بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الكاتب بقلم ريازانوف

محاضرات في تاريخ الماركسية

« السابق التالي »

المحاضرة السابعة [أزمة 1857-1858 – نمو الحركة العمالية في إنكلترا وفرنسا وألمانيا –معرض 1862 الكوني في لندن – الحرب الأهلية في أمريكا – أزمة الصناعة القطنية – الانتفاضة البولونية – تأسيس الأممية الأولى – دور ماركس -«الخطاب الافتتاحي»].

كما ذكرتم لكم، احتاجت الحركة الثورية، الحركة العمالية، إلى زهاء عشر سنوات حتى تقيل نفسها من عثرتها في 1848-1849. وقد ارتبط هذا النهوض بأزمة 1857-1858 التي أخذت طابعا عالميا وضربت بقوة حتى روسيا. ولقد أوضحت لكم كيف أن أوربا، التي كانت قد حافظت حتى ذلك الحين على طمأنينة الخارجية، قد وجدت نفسها مضطرة، في شخص الطبقات الحاكمة، إلى الشروع على طريقتها الخاصة بحل المسائل التي طرحتها على جدول الأعمال ثورة 1848 والتي بقيت معلقة. لقد كانت هناك حاجة، في المقام الأول، إلى الاهتمام بالمسألة القومية، مسألة توحيد ألمانيا. وكانت الحركة الثورية في 1848-1849 قد انحدّت بأوربا الغربية، ولم تشمل إنكلترا بتمامها، وعلى كل حال لم يكن لها انعكاس قوي على ذلك القطر، كما لم تمس أوسع أمصار أوربا، أعني روسيا، ولا الولايات المتحدة كذلك. وفي حوالي العام 1856، انجرت روسيا والولايات المتحدة إلى الدوامة. ففي روسيا انطرحت على جدول الأعمال مسألة إلغاء القنانة. فكان يومئذ عصر «الإصلاحات الكبرى»، العصر الذي رأت فيه النور حركة ثورية ما لبثت أن أدت، بعد 1860، إلى تشكيل جمعيات سرية، كانت أشهرها أولاها زمليا إي فوليا [40]. وفي الولايات المتحدة انطرحت مسألة إلغاء الرق. وقد أظهرت هذه المسألة، حتى أكثر من المسألة الروسية، إلى حد صار العالم عالميا، بعد أن كان يقتصر فيما غبر على شطر من أوربا. وقد أتضح أن مسألة إلغاء الرق، التي ما كانت تعني في الظاهر غير الولايات المتحدة، مسألة بالغة الأهمية بالنسبة إلى أوربا ذاتها، بحيث وجد ماركس مسوغا للتصريح، في مقدمة المجلد الأول من «الرأسمال»، بأن الحرب في سبيل إلغاء الرق في أمريكا قد أعطت الإشارة لنهوض حركة عمالية جديدة في أوربا الغربية. وقد ألمحت في المرة السابقة إلى الأحداث السياسية الرئيسية التي تمخضت عنها تلك القلقلة الاقتصادية الجامحة. واليوم سأتوقف عند الحركة العمالية.

سأبدو بأول أقطار الحركة العمالية، إنكلترا. ففي عام 1863 لم يكن قد بقي أثر في إنكلترا من الحركة الميثاقية الثورية القديمة. بل يؤكد بعض المؤرخين أن الميثاقية قضت نحبها منذ التجربة المشهورة للمظاهرة المجهضة عام 1848. وفي الواقع، عرفت الميثاقية فترة ازدهار أخرى في زمن حرب القرم. فقد استطاعت، بقيادة ارنست جونز، الخطيب المفوه والصحافي الألمعي الذي أسس بمساعدة ماركس وأصدقائه أحسن صحيفة اشتراكية في ذلك العهد، أن تستغل أثناء حرب القرم تذمر الجماهير الشعبية، ذلك التذمر الذي تصاعد مده حين أتضح للعيان أن تلك الحرب قد طال أمدها بخلاف ما كان متوقعا. وقد مرت شهور كانت فيها الصحيفة الشعبية، اللسان المركزي للميثاقيين، من أوسع الصحف نفوذا. وكانت مقالات ماركس الرائعة ضد غلادستون، وعلى الأخص ضد بالمرستون، تجذب فائق الانتباه. لكنها كانت محض طفرة مؤقتة. فما أن وضعت الحرب أوزارها حتى فقد الميثاقيون صحيفتهم. ولا ترجع العلة الوحيدة في ذلك إلى الخلافات التي نشبت بين جونر وخصومه. وإنما كانت هناك أسباب أهم.

يكمن السبب الأول في النهضة المعجزة للصناعة الإنكليزية منذ نهاية سنة 1849. صحيح أن بعض الفروع عرفت أزمات عابرة، بيد أن الصناعة كانت في مجملها في أوج الازدهار. وقد اختفى كل أثر للبطالة. فلم يسبق قط للصناعة الإنكليزية، منذ نحو من مئة سنة، أن احتاجت تلك الحاجة الشديدة إلى اليد العاملة. ويكمن السبب الثاني في تيار الهجرة الجارف الذي حمل من 1851 إلى 1855 العمال الإنكليز إلى الولايات المتحدة حيث اكتشفت مناجم ذهب ثرة. ففي غضون سنوات قلائل هاجر مليونان من العمال من إنكلترا بصورة نهائية، وكان هؤلاء العمال، كما يحدث على الدوام في أشباه هذه الحالات، يمثلون أقوى العناصر وأصلبها وأعظمها طاقة. على هذا النحو خسرت الحركة العمالية، ومعها الحركة الميثاقية، القسم الأعظم من قواها. وينبغي بعد أن نضيف إلى ذينك السببين الجوهرين جملة أسباب أخرى ثانوية.

طردا مع الضعف المتعاظم الطارئ على التنظيم الميثاقي، كان يتراخى الرباط الذي كان يربط بين شتى أشكال الحركة. فبين 1840 و1850 كانت الحركة الميثاقية قد اصطدمت بالحركة المهنية. لكن الأشكال الأخرى للحركة العمالية كانت تنزع هي أيضا إلى أن تتخصص وتنفصل عن الجذع الأصيلة. وهذه واحدة من خصائص الحركة العمالية الإنكليزية عصرئذ. فغالبا ما يرينا تاريخها تنظيمات خاصة شتى، تشرع على حين بغتة بالنمو والتطور، فتصل سريعا في بعض الأحيان إلى ضم عدة مئات من آلاف الأعضاء. وقد جعلت واحدة من تلك المنظمات هدفها النضال ضد الإدمان على الكحول. على سبيل المثال. كان التنظيم الميثاقي يتبع خط الحد الأدنى من المقاومة. فقد كان حاول في الماضي أن يكافح الإدمان على الكحول في صفوف أعضائه. وها هوذا الآن يضع نصب عينيه هدفا خاصا، وهو أن يؤسس في جميع أرجاء إنكلترا جمعيات لمكافحة تعاطي الكحول، وعلى هذا النحو حول انتباه عدد كبير من العناصر عن الحركة العمالية العامة وأبعدهم عنها. وقد وجدت أيضا حركة أخرى، الحركة التعاونية بقيادة الاشتراكيين المسيحيين. وقد سبق أن رأيناها كهنة في صفوف الحركة الميثاقية. وقد ذكرت لكم في أحد الأحاديث اسم ثوري، هو الراعي ستيفنس. كان واحدا من أكثر الخطباء شعبية في حوالي العام 1845. وفي زمن لاحق ما ميلا كثيرا نحو اليمين. وقد جمع حوله مجموعة من محبي الخير والإحسان الذين قصدوا الأوساط العمالية ليعظوها بالمسيحية العملية، وليؤكدوا الإفلاس السياسي للحركة الميثاقية، وليقدموا تنظيم جمعيات تعاونية على كل شيء آخر. ولما كانت هذه الحركة لا تهدد الطبقات الحاكمة بأي خطر، فقد لقيت عونا ومساعدة حتى من قبل أعضاء الحزب الحاكم. وقد انضم إليها بعض ممثلي المثقفين المتعاطفين مع آلام الطبقة العاملة وأوجاعها. وعلى هذا المنوال، انفصل عن الحركة العمالية فرع جديد ينشد هدفا خاصا.

