بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الكاتب بقلم ريازانوف

محاضرات في تاريخ الماركسية

« السابق التالي »

المحاضرة التاسعة [انجلز يستقر في لندن – دوره في المجلس العام – مرض ماركس – انجلز يحل محل ماركس – «الآنتي-دهرينغ» – آخر سنوات ماركس – اهتمام ماركس بروسيا – انجلز ينشر مؤلفات ماركس بعد وفاته – دور انجلز في عهد الأممية الثانية – وفاة انجلز].

أنجزنا في المرة السابقة تاريخ الأممية. ولم أذكر شيئا تقريبا عن دور انجلز. والحال أنني أعلم أنه يحظى بكبير اهتمامكم، إذا اتخذت معيارا للحكم على ذلك ما تلقيته من مذكرات من مستمعيّ. وكثيرا ما طرح عليّ السؤال عما إذا كان صحيحا أن انجلز كان صاحب معمل. ونظرا إلى أن كلمة «صاحب معمل» أخذت في الآونة الأخيرة، وفي ظل السياسة الاقتصادية الجديدة، معنى تحقيريا وشاع استعمالها الإداريين الشيوعيين، فسأتوقف مليا عند هذه المسألة. كما ذكرت لكم في البداية، كان انجلز، المتحدر من أسرة غنية من أصحاب المعامل، صاحب معمل هو الآخر. وقد تم تأسيس الأممية بدونه، ولم يشارك في نشاطها حتى مطلع 1870 إلا مشاركة زهيدة وغير مباشرة. وقد كتب في إبان تلك السنوات بضعة مقالات للمجلات الإنكليزية العمالية. وأنا لا أتكلم عن المساعدة التي ما فتئ يقدمها لماركس الذي كان في عوز شديد في السنوات الأولى من الأممية. ولولا مساعدة انجلز، ولولا الإرث البسيط الذي تركه له صديقه القديم ف.وولف الذي كان قد أهدى إليه الرأسمال، لما كان وسع ماركس التغلب على البؤس ولما كان استطاع أن يكتب مؤلفه الأساسي. ونلفي في عداد رسائله رسالة مؤثرة وجهها إلى انجلز ليعلمه بأنه استلم أخيرا مسودة الملزمة الطباعية الأخيرة. فقد كتب يقول:
«أخيرا، انتهى ذلك المجلد. ولك وحدك أدين بأنني تمكنت من إنهائه. فلولا مساعدتك الوفية، لما أمكنني قط إنجاز هذا العمل الكبير ذي المجلدات الثلاثة. إنني أشكرك من أعماق القلب وأقبلك».

كان انجلز، كما قلت لكم، صاحب معمل. لكن ما تجدر الإشارة إليه أنه لم يلبث كذلك ردحا طويلا من الزمن. فبعد وفاة والده في عام 1860، لبث لبضع سنوات أخرى من الزمن مجرد مستخدم بسيط. وفي عام 1864 صار شريكا في الأعمال وواحدا من مدراء المعمل. وعلى مدى ذلك الزمن كله حاول بجهده أن يعتق نفسه من «المهنة الخسيسة». لكنه كان يفكر في مستقبله، وعلى الأخص في مستقبل ماركس. وبحوزتنا، من هذا المنظور، بضع رسائل مثيرة جدا للاهتمام كتبها إلى ماركس في 1868وأبلغه فيها أنه يجري مفاوضات لترك المعمل، لكنه يريد أن يفعل ذلك بشروط تضمن معيشته ومعيشة صديقه. ونجح أخيرا في التفاهم مع شريكه، وفي 1869 ترك معمله بشروط تسمح له بتأمين مستقبل ماركس أيضا، وقد انعتق هذا الأخير بالفعل منذ ذلك اليوم من ربقة البؤس الذي كان يتخبط في براثنه. بيد أن انجلز لم يتمكن من القدوم إلى لندن والاستقرار فيها إلا في أيلول 1870.

