عليه الصراع ضد التقدميين [41] من أجل بسط النفوذ على العمال الألمان.

في هذا كانت تكمن الأهمية السياسية لكتاب ماركس ذاك. وقد غابت هذه الأهمية عن انتباه مهرينغ تماما. فهذا الأخير يواصل في السيرة التي وضعها عن حياة ماركس، وإن بقدر أقل من الجزم عما كان يفعل قبل 1914، تقييم تلك الفترة من وجهة النظر الأدبية الخالصة، وهو اليوم يخفف قليلا من شدة الحكم الصادر عنه ويعلن أن ذلك الكتاب «كان عقبة أكثر منه عونا بالنسبة إلى عمل حياته الكبير». صحيح أن ماركس لو كان مجرد رجل أدب وعلم لكان أجدى له ألا يشغل وقته إلا في كتابات من أشباه 18 برومير والرأسمال. وعلى أساس هذا الاعتبار أيضا، يسعنا القول أنه كان أجدى لبليخانوف، بدلا من التجادل على مدى ثلاثمئة صفحة مع شخص تافه مثل المرتد المقبل تيخوميروف، لو استغل وقته في تقديم عرض شعبي عن الرأسمال أو كتابة وجيز في الماركسية.

لنرَ الآن إلى الموقف الذي وقفه ماركس وانجلز من نشاط لاسال التحريضي. لقد بدأ لاسال نشاطه التحريضي، كما تعلمون، في عام 1862، حين انقسمت الديموقراطية البرجوازية البروسية بصدد مسألة التكتيك الواجب انتهاجه في النضال ضد الحكومة. ففي 1858 كان ملك بروسيا السابق، الذي طبقت شهرة «مآثره» الآفاق أثناء ثورة 1848، قد جن بصورة نهائية. وفي بادئ الأمر عُين وصي على العرش، ثم تسنم العرش الأمير غليوم الذي كان قد أمر بإعدام الديموقراطيين في 1849-1850. وفي الآونة الأولى تنكر في زي الليبرالية، لكن سرعان ما نشب نزاع بينه وبين مجلس النواب حول مسألة تنظيم الجيش. فقد رغبت الحكومة في تعزيز القوات العسكرية وطلبت فرض ضرائب جديدة، لكن البرجوازية الليبرالية طالبت بضمانات وبرقابة. وأثار ذلك النزاع مناقشات حول التكتيك. فلاسال، الذي كان يوالي اتصالاته الوثيقة بالأوساط الديموقراطية والتقدمية البرجوازية، طالب بتكتيك أشد حزما. ولما كانت تركيبة كل نظام هي محض تعبير عن العلاقة الفعلية للقوى في مجتمع معطى، فقد كان من الضروري إطلاق قوة اجتماعية جديدة ضد الحكومة التي كان يقف على رأسها آنئذ بسمارك، الرجعي الذكي والحازم.

في تقرير خاص كتب برسم العمال، أبان لاسال ما تلك القوة الاجتماعية الجديدة. وذلك التقرير، المكرس لعرض «ارتباط العصر الحاضر بفكرة الطبقة العاملة»، معروف بعامة باسم برنامج العمال. ولقد كان بالإجمال عرضا للأفكار الأساسية المتضمنة في البيان الشيوعي، بعد تخفيف حدتها وتكييفها مع شروط الشرعية. بيد أنه كان في الوقت نفسه أول بيان علني، منذ هزيمة 1848، عن ضرورة تجميع الطبقة العاملة في تنظيم سياسي مستقل، منفصل بلا لبس عن جميع الأحزاب البرجوازية، بما فيها أكثرها ديموقراطية.

