بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الكاتب بقلم ريازانوف

محاضرات في تاريخ الماركسية

« السابق التالي »

المحاضرة الثامنة [دستور الأممية الأولى – اجتماع لندن – مؤتمر جنيف – مذكرة ماركس التقريرية –المؤتمران الأمميان في لوزان وبروكسيل – باكونين وماركس – مؤتمر بال – الحرب الفرنسية البروسية – عامية باريس – الصراع بين ماركس وباكونين – مؤتمر لاهاي]

توقفت في المرة الماضية مليا عند تاريخ تأسيس الأممية وعند الخطاب الافتتاحي. وسأعرّفكم اليوم بدستور الأممية. فقد كتبه ماركس أيضا وهو يتألف من قسمين: قسم المبادئ وقسم التنظيم.

لقد رأيتم مدى براعة ماركس في تضمين الخطاب الافتتاحي المبادئ الأساسية للشيوعية. لكن كان من الأهم ومن الأصعب بكثير تضمينها في دستور الأممية. فالخطاب الافتتاحي ما كان ينشد غير هدف واحد: تفسير الدوافع التي حفزت العمال المجتمعين في 28 ايلول 1864 إلى تأسيس الأممية. لكنه لم يكن بعد إلا برنامجا، إلا مدخلا: لم يكن إلا إعلانا رسميا يزف للعالم قاطبة –كما يشير عنوانه- بشرى تأسيس اتحاد أممي جديد، رابطة الشغيلة.

أصاب ماركس قدرا مماثلا من التوفيق في أداء المهمة الثانية: صوغ المهام العامة للحركة العمالية في مختلف الأقطار. وسأتلو عليكم تلك الصياغة:
«نظرا إلى أن انعتاق الشغيلة يجب أن يكون من صنع الشغيلة أنفسهم، وأن جهود الشغيلة من أجل انعتاقهم لا ينبغي أن ترمي إلى تكوين امتيازات جديدة، وإنما إلى إقرار حقوق وواجبات متماثلة للجميع،
وإلى أن استرقاق الرأسمال للشغيل هو مصدر كل عبودية: سياسية ومعنوية ومادية،
وإلى أن انعتاق الشغيلة الاقتصادي هو، لذلك السبب، الهدف الكبير الذي يجب أن تكون كل حركة سياسية ملحقة به باعتبارها وسيلة،
وإلى أن جميع الجهود التي بذلت حتى الآن قد فشلت بنتيجة انعدام التضامن بين عمال شتى المهن في كل قطر، وعدم وجود اتحاد أخوي بين الشغيلة من مختلف الأمصار،
وإلى أن انعتاق الشغيلة ليس محض مشكلة محلية أو قومية، وأن هذه المشكلة تهم على العكس جميع الأمم المتمدينة، على اعتبار أن حلها مرتهن بالضرورة بمساهمتها النظرية والعملية،
وإلى أن الحركة، التي تتحقق بين عمال الأقطار الأوربية الأكثر تصنيعا والتي تتولد عنها آمال جديدة، توجه تحذيرا جليلا من عدم السقوط مجددا في الأخطاء القديمة، وتسدي النصح بالتنسيق بين جميع الجهود التي ما تزال مبعثرة،…».

إن القراءة المتأنية لهذه النقاط ستذكركم ولا بد ببعض أطروحات برنامج حزبنا التي لا تعدو أن تكون تكرارا حرفيا للأطروحات التي صاغها ماركس. والملاحظة نفسها تتأتى من مطالعة البرامج القديمة للأحزاب الإنكليزي والفرنسي والألماني. وتوجد في البرنامج الفرنسي وفي برنامج أرفوت بوجه خاص بعض نقاط تكرر حرفيا الأطروحات الافتتاحية في دستور الأممية الأولى.

صحيح أن أعضاء اللجنة المؤقتة للأممية ما كانوا يفسرون بعضا من تلك الأطروحات تفسيرا متماثلا. ومن ذلك أن الإنكليز والفرنسيين والألمان كانوا يقرون جميعهم بأن انعتاق الطبقة العاملة يجب أن يكون من صنع الشغيلة أنفسهم، لكن كان كل واحد منهم يفهم الأمر على طريقته. فقد كان التريديونيونيون والأحزاب الإنكليزية القديمة يرون في تلك الأطروحة احتجاجا على الوصاية المستديمة للطبقات المتوسطة، وتوكيدا لضرورة تنظيم عمالي مستقل. أما الفرنسيون، الذين كانوا وقتئذ منزعجين للغاية من المثقفين، فقد قدروا أن تلك الأطروحة تحذرهم من المثقفين الخونة، وأن في وسع العمال الاستغناء عن مساعدة هؤلاء الأخيرين. ولعل الألمان من أعضاء رابطة الشيوعيين القديمة هم وحدهم الذين كانوا يفهمون الاستنتاجات المترتبة على تلك الأطروحة. فلئن كانت الطبقة العاملة وحدها قادرة على تحرير نفسها، فإن كل ائتلاف مع البرجوازية وكل تفاهم مع الطبقة الرأسمالية يتناقضان تناقضا سافرا مع ذلك المبدأ. ولقد كان هناك تشديد على أن التحرر ليس تحررا لهذه الفئة أو تلك من فئات العمال، وإنما للطبقة العاملة، وأنه لا غنى بالتالي عن تنظيم طبقي للبروليتاريا. ومن الأطروحة التي تنص على أن احتكار الرأسمالية لوسائل الإنتاج هو العلة الأساسية للاسترقاق الاقتصادي يتضح أنه من الضروري إلغاء ذلك الاحتكار. ولقد كان هذا الاستنتاج يدعم ببيان ضرورة إلغاء كل سيطرة طبقية، الشيء الذي يستحيل بدون إلغاء انقسام المجتمع إلى طبقات.

لا يقول الدستور بصورة مباشرة، كما يفعل الخطاب الافتتاحي، أن البروليتاريا ملزمة، كي تدرك جميع الأهداف التي تضعها لنفسها، بالاستيلاء على مقاليد السلطة السياسية. وإنما يصوغ تلك الأطروحة صياغة مغايرة. إنه يقول فقط أن الانعتاق الاقتصادي للطبقة العاملة هو «الهدف الكبير الذي يجب أن تكون كل حركة سياسية ملحقة به باعتبارها وسيلة».

وبما أن هذه الأطروحة أثارت في زمن لاحق خلافات بالغة العنف في وجهات النظر في الأممية الأولى، فمن الضروري أن نتوقف عندها.

ماذا كانت تعني تلك الأطروحة؟ أن الهدف الكبير للحركة العمالية هو الانعتاق الاقتصادي للطبقة العاملة، ولا سبيل إلى إدراكه إلا بمصادرة وسائل الإنتاج وإلغاء كل سيطرة طبقية. لكن بأي صورة سيتم بلوغ هذا الهدف؟ هل ينبغي تحاشى النضال السياسي، كما كان يقترح الاشتراكيون والفوضويون الخلَّص؟

تجيب الأطروحة كما صاغها ماركس: كلا. فالنضال السياسي للطبقة العاملة لا يقل ضرورة عن النضال الاقتصادي. ومن الواجب أن يكون هناك تنظيم سياسي، ولا مناص من أن تتطور الحركة السياسية للطبقة العاملة، لكن ذلك النضال ليس غاية في ذاته كما لدى الديموقراطية البرجوازية ولدى المثقفين الراديكاليين الذين يعطون مكانة الصدارة لتغيير الأشكال السياسية وإقامة الجمهورية، ويرغبون في الوقت نفسه في صم آذانهم عن المهمة الأساسية. لهذا ينوه ماركس بأن الحركة السياسية ما هي، بالنسبة إلى الطبقة العاملة، سوى وسيلة لإدراك هدفها، ما هي إلا حركة ملحقة. ولكن لا بد من الإقرار بأن تلك الصيغة لم تكن واضحة وضوح صيغة البيان الشيوعي، أو حتى صيغة الخطاب الافتتاحي، حيث ورد القول أن الاستيلاء على مقاليد السلطة السياسية صار الفريضة الأولى للطبقة العاملة.

كان صيغة ماركس واضحة في نظر الأعضاء الإنكليز في الأممية. فالدستور كتب بالإنكليزية، وماركس استخدم المصطلحات المألوفة لدى قدامى الميثاقيين والأوينيين الأعضاء في اللجنة. كان الميثاقيون، كما تذكرون، يكافحون الأوينيين الذين كانوا يكتفون بالإقرار بـ«الهدف الكبير»، ويصمون آذانهم عن النضال السياسي. ويوم وضع الميثاقيون ميثاقهم بنقاطه الست المشهورة، انحنى عليهم الأوينيون باللائمة لإغفالهم الاشتراكية إغفالا تاما. وكان الميثاقيون ينوهون وقتئذ من جانبهم بأن النضال السياسي ليس الهدف الرئيسي في نظرهم هم أيضا. وكانوا يستخدمون عين الصيغة التي استخدمها ماركس بعد عشرين عاما. كان الميثاقيون يردون على الأوينيين: ما النضال السياسي في نظرنا غاية في ذاته وإنما محض وسيلة. وعليه، ما كانت صياغة ماركس تثير أي شك في داخل اللجنة ذاتها. ولم تغد تلك النقطة مثارا فعليا للشقاق إلا بعد انقضاء بضع سنوات، يوم بدأت المناقشات المحمومة بين الباكونيين وخصومهم بصدد مسألة النضال السياسي. فقد زعم الباكونينيون أن عبارة «باعتبارها وسيلة» ما كانت ماثلة من الأصل في الدستور، وأن ماركس دسها عن قصد في زمن لاحق كي يمرر خلسة نظريته في الدستور. وبالفعل، إذا طرحنا جانبا عبارة «باعتبارها وسيلة»، صار لتلك النقطة معنى مغاير تماما. والحال أن هذه العبارة كانت قد سقطت بالفعل من النص الفرنسي.

كان قد وقع سوء تفاهم بسيط، وكان من السهل إزالته، لكنه أدى، في حمى الصراع، بخصوم ماركس إلى اتهامه بتزوير دستور الأممية. فحين ترجم الدستور إلى الفرنسية لإذاعته في فرنسا، حذفت من الطبعة الشرعية عبارة «باعتبارها وسيلة». يقول النص الفرنسي: «الانعتاق الاقتصادي للشغيلة هو الهدف الكبير الذي يجب أن تكون كل حركة سياسية ملحقة به». وقد قر الرأي على ضرورة الحذف تحاشيا لاسترعاء انتباه الشرطة التي كانت تراقب بعناية كل حركة سياسية في أوساط العمال. وبالفعل، كانت الشرطة تعتبر في البداية الأممين الفرنسيين «اقتصاديين» لا «سياسيين». وعلى هذا النحو أيضا كان ينظر إليهم البلانكيون الذين كانوا، بصفتهم «سياسيين»، ينهالون بالشتائم على الأممين الذين ما كانوا في نظرهم إلا «اقتصاديين» بائسين.

ومما زاد الطين بلة أن الترجمة الفرنسية المحرفة للدستور طبعت في سويسرا الفرنسية، ومن هناك أذيعت في البلدان التي يشيع فيها استعمال الفرنسية، أي إيطاليا واسبانيا وبلجيكا. وكما سترون فيما بعد، كانت كل أمة في المؤتمر الأممي الأول الذي صادق على الدستور المؤقت للأممية تقبل بنقاط ذلك الدستور وفق النص الذي كان بين يديها. وكانت الأممية الأولى أفقر من أن تطبع نصها باللغات الثلاث. فالنص الإنكليزي نفسه، وهو لا يؤلف مع الخطاب الافتتاحي سوى ملزمة طباعية واحدة بالكاد، لم يطبع منه إلا ألف نسخة سرعان ما نفذت. ويؤكد غليوم، وهو واحد من ألد خصوم ماركس وواحد من الذين اتهموه بحنق بالتدليس، يؤكد في تاريخه للأممية أنه لم تقع عينه لأول مرة على النص الإنكليزي مع عبارة «باعتبارها وسيلة» إلا في عام 1905. صحيح أنه لو شاء لكان أمكنه بسهولة أن يقتنع قبل ذلك التاريخ بأن ماركس ليس مدلسا، لكن ما كان ذلك لغير موقفه في أغلب الظن. ونحن نعلم تمام العلم أنه من الممكن أن ينشب اعنف الخصام بصدد مسائل تكتيكية حتى ولو كان جميع الأطراف يقفون على أرضية برنامج واحد موحد.

لكن ثمة في الدستور نقطة أخرى لم يحتج عليها الفوضويون، هذا صحيح، إلا أنها تثير الشكوك والشبهات من وجهة النظر الماركسية. سبق أن قلت في المرة الأخيرة أن ماركس وجد نفسه مضطرا، كي ينتزع إجماع العناصر غير المتجاسنة التي تتألف منها اللجنة، إلى القبول ببعض تنازلات. لكن هذه التنازلات لم تجد مكانها في الخطاب الافتتاحي، وإنما في الدستور. وسأبين لكم ما كنهها.