لم يكن قدوم انجلز بالنسبة إلى ماركس مصدر فرح شخصي فحسب، بل كان أيضا تخفيفا كبيرا لأعباء العمل الضخم الذي كان يؤديه لحساب المجلس العام. وبالفعل، كان ماركس يتعامل مع عدد لا يحصى من ممثلي أمم شتى، وكان عليه أن يتصل بهم شفيا وخطيا. والحال أن انجلز، الذي كان منذ حاثته موهوبا جدا فيما يتعلق بإتقان اللغات الأجنبية، كان ينطق أو يثغثغ، كما كان يقول أصدقاؤه على سبيل المزاح، بزهاء اثنتي عشرة لغة. كان إذن مساعدا لا يقدر بثمن في التراسل مع القطار الأجنبية، وكان ممارسته التجارية الطويلة الأمد قد علمته كيف ينظم العمل، وهذا ما كان ينقص ماركس.

ما إن غدا انجلز عضوا في المجلس العام حتى انكب على مهمته تلك. بيد أنه قام أيضا بقسم آخر من العمل ليخلص منه ماركس الذي كانت صحته قد تردت بفعل شظف العيش والعمل المرهق. وصار انجلز للحال،وهو الرجل العزوم الذي كان يهفو قلبه منذ زمن طويل إلى مثل ذلك النوع من النشاط، واحدا من أنشط أعضاء المجلس العام كما تشهد على ذلك محاضر ضبط الجلسات.

بيد أن مشاركة انجلز في المجلس العام انطوت بدورها على جانب سلبي. فحين قدم انجلز إلى لندن للإقامة فيها، كان الشيوعيون يخوضون غمار الحرب ضد الباكونينيين، وقد انعكس أثر ذلك الصراع على المجلس العام. وناهيك عن ذلك، كانت تقوم بين الإنكليز، كما سبق أن رأينا، خلافات عميقة في وجهات النظر بصدد المسائل المبدئية والتكتيكية.

وكما تعلمون من مثال منظمة موسكو ومن مثال أحياء شتى من العاصمة، غالبا ما تتعقد الاختلافات السياسية وتتفاقم حدتها بفعل الطبع الشخصي للمتخاصمين. وقد يحدث أيضا أن ينحاز أعضاء هذه المنظمة أو تلك إلى هذه المجموعة أو تلك وإلى هذا البرنامج أو ذاك لا لأسباب مبدئية في المقام الأول وإنما بالأحرى لأسباب تمت بصلة إلى التعلق الشخصي بالقادة أو بالمناضلين النافذي الكلمة في هذه المجموعة أو تلك. وكثيرا ما نرى رفاقنا، يخنق لديهم صوت العاطفة صوت العقل، يعكسون تعاطفهم مع شخص من الأشخاص أو نفورهم منه على المذهب وعلى المبادئ التي يشهر لواءها ذلك الشخص. ومهما يكن من أمر، لا يمكن للخلافات الشخصية ألا تعقد الصراع المبدئي.

حين تنشب أشباه تلك الاختلافات في الآراء في حي من أحياء المدينة، قد يكون في المستطاع أحيانا تدارك الأمر بنقل المناضلين إلى أحياء أخرى، ولو بصورة مؤقتة. لكن هذه الوسيلة، الصالحة في حي أو في منطقة أو حتى في بلد، غير صالحة للتطبيق على نطاق الأممية كلها. وبصورة عامة، ليس لوسائل تذليل المصاعب من أشباه نقل المناضلين من مكان إلى آخر إلا قيمة محدودة. والأفضل من ذلك بما لا يقاس القضاء على تلك الخلافات بسرعة، إما عن طريق اتفاق وإما عن طريق الانقسام.

سبق أن حدثكم عن الأسباب الموضوعية التي تسببت في بروز اختلافات في الآراء ووجهات النظر في القسم الإنكليزي من الأممية. وما لا يفهمه أو ما لا يريد أن يفهمه بعض مؤرخي الأممية، وبخاصة مؤرخو الحركة العمالية الإنكليزية، هو أن المجلس العام، الذي قاد الحركة العمالية الأممية من 1864 إلى 1873، كان في الوقت نفسه المركز القائد للحركة العمالية الإنكليزية. ولئن كانت الشؤون الأممية تؤثر على الشؤون الإنكليزية، فإن كل تغير في الحركة العمالية الإنكليزية كان من المحتم أن يكون له انعكاس على الوظائف الأممية للمجلس العام. سبقت لي الإشارة في المرة الأخيرة إلى أن التنازلات التي حصل عليها العمال الإنكليز بين 1867 و1871 (حق الانتخاب لعمال المدن والإشهار القانوني للتريديونيونات) قد عزز التيار المساوم في صفوف التريديونيونيين الذين يحتلون مقاعدهم في المجلس العام. كان ايكاريوس نفسه يميل إلى جانب دعاة المصالحة، ولقد كان بالفعل رجلا ميسورا في ذلك الزمن، وكما يحدث غالبا في أشباه هذه الحالات راح بيدي المزيد من التسامح تجاه البرجوازية. وقد وقف بجانبه عدد من أعضاء المجلس العام الذين ما لبثوا فيما بعد أن انفصلوا عن ماركس.