لن أعدد جميع الأشكال الخاصة للحركة العمالية، ولن أتوقف إلا عند الحركة المهنية. صحيح أن هذه الحركة لم تلاق، في السنوات التالية لعام 1850، شروط موائمة كتلك التي لاقتها الحركة التعاونية أو حركة مكافحة الإدمان على الكحول. بيد أنها اصطدمت بمقاومة أوهى من تلك التي اصطدمت بها الحركة الميثاقية القديمة. ففي 1851 تأسس في إنكلترا أول اتحاد قومي متين لعمال البناء الميكانيكي. وتولى قيادته عاملان عزومان ونشيطان، افلحا في التغلب على الروح الحرفية الصرف للحركة المهنية الإنكليزية، وعلى الميل إلى تنظيم اتحادات محلية لمقاطعة أو مقاطعتين فقط. ولا ينبغي أن ننسى أن الشروط الخاصة للصناعة الإنكليزية كانت تعيق إلى حد لا يستهان به تنظيم الاتحادات الشاملة النطاق. من ذلك أن الصناعة النسيجية متركزة برمتها تقريبا في مقاطعتين، مثلما هي متركزة في روسيا في محافظتي موسكو وإيفانوفو –فوزنسنسك وان تكن مساحة كل واحدة منهما تزيد بكثير عن مساحة المقاطعة الإنكليزية. بيد أن العيب الجوهري في النقابات الإنكليزية ما كان يكمن في ضيق نطاق نشاطها الجغرافي، وإنما في ضيقها الحرفي. فقد كانت كل مهنة في حدود الصناعة الواحدة تنظم نفسها في اتحاد خاص. لهذا لم تكن الحركة المهنية مؤهلة، وإن شرعت بالتطور الحثيث بعد 1850، لخلق أشكال تنظيمية تفسح في المجال للنضال على نطاق واسع ضد أرباب العمل. فما دامت الصناعة في ازدهار، كان يسهل على غالبية العمال الحصول على علاوات في الأجور. بل أكثر من ذلك: فقد كان أرباب العمل المتزاحمون فيما بينهم يسعون، عن طريق رفع الأجور وتحسين شروط العمل، إلى اجتذاب العمال الذين كان عددهم دون المطلوب لسد حاجات الفروع الصناعية الجديدة التي كان يتوالى ظهورها. وفي إبان تلك السنوات سعت الرأسمالية إلى اجتذاب عمال البر الأوربي، من ألمان وفرنسيين وبلجيكيين، إلى إنكلترا.

بيد أن الحركة المهنية بقيت في تلك الشروط، على الرغم من تطورها التدرجي، في مستوى متدنٍ للغاية. فشتى الاتحادات التي كانت تتشكل في فروع صناعة واحدة كانت تبقى على انقسامها لا على نطاق القطر فحسب، بل كذلك في حدود المدينة الواحدة. ولم تكن حتى المجالس المحلية قد ظهرت بعد إلى حيز الوجود.

أدخلت أزمة 1857-1858 تغيرات ملموسة على الوضع. وكما سبق أن ذكرت لكم، كانت أحسن النقابات تنظيما نقابة عمال البناء الميكانيكي المؤلفة من خيرة العمال اختصاصا. وما كانت تلك الصناعة، مثلها مثل الصناعة النسيجية، تعمل لحساب السوق الداخلية وحدها. فبدءا من 1850 امتازت هاتان الصناعتان على غيرهما من الصناعات، وفازتا بوضع احتكاري في السوق العالمية. أما العمال المختصون والعاملون فيهما، فقد حصلوا بيسر على تنازلات من قبل أرباب العمل الذين كانوا يجنون طائل الأرباح. وعلى هذا النحو، بدأ يتوطد «السلم المدني» بين أرباب العمل والعمال. ومر أثر الأزمة، على الرغم من حدتها، مرورا سريعا. واتسعت أكثر فأكثر المسافة بين العمال المختصين والعمال غير المختصين، وساهمت في إضعاف الحركة الاضرابية في تلك الفروع من الصناعة.

لكن ما كان جميع العمال يتمتعون بمثل ذلك القدر من الطمأنينة. فقد كان للأزمة انعكاس بالغ الشدة على عمال البناء الإسكاني الذين تزعموا منذ ذلك الحين نضال الطبقة العاملة الإنكليزية، مثلما كان تزعمه من قبل عمال النسيج في عام 1840 وعمال البناء الميكانيكي في عام 1850.

لقد أدى تطور الرأسمالية إلى زيادة خارقة للمألوف في تعداد سكان أوربا، ومن ثم إلى تعاظم الحاجة إلى المساكن. ومن هنا كان ازدهار صناعة البناء الإسكاني. ففي 1840 كانت إنكلترا قد اندفعت اندفاعا محموما في مد السكك الحديدية، وفي 1850 مرت بما يشبه حمى البناء الإسكاني، وارتفعت المنازل الجديدة بالآلاف. وصارت بضاعة، مثلها مثل القطن أو الصوف. وكانت صناعة البناء الإسكاني، بتنظيمها التقني، ما تزال في الطور المعملي، لكنها كانت قد سقطت منذ ذلك الحين بين أيدي الرأسماليين الكبار.

كان مقاول البناء يكتري أرضا ويشيد عليها مئات المنازل التي كان يؤجرها أو يبيعها. والمنازل الإنكليزية لا تشبه المنازل الروسية، فهي عادة عبارة عن منازل صغيرة من القرمدي مشيدة على نسق واحد، وقد لا تزيد أحيانا عن شقتين أو ثلاث شقق لا تتجاوز مساحتها الإجمالية مساحة شقة من أربع أو خمس غرف في موسكو، لكن بدلا من أن تكون الغرف متجاوزة نراها متناضدة بعضها فوق بعض. وهذا ما جعل بعض اقتصاديي البر الأوربي يروون الأساطير عن العمال الإنكليز الذين يشغلون، على حد زعم أولئك الاقتصاديين، بيوتا بكاملها. وفي الواقع، تغص المنازل الإنكليزية بقاطنيها، كما لو أنها ملجأ ليلي.

جذب تطور صناعة البناء الإسكاني إلى المدن عددا كبيرا من عمال الريف. وهذه الصناعة، كما تعلمون، بالغة التعقيد. وهي تحتاج إلى مختلف ضروب العمال. فهي تستخدم عمال احتطاب ونجارين وجصاصين وبنائين ونجادين، وبكلمة واحدة، جميع العمال الذين لا يشاركون في البناء فحسب، بل أيضا في تأثيث المنزل وزخرفته. ويرتبط تطور البناء الإسكاني وثيق الارتباط بتطور صناعة المفروشات والسجاد والصناعة الفنية. وقد أدت أيضا الزيادة الكبيرة في تعداد سكان المدن إلى تطور الصناعة الكبيرة في مضمار الأحذية والملابس.