بعد أن يعرض ماركس المبادئ التي قرر على أساسها أعضاء اللجنة المنتخبون في اجتماع 28 أيلول 1864 تأسيس الرابطة الأممية للشغيلة، يتابع فيقول:
«يعلن المؤتمر.. أن هذه الرابطة الأممية، وكذلك جميع الجمعيات أو الأفراد المنتسبين إليها، يقرون بأن قاعدة سلوكهم تجاه بني الإنسان قاطبة يجب أن تكون: الحقيقة، العدالة، الأخلاق، بلا تمييز في اللون أو المعتقد أو القومية.
يعتبر المؤتمر أن الواجب يقضي بالمطالبة بحقوق الإنسان والمواطن لا لأعضاء الرابطة فحسب، بل أيضا لكل من يتمم واجباته. لا واجبات بدون حقوق، ولا حقوق بدون واجبات».
فيمَ تكمن التنازلات التي ارتضاها ماركس؟ تذكروا ما كتبه بنفسه حول هذا الموضوع إلى انجلز: «لقد قبلت جميع مقتراحاتي من قبل اللجنة الفرعية. بيد أنهم أجبروني في مدخل الدستور على إدراج عبارتين أو ثلاث عبارات مع كلمات من أشباه «واجب»، «حق»، «حقيقة، أخلاق، عدالة»، لكن ذلك كله تم على نحو لا يمكن معه أن ينجم عنها ضرر».

وبالفعل، ليس في ذلك ضرر شديد. فمن الممكن الكلام عن الحقيقة والعدالة والأخلاق، بشرط أن يتذكر المرء أنه لا الحقيقة ولا العدالة ولا الأخلاق هي أمور خالدة وثابتة، أو أمور مطلقة مستقلة عن الشروط الاجتماعية. ماركس لا ينكر الا الحقيقة، ولا العدالة، ولا الأخلاق، وإنما يبرهن فقط على أن تطور تلك المفاهيم يتحدد بالتطور التاريخي وأن كل طبقة تعزو إليها معنى مختلفا.

لكن ما كان سيدعو إلى الأسف هو أن يضطر ماركس إلى تكرار إعلان الاشتراكيين الإنكليز والفرنسيين، وإلى البرهنة على وجوب تحقيق الاشتراكية لأن الحقيقة والعدالة والأخلاق تقتضيه، وليس لأن ذلك أمر محتم وينبع منطقيا من الشروط التي أوجدتها الرأسمالية ومن الوضع الذي تشغله الطبقة العاملة، كما كان أثبت في الخطاب الافتتاحي. لم تكن تلك الكلمات، كما رصفها ماركس، سوى تقرير لواقع أن أعضاء الرابطة الأممية للشغيلة يلتزمون بأن يكون هاديهم في علاقاتهم المتبادلة الحقيقة والعدالة والأخلاق، أي بألا يخونوا بعضهم بعضا، وبألا يخونوا طبقتهم، وبألا يغش بعضهم بعضا وبأن يكونوا رفاقيين في سلوكهم. وهذه الأفكار التي كانت لدى الطوباويين مبادئ الاشتراكية وأساس مطالبها غدت لدى ماركس قواعد السلوك الأساسية بالنسبة إلى تنظيم بروليتاري.

لكن ورد القول في النقطة التي نمحصها هنا أن تلك المبادئ يجب أن تكون في أساس علاقات أعضاء الأممية مع بعضهم بعضا ومع سائر بني الإنسان بصرف النظر عن العرق والدين والقومية. وهذا بدوره معقول. ينبغي أن نتذكر أن الحرب الأهلية كانت مضطرمة الأوار وقتذاك في الولايات المتحدة، وأن الانتفاضة البولونية كانت قبيل ذلك قد سحقت سحقا نهائيا، وان القوات القيصرية كانت وقتذاك تنهي تطويع القفقاس، وأن الاضطهادات الدينية كانت تفتك فتكا ذريعا في عدد من الدول، وأنه حتى في إنكلترا لم يحصل اليهود على الحقوق الأساسية إلا في عام 1858 وأنهم ما كانوا يتمتعون بعد بكامل الحقوق المدنية في سائر الدول الأوربية. وما كانت البرجوازية قد عرفت كيف تحقق بعد المبادئ «الأزلية» للأخلاق والعدالة تجاه أعضاء طبقتها بالذات في بلادها بالذات، وكانت تنتهكها بلا تكلف ولا رسميات تجاه البلدان الأخرى أو القوميات الأخرى.

بيد أن النقطة الثانية المتعلقة بالحقوق والواجبات تستثير اعتراضات أكثر بكثير. فهي تفرض، ولا ندري لماذا، على كل عضو في الرابطة إلزام المطالبة بحقوق الإنسان والمواطن: ليس لنفسه فحسب، هذا صحيح، وإنما للآخرين أيضا. إلا أن هذه الإضافة لا تزيد المعنى وضوحا. والواقع أن ماركس اضطر، بالرغم من كل دبلوماسيته، أن يقبل بتنازل كبير لصالح المهاجرين الثوريين الفرنسيين الأعضاء في اللجنة.

دعوني أذكركم الآن ببعض وقائع تاريخ الثورة الفرنسية الكبرى. كان من أوائل أفعال تلك الثورة إعلان حقوق الإنسان والمواطن. فقد كانت البرجوازية الثورية، في صراعها ضد النبالة والحكم المطلق، اللذين استأثرا بجميع الامتيازات ولم يتركا للآخرين غير الالزامات، فقد نادت بالمساواة والإخاء والحرية، وكذلك بالقرار لكل إنسان ومواطن بجملة من الحقوق التي لا يجوز المساس بها، ومن ضمنها حق الملكية الذي غالبا ما كانت تنتهكه الأرستقراطية والسلطة الملكية على حساب الطبقة الثالثة.

ولم يضف اليعاقبة، إلى إعلان حقوق الإنسان والمواطن ذاك، سوى بعض التعديلات التي لم تمس النقطة المتعلقة بالملكية الفردية، وان جعلت ذلك الإعلان أكثر جذرية من وجهة النظر السياسية بتكريس حق الشعب في الثورة والتنويه بالإخاء بين الشعوب طرا. وذلك هو الشكل الذي يعرف به تحت اسم «إعلان حقوق 1793» الذي أمسى برنامج الثوريين الفرنسيين ابتداء من 1830.

كان أتباع ماتزيني يلحون، كما رأينا، على تبني برنامجه. وكان ماتزيني في كتابه المشهور«عن وجائب الإنسان»، الذي ترجم إلى الإنكليزية ولاقى ذيوعا واسعا في أوساط العمال الإنكليز، قد خالف الماديين الفرنسيين وإعلانهم لحقوق الإنسان القائمة على العقل والطبيعة، فوضع في أسس نظريته الأخلاقية المثالية مفهوم الواجب، مفهوم فرائض الإنسان التي وضعها فيه الله نفسه.

أنتم تفهمون الآن من أين جاءت صيغة ماركس: لا حقوق بلا واجبات، ولا واجبات بلا حقوق. ولئن وجد نفسه مضطرا إلى أن يدرج في وثيقته مطلب إعلان حقوق الإنسان، فقد استغل الخلاف بين الفرنسيين والإيطاليين لينوه في صيغته بالفارق بين هذا المطلب وبين مطلب البرجوازية القديم. فالبروليتاريا تطالب بدورها بحقوق لنفسها، لكنها تعلن من البداية أنها لا تقر بحقوق للفرد بدون واجبات تجاه المجتمع.

حين أعيد النظر بعد بضع سنوات في الدستور، اقترح ماركس إسقاط الكلمات التي يرد فيها ذكر إعلان حقوق الإنسان. أما أطروحة: «لا حقوق بلا واجبات، ولا واجبات بلا حقوق» فقد ظلت قائمة وأدرجت فيما بعد في برنامج ارفورت بعد تعديلها على النحو التالي: «حقوق متساوية وواجبات متساوية».

لننظر الآن في الدستور نفسه:
«تقام رابطة لتأمين نقطة مركزية للاتصال والتعاون بين العمال من شتى الأقطار الناشدين لهدف واحد، هو: المؤازرة المتبادلة والتقدم والانعتاق الكامل للطبقة العاملة.
يكون اسم تلك الرابطة الأممية للشغيلة. في عام 1865 يدعى للانعقاد في بلجيكا مؤتمر أممي عمالي يضم ممثلي جميع الجمعيات العمالية المنتسبة إلى الأممية. وعلى هذا المؤتمر أن يشهر في وجه أوربا المطالب العامة للطبقة العاملة، وأن يصادق على الشكل النهائي لدستور الأممية، وأن يدرس الوسائل الضرورية لنجاح عملها، وأن يسمى مجلسا مركزيا.
يجتمع المؤتمر سنويا.
يقيم المجلس المركزي في لندن ويتألف من عمال من مختلف الأقطار الممثلة في الرابطة الأممية. ويختار من أعضائه جميع الموظفين اللازمين لتسيير الأمور: رئيس، أمين صندوق، أمين سر عام، أمناء سر خاصون للعلاقات مع شتى الأقطار.
يرفع المجلس المركزي في كل سنة تقريرا عن عمله خلال السنة. ومن حقه، بعد تسميته من قبل المؤتمر، أن ينتخب أعضاء جددا. وفي الحالات الاستثنائية يستطيع أن يدعو المؤتمر على الانعقاد قبل أن يتصرم أجل السنة.
يقيم المجلس المركزي علاقات مع مختلف الروابط العمالية بحيث يطلع عمال كل قطر بصورة دائمة على تحركات طبقتهم في الأقطار الأخرى، وبحيث يجري في آن واحد وبروح واحدة تحقيق بصدد الحالة الاجتماعية، وبحيث تدرس المسائل التي ترفعها جمعية بعينها والتي تنطوي على فائدة عامة من قبل الجمعيات كافة، وبحيث يتاح للرابطة متى ما تطلبت فكرة عملية ما أو صعوبة دولية ما تدخلها أن تتدخل بصورة متساوقة. وإذا ما رأى المجلس المركزي من ضرورة، بادر إلى رفع مقترحات إلى الجمعيات المحلية أو القومية.
ما دام لا سبيل إلى ضمان نجاح الحركة العمالية في كل قطر إلا بالقوة الناجمة عن الاتحاد والتجمع، وما دامت جدوى المجلس المركزي ترتهن من جهة أخرى بعلاقته بالجمعيات العمالية، المحلية منها والقومية، فإن على أعضاء الرابطة الأممية أن يبذلوا قصارى جهودهم، كل في بلده، لجمع شمل شتى الجمعيات العمالية القائمة في رابطة قومية».

صادق المؤتمر في وقت لاحق على المبادئ الأساسية لذلك الدستور. ومن التعديلات الرئيسية التي أدخلت عليه إلغاء وظيفة رئيس المجلس المركزي الذي سمي فيها بعد بـ«المجلس العام»، بناء على مبادرة من ماركس. وكانت تجربة الاتحاد العمالي العام الألماني الذي أسسه لاسال قد أزاحت النقاب عن المحاذير المترتبة على ذلك المنصب الذي لا جدوى منه البتة. وصار المجلس العام ينتخب رئيسا لكي يدير الاجتماع، وكان أمناء مختلف الأقطار يجتمعون مع أمين السر العام لتصريف القضايا الجارية.

عمدت الحركة العمالية الأممية فيما بعد إلى استخدام دستور الأممية مرارا وتكرارا. ولن أدخل في تفاصيل التعديلات التي أدخلت عليه خلال ثماني سنوات، والتي حافظت على معالمه الأساسية علة كل حال. وسلطات المجلس العام هي وحدها التي جرى توسيعها في نهاية الأممية الأولى.

كانت المهمة الرئيسية للمجلس المؤقت دعوة المؤتمر الأممي للانعقاد. وبصدد هذه النقطة دارت مناقشات حامية. فقد ألح ماركس على ضرورة القيام في البداية بجميع الأعمال التمهيدية، وذلك لكي يتاح لشتى الأقطار الوقت للإطلاع على مهام الأممية ولتنظيم نفسها إلى حد ما. أما الإنكليز، الذين كانوا يقدمون مصالح حركتهم المهنية على ما عداها، فقد ألحوا على دعوة المؤتمر للانعقاد بأسرع ما يمكن. وكان حلفاؤهم في ذلك المهاجرين الفرنسيين في المجلس العام.

انتهت القضية بتسوية. ففي عام 1865 دعى للانعقاد لا مؤتمر وإنما مشار (كونفراس). وقد انعقد في لندن، وتليت فيه تقارير، ووضع جدول أعمال المؤتمر المقبل. وقد كانت ممثلة فيه سويسرا وإنكلترا وبلجيكا وفرسنا. ولم يكن الموقف يبشر بخير كثير. وتقررت دعوة المؤتمر إلى الانعقاد في أيار 1866.