وتجدر الملاحظة أن العلاقات الشخصية التي زادت من تفاقم تلك الاختلافات في وجهات النظر المبدئية تجد تفسيرها في مشاركة انجلز في المجلس العام حيث راح ينوب مناب ماركس في حالات عديدة.

كانت قد تصرمت زهاء عشرين سنة منذ أن رحل انجلز إلى مانشستير، وانفصل بالتالي عن الحركة العمالية. وطوال تلك الحقبة مكث ماركس في لندن. وقد وطد صلاته بالميثاقيين، وكتب في صحفهم، وتردد على النوادي العمالية الألمانية، وشارك في حياة المهاجرين. كان يلقي محاضرات، ويقابل الرفاق بانتظام، وكثيرا ما كان يتخاصم وإياهم، لكن العلاقات مع «بابا» ماركس كانت على الدوام ودية وأخوية، مترعة بمحبة كبيرة، كما يتبين من ذكريات أولئك الذين افترقوا عنه فيما بعد سياسيا. وقد قامت صلات ودية للغاية بين العمال وماركس في عهد الأممية. وكان أعضاء المجلس العام الذين يعرفون ماركس ويعاينون عوزه وبؤس مسكنه ويشهدون نشاطه في المجلس العام ويدركون مدى استعداده لهجر مشاغله كافة ومؤلفه العلمي كي يهب وقته كله وقواه جميعها للطبقة العاملة، يجلونه عميق الإجلال. وكان ماركس يعمل بدأب لا يعرف الكلل، بلا أي تعويض مادي، مترفعا عن كل امتياز، متأبيا عن لقب شرف.

وغير ذلك كان حال انجلز الذي ما كان معظم أعضاء المجلس العام على معرفة به البتة. كان الألمان وحدهم يتذكرونه، لكن كان على انجلز مع ذلك أن يكسب ثقتهم. أما في أنظار الآخرين فكان رجلا ثريا، صاحب معمل من مانشستير كتب قبل 25 عاما كتابا جيدا بالألمانية عن العمال الإنكليز. وكان انجلز بمعاشرته على مدى حوالي عشرين عاما المجتمع البرجوازي وكبار رجال المال والصناعة قد اكتسب –فضلا عن أنه كان بطبعه لبقا وكريم الشمائل- المزيد من النعومة والظرف في السلوك. كان على الدوام متأنقا في لباسه، معتدلا، متحفظا، مهذبا، مشيته قريبة بعض الشيء من المشية العسكرية، لا يسمح لنفسه أبدا بالتطرف الكلامي، فكان يوحي وكأنه رجل جاف القلب، بارده.

بهذا الوصف يصفه أولئك الذين عرفوه شخصيا بعد عام 1840. ففي أثناء العمل في تحرير الصحيفة الراينية الجديدة، وفي الأوقات التي يكون فيها ماركس غائبا، كان كثيرا ما ينشب النقار والخصام بينه وبين رفاقه الذين يشعرهم أحيانا بتفوقه الفكري أكثر مما ينبغي. ولئن كان أقل نزقا من ماركس، فقد كان أيضا أقل تساهلا وتسامحا منه في العلاقات الشخصية، مما جعله يخسر ود العديد من العمال، وذلك بخلاف وولف وماركس اللذين كانا معلمين ورفيقين يضرب بهما المثل.