والحال أن أزمة 1857-1858 كان لها انعكاس بالغ الشدة على تلك الفروع الجديدة من الإنتاج الرأسمالي. فقد حرمت من العمل أعدادا لا تقع تحت الحصر من العمال، وخلقت جيشا من العاطلين راح يزاحم العمال الآخرين. وقرر المقاولون وأرباب العمل انتهاز السانحة للضغط على عمالهم، ولتخفيض أجورهم، ولزيادة مدة يوم العمل. وعلى دهشة عظيمة منهم، رد العمال في 1859 بإضراب جماهيري. كان واحدا من أعظم إضرابات لندن. بل أكثر من ذلك، فقد حظي إضراب عمال البناء الإسكاني بتأييد عمال الفروع الجديدة من الصناعة. واسترعى انتباه أوربا بقدر ما استرعته الأحداث السياسية الكبرى عصرئذ. وحتى في الصحف والمجلات الموسكوفية وجدت مراسلات عن ذلك الإضراب تزيد طولا وحجما عن تلك التي نقرؤها أحيانا في الصحف السوفياتية عن بعض الإضرابات في أوربا الغربية. وقد تولد عن ذلك الإضراب عدد جم من الهيئات والمهرجانات الخطابية. وكثيرا ما كان يتردد في عداد الخطباء اسم كريمر. ففي مهرجان هايد بارك الخطابي أعلن أن إضراب عمال البناء هو أول مناوشة بين اقتصاد العمل واقتصاد الرأسمال. وقام عمال آخرون، من أمثال أوجر، بنشاط تحريضي مكثف. وصدرت بيانات. ولنشر بالمناسبة إلى أن المحادثة المشهورة بين العامل والرأسمالي، وهي واحدة مع ألمع صفحات الرأسمال، تكاد أن تكون في بعض مواضعها نسخة طبق الأصل عن البيان الذي أصدره العمال أثناء إضراب 1858-1859.

إن ذلك الإضراب، الذي انتهى بعد ردح من الزمن بتسوية، أدى إلى تنظيم أول مجلس للاتحادات المهنية في لندن. وكان القادة الرئيسيون الثلاثة لذلك المجلس أوجر وكريمر وهويل، وثلاثتهم من العمال الذين صاروا فيما بعد أعضاء في المجلس العام الأول للأممية الأولى. ومنذ عام 1861 كان ذلك المجلس قد أضحى من أوسع المنظمات نفوذا. وقد تحول أيضا، شأن مجالسنا السوفياتية الأولى، إلى منظمة سياسية. وقد سعى جهده للاستجابة والرد على جميع الأحداث التي تهم العمال. وعلى غرار ذلك المجلس، قامت مجالس أخرى في أنحاء مختلفة من إنكلترا واسكوتلندا، بحيث باتت إنكلترا مجهزة من جديد في عام 1862 بتنظيمات عمالية طبقية. وكانت المراكز السياسية والاقتصادية لتلك التنظيمات مجالس الاتحادات المهنية (التريديونيونات).

لنرَ الآن إلى فرنسا. فقد عاثت الأزمة في هذا القطر فسادا ضاهى ما عاثته في انكلترا. وكان لها انعكاس شديد على الصناعة النسيجية، وكذلك على كل صناعة الكماليات. وكما قلت لكم، كانت الحرب التي شرع بها نابليون في 1859 وسيلة لتحويل اتجاه تذمر العمال. وفي مستهل 1860 ضربت الأزمة بوجه خاص الصناعة الفنية الباريسية. لكن باريس كانت أيضا مدينة مكتظة بالسكان، وقد شهدت تطورا حثيثا بدءا من 1850، وازدهرت فيها صناعة البناء. وكان واحدا من أهم إصلاحات نابليون الثالث إعادة تعمير مجموعة بكاملها من الأحياء الباريسية، وإزالة الأزقة القديمة الضيقة وتحويلها إلى شوارع عريضة وجادات فسيحة يتعذر نصب المتاريس فيها. وعلى مدى سنوات عديدة اهتم عمدة باريس هوسمان بإعادة تعمير المدينة على نحو منهجي منظم. وهكذا اجتمع في باريس، مثلما في لندن، عدد غفير من عمال البناء. وهؤلاء العمال، ابتداء من المياومين إلى المهرة والرفيعي الاختصاص منهم، هم الذين قدموا الكوادر الرئيسية للحركة العمالية الجماهيرية الجديدة التي تطورت بدءا من 1860. وحين ستطلعون على تفاصيل تاريخ الأممية الأولى في فرنسا، فستلاحظون أن غالبية أعضائها، والبارزين منهم، كانوا من العمال المهرة في صناعة البناء والصناعة الفنية.

بنهوض الحركة العمالية بعد 1860 عادت إلى الظهور المجموعات الاشتراكية القديمة التي ينبغي أن نخص بالذكر منها في المقام الأول مجموعة البرودونيين. في ذلك العهد كان برودون نفسه ما يزال على قيد الحياة. كان، بعد اعتقاله وحبسه لفترة من الزمن، قد هاجر إلى بلجيكا، ومارس مباشرة أو عن طريق أتباعه، بعض التأثير على الحركة العمالية. بيد أن المذهب الذي كان يدعو إليه بعد 1860 كان يختلف بعض الشيء عن المذهب الذي عرضه أثناء مناظرته الآنفة الذكر مع ماركس.

كان مذهبه عهدئذ عبارة عن نظرية مسالمة تماما، متكيفة مع الحركة العمالية الشرعية. وكان البرودونيون قد جعلوا هدفهم تحسين وضع العمال، وكانت الوسائل التي يقترحونها لهذا الغرض متلائمة مع شروط حياة الحرفيين في المقام الأول. وكان في طليعة تلك الوسائل الاعتماد الرخيص، بل المجاني إذا أمكن. وقد أوصوا، لهذا الغرض، بتنظيم جمعيات تسليف يتضافر أعضاؤها ويتعاونون على خدمة بعضهم بعضا بالتعاضد. ومن هنا جاء اسم التعاضدية. جمعيات تضافر ومعونة متبادلة، عزوف عن الإضرابات، شرعية الجمعيات العمالية، اعتماد مجاني، عزوف عن النضال السياسي المباشر، تحسين الأوضاع عن طريق النضال الاقتصادي وحده الذي لا يجوز بالأصل توجيهه ضد أسس النظام الرأسمالي: تلك هي عصارة برنامج التعاضديين الذين كانوا، من بعض الجوانب، أكثر اعتدالا من معلمهم.

بالتوازي مع تلك المجموعة، كانت توجد مجموعة أخرى أكثر انحرافا إلى اليمين، بقيادة الصحفي آرمان ليفي الذي كان على صلة وثيقة فيما سبق بالمهاجرين البولونيين ومؤدب أولاد الشاعر البولوني ميكييفتش. وقد كانت له اتصالات وثيقة أيضا بالأمير بلون-بلون الذي سبق لنا أن عرفناه حاميا للسيد فوغت.

أما المجموعة الثالثة –وقد كنت اقل تعدادا ومؤلفة من ثوريين فقط- فهي مجموعة البلانكيين الذين استأنفوا دعايتهم في أوساط العمال والمثقفين والطلبة والأدباء. وكان ينتمي إلى تلك المجموعة، في من ينتمي إليها، بول لافارغ وشارل لونغيه اللذان صاهرا فيما بعد ماركس.

كان كليمنصو أيضا يتردد على تلك الأوساط. وكان جميع أولئك الشبان والعمال واقعيين تحت تأثير بلانكي الذي كان، على الرغم من قبوعه في السجن، على صلات مستديمة بالخارج، والذي ما كانت مقابلات أصدقائه بالممنوعة عنه. وكان البلانكيون ألد أعداء الإمبراطورية النابوليونية وكانوا يتعاطون النشاط السري.

هكذا كانت حالة الحركة العمالية في إنكلترا وفرنسا في عام 1862، يوم توالت سلسلة من الأحداث التي تمخضت عن تقارب أوثق بين العمال الفرنسيين والإنكليز. وسنحت فرصة ذلك التقارب بافتتاح معرض لندن الكوني. فقد جاء ذلك المعرض تتويجا لطور جديد في الإنتاج الرأسمالي والصناعة الكبيرة تحول معه كل قطر مفرد إلى جزء من الاقتصاد العالمي. وكان أول معرض قد نظم عقب ثورة شباط في لندن في عام 1852، كما نظم المعرض الثاني في باريس في عام 1855، ثم أقيم الثالث من جديد في لندن.

أتاح ذلك المعرض الفرصة في باريس للقيام بحملة تحريض بين العمال. وتوجهت مجموعة آرمان ليفي إلى رئيس اللجنة المكلفة بتنظيم الجناح الفرنسي في معرض لندن. وكان ذلك الرئيس هو الأمير بلون-بلون، وقد أمر بتخصيص معونة مالية لإرسال وفد عمالي إلى معرض لندن.