بيد أن الأمور كانت تسير على أسوأ ما يكون في ألمانيا بالذات حيث كان موجودا وقتئذ الاتحاد العمالي العام. فبعد أن لقي لاسال مصرعه في مبارزة في 30 آب 1864، ناب منابه، كما يقضي دستور الاتحاد، برنار بيكر، وهو رجل عديم الأهلية وواهي النفوذ. وكان أوسع نفوذا منه بكثير شفايتزر، مدير تحرير صحيفة الاتحاد المركزية، الاشتراكي-الديموقراطي. لكن سرعان ما برزت بين هذا الأخير وبين ف.ليبكنخت، الذي كان من أسرة التحرير، خلافات قوية في وجهات النظر بصدد مسائل السياسية الداخلية. وسرعان ما اضطر ماركس وانجلز، اللذان كانا قد قبلا بالتعاون مع الصحيفة، على الاستنكاف علنا عن المساهمة فيها. وقد بذل المرحوم مهرينغ قصارى جهده كي يدافع عن شفايتزر ويبين أن ماركس وانجلز ما كانا على أتم حق في تلك القضية. لكنه يخطئ خطأ فادحا. والوقائع كلها ضده.

كان تكتيك لاسال، كما ترون، مشوبا بعيوب جلى. وكان لاسال يبيح لنفسه أساليب غير مقبولة في علاقاته مع الطغمة الحاكمة. وقد أوغل شفايتزر إلى أبعد من ذلك على هذا الطريق. فقد أدرج في صحيفته سلسلة من المقالات التي قال عنها مهرينغ نفسه أنها تركت، بإسفافها تجاه بسمارك، أثرا سيئا للغاية. لكن مهرينغ يسعى إلى تبرئة ذمة شفايتزر بإثباته أن شروط النضال الشرعي كانت تقتضي زعما ذلك التكتيك. وقد أضاف قوله أن ليبكنخت، الثوري العتيق، ما كان بمستطيع أن يتكيف مع تلك الشروط، فألب على شفايتزر قدامى أصدقائه ومعلميه. وعلى هذا النحو، لم يجد شفايتزر مناصا من الانفصال عن ليبكنخت الذي انحاز إلى جانبه لا ماركس وانجلز فحسب، بل أيضا العديد من خصومهما القدامى، من أمثال هس، ممن أعياهم هم أيضا التسليم بتكتيك شفايتزر. وكما حدث عندنا في روسيا أثناء المناقشات التي دارت بين البلاشفة والمصفين حين أطلق لينين على هؤلاء الأخيرين اسم الحزب العمالي «الستوليبيني»، كذلك سمي حزب شفايتزر يومئذ من قبل المناضلين السريين القدامى الحزب «البسماركي».

مهما يكن من أمر، فقد كان أصدقاء ماركس في ألمانيا، يوم اجتماع مشار لندن، قد أمسوا بلا صحيفة، وانصرفوا بكليتهم إلى تأسيس تنظيمهم الخاص بهم. أما اللاساليون فما كان يحلو لهم عهدئذ أن يسمعوا، ولو مجرد سماع، بالأممية. وكانت عاقبة ذلك الانشقاق أن الألمان لم يشاركوا في الأممية خلال السنوات الأولى إلا بواسطة قدامى المهاجرين المقيمين في إنكلترا وسويسرا.

أظهرت التقارير المرفوعة إلى مشار لندن أن مالية الأممية في وضع يرثي له حقا. فعلى امتداد السنة لم يجبَ سوى زهاء 750 فرنكا. ولم تتجاوز كل عمليات الصندوق وكل الإيرادات خلال تلك لسنة 33 جنيها إسترلينيا. وكان من الصعب بمبلغ كهذا النفاق على سعة. فهو بالكاد كان يكفي لتسديد إيجار المقر والمصاريف الملحة.

أثارت المناقشات بصدد جدول الأعمال عين الاختلافات في وجهات النظر التي كانت قد أثارت آنفا بين الفرنسيين المقيمين في لندن والفرنسيين الممثلين للتنظيم الباريسي. فهؤلاء الأخيرون ما كانوا يرغبون عهدذاك في طرح مسألة استقلال بولونيا بوصفها مسألة سياسية صرفا. وعلى العكس منهم كان المهاجرون الفرنسيون بدعم من قبل بعض الإنكليز، يلحون على إدراج بند بصدد الدين في جدول الأعمال وينادون بنضال لا هوادة فيه ضد الإيمان بالأباطيل الدينية. وقد وقف ماركس موقف المعارضة من اقتراحهم. فقد كان يرى بسداد رأي أن إدراج ذلك البند في جدول أعمال المؤتمر الأول لا يمكن إلا أن تترتب عليه منازعات لامجدية بالنظر إلى المستوى القليل الارتفاع للحركة العمالية إلى ضعف الارتباط بين العمال من شتى الأقطار.

وتصرمت سنة أخرى قبل أن يدعى المؤتمر الأول للانعقاد، ولكن لم يكن مناص من تأجيله مرة أخرى إلى أيلول 1866. وفي إبان ذلك وقعت سلسلة من الأحداث التي يتوجب عليّ أن أحدثكم عنها قليلا. كان تلك السنة بالنسبة إلى إنكلترا سنة نضال سياسي مكثف. فقد خاض التريديونيون، بقيادة العمال الأعضاء في المجلس المركزي، غمار صراع شرس لتوسيع الحق الانتخابي. وقد جرى هذا النضال، أكرر ذلك، تحت قيادة الأممية. وقد بذل ماركس كل ما أوتي من طاقة كي يحول دون تكرار العمال الإنكليز لأخطائهم القديمة وكي يخوضوا غمار هذا النضال بصورة مستقلة، من دون أن يدخلوا في تحالف مع الراديكاليين. لكن في مطلع 1866 عاد إلى الظهور التكتيك الذي غالبا ما أضر بالحركة العمالية الإنكليزية في زمن الميثاقية والذي ما يزال إلى اليوم يلحق بها حيفا كثيرا. فنظرا إلى تحديد الهدف بأنه انتزاع حق الانتخاب العام، بادر قادة العمال، ولأسباب مالية جزئيا، إلى التفاهم والاتفاق مع القسم الأكثر راديكالية من الديموقراطية البرجوازية التي كانت تطالب هي أيضا بحق الانتخاب العام. وجرى تنظيم لجنة مشتركة لتوجيه النضال. وقد ضمت رجالا محترمين من أمثال الأستاذ بيسلي، وديموقراطيين صادقين، وكذلك ممثلين عن المهن الحرة ومحامين وقضاة وممثلين عن البرجوازية الصغيرة والمتوسطة، وبخاصة البرجوازية التجارية التي كانت تجنح من البداية إلى تسوية. وخيض النضال على الطريقة الإنكليزية. فقد نظمت مهرجانات خطابية ومظاهرات. وفي حزيران 1866 شهدت لندن تظاهرة هائلة لم تقع العين على نظير لها حتى في عهد الميثاقية. وتحت ضغط الجماهير المحتشدة في هايد بارك، حيث كانت قد توجهت المظاهرة وحيث كانت قد أقيمت مهرجانات خطابية عدة، انهارت أسيجة الحديقة. وفهمت الحكومة عنذئذ أن ساعة منح التنازلات قد أزفت.

بعد ثورة تموز، كانت قد قامت في إنكلترا أيضا، كما تذكرون، حركة قوية للمطالبة بالإصلاح الانتخابي. لكنها لم تتمخض إلا عن تسوية: فقد ذهب العمال ضحية خداع دنيء، وفازت البرجوازية الصناعية وحدها بحق الاقتراع. وكما في تلك المرة، اقترحت الحكومة، بعد أن رأت نفسها مضطرة إلى التنازل إزاء تصاعد موجة الغليان في صفوف عمال المدن، توسيعا جديدا للحق الانتخابي بحيث يشمل مذذاك فصاعدا جميع عمال المدن.

بديهي أن المطالبة بحق الانتخاب كانت للمواطنين الذكور فقط، وما كان يدور في خلد أحد أنه من الممكن أن يمنح للنساء. وقد اقترحت على العمال التسوية التالية التي سرعان ما قبل بها الأعضاء البرجوازيون في لجنة الإصلاح الانتخابي: يمنح حق الاقتراع لجميع العمال الذين لهم مسكن (ولو كان يتألف من حجرة واحدة) يدفعون فيه حدا أدنى محددا من الإيجار. وعلى هذا النحو منح حق الاقتراع لجميع العمال المدينيين تقريبا، ما عدا أولئك الذين يقيمون في المهاجع الجماعية (وما كان عددهم بالقليل يومئذ)، وبالمقابل يحرم منه جميع العمال الريفيين بلا استثناء. وكان زعيم المحافظين الإنكليز، دزرائيلي، هو صاحب تلك المناورة البارعة التي ارتضى بها الإصلاحيون البرجوازيون الذين حثوا العمال على القبول بذلك التنازل، مصورين لهم أنه سيكون في مستطاعهم، عقب انتخاب البرلمان الجديد، أن يطالبوا بتوسيع جديد للحقوق الانتخابية. بيد أن العمال الريفيين اضطروا إلى الانتظار عشرين سنة أخرى، أي حتى 1885، أما العمال الذين لا مسكن لهم ولا حجرة فلم يحصلوا أخيرا على حق الاقتراع إلا تحت ضغط ثورة 1905 الروسية.

وفي ألمانيا وقعت بين عامي 1865-1866 أحداث لا تقل أهمية. فقد دار صراع مستعر للهيمنة على ألمانيا بين بروسيا والنمسا. وقد جعل بسمارك هدفه أن يطرد النمسا نهائيا من الاتحاد الكونفدرالي الجرماني، وأن يجعل من بروسيا العمود الفقري لألمانيا، حتى وإن سلخت منها الأقاليم الألمانية التي تملكها النمسا. وقد سبق لي التطرق لهذه المسألة حين عرضت عليكم الاختلافات في الرأي بين ماركس وانجلز من جهة ولاسال من الجهة الأخرى.

انتهى النزاع بين النمسا وبروسيا بحرب. ففي أسبوعين أو ثلاثة أسابيع أنزلت بروسيا، التي تأبت عن التحالف مع إيطاليا ضد دولة ألمانية، هزيمة منكرة بالنمسا، وضمت مجموعة من الدول الصغيرة التي هبت لمساعدة هذه الأخيرة: مملكة هانوفر، مدينة فرانكفورت الحرة، دوقية هس الكبرى، الخ. وأقصيت النمسا بصورة نهائية عن الاتحاد الجرماني. ونظم اتحاد لألمانيا الشمالية، على رأسه بروسيا. ولكسب تأييد العمال وفقراء الناس، أدخل بسمارك مبدأ الانتخاب العام.

أما في فرنسا فقد اضطر نابليون إلى تقديم بعض تنازلات. فألغيت بعض مواد قانون العقوبات التي كانت موجهة ضد التكتلات التي ينظمها العمال. وخفت وطأة الملاحقات التي كانت تتعرض لها المنظمات الاقتصادية، وخاصة التعاونيات وجمعيات المساعفة المتبادلة. وقوي في أوساط العمال التيار المعتدل الساعي إلى استغلال الإمكانيات الشرعية. ومن جهة أخرى، ما ونت المنظمات البلانكية تتطور. فخاضت غمار مساجلة عنيفة ضد الأمميين الذين أخذت عليهم استنكافهم عن كل نضال ثوري ومغازلتهم للحكومة البونابرتية.

وفي سويسرا الفرنسية والألمانية والإيطالية قاطبة كان العمال مشغولين بقضاياهم المحلية، وكان المهاجرون والأجانب هم وحدهم الذين يعنون بأمر الأممية. وكان الفرع الألماني يصدر بإشراف بيكر مجلة الرائد، ويلعب دور اللسان المركزي في الخارج بالنسبة إلى العمال الألمان الذين انفصلوا عن اللاسالية وانتسبوا إلى الأممية.

انعقد المؤتمر في جنيف في أيلول 1866، بعد أن تغلبت بروسيا على النمسا وأحرز العمال الإنكليز، على ما يبدو، نصرا سياسيا كبيرا على البرجوازية. وبدأ المؤتمر بفضيحة. فقد قدم من فرنسا، علاوة على البرودونيين، بلانكيون أرادوا المشاركة في أعمال المؤتمر. وكانوا جميعهم تقريبا من الطلبة الثوريين جدا، وفي عدادهم المفوض المقبل للعدالة في عامية باريس بروتو. ومع أنهم ما كانوا يحملون من تفويض البتة، فقد أثاروا من اللغط والجلبة أكثر مما فعل أي وفد آخر. وفي آخر المطاف، طردوا بخشونة. بل يقال أن بعضهم أراد إغراقهم في بحيرة جنيف، ولكن ذلك هذر محض. ومن المؤكد على كل حال أنه وقعت مصادمات وتبودلت لكلمات، كما يحدث لدى الفرنسيين الذين لا يكتفون على الدوام في صراعاتهم الفئوية بقرارات طرد وفصل كما يفعل السلافيون المسالمون.

حين أفلح المندوبون أخيرا في الانكباب على العمل، دارت المعركة الرئيسية بين البرودونيين ووفد المجلس العام المؤلف من ايكاريوس وعمال إنكليز. وتعذر على ماركس نفسه القدوم: فقد كان منصرفا يومئذ إلى تحرير الصيغة النهائية للمجلد الأول من الرأسمال، ناهيك عن أنه ما كان ليستطيع القيام بالسفرة إلا إذا تغلب على عوائق كثيرة نظرا إلى اعتلال صحته ومحاصرته بالمراقبة المشددة من قبل الجواسيس الفرنسيين والألمان. بيد أنه كتب للوفد مذكرة تقريرية مفصلة بصدد جميع بنود جدول الأعمال.