كانت مداخلة لاسال تلك تتفق مع الحركة العمالية المستقلة التي كانت تنمو وتتطور بقوة خاصة في مقاطعة الساكس حيث كان يدور الصراع في أوساط العمال بين الديموقراطيين وبين بعض ممثلي «الرعيل الأول» من حركة 1848 العمالية. وكان مطروحا على بساط البحث يومئذ مشروع دعوة مؤتمر للعمال الألمان قاطبة. وقد نظمت لهذا الغرض لجنة خاصة في لايبزغ. ولما دعي لاسال إلى إبداء رأيه بصدد أهداف الحركة العمالية ومهامها، عرض برنامجه في رسالة مفتوحة موجهة إلى لجنة لايبزغ.

بعد أن ينتقد لاسال بعنف برنامج حزب التقدميين البرجوازيين والوسائل التي يقترحها هذا الحزب لمداواة بؤس العمال، يؤكد على ضرورة تنظيم حزب مستقل للطبقة العاملة. والمطلب السياسي الرئيسي الذي ينبغي حشد القوى كافة وتركيزها من أجل الفوز به هو حق الانتخاب العام. أما عن البرنامج الاقتصادي فإن لاسال، بالاستناد إلى «قانون الأجور الحديدي» [42]، يبين أنه يستحيل رفع الأجور إلى ما فوق حد أدنى معين. لهذا يوصي بتنظيم شركات إنتاجية بمساعدة اعتمادات ممنوحة من الدولة.

بديهي أن ما كان لماركس أن يوافق على خطة كتلك. وقد سعى لاسال، بلا جدوى، إلى اكتساب تأييده لبرنامجه. وقد قامت بينهما أسباب أخرى للخلاف، لم تتجل تماما إلا بعد بضعة أشهر حين تحمس لاسال، الراغب في الحصول فورا على نجاح عملي ملموس، لـ«السياسية الواقعية» ولم يحجم، في معرض صراعه ضد الحزب التقدمي، عن الشطط والمغالاة إلى حد مغازلة الحكومة والتلف إليها.

على كل حال، لا مجال للشك –وماركس نفسه يقر بذلك- في أن لاسال هو الذي رفع من جديد، بعد حقبة الردة الرجعية الطويلة الممتدة من 1849 إلى 1862، الراية العمالية في ألمانيان وفي أنه كان أول منظم للحزب العمالي الألماني. ذلك هو فضل لاسال الذي لا مرية فيه.

لكن النشاط المكثف، وأن القصير الأمد (أقل من عامين)، الذي قام به لاسال في ميدان التنظيم والسياسة كان ينطوي على عيوب جوهرية كان لا بد أن تؤدي –متجاوزة في ذلك برنامج لاسال الناقص- إلى ابتعاد ماركس وانجلز عن هذا الأخير.

لقد كان من الواضح، بادئ ذي بدء، أن لاسال، بدلا من التوكيد على ارتباط «الاتحاد العمالي العام الألماني» الذي أسسه بالحركة الشيوعية القديمة، يحرص على نفي هذه الصلة نفيا جازما. وفي الوقت الذي اقتبس فيه أفكاره الأساسية كافة من البيان الشيوعي، كان يحاذر بعناية الإشارة إليه كمرجع. وهو لم يستشهد بماركس إلا في واحد من آخر مؤلفاته، ولم يستشهد به كشيوعي أو كثوري وإنما كاقتصادي.

كان لاسال يفسر مسلكه باعتبارات تكتيكية. فما كان يريد أن يثير فزع الجماهير التي لم يكتمل وعيها بعد والتي يتوجب تحريرها من الوصاية الفكرية للتقدميين الذين يلوحون باستمرار بشبح الشيوعية المخيف.