أثار هذا الكرم مناقشات محمومة في جميع المشاغل والورشات الباريسية. وبيدهي أن البلانكيين عارضوا بحزم قبول الصدقة الحكومية. لكن مجموعة أخرى، كان الغلبة فيها للتعاضديين، أخذت برأي مخالف. فقد ارتأت أنه من الواجب انتهاز تلك السانحة الشرعية. وقالت أن المال مقدم لإرسال مندوبين عماليين. وعليه، تنبغي المطالبة بأن ينتخب الوفد من قبل الورشات والمشاغل، لا أن يسمى من قبل السلطات. وستكون تلك الانتخابات فرصة ممتازة للدعاية، وسيسعى العمال إلى إنجاح مرشحيهم.

توصلت تلك المجموعة، بقيادة عاملين هما تولان وبيراشون، إلى ترجيح كفة وجهة نظرها. ووافقت السلطات على إجراء انتخابات في الورشات والمشاغل، وتم انتخاب مرشحي المجموعة الثانية برمتهم تقريبا. وقاطع البلانكيون الانتخابات. أما مجموعة ليفي فلم يفز لها أي مرشح. على هذا النحو جرى تنظيم وفد باريس العمالي. ومن ألمانيا أيضا أرسل إلى لندن وفد كان على صلة بمجموعة العمال التي أخذت على عاتقها تنظيم المؤتمر العمالي وقصدت لهذا الغرض لاسال.

على هذا النحو أتاح معرض لندن الكوني الفرصة للقاء العمال الفرنسيين والإنكليز والألمان. وقد اجتمع أولئك العمال بالفعل، وإلى ذلك الاجتماع يرجع بعض المؤرخين تاريخ تأسيس الأممية. لقد سبق لي أن زكيت لكم كتاب ستكلوف عن تاريخ الأممية. فلنرَ ما يقوله عن ذلك اللقاء:

«قدم معرض 1862 الكوني الذريعة للعمال الإنكليز ولرفاقهم من البر الأوربي ليتقاربوا ويتفاهموا. ففي لندن…، في 5 آب 1862، كان الاستقبال الحفي لسبعين مندوبا عن العمال الفرنسيين من قبل رفاقهم الإنكليز. وفي الخطب التي ألقيت في تلك المناسبة، جرى التوكيد على ضرورة إقامة اتصال أممي بين البروليتارين الذين يشتركون كبشر ومواطنين وشغيلة في مصالح واحدة وصبوات واحدة».

ما هذه، ويا للأسف، إلا خرافة. وفي الواقع كان لذلك الاجتماع، كما برهنت على ذلك منذ زمن بعيد، طابع مغاير تماما. فقد انعقد بمشاركة ممثلي البرجوازية والطبقات الحاكمة ومباركتهم. والخطب التي ألقيت فيه لم تجرح أي رب عمل ولم تقلق بال أي شرطي، لأن الرأسماليين الإنكليز، الذين كانوا أثناء إضراب عمال البناء زعماء المقاولين، شاركوا في الاجتماع. ومما له دلالته بهذا الصدد أن التريديونيونيين الإنكليز أبوا المشاركة في ذلك المهرجان الخطابي. ذلك هو السبب الذي يمنعنا من اعتبار ذلك الاجتماع بداية الأممية.

الشيء الصحيح الوحيد أنه ما دام قد قدم إلى لندن عمال من فرنسا وألمانيا، فلا بد أنهم التقوا فيها العمال الفرنسيين والألمان المهاجرين بعد 1848. والحال أن المكان الذي كان يلتقي فيه عمال مختلف القوميات بعد 1850 كان جمعية التثقيف العمالي التي أسسها في 1840 شابر ورفاقه. وكان مطعم تلك الجمعية ومقهاها يقعان في الحي الذي كان يقيم فيه يومئذ الأجانب. وقد لبث ذلك الحي مركز تجمع الأجانب إلى زمن الحرب الإمبريالية التي كان من أول ضحاياها الجمعية العمالية الألمانية التي بات لها من العمر 74 عاما. وهذا ما أمكن لي أن ألحظه شخصيا عند إقامتي في لندن يوم قدمت إليها في 1909 و1910 للعمل في المتحف البريطاني. ولم يكن هناك يومئذ مكان آخر واحد يمكن فيه التقاء مثل ذلك العدد الكبير من العمال الأجانب. وقد بادرت الحكومة الإنكليزية إلى إغلاق النادي الألماني غب إعلان الحرب.

ومن المؤكد أن بعض أعضاء الوفد الفرنسي تعرفوا إلى المهاجرين الفرنسيين القدامى، مثلما تجدد التعارف بين عمال لايبزغ الألمان وبين رفاقهم القدامى. لكن مثل تلك الاتصالات كانت بالطبع عارضة، وما كانت أهلا لأن تؤدي لا إلى تأسيس الأممية ولا إلى تنظيم اجتماع 5 آب الذي يعزو إليه ستكلوف، مقتفيا بذلك مؤرخين آخرين، أهمية فائقة.

على أنه وقع وقتئذ حدثان بالغا الأهمية. كان الأول الحرب الأهلية في الولايات المتحدة. فقد كانت مسألة إلغاء الرق قد طرحت منذ بعض الوقت على جدول الأعمال، كما سبق لي القول. وقد اكتسبت تلك المسألة حدة بالغة وفجرت صراعا شديد العنف بين ولايات الجنوب وولايات الشمال قررت معه الولايات الأولى، كي تبقي على الرق، الانفصال عن الاتحاد وتأسيس جمهورية مستقلة. وعلى الاثر اندلعت حرب تمخضت عن نتائج لامتوقعة ومزعجة للغاية بالنسبة إلى العالم الرأسمالي قاطبة. ففي ذلك العهد كانت الولايات الجنوبية تحتكر بمفردها تقريبا إنتاج القطن وتمون الصناعة القطنية في العالم قاطبة. وما كانت مصر تنتج وقتئذ غير كمية ضئيلة للغاية من القطن، وما كانت الهند الشرقية وتركستان تقدمان شيئا للسوق الأوربية. وعلى هذا النحو وجدت أوربا نفسها محرومة على حين غرة من القطن. وفيما تمكنت الصناعة في مجملها من معاودة النهوض من أزمة 1857-1858، حلت بالصناعة القطنية أزمة لا سابق لها أصابت لا إنكلترا فحسب، بل أيضا فرنسا وألمانيا، وحتى روسيا حيث تعرض معمل بروخوروف لخسائر فادحة. وأدى نقص القطن إلى ارتفاع كبير في أسعار سائر المواد الأولية المستخدمة في الصناعة النسيجية. صحيح أن الرأسماليين الكبار عانوا أقل مما عانى غيرهم، لكن الصغار والمتوسطين سارعوا إلى إغلاق مشاريعهم. وهكذا قضي بالجوع على مئات الألوف من العمال الأوربيين.

اقتصر دور الحكومات على صدقات تافهة. وشرع العمال الإنكليز، الذين كانوا قبيل ذلك بقليل قد ضربوا المثل في التضامن أثناء إضراب عمال البناء، بتنظيم أعمال المساعفة والنجدة. وتولى المبادرة إلى ذلك المجلس اللندني للتريديونيونات. وتألفت لذلك الغرض لجنة خاصة. وكذلك في فرنسا، حيث تولى قيادة تلك اللجنة ممثلو المجموعة التي كانت قد نظمت انتخاب الوفد العمالي إلى معرض لندن. وجرت اتصالات بين اللجنتين. وبذلك قام لدى العمال الإنكليز والفرنسيين برهان جديد على الارتباط الوثيق في المصالح بين عمال مختلف الأقطار. وهكذا تكون الحرب الأهلية في الولايات المتحدة قد أحدثت انقلابا عميقا في حياة أوربا الاقتصادية، وضربت على السواء العمال الإنكليز والفرنسيين والألمان، وحتى العمال الروس في محافظتي موسكو وفلاديمير. لهذا كتب ماركس، في مقدمة المجلد الأول من الرأسمال، أن حرب الانفصال في القرن التاسع عشر قرعت ناقوس الخطر للطبقة العاملة، تماما كما كانت حرب استقلال الولايات المتحدة ضد إنكلترا قد قرعت ناقوس الخطر للبرجوازية الفرنسية قبل الثورة.