قدم المندوبون الفرنسيون تقريرا مفصلا، كان بمثابة عرض لأفكار برودون الاقتصادية. وقد احتجوا بقوة على عمل المرأة، وأعلنوا أن الطبيعة ذاتها حددت مكان هذه الأخيرة بالبيت، وأن على المرأة أن تهتم بأسرتها لا أن تعمل في المصنع. ونبذا صريحا منهم للاضرابات والنقابات دافعوا عن التعاون، وبخاصة عن تنظيم التبادل على أساس التعاضد. وكان الشرط المسبق لذلك في رأيهم عقد اتفاقات بين مختلف التعاونيات وتنظيم الاعتماد المجاني. بل أنهم ألحوا على أن يصادق المؤتمر على تنظيم الاعتماد الأمني، غير أنهم لم يفلحوا إلا في الحصول على قرار يوصي جميع فروع الأممية بالاهتمام بدراسة مسألة الاعتماد وتوحيد جمعيات الاعتماد العمالية كافة. بل ذهب بهم الأمر إلى حد معارضة التحديد القانوني ليوم العمل.

وتصدى لهم اللندنيون والألمان. وبصدد كل بند في جدول الأعمال كان الأخيرون يقترحون كقرار مقطعا مناسبا من تقرير ماركس الذي أعطي مكانة الصدارة لجميع المسائل المتفرغة عن مطالب الطبقة العاملة.

طالب التقرير الأممية بتكريس نشاطها كله للاتحاد ولتوحيد الجهود المبعثرة للطبقة العاملة المنافحة في سبيل مصالحها. وأكد على ضرورة إنشاء ارتباط يتيح لعمال جميع الأقطار لا أن يحسوا بتآخيهم في الكفاح فحسب، بل أن ينشطوا أيضا كمقاتلين في جيش تحرير موحد. ودعا إلى تنظيم المساعدة المتبادلة الأممية في الاضرابات، وإلى الحؤول دون إحلال عمال أجانب محل عمال قطر بعينه، ذلك الإحلال الذي هو واحد من الأساليب المفضلة عند المقاولين.

ومن المهام الرئيسية التي دعا إليها ماركس الدراسة المنهجية، العلمية، لوضع الطبقة العاملة في الأقطار كافة، وهي دراسة يجب الشروع بها بمبادرة من العمال أنفسهم. ومن الواجب إرسال جميع المواد التي يتم تجميعها إلى المجلس العام الذي سيتولى في هذه الحال صياغتها. وأشار ماركس إلى الخطوط العريضة للمسائل الرئيسية التي يجب أن تتركز عليها تلك الدراسة العمالية.

أثارت مسألة النقابات مجادلات حامية. فقد عارض الفرنسيون الاضرابات وأي تنظيم لمقاومة المقاولين وأرباب العمل. وما كانوا يرون من خلاص للعمال إلا في التعاون. وقد اقترح عليهم المندوبون اللندنيون بالمقابل، في شكل قرار، كل القسم المتعلق بالنقابات من تقرير ماركس. وقد أقره المؤتمر، لكنه أثار نفس سوى التفاهم الذي أثارته القرارات للأممية الأولى. فلحقبة طويلة من الزمن لم ينشر النص الدقيق، وما كان الألمان يعرفونه إلا من خلال ترجمة ناقصة قام بها بيكر في الرائد، وكانت الترجمة الفرنسية أشد رداءة أيضا. وقد نشرت شخصيا للمرة الأولى هذا القرار مترجما عن الأصل الإنكليزي في سوفريميوني مير في عام 1914.

يكرر القرار، في شكل أكثر وضوحا وجلاء، كل ما كان ماركس قد قاله في بؤس الفلسفة وفي البيان الشيوعي حول النقابات، النواة الأساسية لتنظيم البروليتاريا الطبقي. وناهيك عن ذلك، أشار إلى المهام المعاصرة للنقابات وإلى العيوب التي تتلبسها حتما متى ما تحولت إلى منظمات تعاونية ضيقة. ولذا يجدر بنا أن نتوقف عنده مليا.

كيف ظهرت النقابات إلى حيز الوجود؟ كيف تطورت؟ إنها نتيجة الصراع بين الرأسمال والعمل الأجير. ففي هذا الصراع يجد العمال أنفسهم في شروط مجحفة لهم. فالرأسمال قوة اجتماعية متركزة بين يدي الرأسمالي، بينما لا يملك العامل سوى قوة عمله الفردية. ولهذا لا مجال للحديث عن تعاقد حر بين الرأسمال والعامل. وحين يتحدث البرودونيون عن تعاقد حر وعادل، يظهرون فقط أنهم لا يفهمون أوالية الإنتاج الرأسمالي. فالعقد بين الرأسمال والعمل لا يمكن أن يعقد بشروط عادلة، حتى من منظور مجتمع يضع ملكية الوسائل المادية للحياة والعمل في جانب، والطاقة الإنتاجية الحية في الجانب الآخر. ووراء كل رأسمالي تقف قوة المجتمع. ولا يسع العمال أن يعارضوا هذه القوة إلا بعددهم، بالقوة الاجتماعية التي يملكونها. لكن قوة العدد، قوة الكثرة تتقلص إلى أدنى مستوى لها بنتيجة انقسام العمال، ذلك الانقسام الذي تختلقه وترعاه المزاحمة المحتومة فيما بينهم. لذا فمن أولى الضرورات إلغاء هذه المزاحمة بين العمال. والنقابات إنما ولدت من محاولات العمال لإلغاء هذه المزاحمة، أو لتخفيف حدتها على الأقل، وذلك بغية الحصول بواسطة عقد محدد على شروط عمل تتيح لهم أن ينفضوا عن رقابهم نير العبودية. وقد اقتصرت المهمة المباشرة للنقابات، في بادئ الأمر، على الحاجات اليومية: فقد فتشت عن الوسائل لوضع حد لتجاوزات الرأسمال وتعدياته المتواصلة، وبمختصر الكلام، اهتمت بمسائل الأجر ويوم العمل. ورغما عن توكيدات البرودونيون، ما هذا النشاط بمشروع فحسب، بل ضروري أيضا. وهو محتم ما دام النظام الراهن للإنتاج قائما. ومن الواجب نشره وتعميمه عن طريق تشكيل نقابات جديدة واتحادها في الأقطار كافة.

بيد أن النقابات تلعب أيضا دورا آخر لا يقل أهمية عما تقدم، دورا ما كان البرودونيون في عام 1866 يفهمونه أكثر مما كان يفهمه معلمهم في عام 1847. فقد كانت النقابات ولا تزال، وإن بصورة لاواعية، مراكز تنظيمية للطبقة العاملة، مثلها في ذلك مثل بلديات الكومونات في العصر الوسيط بالنسبة إلى البرجوازية. ولئن تكن النقابات ضرورية لحرب المحازبين بين الرأسمال والعمل، فإنها أعظم أهمية أيضا باعتبارها عاملا تنظيميا للإطاحة بنظام الإجارة بالذات.

من سوء الحظ أن النقابات لم تستوعب بعد تلك المهمة تمام الاستيعاب. فاستغراقها في صراعها المحلي والمباشر ضد الرأسمال حال بينها وبين التفهم التام لقوة عملها الموجه ضد نظام العبودبة المأجورة بالذات. لهذا وقفت وتقف على هامش الحركات العامة والسياسية.

يشير ماركس إلى الأعراض التي تنم عن أن النقابات بدأت تفهم رسالتها التاريخية. ومن تلك الأعراض يذكر مشاركة النقابات (التريديونيونات) الإنكليزية في النضال في سبيل تطبيق حق الانتخاب العام، والقرار الذي اتخذته في مؤتمرها في شيفيلد والذي أوصت فيه جميع النقابات بالانتساب إلى الأممية.

وفي الختام يلتفت ماركس، الذي كان حتى ذلك الحين قد حاجج البرودونيين في المقام الأول، نحو التريديونيين الخلَّص الذين يريدون حصر مهام النقابات بمسائل الأجور ويوم العمل. فعلى النقابات أن تتعلم، فضلا عن ذلك، كيف تنشط بوعي كمراكز تنظيمية للطبقة العاملة في سبيل انعتاقها الكامل. فعليها أن تؤازر كل حركة اجتماعية وسياسية تنزع إلى ذلك الهدف. ومن واجبها، متى ما اعتبرت نفسها مقاتلة وممثلة للطبقة العاملة، أن تجذب إلى صفوفها العمال قاطبة. وعليها أن تسهر بانتباه وعناية على مصالح العمال في الفروع المتدنية الأجور من الصناعة، فتركز اهتمامها، على سبيل المثال، على العمال الزراعيين الذين لا حول لهم ولا قوة بحكم وضعهم الخاص. وعليها أن تظهر للعالم طرا أن مطامحها ليست ضيقة وأنانية، وأنها ترمي إلى تحرير الآلاف ممن الرازحين تحت نير الاضطهاد في الكرة الأرضية.

انطوت المناقشات بصدد المسألة النقابية في مؤتمر جنيف على فائدة جلى. فقد حامى المندوبون اللندنيون بذكاء كبير عن مواقفهم. وفي نظرهم، ما كان القرار نفسه سوى مقطع مقتطف من تقرير طويل لماركس شاء سوء الحظ أن يكونوا هم وحدهم المطلعين عليه. وبالفعل، حين كان المجلس العام قد درس المسائل التي ينبغي إدراجها في جدول أعمال المؤتمر المقبل، برزت خلافات حادة في وجهات النظر بين أعضائه. ولهذا تلا ماركس في المجلس العام تقريرا مفصلا سلط فيه الضوء على أهمية النقابات في نظام الإنتاج الرأسمالي. وقد انتهز تلك السانحة ليعرض في شكل شعبي على مستمعيه نظريته الجديدة في القيمة وفضل القيمة، وليشرح لهم تعالق الأجر والربح وسعر البضائع. وتترك محاضر ضبط جلسات ذلك المجلس العام وقعا ووقرا في النفس لما فيها من روح جد ووقار جديرة بجمعية علمية برجوازية. وقد جرى وضع كل سطوة ذلك العلم الاقتصادي الماركسي الجديد ومنجزاته في خدمة الطبقة العاملة.

وبقدر مماثل من المهارة ذاد المندوبون اللندنيون عن قرار ماركس بصدد تحديد يوم العمل بثماني ساعات. فعلى النقيض من الفرنسيين، أكدوا مع ماركس أن «الشرط المسبق الذي بدونه لن يكتب النجاح لأي محاولة لتحسين أوضاع الطبقة العاملة وتحريرها هو بالتحديد القانوني ليوم العمل». فمن الضروري أن تعود إلى كل أمة عافيتها وطاقتها، وأن تضمن لها إمكانية التطور الفكري والتواصل الاجتماعي والنشاط السياسي. وبناء على اقتراح من المجلس العام حدد المؤتمر بثماني ساعات الحد القانوني ليوم العمل. ولما كان هذا التحديد مطلبا لعمال الولايات المتحدة، فقد جعل منه المؤتمر برنامجا عاما للطبقة العاملة في العالم قاطبة. ولم يسمح بالعمل الليلي إلا في حالات استثنائية، وذلك في فروع إنتاجية أو مهن معينة يتولى القانون تحديدها بدقة. لكن يتوجب السعي إلى إلغاء العمل الليلي إلغاء شاملا.
من سوء الحظ أن ماركس في المذكرة-التقرير لم يفحص بالتفصيل مسألة عمل المرأة. وقد ارتأى أن حسبه أن يقول أن المقطع المتعلق بتخفيض يوم العمل ينطبق برمته على جميع العمال الراشدين من ذكور وإناث. بيد أنه نوه بأن النساء لا يجوز استخدامهن في أي عمل ليلي، ولا يجوز تكليفهن بعمل يضر بجسمهن أو مزاولتهن لمهنة تعرضهن لمس مواد سامة أو مضرة بالصحة. والحال أنه لما كانت غالبية الفرنسيين والسويسريين تعارض معارضة جازمة عمل المرأة، فقد أقر المؤتمر أطروحات ماركس وقرار الفرنسيين. وعلى هذا النحو أعلن في حصيلة النقاش أنه من الأفضل تحظير عمل المرأة، وأنه من الواجب حيثما وجد أن يحد بالحدود التي أشار إليها ماركس.
وبالمقابل، أقرت أطروحات ماركس عن عمل الأولاد والمراهقين بتمامها، بدون أي تعديل برودوني. وقد جاء فيها أن ميل الصناعة الحديثة إلى إشراك الأولاد والمراهقين من كلا الجنسين في عملية الإنتاج الاجتماعي ميل تقدمي وسليم ومشروع، وإن أدى في ظل هيمنة الرأسمال إلى كارثة فظيعة. أما في مجتمع منظم تنظيما عقلانيا فإن كل ولد بلغ التاسعة من العمر يجب أن يكون، في تقدير ماركس، شغيلا منتجا. كذلك لا يمكن لأي راشد معافى الصحة أن يتملص من سريان قانون الطبيعة التالي عليه: العمل كيما تتاح له إمكانية الأكل، والعمل جسمانيا لا فكريا فحسب. وبهذا الصدد يقترح ماركس برنامجا كاملا للجمع بين العمل الجسماني والعمل الفكري. ويتضمن هذا البرنامج التنمية الفكرية العامة، التنمية ذات الاختصاصات التقنية المتعددة التي تطلع الأولاد على الأسس العلمية لجميع عمليات الإنتاج.