لم يتمكن انجلز من التكيف مع وضعه الجديد والتخلص من عاداته القديمة إلا تدريجيا. بيد أن طباعه وشخصيته ساهمت مساهمة مرموقة، أثناء تلك السنوات الصعبة التي كان عليه فيها أن ينوب غالبا مناب ماركس، في تأجيج أوار الاختلافات المؤقتة، وبخاصة في المجلس العام. وعلى هذا المنوال بادر لا ايكاريوس وحده بل العديد أيضا من معاوني ماركس القدامى من أمثال يونغ الذي شغل لحقبة مديدة من الزمن منصب أمين السر العام للأممية والذي كان يرتبط بصلة شخصية وثيقة بماركس وكثيرا ما ساعده عن طواعية وبلباقة لا مستزاد عليها في أداء مهمته الشاقة، بادروا إلى الانسحاب رويدا رويدا من المجلس العام.

طبيعي أن الشائعات والنمائم المعتادة كانت تفعل فعلها. كان كثيرون ممن لا يعرفون انجلز يتساءلون لماذا يحبه ماركس كل ذلك الحب ويكيل له الثناء والمديح. ينبغي أن نقرأ ذكريات هندمان، مؤسس الاشتراكية-الديموقراطية الإنكليزية، حتى نتبين حطة تفسيراتهم. ففي رأيهم أن ما كان يشد ماركس برباط الصداقة الحميمة إلى انجلز هو أن هذا الأخير كان ثريا وأنه كان يعيله. وقد جاوز مسلك بعض الإنكليز كل حد في الخسة، وأخص بالذكر منهم شخصا يدعى سميث شارك فيما بعد كمترجم في الأممية الثانية ولفت إليه الأنظار أثناء الحرب، مثله مثل هندمان، بوطنيته المسعورة. ولم يغفر انجلز قط، لا له ولا للآخرين، حملة افترائهم تلك على ماركس، وكما يروي فاندرفيلد، طرد من منزله قبيل وفاته سميث الذي كان قد قدم لرؤيته.

على أن تلك الشائعات والنمائم كان يروج لها بنشاط في عام 1872 في أوساط العمال الألمان من ذوي الاتجاه اللاسالي الذين قدموا للإقامة في لندن، وبخاصة الثوريين الشبان الذين لاذوا بالفرار بعد سحق العامية وما كانوا يعرفون شيئا عن تاريخ الحركة. وكان المجلس العام يقدم مساعدة مادية للمهاجرين، ومع أن ماركس وانجلز بذلا كل ما بمستطاعهما لتنظيم عملية نجدة العاميين، ما كان الرضى يساور هؤلاء الأخيرين قط، وكانوا على الدوام يشكون وينتقدون.

بيد أن مشاركة انجلز في المجلس العام لم تزد الانقسام تفاقما في لندن وحدها. فقد كان باكونين وأتباعه، كما تذكرون، ينشطون بصورة رئيسية في روسيا والبلدان اللاتينية: في ايطاليا واسبانيا وجنوب فرنسا والبرتغال وفي سويسرا الروماندية والإيطالية. وكان باكونين يقيم لايطاليا اعتبارا خاصا، لأن العنصر السائد فيها كان البروليتاريا الرثة التي كان يرى فيها القوة الثورية الرئيسية، ولأنه كان يوجد فيها العديد من الشبان المخلوعين طبقيا الذين لا قدرة لهم البتة على شق طريقهم في المجتمع البرجوازي، ولأن اللصوصية وقطع الطريق كانا الشكل الرئيسي الذي يتجلى به احتجاج الفلاحين الفقراء. وبمختصر الكلام، كانت ايطاليا تضم عددا مرتفعا للغاية من تلك العناصر، من الفلاحين الجائعين والمتشردين واللصوص الذين كان باكونين يعلق عليهم أهمية كبرى في روسيا.

والحال أن انجلز هو الذي كان يتولى التراسل مع تلك الأقطار، وكما نستطيع أن نتبين من بعض المسودات التي بقيت لنا، كان يكافح الباكونينيين بلا هوداة.

إن الكراسة الشهيرة عن تحالف باكونين، والتي كانت بمثابة تقرير رفع إلى لجنة مؤتمر لاهاي وتضمن فضحا لسياسة الباكونينيين وتنديدا بها، قد كتبها انجلز ولافارغ الذي كان قد لاذ بالفرار، بعد هزيمة العامية، إلى أسبانيا وخاض غمار مجادلة عنيفة مع أنصار باكونين الأسبان. ولم يعاون ماركس إلا في تحرير الفصل الأخير، لكنه كان متضامنا من وجهة النظر السياسية مع مجمل ذلك البيان الاتهامي الموجه ضد الباكونينية.