وقد وقع عصرئذ حدث آخر كان له أثره أيضا على عمال مختلف الأقطار. فقد ألغيت القنانة في روسيا. ودعت الحاجة إلى تحقيق سلسلة من الإصلاحات في سائر فروع الإدارة والحياة الاقتصادية. وفي الوقت نفسه كانت الحركة الثورية تتعزز وتطرح مطالب أكثر جذرية. وأخذت مناطق الحدود، بما فيها بولونيا، تضطرب. واغتنمت الحكومة القيصرية السانحة لتضع حدا دفعة واحدة للعصيان الخارجي والداخلي. فقد حرضت بولونيا على شهر راية التمرد، وشحذت في الوقت نفسه النزعة الوطنية الروسية-الكبرى بمساعدة كاتكوف وغيره من الكتاب المرتشين. وكلف مورافييف وزبانيته بقمع الانتفاضة البولونية.

لاقت الانتفاضة البولونية في أوربا الغربية، حيث كانت القيصرية الروسية موضع كراهية عامة، تعاطفا حماسيا. وأباحت حكومات شتى، ومنها الحكومتان الفرنسية والإنكليزية، حرية العمل كاملة للمدافعين عن الانتفاضة البولونية، محاولة بذلك أن تعطي متنفسا للتذمر الذي كانت نذره تتراكم في أوساط العمل. ونظمت في فرنسا سلسلة من الاجتماعات، ونظمت كذلك لجنة كان على رأسها تولان وبيراشون. وفي إنكلترا تولى قيادة الحركة المناصرة للبولونيين كريمر وأوجر عن العمال والأستاذ بيسلي عن المثقفين الراديكاليين.

في نيسان 1863 أقيم في لندن مهرجان خطابي ضخم برئاسة الأستاذ بيسلي وألقى فيه كريمر خطابا للدفاع عن البولونيين. واتخذ الاجتماع قرارا بدعوة العمال الفرنسيين والإنكليز إلى ممارسة الضغط على حكومتيهما لحملهما على التدخل لصالح بولونيا. وتقرر أيضا تنظيم مهرجان خطابي أممي. وأقيم ذلك المهرجان في لندن برئاسة بيسلي نفسه، في 22 تموز 1863. وتحدث فيه أوجر وكريمر باسم العمال الإنكليز، وتولان باسم العمال الفرنسيين. وقد أكد الجميع على ضرورة إحياء بولونيا المستقلة. كان ذلك هو الموضوع الوحيد لخطاباتهم. لكن عقد في اليوم التالي اجتماع لا يأتي بذكره عادة مؤرخو الأممية. وقد جرى تنظيمه بمبادرة من المجلس اللندني للتريديونيونات، لكن بدون مشاركة العناصر البرجوازية هذه المرة. وقد أكد فيه أوجر على ضرورة ارتباط أوثق بين العمال الإنكليز وعمال البر الأوربي. وطرحت المسألة طرحا عمليا. وقد سبق أن ذكرت لكم أن العمال الإنكليز كانوا يلقون مزاحمة شديدة من قبل العمال الفرنسيين والبلجيكيين، ولاسيما العمال الألمان. وفي ذلك الزمن كانت الخبازة، التي كان كبار المقاولين قد وضعوا اليد عليها، تعتمد بصورة رئيسية على العمال الألمان. وكان العديد من الفرنسيين يعملون في البناء والأثاث والصناعة الفنية. لهذا كان التريديونيون الإنكليز يغتنمون كل سانحة للتأثير على العمال الأجانب القادمين إلى إنكلترا. والحال أن أسهل وسيلة للوصول إلى ذلك كانت قيام تنظيم يجمع بين العمال من شتى القوميات.

وتقرر أن يوجه العمال الإنكليز خطابا إلى العمال الفرنسيين. ومضى ما يقارب أشهرا ثلاثة قبل أن يرفع ذلك الخطاب إلى التريديونيونيين في لندن ليحظى بمصادقتهم. وقد تولى كتابته بصورة رئيسية أوجر الذي استوحى إلى حد ما، في أرجح الظن، خطاب التعاطف الذي كان توماس هارون قد وجهه في نهاية القرن الثامن عشر إلى الثوريين الفرنسيين.

في تلك الحقبة كانت الانتفاضة البولونية قد قمعت بوحشية منقطعة النظير على يد الحكومة القيصرية. ولا يكاد الخطاب يأتي بذكر ذلك. وحتى أعطيكم فكرة عن طابعه، سأتلو عليكم منه المقطع التالي:
«إن إخاء الشعوب ضروري للغاية لصالح العمال. ففي كل مرة نحاول فيها تحسين وضعنا عن طريق تقليص مدة يوم العمل أو زيادة الأجور، يتوعدنا الرأسماليون باستخدام عمال فرنسيين وبلجيكيين وألمان مستعدين لأداء عملنا مقابل سعر أدنى ارتفاعا. ومن سوء الحظ أن هذا التهديد يوضع موضع تنفيذ في أحيان كثيرة. ومن المؤكد أن الخطأ لا يقع على عاتق رفاق البر الأوربي، وإنما فقط على عدم وجود صلة منظمة بين الأجراء من شتى الأقطار. إلا أننا نأمل أن يزول هذا الوضع عما قريب، لأن جهودنا للوصول إلى وضع العمال المتدنية أجورهم على نفس مستوى الذين يتقاضون أجورا مرتفعة ستمنع عما قريب المقاولين من استخدام بعضنا ضد بعض لخفض مستوى حياتنا، طبقا لروحهم التجارية».

لم يترجم الخطاب إلى الفرنسية من قبل الأستاذ بيسلي ويرسل إلى باريس إلا في تشرين الثاني 1863. وجرى تداوله في باريس كمادة تحريضية في الورشات والمشاغل. بيد أن رد العمال الفرنسيين تأخر طويلا. فقد كانت الاستعدادات قائمة على قدم وساق عهدئذ في باريس للانتخابات التكميلية للهيئة التشريعية التي كان من المفترض أن تجري في آذار 1864. وفي تلك المناسبة طرحت مجموعة من العمال، ومنهم تولان وبيراشون، سؤالا بالغ الأهمية: هل ينبغي أن يكون للعمال مرشحوهم الخاصون بهم أم عليهم الاكتفاء بتأييد المرشحين الراديكاليين؟ وبعبارة أخرى، هل ينبغي الانفصال بوضوح وجلاء عن المعارضة البرجوازية والتدخل على أساس برنامج خاص أم يتوجب السير في ركاب الأحزاب البرجوازية؟ وقد نوقشت تلك المسألة نقاشا واسعا في ختام 1863 ومطلع 1864. وقرّ القرار على التدخل على حدة وترشيح تولان. كما تقرر في الوقت نفسه تعليل ذلك الانشقاق عن الديموقراطية البرجوازية في وثيقة برنامجية خاصة حملت، طبقا لعدد موقعيها، اسم بيان الستين.

إن ذلك البيان مترع بروح البرودونية في قسمه النظري، في نقده للنظام البرجوازي. لكنه ينأى بوضوح وجلاء في الوقت نفسه عن البرنامج السياسي للمعلم، ويدعو إلى تشكيل تنظيم سياسي خاص للعمال، ويطالب بترشيح عمال إلى البرلمان كيما يتمكنوا من الذود عن مصالح البروليتاريا.