تطرق ماركس في مذكرته-التقرير إلى مسالة التعاون أيضا. وقد اغتنم الفرصة لا لكي ينتقد تقسيمات المتعاونين الخلَّص فحسب، بل لكي ينوه أيضا بالشرط الأساسي لنجاح الحركة التعاونية. وكما في الخطاب الافتتاحي، يعطي الأفضلية لا للتعاونيات الاستهلاكية، وإنما للتعاونيات الإنتاجية. ويضيف قائلا: «لكن ليس لنا أن نتوقع من التعاونيات، كائنة ما كانت، إلغاء النظام الرأسمالي. فهذا الإلغاء يقتضي تغييرات واسعة، جذرية، تشمل المجتمع قاطبة. ومثل هذه التغييرات غير ممكنة إلا بواسطة قوة اجتماعية منظمة، هي سلطة الدولة التي ينبغي أن تنتقل من أيدي الرأسماليين والملاك العقاريين إلى أيدي الطبقة العاملة». وعلى هذا النحو نرى ماركس يعلن، هنا أيضا، ضرورة استيلاء الطبقة العاملة على مقاليد السلطة السياسية.

تم إقرار مشروع الدستور الذي بتم تعرفونه الآن بدون أي تعديل. وقد لاقت محاولة الفرنسيين (الذين سبق لهم أن أثاروا تلك المسألة في مشار لندن) تفسير كلمة «العامل» بأنها تسري فقط على الأشخاص العاملين في عمل جسدي، وبالتالي استبعاد ممثلي العمل الفكري، لاقت معارضة قوية. وصرح المندوبون الإنكليز أنه إذا تمت الموافقة على اقتراح الفرنسيين، فلا مفر من البدء باستبعاد ماركس نفسه، وهو الذي أدى للأممية خدمات جلى.

لعب مؤتمر جنيف دورا هاما كأداة للدعاية. فجميع قراراته المتضمنة للمطالب الأساسية للطبقة العاملة، والتي كتبها ماركس وحده تقريبا، دخلت في برنامج الحد الأدنى العملي لجميع الأحزاب العمالية. وكان للمؤتمر صدى واسع في الأقطار كافة، بما فيها روسيا حيث نشرت سوفريميوني منذ عام 1865 قسما كبيرا من الخطاب الافتتاحي الذي عزته إلى ماركس. وعقب مؤتمر جنيف، الذي أعطى دفعا قويا لتطور الحركة العمالية الأممية، تحققت للأممية شعبية مفاجئة. وقد استرعت انتباه بعض المنظمات الديموقراطية البرجوازية التي حاولت استغلالها لأهدافها الشخصية.

في المؤتمر التالي الذي عقد في لوزن نشب النزاع بصدد مسألة الاشتراك في مؤتمر جمعية أممية جديدة، رابطة السلم والحرية، الذي كان من المفروض أن ينعقد في جنيف. ورجحت كفة أنصار الاشتراك. وفي المؤتمر التالي الذي انعقد في بروكسيل عادت فرجحت كفة وجهة نظر المجلس العام وتقرر توجيه الدعوة إلى الرابطة المذكورة لكي تنتسب إلى الأممية وإلى أعضائها كي ينتموا إلى فرع الأممية في أقطارهم.

لم يشارك ماركس في ذينك المؤتمرين. فحتى قبل أن ترفضّ جلسات مؤتمر لوزان صدر المجلد الأول من الرأسمال. واتخذ المؤتمر التالي، الذي انعقد في بروكسيل في 1868، بناء على توصية من الوفد الألماني، قرارا يوصي عمال جميع الأقطار بدراسة الرأسمال. وقد نوه ذلك القرار بفضل ماركس الكبير: فهو «أول اقتصادي أخضع الرأسمال لتحليل مفصل وأرجعه إلى عناصره الأساسية».

درس مؤتمر بروكسيل، في ما درس، مسألة أثر الآلات على وضع الطبقة العاملة، وكذلك مسألتي الاضرابات والملكية العقارية. وانطوت القرارات التي اتخذت على قدر أو آخر من المساومة والتسوية. وبالمقابل انتصرت لأول مرة وجهة نظر الاشتراكية، أو الجماعية كما كان يقال عهدئذ، ضد الفرنسيين. فقد تم الإقرار بضرورة تشريك وسائل النقل والمواصلات، وكذلك الأرض. لكن ذلك القرار لم يقر في شكله النهائي إلا في المؤتمر التالي المنعقد في بال عام 1869.

إن المسألة السياسية الرئيسية التي شغلت الأممية منذ مؤتمر لوزان هي مسألة الحرب والوسائل الواجب اعتمادها لمقاومتها. فقد كانت حرب 1866، التي انتهت بانتصار بروسيا على النمسا، قد ولدت في أوربا رأيا يقول أن تلك الحرب ستفضي لا محالة، في مستقبل قريب، إلى نشوب حرب أخرى بين فرنسا وبروسيا. وفي 1867 بدأت العلاقات بين ذنيك البلدين بالتوتر. وكانت المغامرات الاستعمارية التي شرع بها نابليون لتعزيز نفوذه وسطوته المتداعيين قد أدت، على العكس، إلى زعزعة موقفه زعزعة خطيرة. فتحت ضغط كبار رجال المال، باشر نابليون حملة المكسيك التي أثارت استياء الولايات المتحدة الشديد منه، على اعتبار أن هذه الأخيرة كانت تقف موقف المعارضة الحازمة من أي تدخل للدول الأوربية في شؤون أمريكا. وباءت خطة نابليون بالفشل الذريع. ووجد نفسه مطالبا بتصحيح مغامرته العاثرة في أوربا، لكن سوء الحظ كان حليفه هنا أيضا. فقد كان يأمل، وهو المضطر إلى تقديم تنازلات على صعيد السياسة الداخلية، أن يتمكن عن طريق ضم موفق في أوربا من توسيع ممتلكات فرنسا ومن تعزيز موقفه بالتالي. وفي 1867 انفجرت قضية اللوكسمبورغ، فبعد سلسلة من المحاولات الفاشلة للحصول على قطعة أرض ما على الضفة اليسرى من الراين، سعى نابليون إلى أن يشتري من هولندا دوقية اللوكسمبورغ الكبرى التي كانت تنتمي، حتى عام 1866، إلى الاتحاد الكونفدرالي الجرماني، ولكن التي كان رئيسها الأعلى ملك هولندا. وكانت تقيم في الدوقية من قبل حامية بروسية اضطرت لاحقا للانسحاب. وأثار نبا الصفقة بين نابليون والبلدان الواطئة هيجانا وغليانا شديدين في أوساط الوطنيين الألمان. ولاحت نذر الحرب، لكن نابليون الذي قدر أنه ليس مستعدا لها الاستعداد الكافي آثر التراجع. ولحق بنتيجة ذلك بحظوته أذى بالغ، واضطر إلى تقديم تنازلات جديدة للمعارضة التي كانت ما تني تتعاظم وتتسع نطاقا.

في زمن انعقاد مؤتمر بروكسيل تزايد الموقف تفاقما، وباتت الحرب متوقعة في كل لحظة. وساد اليقين بأنها ستندلع بمجرد انتهاء فرنسا وبروسيا من استعداداتهما وعثورها على الذريعة المناسبة لإعلانها. وانطرحت على الحركة العمالية، التي كان ساعدها يشتد يوما فيوما، وبخاصة في البر الأوربي، مسألة مقلقة، مسألة الوسائل الواجب اعتمادها للحؤول دون تلك الحرب التي ستسدد، في حال اندلاعها، ضربة مفجعة إلى العمال الفرنسيين والألمان. لهذا ما كان يسع الأممية، التي باتت تمثل منذ عام 1868 قوة لها شأنها وتتصدر طليعة الحركة العمالية الأممية، ألا تتولى تلك المسألة فائق عنايتها. وبعد مداولات حامية اتخذ مؤتمر بروكسيل، الذي كان بعضهم قد طالب أثناءه بتنظيم إضراب عام في حال اندلاع الحرب وأكد بعضهم الآخر أن الاشتراكية هي وحدها التي تستطيع أن تضع حدا للحرب، اتخذ قرارا توفيقيا فيه ما فيه من الإيهام.

في صيف 1869 بدأ وكان شبح الحرب قد توارى، فاحتلت المسائل الاقتصادية والاجتماعية مكانة الصدراة في مؤتمر بال. ولأول مرة طرحت بجلاء مسألة تشريك وسائل الإنتاج التي كان مؤتمر بروكسيل قد مسها عرضا. وفي هذه المرة رجحت بصورة نهائية كفة خصوم الملكية الفردية للأرض. ومني البرودونيون بهزيمة ماحقة. لكن ظهرت في ذلك المؤتمر اختلافات جديدة في وجهات النظر. إذ برز فيه بالفعل ممثل اتجاه جديد، الروسي باكونين.

من أين جاء؟ كنا قد رأيناه بعد 1840 في برلين، ونعلم أنه مر بذات المدرسة الفلسفية التي مر بها ماركس وانجلز، وانحاز في بداية ثورة 1848 إلى جانب المهاجرين الألمان المقيمين في باريس الذين نظموا فرقة ثورية لغزو ألمانيا. وأثناء الثورة بالذات بذل مساعيه في مورافيا لتوحيد الثوريين السلافيين، وبعد ذلك اعتقل، وحكم عليه بالموت، لكنه سلم إلى القيصر نيقولا الأول الذي أمر بحبسه في شلوسلبورغ. وبعد بضع سنوات، في عهد ألكسندر الثاني، نفي إلى سبيريا، ومنها هرب إلى أوربا عن طريق اليابان وأمريكا. كان ذلك في عام 1862. وغرق يومئذ في القضايا الروسية، وتحالف مع هرزن، وكتب عن القضايا السلافية والروسية عدة كراسات أثبت فيها ضرورة الاتحاد الثوري للسلافيين، وقام بمحاولة غير موفقة للمشاركة في الانتفاضة البولونية. وفي 1864 التقى في لندن بماركس الذي اطلع منه على تأسيس الأممية، ووعده بالمشاركة فيها، لكنه قصد ايطاليا حيث اهتم بأمور مغايرة تماما. وكما في عام 1848، كان يعتقد أن ماركس يبالغ إلى حد الشطط في أهمية الطبقة العاملة، وأن المثقفين والطلبة وممثلي الديموقراطية البرجوازية، ولاسيما المخلعين طبقيا، يشكلون عنصرا أكثر ثورية بكثير. وفيما كانت الأممية تكافح الصعاب الأولى وتتحول تدريجيا إلى منظمة أممية واسعة النفوذ، كان باكونين في ايطاليا يجهد لتنظيم جمعيته الثورية. ثم انتقل إلى سويسرا، حيث انتسب إلى الرابطة البرجوازية للسلم والحرية، بل انتخب عضوا في المجلس المركزي لهذه الرابطة. ولم يهاجر صفوفها إلا في عام 1868، لكنه بدلا من أن يدخل إلى الأممية أسس مع رفاقه جمعية جديدة، التحالف الأممي للاشتراكية-الديموقراطية.

كانت تلك الجمعية الجديدة، من الخارج على الأقل، ثورية جدا. وقد أعلنتها حربا شعواء على الله والدولة. وطالبت جميع أعضائها بأن يكونوا من الملاحدة. وما كان برنامجها الاقتصادي يتسم بالوضوح. فبدلا من التطلع إلى إلغاء الطبقات، طالبت بالمساواة الاقتصادية والاجتماعية بين الطبقات طرا. وبالرغم من نزعتها الثورية لم تطرح حتى برنامجا اشتراكيا متماسكا، واكتفت بالمطالبة بإلغاء حق الإرث. وحتى لا تخيف الفارين من الطبقات الأخرى، أبت التنويه بطابعها الطبقي.

كتب التحالف إلى المجلس العام يسأله قبوله في الأممية، لكن بشرط أن يتم هذا القبول باعتباره جمعية خاصة لها دستورها وبرنامجها الخاصان بها.