كان لاسال مغرورا ومعجبا بذاته إلى حد بعيد، وكان يهوى الأبهة والفخفخة والقرقعة والشهرة التي تترك أثرا عميقا في الجماهير غير المكتملة التطور وتثير نفور العمال الواعين واشمئزازهم. كان يحلو له أن يتصوره الناس خالق الحركة العمالية الألمانية. لكن هذا بالتحديد ما كان يبعد عنه لا ماركس وانجلز فحسب، بل جميع مخضرمي الحركة الثورية القديمة. ولم ينضم إليه من هؤلاء جميعا سوى أنصار فيتلنغ القدامى وخصوم ماركس. ولقد احتاج الأمر إلى سنوات عدة كي يفهم العمال الألمان أن حركتهم لم تبدأ مع لاسال فقط. وما لا يفهمه مهرينغ هو أن ماركس وأصدقاؤه كانوا يحتجون على تلك الرغبة في تصفية كل ارتباط بالحركة الثورية والسرية القديمة. وهذه الرغبة في عدم التورط بصلة بالحزب اللاشرعي القديم تجد تفسيرها في اندفاع لاسال المسرف نحو «السياسة الواقعية».

لنرَ الآن إلى نقطة الخلاف الثانية: مسألة الانتخاب العام. فهذا المطلب كان سبق للميثاقيين أن طرحوه. وقد نادى به أيضا كل من ماركس وانجلز. لكن ما كان يسعهما الإقرار بالأهمية المسرفة التي يعزوها إليه لاسال والموافقة على الاطروحات التي كان يقول بها. فقد كان الانتخاب العام في نظر لاسال بمثابة وسيلة عجائبية تكفي، من دون أي تغيير آخر في النظام السياسي والاقتصادي، لتسليم زمام السلطة فورا إلى الطبقة العاملة. كان لاسال يؤكد بسذاجة في كراساته أن العمال سيحصلون في البرلمان على ما يقارب 90 بالمئة من المقاعد فور الفوز بحق الانتخاب العام. كذلك كان النارودنيون الروس يعتقدون أن الفلاحين، المشكلين للغالبية الساحقة من السكان، سيحصلون في الجمعية التأسيسية التي تستدعى للانعقاد بعد سلسلة من العمليات الإرهابية الناجحة على الغالبية الساحقة أيضا. وما كان لاسال يدرك أنه لا بد أن تتوفر جملة شروط أخرى وبالغة الأهمية حتى ينقلب الانتخاب العام من وسيلة خداع للجماهير الشعبية إلى أداة تربيتها الطبقية.

لم يكن أقل عمقا من ذلك الخلاف بصدد الروابط الإنتاجية. فهذه الروابط لم تكن بعد في نظر ماركس وانجلز عهدئذ سوى وسيلة ثانوية ذات أهمية محدودة للغاية، تفيد بوجه خاص في بيان أن المقاول أو الرأسمالي ليس عاملا ضروريا مطلق الضرورة من عوامل الإنتاج. أما التصور بأن الروابط الإنتاجية هي الوسيلة لوضع اليد تدريجيا على وسائل الإنتاج الاجتماعية ففيه تناسٍ لضرورة الاستيلاء أولا على السلطة السياسية حتى يتم فيما بعد تحقيق سلسلة من الإجراءات المناسبة، كما ورد في البيان الشيوعي.

كذلك كان تصور ماركس وانجلز مغايرا تماما لتصور لاسال عن دور النقابات. فقد كان لاسال، المغالي في الأهمية الفائقة للروابط الإنتاجية، يرتئي أن تنظيم النقابات مجهود ضائع ولا مجدٍ بالمرة، وكان يتبنى من هذا المنظور آراء الطوباويين القدامى التي سبق لماركس أن أخضعها لنقد نهائي في بؤس الفلسفة.