أيد برودون بحرارة بيان الستين وكتب في هذا الموضوع كتابا هو من خير مؤلفاته. وقد انكب على العمل فيه في الأشهر الأخيرة من حياته، لكنه قضى نحبه قبل صدوره. وعنوان ذلك الكتاب عن الطاقات السياسية للطبقة العاملة. وقد أقر فيه برودون للعمال بالحق في أن يكون لهم تنظيم طبقي مستقل. وأيد البرنامج الجديد للعمال الباريسيين الذي رأى فيه خير دليل على الطاقات السياسية الهائلة التي تنطوي عليها الطبقة العاملة. ولئن تمسك بوجهة نظره القديمة عن الاضرابات وجمعيات التضافر والمساعدة المتبادلة، فإن كتابه يعيد إلى الأذهان، بما ينبض به من روح احتجاج على المجتمع البرجوازي ومن نزوع بروليتاري، مؤلفه الأول عن الملكية. وقد غدت هذه المنافحة عن الطبقة العاملة واحدا من الكتب المأثورة لدى العمال الفرنسيين. وحين يدور الكلام عن تأثير البرودونية في عهد الأممية الأولى، لا يجوز أن نسهو عن أن المقصود بها البرودونية كما تكونت بعد نشر بيان الستين. فتحت ذلك الشكل، مارست البرودونية تأثيرا كبيرا على وجهات نظر المثقفين الثوريين الروس. وقد ترجم كتاب برودون، الصادر بعد وفاته، إلى الروسية على يد واحد من كتَّابنا، ن. ميخائيلوفسكي، الذي أصاب منه علما كثيرا.

تصرم زهاء عام من الزمن قبل أن يضع العمال الباريسيون خطابا جوابيا. وقد تم انتخاب وفد خاص لنقله إلى لندن. واستقبالا لهذا الوفد نظم اجتماع حاشد في 28 أيلول 1864 في قاعة سان مارتان، في قلب المدينة. وقد ترأس الحفل بيسلي. وكانت القاعة مكتظة. وفي البدء تلا أوجر خطاب العمال الإنكليز. ثم تلا تولان خطاب الفرنسيين. وهاكم هذا المقطع منه:

«التقدم الكوني، تقسيم العمل، حرية التجارة: تلك هي العوامل الثلاثة التي ينبغي أن تستأثر بانتباهنا، لأنها قمينة بتحويل حياة المجتمع الاقتصادية تحويلا جذريا. لقد شكل الرأسماليون، بقسر من قوة الأشياء وحاجات الزمان، اتحادات مالية وصناعية قوية. وإذا لم نتخذ تدابير دفاعية، فسنسحق سحقا لا رحمة فيه ولا شفقة. إن علينا، نحن عمال الأقطار قاطبة، أن نتحد وأن نقيم سدا منيعا في وجه الوضع القائم الذي يهدد بقسم البشرية إلى سواد من جياع الناس والساخطين من جهة، وإلى أوليغارشية من ملوك المال والأحبار المليئي البطون. ألا فلنساعد بعضنا بعضا حتى ندرك هدفنا».

بل أن العمال الفرنسيين حملوا معهم مشروع تنظيم. وبموجبه تشكل في لندن لجنة خاصة مؤلفة من ممثلي جميع الأقطار، كما تشكل في جميع المدن الكبرى في أربا لجان فرعية على اتصال بتلك اللجنة المركزية وترفع إليها هذه المسالة أو تلك للفحص والدرس. وعلى الهيئة المركزية أن تحكم في حصيلة النقاش. ولتحديد شكل التنظيم بصورة نهائية، يجب أن يدعى مؤتمر أممي للانعقاد في بلجيكا.

لكنكم ستسألونني ولا بد: ما كان دور ماركس؟ لم يكن لماركس أي دور في ذلك كله. لقد رويت لكم بالتفصيل قصة التحضير ليوم 28 أيلول 1864، ذلك اليوم الذي نرجع إليه تاريخ الأممية، حتى تعرفوا أن كل ما تم فعله في ذلك الاجتماع، من البداية إلى النهاية، كان من صنع العمال أنفسهم. وحتى الآن ما أمكنني أن اذكر اسم ماركس مرة واحدة. بيد أنه كان، في ذلك اليوم المشهود، حاضرا الاجتماع بصفة مدعو. كيف أمكن له أن يشارك فيه؟ الجواب على هذا السؤال نجده في مذكرة صغيرة وجدتها بالمصادفة بين شتى أوراق ماركس:
إلى السيد ماركس،

سيدي، إن لجنة تنظيم المهرجان ترجوك أن تتكرم بحضوره. وبإبرازك هذه المذكرة، تستطيع أن تدخل إلى القاعة التي ستجتمع فيها اللجنة في الساعة 7 و30 دقيقة.
المخلص لك
كريمر.

حين عثرت على هذه الرسالة، تساءلت بيني وبين نفسي عما يمكن أن يكون قد دفع بكريمر إلى دعوة ماركس. ولماذا لم ترسل تلك الدعوة إلى العديد من المهاجرين الآخرين المقيمين وقتئذ في لندن والذين كانوا على أوثق الصلات بالفرنسيين أو الإنكليز؟ ولماذا انتخب ماركس في لجنة الجمعية الأممية المقبلة؟

يمكننا أن نفرض فروضا عدة بصدد هذا الموضوع. وأقرب الفروض إلى الواقع هو التالي. لقد سبقت لي الإشارة إلى الدور الذي لعبته الجمعية العمالية الألمانية التي كان مقرها في لندن نقطة تجمع للعمال من مختلف القوميات. وقد اكتسبت تلك الجمعية المزيد من الأهمية حين أدرك العمال الإنكليز أنفسهم ضرورة توثيق الروابط بالألمان لإضعاف أثر العواقب الوخيمة للتزاحم بين العمال الذين كان المقاولون يجتذبونهم إلى لندن عن طريق وكلاء شتى. ومن هنا قامت علاقات شخصية وثيقة مع أعضاء رابطة الشيوعيين القديمة: إيكاريوس، لسنر، بفندر. وكان الأولان خياطين، والثالث جصاصا-رساما يعمل في البناء وكانوا جميعهم يشاركون بنشاط في الحركة المهنية اللندنية ويعرفون عميق المعرفة منظمي المجلس اللندني للتريديونيونات وقادتها. وأرجح الظن أن كريمر وأوجر تعرفا بوساطتهم إلى ماركس الذي كان قد جدد بدوره، في زمن قضية فوغت، علاقاته بالجمعية العمالية الألمانية.

إذن فالدور الحقيقي لماركس، الذي لم يكن مؤسس الأممية الأولى وإن أصبح بسرعة عقلها المدبر الرئيسي، لم يبدأ إلا بعد تأسيس تلك الأممية. وكما رأيتم، لم تتلق اللجنة المنتخبة في اجتماع 26 أيلول أي تعليمات أو أي توجيهات. ولم يكن بين يديها لا برنامج، ولا نظام داخلي، ولم يكن لها حتى اسم. وقد كان في لندن أصلا جمعية أممية هي «الرابطة العامة» التي استضافت اللجنة. وفي محضر ضبط الجلسة الأولى لتلك اللجنة تمثل أسماء ممثلي تلك الرابطة، وكانوا كلهم من البرجوازيين الطيبين. ولم يقترحوا البتة على اللجنة الجديدة تأسيس جمعية جديدة. كان بعضهم يتحدث عن تنظيم جمعية أممية جديدة مشرعة الأبواب لا أمام العمال وحدهم، وإنما أيضا أمام جميع أولئك الذين يرغبون في اتحاد أممي وينشدون تحسين الوضع السياسي والاقتصادي للجماهير الكادحة. وإنما بناء على إلحاح اثنين من العمال، إيكاريوس وفيتلوك –وهذا الأخير ميثاقي سابق- تقرر أن يطلق على الجمعية الجديدة اسم الرابطة الأممية للشغيلة. وقد حظي هذا الاقتراح بتأييد الإنكليز الذين كان في عدادهم ميثاقيون كثر من أعضاء الجمعية العمالية القديمة، مهد الحزب الميثاقي.

إن التسمية التي أطلقت على الجمعية الأممية الجديدة حددت للحال طابعها. فقد أقصت عنها للحال البرجوازيين الطيبين المقيمين في مقر الرابطة العامة. ودعيت اللجنة إلى البحث عن مقر جديد. وحالفها التوفيق في العثور على غرفة صغيرة غير بعيد عن الجمعية العمالية الألمانية، في الحي الذي كان يقطنه المهاجرون والعمال الأجانب.