بعد 1873 هجر ماركس الحلبة العامة. ففي إبان ذلك العام أنجز الطبعة الثانية للمجلد الأول من الرأسمال وحرر الترجمة الفرنسية التي صدرت طبعتها الأخيرة في 1875. وكان ذلك، مع التذييل الجديد للكتيب القديم عن رابطة الشيوعيين ومقال قصير برسم الرفاق الإيطاليين، وهو كل ما نشره ماركس حتى عام 1880. وبقدر ما كانت تسمح له صحته المتداعية، كان يوالي العمل في مؤلفه الرئيسي الذي كان أنجز مسودته الأولى في حوالي العام 1864. لكن لم يتح له الوقت حتى لتحضير المجلد الثاني الذي كان يعمل فيه آنئذ تحضيرا نهائيا للطبع. ونحن نعلم الآن أن المخطوط الأخير الذي نشر من ذلك المجلد قد كتب في عام 1878. وكان ماركس، المرهق غاية الإرهاق، مهددا بالسكتة الدماغية فيما إذا حاول بذل أي مجهود فكري مضن. وإبان تلك السنوات كان انجلز وأسرته يتوجسون خيفة باستمرار من نهاية فجائية له. كان جسم ماركس القوي، الذي مكنه آنفا من القيام بعمل خارق لطاقة الإنسان، قد حل به وهن شديد، وصار لا يتحمل ما كان يتحمله في سنوات البؤس المادي من التقلبات الجسمانية والمعنوية. ولم تعد ذات جدوى رعاية انجلز المؤثرة له، ومحاولته بكل ما أوتي من طاقة شد أزر صديقه القديم من الناحية الجسمانية. كان ماركس يعمل في مسودة مؤلفه الكبير، وكان يعاود الانكباب عليها بمجرد أن تسمح له قواه بذلك ويبتعد خطر الموت المباشر ويأذن له الأطباء بالعمل لبضع ساعات في اليوم. وكان يعذبه ويقض مضجعه الشعور بأنه لم يعد قادرا على أداء مهمته على نحو ما كان يرجو. قال: «العجز عن العمل هو حكم بالموت بالنسبة إلى كل إنسان لا يريد أن يكون بهيمة». وبعد 1878 اضطر إلى التوقف عن كل عمل في الرأسمال، لكنه لبث متمسكا بحبال الأمل في العودة إلى مزاولة نشاطه بمجرد أن تعود له عافيته. ولم يتحقق هذا الرجاء. كان ماركس ما يزال قادرا على الكتابة، فكان يواصل تدوين الملاحظات، ويتابع بانتباه تطور الحركة العمالية الأممية، ويشارك فيها فكريا مشاركة نشطة، فيرد على العديد من الطلبات والأسئلة التي كانت ترده من أقطار شتى. ولائحة العناوين التي سجلها في كتاب خاص بلغت حجما هائلا بعد عام 1880 بوجه خاص. وكان يطلع مع انجلز، الذي صار يقوم بجل العمل، على مجرى الحركة العمالية التي كانت قيد التطور السريع والتي كانت قد بدأت تنتصر في صفوفها أفكار البيان الشيوعي. وهذا بفضل انجلز الذي بذل بين 1870 و1880، جهدا جبارا.