نتطرق الآن إلى المسألة الشائكة. فيما أن ماركس كان يتمتع بنفوذ كبير في المجلس العام، فقد جرت العادة على تحميله مسؤولية جميع القرارات التي كان يتخذها ذلك المجلس. وما كان الأمر يخلو من غلو ومغالاة. لكن ماركس يتحمل بالفعل القسط الأكبر من المسؤولية بخصوص القرار المتعلق بباكونين. ولو صدقنا لا أنصار باكونين فحسب، بل أيضا بعض الماركسيين الذين أخذوا على عاتقهم الدفاع عن ذلك الثوري المشوش، لوجدنا ماركس مجاوزا الحدود في الفظاظة في مقابلته طلب التحالف برفض باتر. وحتى نفهم جوهر النقاش، تصوروا على سبيل المثال تنظيما انفصل للتو عن جمعية ديموقراطية ما وتوجه بطلب إلى الأممية الشيوعية يسألها قبوله في صفوفها، لكن بشرط أن يترك له الحق في الوجود كجمعية لها برنامجها الخاص بها، بل حتى حق دعوة مؤتمرها الخاص. ففي مثل هذه الحال سيأتيه الجواب السديد كما يلي: صحيح أن التأخر خير من عدم الوصول، ولئن أدركتم أخيرا أنكم أخطأتم بارتباطكم مع البرجوازية، فتعالوا إلينا، ولن تلقوا عندنا إلا الترحيب، ولكن ابدؤوا بحل تنظيمكم وتوزعوا في مختلف فروعنا. وبديهي أنه ليس لأحد أن يرى في هذا الجواب دليلا على العداوة أو الخصومة تجاه التنظيم المذكور.

فضلا عن ذلك، يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار الواقعة التالية:
فعلاوة على برنامج التحالف، بعث باكونين برسالة شخصية إلى ماركس بعد حوالي أربعة أعوام من كتابه إليه من إيطاليا واعدا إياه بالعمل فيها لحساب الأممية. والحال أنه لم يكتف بعدم إنجاز وعده فحسب، بل نذر أيضا قواه كلها للحركة البرجوازية. صحيح أنه كتب هذه المرة إلى ماركس يبلغه أنه أدرك الآن أكثر من أي وقت مضى كم كان هذا الأخير على صواب باختياره الطريق العريض للثورة الاقتصادية وسخريته من أولئك الذين يتسكعون في دروب المشاريع القومية المحض أو السياسية الصرف. وقد أضاف يقول بلهجة مؤثرة: «منذ أن وجهت كلمة الوداع الأخيرة والعلنية إلى البرجوازية في مؤتمر برن، لم أعد أعرف من معشر أو من وسط غير عالم العمال. إن وطني سيكون من الآن فصاعدا الأممية التي أنت واحد من مؤسسيها الرئيسيين. أن ترى إذن، أيها الصديق العزيز، أنني تلميذك، وأنا بذلك لفخور».

لقد استطاعت تلك الرسالة انتزاع دموع التأثر والإشفاق من أعين أصدقاء باكونين، وإثارة سخطهم ونقمتهم على ماركس، الرجل الذي بلا قلب الذي رد بفظاظة ما بعدها فظاظة اليد التي مدت إليه. وحتى مهرينغ نفسه قال أنه لا مجال البتة للشك في صدق ما باح به باكونين.

ليس في نيتي أن الآخر أن ارتاب في صدق باكونين. لكن ضعوا أنفسكم –اسمحوا لي بذلك- محل ماركس. لقد كان هذا الأخير جلف الطبع، لا مراء في ذلك، لكن مهرينغ نفسه لا يستطيع أن يجد مناصا من الإقرار بأن ماركس دلل حتى نهاية 1868 على تسامح وحلم كبيرين تجاه باكونين. لكن لكل شيء حدودا. وحسبنا أن نعيد بانتباه قراءة رسالة باكونين كي نفهم أن تلك الرسالة العاطفية لم تبد مقنعة كثيرا في نظر ماركس. فما كان كاتبها بغلام، وإنما رجل تخطى الخمسين من العمر سبق له أن انتمى لمرة إلى «عالم العمال»، ولكن فقط كي ينساه للحال ويلجأ إلى «عالم البرجوازية». وبعد أربع سنوات من الالتصاق بذلك العالم، وبعد خيبة عميقة ورغبة تماثلها عمقا في الانخراط من جديد في الطريق العريض، طلب باكونين الانتساب إلى الأممية، لكن بعد أن وضع شروطا تعجيزية. ولهذا وقف ماركس، الذي كان قد أسرف في عام 1864 في إبداء الثقة تجاه باكونين وقف هذه المرة، وعن حق، موقفا متحرزا.
حين رد المجلس العام ردا جازما طلب باكونين، أبلغه هذا الأخير أن التحالف قرر حل تنظيمه وتحويل فروعه إلى فروع للأممية، لكن على أساس حفاظه على برنامجه النظري. ولم يوافق المجلس العام على قبول فروع التحالف القديم إلا على أساس الشروط العامة.

بدا للعيان وكان كل شيء على ما يرام. لكن سرعان ما راودت ماركس الشكوك، وعن حق، في أن باكونين قد خدع بكل بساطة المجلس العام، وأنه في الوقت الذي حل فيه رسميا جمعيته حافظ فعلا على تنظيمه المركزي تمهيدا لفرض سيطرته على الأممية. وحول هذه النقطة بالذات كان يدور في الواقع جوهر النزاع. وإننا لعلى استعداد للتسليم بأن ماركس كان رجلا كريها، وبأن باكونين كان ملاكا طيبا. لكن ليس ذلك هو لب الموضوع، وإن كان باكونين يشكو هو الآخر، كما هو معروف، من قدر لا بأس به من العيوب. وعلى المدافعين عنه أن يجيبونا بوضوح على السؤال التالي: هل كان ثمة وجود لمثل ذلك التنظيم السري فعلا؟ وهل أباح باكونين لنفسه تضليل المجلس العام بتوكيده له أنه حل جمعيته؟

على الرغم من حبي الأعمى لماركس، ذلك الحب الذي عاد عليّ بتأنيب مهيرنغ، فإنني لعلى استعداد للإقرار معه بأن باكونين وقع ضحية افتراء ذميم، لو كان المرحوم غليوم، صديق باكونين القديم ومؤرخ الأممية، أثبت أن التحالف قد جرى حله فعلا. لكن التحالف استمر مع الأسف قائما، وما ونى يخوض صراعا ضاريا ضد الأممية. وفي ذلك الصراع عبأ صاحبنا الطيب القلب باكونين جميع الوسائل التي ارتآها ضرورية لبلوغ هدفه. وأنا لن ألومه على ذلك. لكن من المضحك أن نرى أنصاره يسعون إلى تصويره بصورة الرجل الذي يلجأ أبدا إلى الوسائل المثيرة للشبهات، والذي لا يضمر أبدا، كما يؤكد واحد من قليلي الذكاء من المدافعين عنه، أي نية مبيتة.

ما كان إذن الهدف الذي لم يتوان باكونين عن تعبئة كل الوسائل في سبيله؟ تدمير المجتمع البرجوازي، الثورة الاجتماعية: هذا ما كان يرومه باكونين. لكن ماركس كان يهفو بدوره إلى الهدف ذاته. إذن فالخلافات في وجهات النظر كانت تنصب على نقطة مغايرة. وبالفعل، كان ماركس وباكونين على اختلاف تام بصدد الوسائل الواجب استخدامها لبلوغ ذلك الهدف.

بادئ ذي بدء، ينبغي هدم كل شيء حتى ينصلح من ثم من تلقاء نفسه، وكلما تم ذلك بسرعة أكبر كان ذلك أفضل. ويكفي لذلك إثارة المثقفين الثوريين والعمال الناقمين بسبب البؤس. وهذا يتطلب مجموعة من الرجال الموطدي العزائم، المتأججة أفئدتهم بالنار المقدسة. تلك هي خلاصة مذهب باكونين الذي يذكرنا، للوهلة الأولى، بمذهب فيتلنغ. لكن هذا التشابه سطحي ليس إلا. كذلك سطحي هو أيضا التماثل بين مذهبي كل من باكونين وبلانكي. فباكونين كان يصم أذنيه عن أي حديث عن استيلاء البروليتاريا على السلطة السياسية. وكان ينكر كل نضال سياسي ما ادم يخاض في إطار المجتمع البرجوازي القائم وما دام يهدف إلى توفير شروط أنسب لتنظيم البروليتاريا طبقيا. لهذا كان ماركس وجميع أولئك الذين يرتؤون معه ضرورة خوض غمار النضال السياسي وتنظيم البروليتاريا بغية الاستيلاء على السلطة السياسية، كانوا في نظر باكونين وأتباعه انتهازيين عتيدين يؤخرون قيام الثورة الاجتماعية. لهذا انتهز الباكونينيون الفرصة لتصوير ماركس بصورة الرجل الذي لا يتورع، بغية تحقيق أفكاره، عن تزوير دستور الأممية. وأوسعوا ماركس شتما على رؤوس الأشهاد، وبخاصة في رسائلهم ونشراتهم، وما أحجموا حتى عن التهجمات اللاسامية، وما تورعوا حتى عن اتهام ماركس بالعمالة لبسمارك.

كان لباكونين صداقات كثيرة في ايطاليا وسويسرا. وكان قد جمع أنصارا كثيرين في سويسرا، وبخاصة في سويسرا الروماندية [40]. ولا يسعني أن أدخل في تفاصيل أسباب نجاحه، لأن ذلك سيبعدنا عن موضوعنا كثيرا. وسأكتفي بالقول لكم أن دعايته كانت مثمرة جدا في أوساط العمال المياومين والحرفيين الساعتيين الذين لحقهم ضر شديد بنتيجة مزاحمة الصناعة الكبرى لهم في ميدان اختصاصهم.

حين مثل باكونين أمام مؤتمر بال، كان قد حشد وراءه مجموعة كبيرة التعداد من الأنصار. وكما يحدث غالبا في أشباه تلك الحالات، دارت رحى المعركة الأولى حول مسألة مغايرة تماما للمسألة التي كان يتركز عليها جوهر النزاع. فباكونين، الذي كان يجاهر بعدائه العنيف لكل انتهازية، طالب بإلحاح وإلحاف بإقرار إلغاء حق الإرث كمطلب آني فوري. بيد أن مندوبي المجلس العام بينوا، استنادا إلى مذكرة-تقرير ماركس، أن ذلك التدبير ما هو، كما سبق أن أشار إلى ذلك البيان الشيوعي، سوى تدبير انتقالي ستلجأ إليه البروليتاريا يوم تستولي على السلطة السياسية. وبانتظار ذلك اليوم، لا مجال للمطالبة إلا بزيادة الضريبة على الميراث وتقييد حق الإيصاء. لكن باكونين ما كان يقيم اعتبارا لا للمنطق ولا للظروف الواقعية. وما كان يهمه ذلك المطلب إلا بما ينطوي عليه من إمكانية تحريضية. وفي النهاية، لم يحصل أي إقرار على الغالبية.

نشب نزاع آخر بين باكونين والشيخ ليبكنخت. فقد كان مؤتمر بال أول مؤتمر شاركت فيه مجموعة لا بأس بتعدادها قدمت من ألمانيا. وكان ف.ليبكنخت وأ.بيبل قد أفلحا عهدئذ، بعد نضال فئوي ضارٍ ضد شفايتزر، في تنظيم حزب خاص تبنى، في مؤتمره التأسيسي المنعقد في آيزناخ، برنامج الأممية. وكانت الصحيفة المركزية لذلك الحزب قد وجهت نقدا لاذعا إلى نشاط باكونين في رابطة السلم والحرية، وعرض بالتفصيل وجهات نظره السابقة المؤيدة للوحدة السلافية. ويذكر مهرينغ نفسه أن ماركس عارض لفترة طويلة من الزمن ذلك النقد، لكنه كان يُعد، كما رأينا في قضية فوغت، مسؤولا عن جميع أعمال الماركسيين الذين إليهم كان ينتمي ليبكنخت وبيبل. وانتهز باكونين سانحة المؤتمر لتسوية حساباته مع ليبكنخت. وانتهى كل شيء بمصالحة، لم يكتب لها أصلا أن تكون عابرة.

كان من المفروض أن ينعقد المؤتمر التالي في ألمانيا، في ماينز، لكنه ما استطاع انعقادا. فعقب مؤتمر بال توترت العلاقات بين فرنسا وألمانيا إلى حد بات من المتوقع معه إعلان الحرب بين ساعة وأخرى. وخدع بسمارك، وهو من أبرع المحتالين الذين عرفهم التاريخ قط، أستاذه القديم نابليون، فبعد أن تسلح حتى الأسنان استعدادا للحرب، دبر الأمور على نحو بدت معه فرنسا في نظر العالم قاطبة هي المعتدية.

اندلعت الحرب، بالفعل، بصورة غير متوقعة بالمرة. وما كان لا العمال الفرنسيون ولا العمال الألمان في حالة تؤهلهم للحؤول دون اندلاعها. وبعد بضعة أيام من إعلان الحرب، أصدر المجلس العام بيانا بقلم ماركس.

يبدأ البيان بشاهد من الخطاب الافتتاحي للأممية يدين «السياسة الخارجية التي تراهن على مشاعر التعصب القومي، وتنشد مآرب مجرمة، وتهدر دماء الشعوب وخيراتها في حروب السلب والنهب».