ولم تكن الخلافة بصدد مسألة التكتيك أقل عمقا، هذا إن لم تكن أكثر أهمية. ولسنا نملك أي مسوغ لاتهام ماركس، كما يفعل مهرينغ، بأنه غالى في أهمية التقدميين وعلق آملا أكبر مما ينبغي على البرجوازية. لقد سبق لي، في محاضرتي الأخيرة، أن تلوت عليكم وصف ماركس للبرجوازية البروسية بدالَّة تجربة ثورة 1848. ولقد رأينا عنف النقد الذي وجهه إلى الديموقراطية البرجوازية في مناظرته مع فوغت. وعليه، لا يستطيع أحد أن يقول أن ماركس، المفترق عن وطنه، كان ما يزال يؤمن بالطابع التقدمي للبرجوازية البروسية، بينما كانت أوهام لاسال عن هذه الأخيرة، وهو الأعرف بها منه، قد تبددت وانقشعت. إنما كان الخلاف يكمن في التكتيك الواجب انتهاجه حيال تلك البرجوازية. فكما كانت الحال في إبان الحرب بين الدول الرأسمالية، كان من الواجب في الصراع بين البرجوازية التقدمية وبسمارك اكتشاف أو إنشاء تكتيك لا يحول الاشتراكية إلى خادم لطرف أو آخر من الأطراف المتحاربة. وكانت هناك حاجة إلى حزم خاص وحذر بالغ. والحال أن لاسال كان ينسى، في مجرى صراعه مع التقدميين البروسيين، أنه ما تزال هناك إقطاعية بروسية، طبقة مغلقة من اليونكر، لا تقل عن البرجوازية عداء للعمال. كان يهاجم التقدميين ويندد بهم عن حق، لكنه كان يعرف كيف لا يتعدى الحدود الضرورية، كما أنه كان لا يفعل شيئا غير الإساءة إلى قضيته بكيله الثناء والمديح للسلطات. بل ما كان لاسال يتحرج من اللجوء إلى تسويات غير مقبولة ولا جائزة. من ذلك أن عمالا اعتقلوا في واحدة من المدن، فأوصاهم برفع طلب عفو إلى بسمارك الذي لن يتوانى، كما قال، عن إصدار الأمر بإطلاق سراحهم نكاية بالليبراليين. بيد أن العمال أبوا الأخذ بنصيحة لاسال. ولو رجعنا إلى خطابات هذا الأخير، وبخاصة خطاباته في النصف الأول من عام 1864، لوجدناها تحتوي على الكثير من أشباه تلك العثرات. لن أتكلم عن المفاوضات التي أجراها لاسال مع بسمارك من غير علم التنظيم العمالي، مجازفا على هذا النحو بإنزال ضرر فادح لا بسمعته السياسية فحسب، وإنما أيضا بالقضية التي يخدمها. وإذا أردنا أن نأخذ مثالا من الحياة الروسية، نقول أنه كان في المستطاع توجيه نقد عديم الشفقة إلى ميليكوف، لكن مغازلة ستوليبين وغوريمويكين وأضرابهما ما كانت لتكون إلا غلطة لا تغتفر، أو بالأحرى جريمة.

تلك هي الاختلافات التي منعت ماركس وانجلز من دعم نشاط لاسال التحريضي بهالة اسمهما. لكن ما تجدر ملاحظته أن ماركس وانجلز، في الوقت الذي امتنعا فيه عن تأييد لاسال. رفضا أيضا التدخل علنا ضده، وضغطا بهذا الاتجاه على رفاقهما العاملين في ألمانيا من أشباه ليبكنخت على سبيل المثال. بيد أن لاسال، الذي كان يقدر عاليا حيادهما، كان ينزلق أكثر فأكثر على المنحدر الخطر. وقد راح ليبكنخت والرفاق الآخرون في برلين والأقاليم الراينية يحثون ماركس على التدخل ضد تكتيك لاسال الخاطئ. وأرجح الظن أن الأمر كان سينتهي إلى قطيعة سافرة لو لم يلق لاسال حتفه في 30 آب 1863. والحال أنه بعد أربعة أسابيع من وفاته، في 28 أيلول 1864، تأسست الأممية الأولى التي أتاحت لماركس إمكانية العودة إلى العمل الثوري المباشر، على النطاق الأممي هذه المرة. ونظرا إلى الأهمية الكبيرة لتاريخ الأممية الأولى والدور البارز الذي لعبه فيها ماركس، أراني مضطرا إلى تخصيص محاضرتين لها.

« السابق التالي »