إن الكلام عن صراع الماركسيين والباكونينيين في الأممية الأولى أمر لا يخلو من غلو ومبالغة. فقد كان الباكونينيون في الواقع كثيري التعداد، لكن صفوفهم كانت مؤلفة من عناصر متنافرة لا يجمع بينها سوى نضالها ضد المجلس العام. وكان الوضع أكثر سوءا بكثير في أوساط الماركسيين. ولم يكن مع ماركس وانجلز إلا حفنة من الرجال تعرف البيان الشيوعي حق المعرفة وتفهم تمام الفهم المذهب الماركسي. ولم يؤد نشر المجلدات الأولى من الرأسمال إلى زيادة عدد هؤلاء كثيرا. فقد كان هذا المؤلف بالنسبة إلى الغالبية الساحقة من الشيوعيين أشبه ما يكون بكتلة من الصوان ينكفئون عليها بحمية… ولكن بلا نتيجة. وحسبنا أن نقرأ كتابات الاشتراكيين-الديموقراطيين في الأعوام 1872-1875، بل حتى كراسات ف.ليبكنخت، تلميذ ماركس المباشر، كي ندرك مدى وهن تطور الدراسة النظرية للماركسية. وغالبا ما كانت الصحيفة المركزية للحزب الألماني تمتلئ بخليط غريب من الأنظمة الاشتراكية الأكثر اختلافا وتباينا. أما منهج ماركس وانجلز والتصور المادي للتاريخ ومذهب الصراع الطبقي، فقد بقي ذلك كله أمرا مغلقا عويص الفهم على معظم الشيوعيين، وكان ليبكنخت نفسه يحيد عن صراط الفلسفة الماركسية إلى درجة الخلط بين مادية ماركس وانجلز الجدلية وبين مادية موليشوت وبوخنر البيولوجية.

أخذ انجلز على عاتقه عنذئذ أن يدافع عن أفكار الماركسية وأن ينشرها، بينما راح ماركس يحاول جاهدا، ولكن بلا جدوى كما رأينا، أن ينجز الرأسمال. وكان انجلز يتناول مقالا ما استوقف انتباهه أو حدثا راهنا كي يبين الفارق العميق بين الاشتراكية الدولانية [40] والأنظمة الاشتراكية الأخرى، أو كي يسلط الضوء على مسألة عملية ما من وجهة نظر الاشتراكية العلمية ويبين طريقة تطبيق منهج هذه الأخيرة عليها.

من ذلك أنه حين نشر البرودوني الألماني موهلبرجر في الصحيفة المركزية للاشتراكية-الديموقراطية الألمانية مقالات عن مسألة السكن، انتهز انجلز السانحة ليظهر للعيان الهوة التي تفصل الماركسية عن البرودونية، متمما بذلك كتاب ماركس بؤس الفلسفة، وليسلط الضوء على واحد من أهم العوامل المحددة لوضع الطبقة العاملة.

وقد أعاد طبع كتابه القديم عن حرب الفلاحين في ألمانيا مع مقدمة جديدة كي يعطي الشيوعيين الشبان مثالا على تطبيق التصور المادي للتاريخ على واحدة من أهم مراحل تاريخ ألمانيا والطبقة الفلاحية الألمانية.

حين انطرحت في الرايخستاخ مسألة العلاوات التي أراد الملاك العقاريون البروسيون الكبار عن طريقها أن يضمنوا لأنفسهم حق مواصلة تصريف مشروباتهم الروحية وبيعها للشعب، أزاح انجلز النقاب في كراسه بعنوان المشروب الروحي البروسي في الرايخستاخ الألماني عن جشع اليونكر واغتنم الفرصة كي يسلط الضوء على الدور التاريخي للملكية العقارية الكبيرة واليونكر البروسيين. وقد اتاحت أعمال انجلز تلك جميعا، مع مقالات أخرى عن التاريخ الألماني، لكاوتسكي ومهرينغ إمكانية تبسيط أفكار انجلز الأساسية وتطويرها في كتاباتهما عن التاريخ الألماني.

لكن أعظم لقب شرف ومجد لانجلز يتمثل في كتاباته في عامي 1876-1877. ففي عام 1875 اتحد اللاساليون والآيزناخيون على أساس برنامج غوتا الذي كان بمثابة تسوية رديئة بين الماركسية وبين ذلك التحريف للماركسية الذي يحمل اسم اللاسالية. وقد احتج ماركس وانجلز بشدة على ذلك البرنامج، لا لأنهما كانا ضد الاتحاد أو لأنهما أرادا بأي ثمن تعديل البرنامج طبقا لتوجيهاتهما. وإنما ارتأيا عن صواب أنه إذا كان الاتحاد ضروريا، فلا حاجة البتة إلى تبني برنامج رديء كأساس نظري لذلك الاتحاد، وقدرا أنه من الأفضل الانتظار والاكتفاء بوثيقة أساسية عامة لتصريف الشؤون العملية اليومية. وكان يشاطرهما وجهات نظرهما كل من بيبل وبراك، ولكن ليس ليبكنخت.