ما أن عمدت الجمعية بذلك الاسم، حتى شرعت تضع البرنامج وتحرر مواد النظام الداخلي. ولكي نفهم ما جرى في فترة لاحقة، ينبغي أن نتخيل جلسة للجنة بتروغراد أو موسكو التنفيذية يدور فيها صراع بين عدة أجنحة أو أحزاب. إن خير وسيلة لتمرير أي فئة لقرارها هي تأمين الغالبية لها. هذا ما يعرفه كل عضو في لجنة حي من الأحياء، وهذا ما كان يعرفه أيضا أعضاء لجنة الأممية. فحين كانوا يذهبون إلى الجلسات كانوا يصطحبون معهم أكبر عدد ممكن من الأصدقاء. بيد أن سوء الطالع شاء أن تكون اللجنة مؤلفة من العناصر الأكثر اختلافا وتنافرا.

كان هناك، في المقام الأول، الإنكليز الذين كانوا هم أنفسهم منقسمين إلى عدة فئات: تريديونيونين، ميثاقيين قدامى، أوينيين سابقين. وكان هناك فرنسيون لا باع طويلة لهم في المسائل الاقتصادية، لكنهم كانوا يعتبرون اختصاصيين في الفن الثوري. وكان هناك أيضا إيطاليون، وكانوا ذوي نفوذ واسع وقتئذ لأنهم كانوا بقيادة رجل واسع الشعبية لدى الإنكليز هو الثوري العتيق ماتزيني، الجمهوري المتحمس، وفي الوقت نفسه المتدين. وكان هناك مهاجرون بولونيون يقدمون المسألة البولونية على كل مسألة عداها. وكان هناك أخيرا ألمان قلائل، وجميعهم من قدامى أعضاء رابطة الشيوعيين: ايكاريوس، لسنر، لوخنر، بفندر، وأخيرا ماركس.

طرحت مشاريع عدة. عرض الإيطاليون مشروعا صمم والمشروع الفرنسي وفق نموذج واحد تقريبا. وقد دافع ماركس، في اللجنة الفرعية التي كان يشارك في أعمالها، عن أطروحاته، وكلف في آخر المطاف بتقديم مشروعه إلى مكتب اللجنة. وفي الجلسة الرابعة –في الأول من تشرين الثاني 1864- تم بغالبية ساحقة إقرار مشروع ماركس، مع بعض التعديلات الشكلية العديمة الأهمية.

كيف حدث ذلك؟ يجب عليّ أن أقول، ولو جازفت بالنيل من قدر ماركس في أنظاركم، أن ذلك لم يتم بدون مساومة، بدون تساهل. وكما قال ماركس نفسه في رسالة له إلى انجلز، اضطر إلى «أن يدخل على النظام الداخلي والبرنامج بعض كلمات من أشباه «الحق»، «الأخلاق»، «العدالة»، لكنه أدرجها «على نحو لا يمكن أن ينجم عنها ضرر».

لكن ليس ذلك سر ماركس، وما على ذلك النحو أفلح في اجتماع شديد الاختلاط كذلك في أن يفوز بالتأييد شبه الاجماعي لأطروحاته. إنما يكمن سر نجاحه في الموهبة الخارقة (وهذا ما يقر به حتى عدوه باكونين) التي دلل عليها في تأليف الخطاب الافتتاحي للأممية. وكما يقر ماركس في الرسالة السالفة الذكر إلى انجلز، كان من الصعوبة بمكان عرض وجهات النظر الشيوعية في شكل يؤهلها لأن تكون مقبولة لدى الحركة العمالية عهدئذ. كان من المستحيل استخدام لغة البيان الشيوعي الجريئة والثورية. كان المطلوب العنف في المضمون، والاعتدال في الشكل. وقد قام ماركس بتلك المهمة خير قيام.

كتب ذلك الخطاب بعد سبعة عشر عاما من البيان الشيوعي. كان الخطاب والبيان إذن من وضع مؤلف واحد، لكن كان ثمة اختلاف عميق بين العهدين اللذين حررا فيهما وبين التنظيمين اللذين كتب لهما وباسمهما. كان البيان الشيوعي قد ألف باسم مجموعة صغيرة من الثوريين والشيوعيين برسم حركة عمالية كانت ما تزال يافعة. لكن منذ ذلك الحين كان الشيوعيون يؤكدون على أنهم لا يطرحون أي مبادئ خاصة بنية فرضها على الحركة العمالية، وعلى أنهم يسعون فقط إلى تسليط الضوء ضمن نطاق تلك الحركة على المصالح العامة للبروليتاريا في الأقطار جميعا، بصرف النظر عن القوميات.

أما في 1864 فقد نمت الحركة العمالية نموا محسوسا، واكتست بطابع طبقي، لكنها كانت لا تزال متخلفة تخلفا ملموسا أيضا، من منظور تطور الوعي الطبقي، عن الطليعة الثورية الضئيلة العدد لعام 1848. وما كانت هيئة الأركان الجديدة لتلك الحركة، التي باسمها كتب ماركس آنئذ، بأقل تخلفا عن تلك الطليعة. لذا كان ملزما بأن يكتب البيان الجديد آخذا في اعتباره مستوى تطور الحركة العمالية وقادتها، من دون أن يتخلى مع ذلك عن أي أطروحة أساسية من أطروحات البيان الشيوعي.

إنكم لتعرفون تكتيك الجبهة الواحدة الذي انتهجته الأممية الشيوعية. والحال أن ماركس أعطى، في بيانه الجديد، مثالا كلاسيكيا على تطبيق ذلك التكتيك. فقد صاغ فيه المطالب وأبرز جميع النقاط التي يمكن ويجب أن تتحد حولها الجماهير العمالية، والتي على أساسها يمكن لوعي العمال الطبقي أن يستمر في التطور. والمطالب الطبقية المباشرة للبروليتاريا التي صاغها ماركس كانت نتيجة منطقية للمطالب السابقة التي وردت في البيان الشيوعي.

ومن مختلف تلك الزوايا كان ماركس يتفوق تفوقا ساحقا على ماتزيني وعلى الثوريين الفرنسيين وعلى الاشتراكيين الإنكليز المواظبين في مقر الأممية. كان قد قام على مدى سبعة عشر عاما، من دون أن يعدل شيئا في مبادئه الأساسية، بعمل ضخم. إذ كان قد أنهى الرسم الأولي لمؤلفه العظيم وانكب على إنجاز المجلد الأول من الرأسمال. كان ماركس وقتئذ الرجل الوحيد في العالم الذي أحسن دراسة وضع الطبقة العاملة وفهم عميق الفهم أوالية المجتمع الرأسمالي. لم يكن في إنكلترا كلها رجل واحد كلف نفسه مثل مشقة دراسة جميع تقارير مفتشي المصانع وأعمال اللجان البرلمانية التي تصور وضع شتى فروع الصناعة ومختلف شرائح البروليتاريا المدينية والريفية. وكان ماركس ضليعا في هذه المسائل أكثر من العمال الأعضاء في اللجنة. كان في هذه اللجنة خبازون يعرفون حق المعرفة الوضع في حرفتهم، واسكافيون ذوو إطلاع على صناعة الأحذية، ونجارون وجصاصون ملمون بأوضاع عمال البناء، لكن لم يكن هناك غير ماركس يعرف عميق المعرفة وضع شتى شرائح الطبقة العاملة ويحسن ربطه بالقوانين العامة للإنتاج الرأسمالي.

تجلت موهبة ماركس كمحرض في تأليف ذلك البيان. فكما انطلق في البيان الشيوعي من الواقعة الأساسية في كل التطور التاريخي وكل الحركة السياسية، واقعة صراع الطبقات، كذلك فإنه يبدأ البيان الجديد لا بعبارات عامة، لا بمواضيع سامقة، وإنما بوقائع مميزة لوضع الطبقة العاملة:
«ثمة واقعة بالغة الأهمية: فمن 1848 إلى 1864 لم ينقص بؤس الطبقة العاملة، مع أن تلك الحقبة منقطعة النظير في التاريخ من حيث تطور الصناعة والتجارة».