ويلي ذلك بيان اتهام ضد نابليون. فيصف ماركس باقتضاب صراع هذا الأخير ضد الأممية، ذلك الصراع الذي احتدم وزاد حدة منذ أن شرع الأمميون بحملة تحريض مستعرة ضد نابليون. ويضيف ماركس قائلا أنه كيفما انتهت الحرب فإن الإمبراطورية الثانية مكتوب عليها الهلاك. ولسوف تنتهي كما بدأت، بمحاكاة ساخرة [41].

لكن هل نابليون المذنب الوحيد؟ بتاتا. فالحكومات الأوربية جميعا مذنبة. وبالفعل، لا ينبغي لأحد أن ينسى أن الحكومات والطبقات السائدة في أوربا هي التي ساعدت نابليون، على مدى ثمانية عشر عاما، على تمثيل مهزلة إحياء الإمبراطورية.

بيد أن أعنف الضربات سددها ماركس إلى وطنه بالذات. قال: أن الحرب الراهنة هي بالنسبة إلى الألمان حرب دفاعية. لكن من وضع ألمانيا في وضع الحاجة إلى الدفاع عن النفس؟ من أغرى نابليون بمهاجمة ألمانيا؟ إنها بروسيا. فقد عقدت اتفاقا مع نابليون ضد النمسا. فلو كانت بروسيا غلبت على أمرها لكانت فرنسا اجتاحت بقواتها ألمانيا. والحال، ماذا فعلت بروسيا بعد انتصارها على النمسا؟ بدلا من أن تجابه فرنسا المسترقة بألمانيا حرة، حافظت لا على النظام البروسي القديم دون مساس فحسب، بل أضافت إليه أيضا جميع المعالم المميزة للنظام البونابرتي.

جرت المرحلة الأولى، المرحلة الحاسمة من الحرب بسرعة صاعقة. فالجيش الفرنسي لم يكن مستعدا للقتال البتة. وعلى الرغم من الخطاب المغرور لوزير الحربية الذي أكد أن كل شيء جاهز حتى الزر الأخير، اتضح بالفعل انه إذا كانت الأزرار جاهزة فليس هناك من يخيطها. ففي زهاء أسابيع ستة هزم الجيش النظامي الفرنسي هزيمة ماحقة، وفي 2 أيلول استسلم نابليون مع جيشه في سيدان. وفي 4 أيلول أعلنت الجمهورية في باريس. وخلافا لإعلان بروسيا الذي أكدت أنها لن تحارب إلا الإمبراطورية، تواصل القتال. وكانت عندئذ المرحلة الثانية من الحرب، المرحلة الأطول والأشد ضراوة.

عقب إعلان الجمهورية في فرنسا مباشرة، أصدر المجلس العام بيانه الثاني عن الحرب. وهذا البيان، الذي كتبه ماركس أيضا، يعتبر بعمق تحليله للوضع السائد آنذاك وبنفاذ رؤيته التاريخية من أنبع النصوص التي تركها لنا. والشيء الذي يسترعي الانتباه أن ماركس مهره بإمضائه بصفته أمين سر المجلس العام لا عن ألمانيا فحسب، بل أيضا عن روسيا، لأنه كان قد تشكل قبيل ذلك في سويسرا فرع روسي للأممية، وطلب من ماركس تمثيله في المجلس العام.

كان ماركس قد تنبأ في بيانه الأول، كما تذكرون، بأن تلك الحرب ستنتهي بسقوط الإمبراطورية الثانية. ويبدأ البيان الثاني بالتذكير بتلك النبوءة. بيد أن النقد الذي سبق لماركس أن وجهه إلى السياسة البروسية اتضح أنه هو الآخر في محله. فحرب بروسيا الدفاعية كانت قد تحولت إلى حرب هجومية ضد الشعب الفرنسي. فحتى قبل استسلام سيدان، ولما تبدى للعيان أن الجيش الفرنسي آيل إلى تفكك وانحلال، أعلنت الطغمة العسكرية البروسية عن تأييدها لسياسة الفتح والتوسع. وقد انتقد ماركس أيضا بلا شفقة المسلك المرائي للبرجوازية الليبرالية الألمانية. واستفاد كذلك من توجيهات انجلز الذي كان يتتبع بانتباه، بصفته اختصاصيا، سير الحرب، والذي تنبأ في النصف الأول من شهر آب بكارثة سيدان، فحلل الحجج العسكرية التي كان بسمارك والجنرالات البروسيون يتذرعون بها لتبرير ضم الألزاس واللورين إلى ألمانيا.

بعد أن يعلن ماركس عن معارضته الجازمة لأي ضم ولأي تغريم، يثبت أن سلما يقوم على العنف لن يتمخض إلا عن نتائج مناقضة تماما لتلك التي تتوخى منه. ولسوف تكون عاقبة ذلك السلم حربا جديدة. ففرنسا ستسعى إلى استعادة ما تكون قد خسرته، وستحاول لهذا الغرض التحالف مع روسيا. وعلى هذا النحو، فإن روسيا القيصرية التي سبق أن خسرت هيمنتها غب حرب القرم ستعود من جديد سيدة مصائر أوربا. وينتهي هذا التشخيص العبقري، هذا التنبؤ بتطور التاريخ الأوربي الذي هو واحد من الأدلة العملية الساطعة على صحة التصور المادي للتاريخ، ينتهي بالكلمات التالية:
«هل يعتقد الوطنيون الألمان اعتقادا جديا بأنهم يضمنون فعلا السلم والحرية لألمانيا برميهم فرنسا بين ذراعي روسيا؟ إذا أدت مغامرة السلاح ونشوة النصر والمكائد السلالية إلى نهب أراض فرنسية، يبقى طريقان اثنان مفتوحين أمام ألمانيا. فإما أن تغدو هذه الأخيرة الأداة الواعية لمخططات الفتح البروسية، وهي سياسة تتفق وتقاليد آل هوهنزولرن، وإما أن تجد نفسها ملزمة، في أجل قصير للغاية من الزمن، بالاستعداد لحرب «دفاعية» جديدة، لكن هذه الحرب لن تكون حربا «موضعية» بل ستكون حربا العروق والأجناس، حربا بين السلافيين واللاتين المتحالفين. ذلك هو السلم الذي «يضمنه» لألمانيا الوطنيون البرجوازيون البليدون».
لقد تحققت هذه النبوءة أيضا حرفيا، كما أمكن للوطنيين الألمان الحاليين، الذين يضاهون أسلافهم ضيق أفق، أن يعاينوا. وينتهي البيان بعرض المهام العملية التي كانت تفرض نفسها آنئذ على الطبقة العاملة. ويحث العمال الألمان على المطالبة بصلح مشرف وبالاعتراف بالجمهورية الفرنسية. وينصح ماركس العمال الفرنسيين، الذين كانوا آنئذ في موقف أشد إحراجا وإرباكا، بأن يراقبوا الجمهوريين البرجوازيين وبأن يستخدموا النظام الجمهوري لتطوير تنظيمهم الطبقي بسرعة وللفوز بتحررهم.

لم تتأخر الأحداث عن تبرير ريبة ماركس وشكه بالجمهوريين الفرنسيين. فقد أدى مسلكهم المشين وتطلعهم إلى التحالف مع بسمارك بدلا من القبول بتقديم أي تنازل، مهما هان، للطبقة العاملة، أدى إلى إعلان قيام العامية. وبعد أشهر ثلاثة من نضال بطولي، باءت بالفشل تلك المحاولة الأولى لفرض دكتاتورية البروليتاريا في شروط غير موائمة بالمرة. ولم يكن المجلس العام مهيئا لتقديم العون الضروري للفرنسيين. وكانت باريس مقطوعة بالقوات الفرنسية والألمانية عن سائر أنحاء فرنسا والعالم قاطبة. وهذا لا يمنع أن تكون العامية قد فازت بالتعاطف العام، ونستطيع أن نقول بفخر أن مصيرها أجج المشاعر في بلادنا حيث أصدرت مجموعة من الثوريين بقيادة غونتشاروف في نيسان وأيار 1871 نشرات متفرقة حثت فيها الشعب على الإقتداء بمثال العاميين الفرنسيين.

كلف المجلس العام ماركس بكتابة بيان، وكان هذا الأخير قد حاول أثناء العامية، كما تدل واحدة من رسائله (عثرت عليها أنا) إلى الأممي الفرنسي البارز فارلان، أن يقيم اتصالات مع باريس. وقد دافع في البيان الذي كلف بكتابته عن العاميين الذين افترت عليهم الصحافة البرجوازية بأسرها، وأظهر أن العامية كانت مرحلة جديدة كبرى للحركة البروليتارية، والنموذج الأول للدولة البروليتارية التي ستأخذ على عاتقها تحقيق الشيوعية. وكان ماركس، على أساس تجربة ثورة 1848، قد توصل إلى الاستنتاج بأن الطبقة العاملة لن يكون في مستطاعها، عقب الاستيلاء على مقاليد السلطة السياسية، أن تكتفي بوضع اليد على جهاز الدولة البرجوازي، وأنها ستكون مطالبة أيضا بتحطيم كل تلك الآلة البيروقراطية والبوليسية. وقد أقنعته تجربة العامية بصورة نهائية بتلك الحقيقة. فقد أظهرت أن البروليتاريا وجدت نفسها مضطرة، بمجرد استيلائها على السلطة السياسية، على أن تخلق جهاز دولة خاصا بها ومتكيفا مع حاجاتها. لكنها أظهرت أيضا أن الدولة البروليتارية لا يمكن أن تنحد بإطار مدينة واحدة، ولو كانت هي العاصمة. إنما ينبغي أن تمتد سلطة البروليتاريا إلى سائر أرجاء البلد حتى يكون لها الحظ في تثبيت قدميها وتعزيز مواقعها، وإلى جملة من البلدان الرأسمالية كي تنتزع النصر النهائي.

أما باكونين وأتباعه فقد استخلصوا، على العكس، من تجربة العامية استنتاجات مغايرة. فقد واصلوا محاربتهم بمزيد من العنف ولكل سياسة ولكل دولة، موصين بتنظيم «عاميات» في مدن منعزلة، عند سنوح أول فرصة، على اعتبار أن المدن الأخرى لن تتوانى في هذه الحال عن الإقتداء بمثالها.

كان لسحق العامية عواقب وخيمة للغاية على الأممية نفسها. فقد توقف نمو الحركة العمالية الفرنسية توقفا شبه تام لعدة سنوات. ولم يعد لها من ممثلين في الأممية سوى العاميين المقيمين إما في إنكلترا وإما في فرنسا، والذين أفلحوا في الإفلات من الملاحقات، والذين كانوا يخوضون فيما بينهم صراعا فئويا مسعورا نقلوه معهم إلى داخل المجلس العام ذاته.

عانت الحركة العمالية الألمانية بدورها من محنة قوية. فقد ألقي القبض على كل من بيبل وليبكنخت لاحتجاجهما على ضم الألزاس واللورين ولتضامنهما مع عامية باريس، وزج بهما في معقل. واضطر شفايتزر، الذي كان قد خسر ثقة حزبه، إلى الخروج من صفوفه. وواصل أتباع ليبكنخت وبيبل، الملقبون بالآيزناخيين، العمل بمعزل عن اللاساليين، ولم يجددوا تقاربهم منهم إلا حين سنت الحكومة أسنانها ضد الحزبيين المتصارعين كليهما. على هذا النحو فقد الأممية سندها في قطرين رئيسيين من أقطار البر الأوربي.

لكن في داخل الحركة العمالية الإنكليزية نفسها حدث انعطاف وتحول. فالحرب بين القطرين الأكثر تطورا في البر الأوربي من الناحية الصناعية عادت على البرجوازية الإنكليزية بمنافع وفوائد لا تقل عن تلك التي عادت بها الحرب العالمية الكبرى الأخيرة على البرجوازية الأمريكية. وصارت البرجوازية الإنكليزية آنئذ في وضع يؤهلها لاقتطاع نصيب معلوم من أرباحها الطائلة لتوزيعه على العمال الكثيرين المستخدمين في فروع الصناعة الرئيسية. ونالت النقابات حرية عمل أكبر. وأبطل مفعول بعض القوانين القديمة التي كانت موجهة ضدها. وأثرت تلك الإصلاحات على بعض أعضاء المجلس العام ممن كان لهم دور بارز في الحركة التريدونيونية. فطردا مع تطور الأممية باتجاه متعاظم الجذرية، راح الكثيرون منهم يميلون أكثر فأكثر إلى الاعتدال. وقد لبثوا شكليا أعضاء في المجلس العام، لكنهم راحوا يستخدمون ألقابهم لمآربهم الشخصية. وكانت العامية وما استتبعه من هجمات حانقة على الأممية قد بثت في قلوبهم الذعر. فبادروا إلى الإعلان عن عدم تضامنهم مع البيان عن عامية باريس، وإن يكن ماركس قد كتبه صدوعا لأمر المجلس العام. وحدث انشقاق بصدد هذا الموضوع في الفرع الإنكليزي من الأممية.