بعد بضعة أشهر أمكن لماركس وانجلز أن يقتنعا بأن الفئتين المتحدتين لا تختلفان في المستوى من منظور الإعداد النظري. فقد طفق مذهب الفيلسوف والاقتصادي الألماني ا.دهرينغ يكتسب شعبية واسعة في الحزب في أوساط الأعضاء الشبان والمثقفين وكذلك العمال. وقد كان دهرينغ لحين من الزمن أستاذا مساعدا في جامعة برلين، وقد أحاط نفسه بهالة من الود والتعاطف العام بفضل شخصيته وجرأة آرائه على حد سواء. وكان يلقي، وهو الضرير، محاضرات في تاريخ الميكانيكا والاقتصاد السياسي والفلسفة. وكان تنوع معارفه مثارا للدهشة، إذ كان من المعلوم أنه بحاجة إلى من يقرأ له الكتب اللازمة له وأنه كان يملي مؤلفاته. كان على جميع الأحوال رجلا نابغة. وحين شرع بحملة نقد عنيفة للمذاهب الاشتراكية القديمة، وبخاصة مذاهب ماركس، لقيت محاضراته صدى واسعا وتركت أثرا ووقعا. وخيل للطلبة والعمال الألمان، وكذلك للمعجبين الروس بدهرينغ، أنهم يسمعون للمرة الأولى «صوت الحياة في مضمار الفكر». وكان دهرينغ ينوه بأهمية النشاط والكفاح والصراع والاحتجاج، ويعارض العامل الاقتصادي بالعامل السياسي، ويلح على أهمية القوة والعنف في التاريخ. وما كان في مناظرته يتحرج، فكان يهاجم بقدر سواء من العنف ماركس ولاسال، ولا يتردد في محاجَّته في التذكير بأن ماركس يهودي.

تردد انجلز مليا قبل أن يرد على دهرينغ. وفي النهاية صد لإلحاف أصدقائه الألمان ونشر في 1877 في صحيفة الحزب المركزية، «فورفاتس»، سلسلة من المقالات أعمل فيها معول الهدم في نظريات دهرينغ. بيد أن تلك المقالات أثارت استنكار العديد من رفاقه الحزبيين. فقد كان يتزعم أنصار دهرينغ يومئذ برنشتاين، منظِّر التحريفية المقبل، وموست، الزعيم المقبل للفوضويين الألمان. وفي مؤتمر الاشتراكية-الديموقراطية الألمانية هاجم عدد من المندوبين، وفي عدادهم اللاسالي القديم فالتش، انجلز بعنف. بل كاد المؤتمر أن يتخذ قرارا بحظر مواصلة نشر مقالات انجلز في الصحيفة المركزية للحزب الذي كان يعتبر ماركس ولاسال معلميه.

وكادت القضية أن تنقلب إلى فضيحة لو لم يتقدم في نهاية الأمر أحد الموفقين باقتراح إلى مواصلة نشر مقالات انجلز، لا في الصحيفة المركزية نفسها، وإنما في ملحق خاص. وتم إقرار الاقتراح.

جمعت تلك المقالات فيما بعد في مجلد، وصدرت في 1878 في طبعة خاصة. وقد ترك ذلك الكتاب: الثورة التي قام بها دهرينغ في العلم أو كما نسميه عادة الآنتي-دهرينغ، ذكرا دائما في تاريخ الماركسية. فعن طريق ذلك الكتاب عرف الجيل الطالع الذي شرع بالنضال في فترة 1876-1880 ما كانته الاشتراكية العلمية، وما كانته مبادئها الفلسفية ومنهجها. و«الآنتي-دهرينغ» خير مدخل إلى «الرأسمال». حسبنا أن نقرأ المقالات التي كتبها يومذاك الماركسيون المزعومون حتى نرى غرابة النتائج التي كانوا يستخلصونها من الرأسمال الذي كانوا يؤولونه خبط عشواء. ولا محيص لنا من الإقرار بأن ما من كتاب بعد الرأسمال فعل ما فعله الآنتي-دهرينغ فيما يتعلق بنشر الماركسية كمنهج وكنظام قائم بذاته. وعلى يد ذلك الكتاب تثقف جميع الماركسييين الشبان، برنشتاين وكاوتسكي وبليخانوف، الذين ابتدؤوا نشاطهم في 1880-1885.