وبالرجوع إلى خطاب غلادستون في مجلس العموم يبين ماركس أن تسعة أعشار الناس مرغمون على خوض غمار صراع شرس تأمينا للقمة عيشهم لا أكثر، على الرغم من أن التجارة في بريطانيا العظمى تضاعفت ثلاث مرات منذ 1843. وكان المجرمون والمعتقلون في المنفي يقتاتون خيرا مما تقتات به شرائح عدة من العمال.

وبالرجوع إلى وثائق اللجان البرلمانية يبين ماركس أن الغالبية الساحقة من الطبقة العاملة ناقصة التغذية، آيلة إلى الانحلال، فريسة للأمراض، بينما تكدس الطبقات المالكة المزيد فالمزيد من الثروات.

يستنتج ماركس أن أدواء الطبقة العاملة لا علاج لها، بخلاف مزاعم الاقتصاديين البرجوازيين، لا بتحسين الآلات، ولا بتطبيق العلم على الصناعة، ولا باكتشاف مستعمرات جديدة، ولا بالهجرة، ولا بخلق أسواق جديدة، ولا بحرية التجارة. ومن هنا يخلص إلى الاستنتاج، كما في «البيان الشيوعي»ن بأنه ما دام النظام الاجتماعي متمسكا بأسسه القديمة، فإن كل تطور جديد لقوة إنتاج العمل لن يؤدي إلا إلى توسيع الهوة التي تفصل الآن بين مختلف الطبقات وإلا إلى تأجيج نار التطاحن الدائرة رحاه بينها.

وبعد أن ينوه ماركس بالأسباب التي أسهمت في هزيمة الطبقة العاملة في 1848 وأوجدت فيها ذلك الخمول المميز للحقبة الممتدة من 1849 إلى 1859، يعرض المكاسب الزهيدة التي انتزعها العمال في تلك الحقبة.

هناك أولا قانون تحديد يوم العمل بعشر ساعات. يبين ماركس أن تخفيض يوم العمل، بخلاف مزاعم أذناب الرأسمال، لا يلحق الضرر بمردود العمل، بل على العكس يزيده. وناهيك عن ذلك، أكد القانون المذكور انتصار مبدأ تدخل الدولة في مضمار العلاقات الاقتصادية على المبدأ القديم القائل بحرية المزاحمة. ويخلص ماركس إلى التوكيد، كما في البيان الشيوعي، على حاجة الطبقة العاملة إلى إخضاع الإنتاج لرقابة المجتمع بكامله ولقيادته وتوجيهه، لأن مثل هذا الإنتاج الاجتماعي هو المبدأ الأساسي للاقتصاد السياسي للطبقة العاملة. وعليه، فإن قانون تحديد يوم العمل بعشر ساعات لم يكن مجرد نجاح عملي، بل كان أيضا دليلا على انتصار الاقتصاد السياسي للطبقة العاملة على الاقتصاد السياسي للبرجوازية.

ومن المكاسب الأخرى المعامل التعاونية التي تم تأسيسها بمبادرة من العمال. لكن ماركس، بخلاف لاسال، الذي كان يعتبر الجمعيات الإنتاجية نقطة انطلاق لتحويل المجتمع برمته، لا يبالغ في أهميتها العملية. بل على العكس، فهو لا يدعو إليها إلا لكي تتبين الجماهير العمالية أن الإنتاج الكبير الموجه وفق المناهج العلمية يمكن أن يتم ويتطور بدون طبقة الرأسماليين المستغلين لليد العاملة، وأن وسائل الإنتاج لا ينبغي أن تكون حكرا لأفراد بعينهم وأن تتحول إلى أداة عنف واسترقاق، وأن نظام الإجارة، كالقنانة، ليس أبديا، وغنما هو طور انتقالي، شكل أدنى للإنتاج لا مناص من أن يحل محله الإنتاج الاجتماعي. وبعد تثبيت ماركس لتلك الاستنتاجات الشيوعية يشير إلى أنه ما دامت تلك الجمعيات الإنتاجية مقصورة على حلقة ضيقة من العمال فلن تكون مؤهلة للتخفيف، ولو في أدنى الحدود، من وطأة وضع الطبقة العاملة.

إن الإنتاج التعاوني يجب أن يشمل البلاد قاطبة. وإذ يطرح ماركس على هذا النحو مهمة تحويل الإنتاج الرأسمالي إلى إنتاج اشتراكي، يلفت الانتباه للحال إلى أن ذلك التحويل سيلقي المعاكسة بكل وسيلة ممكنة من قبل الطبقات السائدة، وأن الملاك العقاريين والرأسماليين سيستغلون سلطانهم السياسي لحماية امتيازاتهم الاقتصادية. لهذا يكمن الواجب الأول للطبقة العاملة في الاستيلاء على مقاليد السلطة السياسية، وهذا ما يتطلب تنظيم أحزاب عمالية في كل مكان. ويتوفر للعمال عامل نجاح: كثرتهم، تعدادهم. لكن هذه الكثرة لا تكون قوية إلا متى كانت متلاحمة، مصمتة، متحدة، هاديها العلم. أما في حال انعدام التلاحم العميق والتضامن والتعاضد في النضال من أجل التحرر، وأما في حال غياب تنظيم قومي وأممي، فالهزيمة مكتوبة على العمال. ويضيف ماركس القول: على ضوء هذه الاعتبارات قرر العمال من أقطار شتى تأسيس الرابطة الأممية للشغيلة.

لقد استخلص ماركس كما نرى، بمهارة مدهشة، وفي شكل معتدل، من الوضع الفعلي للطبقة العاملة جميع الاستنتاجات الأساسية المتضمنة في البيان الشيوعي: التنظيم الطبقي للبروليتاريا، الإطاحة بسيطرة البرجوازية، استيلاء البروليتاريا على مقاليد السلطة السياسية، إلغاء العمل بالأجرة، تأميم جميع وسائل الإنتاج.

بيد أن ماركس –وعلى هذا ينهي الخطاب الافتتاحي- يبرز مهمة سياسية أخرى بالغة الأهمية ويقدمها على غيرها من المهام. فعلى الطبقة العاملة ألا تحد نفسها بالدائرة الضيقة للسياسة القومية. وإنما يتوجب عليها أن تتابع بانتباه جميع مسائل السياسة الخارجية. وإذا كان نجاح عملية تحرير الطبقة العاملة يرتهن بالتضامن الأخوي بين عمال جميع الأقطار، فإن الطبقة العاملة لا تستطيع إنجاز مهمتها إذا قامت الطبقات التي توجه السياسة الخارجية باستغلال الأحكام المسبقة والتعصب القومي كي تؤلب عمال شتى الأقطار على بعضهم بعضا، وكي تسفك في حروب النهب والسلب دم الشعب وتهدر ممتلكاته. وعليه، فقد آن الأوان كي يطلع العمال على جميع أسرار السياسة الدولية. عليهم أن يراقبوا دبلوماسية حكوماتهم، وأن يقاوموها عند الاقتضاء بجميع الوسائل، وأن يوحدوا صفوفهم ويرصوها في عملية احتجاج جماعي على المكائد والدسائس الإجرامية للحكومات. آن الأوان للتخلص من الوضع القائم الذي يباح فيه الخداع والنهب والسلب في العلاقات بين الشعوب، أي الذي تنتهك فيه جميع القواعد التي تعتبر إلزامية في العلاقات بين الأفراد.

لقد عرضت عليكم الأفكار الأساسية التي تضمنها ذلك البيان المرموق. وفي المرة القادمة سأتناول الدستور والأطروحات الأساسية الواردة فيه، لأنه بصدد هذا الموضوع نشب صراع ضارٍ بين ماركس وباكونين.

« السابق التالي »