في هذه الشروط اندعى أخيرا للانعقاد مشار الأممية في أيلول 1871 في لندن. وكان على هذا المشار أن يهتم بصورة رئيسية بمسألتين. الأولى كانت المسألة القديمة المثيرة للأخذ والرد بصدد النضال السياسي. وقد كان من الدوافع التي حثت المشار على الاهتمام بها مسلك الباكونينيين الذين واصلوا اتهام ماركس بأنه زوَّر عن عمد دستور الأممية ليفرض على هذه الأخيرة رأيه. وجاء القرار هذه المرة ليعطي جوابا انقشع معه أي شك، وآب الباكونينيون بالهزيمة كاملة.

ولما كان القليلون منكم يعرفونه في أغلب الظن، فسوف أتلو عليكم القسم الأخير منه:
«نظرا: إلى أن الرجعية المسعورة تقمع بالعنف حركة انعتاق العمال وتسعى بالقوة الوحشية إلى الإبقاء على الانقسام الطبقي وعلى ما يتربت عليه من سيطرة سياسية للطبقات السائدة،
وإلى أن ذلك التنظيم للبروليتاريا في حزب سياسي ضروري لضمان انتصار الثورة الاجتماعية وهدفها النهائي: إلغاء الطبقات،
وإلى أن اتحاد القوى قد تحقق بفضل النضال الاقتصادي ويجب أن يكون أيضا رافعة بين يدي الطبقة العاملة في نضالها ضد السلطة السياسية للمستغِلين،
يذكِّر المشار جميع أعضاء الأممية أن الحركة الاقتصادية للطبقة العاملة ونشاطها السياسي مرتبطان ارتباطا لا يقبل فصاما على صعيد كفاحها».

لكن كان على المشار إن يهتم أيضا بالباكونينيين لسبب آخر. فقد كان المجلس العام قد ازداد أكثر فأكثر اقتناعا بأن جمعية باكونين السرية، رغما عن جميع التوكيدات التي أعطاها هذا الأخير، ما تزال تواصل نشاطها. لهذا اتخذ المشار قرارا يحظر تنظيم أي جمعية أخرى لها برنامج خاص ضمن نطاق الأممية. وبهذه المناسبة أعلن المشار من جديد تبلغه قرار حل التحالف واعتبر المسألة بحكم المنتهية.

بيد أن ثمة قرارا آخر أثار بالغ قلق باكونين وأتبعاه الروس. فقد أعلن المشار على نحو جازم قاطع أن الأممية لا ضلع لها بقضية نتشائيف الذي كان انتحل واستغل لمآربه لقب عضو الأممية.

كان ذلك القرار موجها فقط ضد باكونين الذي كان على صلة وثيقة منذ زمن بعيد، كما هو معلوم، بنتشائيف، الثوري الروسي الذي فر في 1869 إلى الخارج. وكان في خريف ذلك العام نفسه قد عاد أدراجه إلى روسيا، مفوضا من قبل باكونين بالصلاحيات كافة، ونظم في موسكو جماعة خاصة. ولما ارتاب في رغبة الطالب ايفانوف في خيانة التنظيم، عمد بمساعدة بعض رفاقه إلى قتله غير بعيد عن أكاديمية بتروفسكو-رازموفسكوي، وفر من جديد إلى الخارج. وأدت تلك القضية إلى اعتقال أعضاء تنظيمه الجديد، وكذلك إلى اعتقال عدد من الطلبة البطرسبورغيين الذين كانوا على صلة به. وسيقوا جميعهم إلى المحاكم في صيف 1871. وتعرف تلك القضية باسم قضية نتشائيف. وأثناء المحاكمة جرى نشر عدد كبير من الوثائق التي استخدمها الأدعاء. وقد خلط هذا الأخير بين جمعية باكونين وفرعها الروسي وبين الأممية. لكن حسبنا أن نقارن تلك الوثائق بكتابات باكونين حتى نتعرف مؤلفها الحقيقي. فهي لا تتميز عن سائر النداءات المماثلة التي كتبها باكونين لرفاقه في الغرب إلا بصراحتها الزائدة، وبشيء من التلبك والتثاقل في العرض في الأقسام التي صححها وأكملها نتشائيف.

لقد درجت العادة على القول أن باكونين وقع تحت تأثير نتشائيف الذي كان يخدعه ويستخدمه لمآربه الشخصية. وفي الواقع كان نتشائيف، على قلة ثقافته وازدرائه كل عمل نظري واعتباره إياه عديم الجدوى، رجلا ذا طاقة عجيبة وإرادة حديدية. وكان ثوريا يتفانى روحا وجسدا في سبيل القضية، وقد أثبت فيما بعد أمام قضاته وفي السجن شجاعته التي لا تتزعزع ومقته الذي لا يروي له غليل لمضطهدي الشعب ومستغليه. ولئن كان لا يتوانى عن شيء ولا يرتفع عن أي وسيلة لبلوغ الهدف الذي نذر له حياته، فإنه ما كان ينحط قط إلى استخدام الوسائل الدنيئة إذا كان الأمر يتعلق بشخصه وحده. ومن هذه الزاوية، كان يتفوق تفوقا أكيدا على باكونين الذي ما كان يحجم عن أي مساومة أو صفقة خدمة لمآربه الشخصية. وليس ثمة من مجال للشك في تفوق نتشائيف من هذا المنظور، وكل شيء يدل على أن باكونين نفسه كان قير به، وعلى أنه كان يجل نتشائيف ويقدره تقديرا عاليا، وإن يكن هذا الأخير دونه بكثير من المنظور الفكري.

لكن لن نكون إلا سذجا لو استنتجنا من ذلك أن نتشائيف فرض على باكونين آراءه الثورية الخاصة به. بل على العكس، فقد كان هو نفسه تلميذ باكونين، ولكن لئن كان صاحبنا، رسول الهدم والتدمير، غالبا ما يتبدى في مظهر الثوري اللامنطقي والمتناقض مع نفسه، فقد كان نتشائيف يتميز بتماسك منطقي مكين ويستخلص من نظرية معلمه جميع الاستنتاجات العملية التي تنطوي عليها. فحين أعلمه باكونين أنه لا يستطيع أن يرفض إنجاز العمل الذي تعهد بالقيام به (ترجمة الرأسمال) لأنه قبض عنه دفعة على الحساب، عرض عليه نتشائيف أن يعتقه من ذلك الالتزام –وقد فعل ذلك بمنتهى البساطة: فباسم اللجنة الثورية لـ«نارودنايا راسبرافا» كتب إلى الشخص الذي قام بدور الوسيط بين باكونين والناشرين يطلب إليه أن يدع باكونين وشأنه إذا كان لا يريد أن يلاقي حتفه. ولما كان باكونين يصر على إعطاء مكانة الصدارة للبروليتاريا الرثة، التي كان يعتبرها المحرك الحقيقي للثورة الاجتماعية ويعارض بها بروليتاريا الصناعة الكبرى، ولما كان يرى أن المجرمين وقطاع الطرق هم العنصر الأفضل والأمثل في الجيش الثوري، فقد خلص نتشائيف بصورة منطقية إلى الاستنتاج بوجوب المبادرة إلى تنظيم رجال من ذوي العزم والتصميم في سويسرا كي ينفذ معهم عمليات مصادرة. وفي الختام، انفصل باكونين عن تلميذه، ولكن فقط لأن منطق نتشائيف الصارم والتبسيطي أثار ذعره، ومع ذلك لم يجرؤ على مقاطعته علنا وجهارا، لأن نتشائيف كان يملك الكثير من الوثائق القمينة بتوريطه وتهديد سمعته.

عقب مشار لندن مباشرة احتدم الصراع واضطرم أواره من جديد. وأعلن الباكونينيون حربا سافرة على المجلس العام، فاتهموه بتزوير المشار وبفرضه على الأممية بأسرها عقيدة ضرورة تنظيم البروليتاريا في حزب خاص بغية الاستيلاء على السلطة السياسية. وطالبوا بأن يدعى للانعقاد مؤتمر يتولى وضع حل نهائي للمسألة.

اجتمع ذلك المؤتمر، الذي تهيأ له الطرفان بحمية، في أيلول 1872. وللمرة الأولى شارك فيه ماركس شخصيا. ولم يحضره باكونين. وبصدد المسألة الرئيسية أكد المؤتمر قرار المشار بتمامه، وأضاف إليه الجملة التالية المقتبسة بصورة شبه حرفية من «الخطاب الافتتاحي» للأممية: «لما كان مالكو الأرض والرأسمال يستغلون على الدوام امتيازاتهم السياسية للدفاع عن احتكاراتهم الاقتصادية وتأبيدها والاسترقاق العمل، فإن الاستيلاء على السلطة السياسية هو الواجب الأكبر للبروليتاريا».

وبعد أن درست اللجنة الخاصة جميع الوثائق المتعلقة بقضية التحالف وتوصلت إلى الاستنتاج بأن تلك الجمعية ما تزال على قيد الوجود كجمعية سرية في الأممية، اقترحت فصل باكونين وغليوم. وتم قبول ذلك الاقتراح.

جاء في قرار الفصل أن باكونين فصل، ناهيك عن ذلك، لـ«أمر شخصي». وهو الأمر الذي أشرت إليه فيما يتعلق بقضية نتشائيف. إنني اعتقد شخصيا أن الأسباب السياسية كانت كافية لتعليل فصل باكونين. لكن من السخف أن لا تتخذ تلك القصة المؤسفة، التي سقط فيها باكونين ضحية ضعف شكيمته، ذريعة لتوجيه اتهامات ضد ماركس. ومن الأسخف أيضا القول أن باكونين فصل لأنه تقاضى، شأن الكثيرين من الأدباء، سلفة من الناشر ولم ينجز عمله. أفي الأمر احتيال؟ مؤكد أن لا. لكن حين يقول المدافعون عن باكونين، وقد انضم مهرينغ نفسه إليهم فيما بعد، أنه ما كان يخلق بماركس أن يجرِّم باكونين بسبب ذلك، فإنهم لا يفهمون أو أنهم ينسون أن المسألة لم تكن إعادة باكونين للسلفة التي تقاضاها، وإنما تتعدى ذلك إلى ما هو أهم بكثير. فمهرينغ، كما يحدث له غالبا، يأخذ بناصر الأديب. وقد كتب يقول أن العديدين من الكتاب لا يفون بالفعل بديونهم للناشرين الذي استلفوا منهم دفعات على الحساب. ويضيف قائلا أن مسلكا كذاك ليس بالتأكيد بالمسلك الحميد، لكن لا يجوز الحكم على الناس استنادا إلى أشباه تلك السفاسف. ويثبت مهرينغ بذلك أنه لم يكن أفضل من الفوضويين في فهم المناقشة الحقيقة التي دارت في مؤتمر لاهاي. فحيث رأى باكونين وأصدقاؤه تصرفا طائشا وقابلا للغفران، تصرفا لم ينجم عنه ضر إلا للناشر، رأى أعضاء اللجنة الخاصة، بعد أن اجتمعت بين أيديهم الوثائق كافة، استغلال مجرما لاسم منظمة ثورية عمالية ترتبط في نظر الجميع بالأممية، وهو استغلال اقترف لغايات شخصية، وللتهرب من سداد دَين. ولو نشرت الوثيقة التي كانت بين يدي اللجنة آنذاك، لكان هلل العالم البرجوازي فرحا. صحيح أنها كتبت بقلم نتشائيف، لكنها تتطابق تمام التطابق في الجوهر مع مبادئ باكونين. وينبغي أن نضيف إلى ذلك أن باكونين انفصل عن نتشائيف لا بسبب تلك القضية، وإنما لأن هذا الأخير كان نزَّاعا، على ما بدا له، إلى اعتباره هو ذاته أداة أهدافه الثورية. وحسبنا أن نقرأ رسائل باكونين إلى أصدقائه لنرى كم كان لا يتحرج في اتهام خصومه، بمن فيهم ماركس، لا باتهامات سياسية –فهذا من حقه- وإنما باتهامات شخصية. ونحن نعلم الآن أن باكونين هو مؤلف الوجيز الذائع الشهرة برسم الثوريين، ذلك الوجيز الذي نسب في حينه إلى نتشائيف وأثار، لدى نشره أثناء المحاكمة، سخط الثوريين ونقمتهم العامة. والحال أن أصدقاء باكونين أنكروا بعناد أن يكون مؤلفه، وألقوا التبعة كلها على كاهل نتشائيف.

قبل مؤتمر لاهاي، في ختام أعماله، باقتراح انجلز بصدد نقل مقر المجلس العام إلى نيويورك. فكما قلت لكم آنفا، كانت الأممية قد فقدت سندها لا في فرنسا فحسب، حيث صار مجرد الانتماء إلى الأممية جريمة يعاقب عليها ابتداء من عام 1872، ولا في ألمانيا فحسب، وإنما في إنكلترا أيضا. وكان نقل الهيئة المركزية للأممية إلى أمريكا يعتبر تدبيرا مؤقتا. لكن مؤتمر لاهاي كان في الواقع آخر مؤتمر في تاريخ الأممية. ففي عام 1876 أصدر المجلس العام في نيويورك إشعارا يعلن فيه أن الأممية الأولى قد زالت من الوجود.

« السابق التالي »