بيد أن الآنتي-دهرينغ لم يؤثر على قادة الحزب وحدهم. ففي 1880 اختار انجلز، بناء على طلب الماركسيين الفرنسيين، بعض الفصول من الكتاب، وبعد ترجمتها إلى الفرنسية عرفت انتشارا واسعا يضاهي انتشار البيان الشيوعي. وقد صدرت تلك الفصول مجتمعة تحت عنوان الاشتراكية الطوباوية والاشتراكية العلمية. وقد ترجم ذلك الكتاب للحال إلى البولونية، وبعد عام ونصف عام من نشره في طبعة خاصة بالألمانية صدر أيضا باللغة الروسية. وقد أنجز انجلز جميع تلك الأعمال فيما كان ماركس لا يزال على قيد الحياة، وكان هذا الأخير يساهم فيها أحيانا لا بالنصائح فحسب، وإنما مساهمة مباشرة، كما فعل على سبيل المثال في الآنتي-دهرينغ إذ حرر منه فصلا بكامله.

بعيد عام 1880 حدث انعطاف في الحركة العمالية الأوربية. فبفضل انجلز ونشاطه الذي لا يعرف الكلل وبراعته كمبسط، راجت الأفكار الماركسية تنتشر باطراد في صفوف الحركة العمالية. ففي ألمانيا، حيث سرى على الحزب الاشتراكي-الديموقراطي في عام 1876 مفعول القانون المناهض للاشتراكيين، تمكن التيار الماركسي، بعد توقف قصير، من التغلب أكثر فأكثر على التيارات الأخرى. وكما يتضح لنا من ذكريات بيبل، لعب مناضلو لندن القدامى دورا كبيرا في ذلك الانعطاف: فقد هددوا بالاحتجاج علنا وجهارا إذا لم يوضع حد لما سموه بـ«الفضيحة»، وإذا لم يشن نضال لا هوادة فيه ضد كل محاولة للاتفاق مع البرجوازية.

وفي فرنسا تنظم في مؤتمر مرسيليا في عام 1879 حزب عمالي جديد على أساس برنامج اشتراكي. وضم ذلك الحزب مجموعة من الماركسيين الشبان كان على رأسها باكونيني سابق هو جول غيد. وفي 1880 تقرر وضع برنامج جديد. وتوجه غيد ورفاقه لهذا الغرض إلى لندن قاصدين ماركس الذي شارك مشاركة نشطة في وضع ذلك البرنامج. ولما لم يوافق ماركس في القسم العملي من البرنامج على بعض النقاط التي كان الفرنسيون يصرون عليها لأهميتها للتحريض المحلي، أخذ على عاتقه القسم المبدئي فصاغه برمته. وقد دلل من جديد على عمق معرفته، رغما عن مزاعم مهرينغ، بخصائص فرنسا وتفهمه لها، فجاءت صياغته متضمنة بصورة منطقية لمبادئ الشيوعية الأساسية، وفي متناول كل فرنسي في الوقت نفسه. وصار البرنامج الفرنسي نموذجا يحتذى بالنسبة إلى جميع البرامج التي تلته: البرنامج الروسي، البرنامج النمساوي، وبرنامج إرفوت، ووضع غيد ولافارغ في وقت لاحق شرحا لذلك البرنامج، وما لبث ذلك الشرح أن ترجم إلى الألمانية على يد برنشتاين، ثم إلى الروسية على يد بليخانوف تحت عنوان ما يريده الاشتراكيون-الديموقراطيون. وعلى ذلك المؤلَّف تثقف الماركسيون الروس الأوائل. فكان بالنسبة إليهم، مع كراسة انجلز، مدخلا إلى دراسة البرنامج ووجيزا ممتازا للتعليم في الحلقات العمالية.

وضع ماركس للفرنسيين استمارة أسئلة مفصلة لاستخدامها في استقصاء عن وضع الطبقة العاملة. وقد صدرت تلك الاستمارة بلا توقيع ماركس. وبينما كان الاستقصاء الذي وضع خطوطه العريضة في المذكرة-التقرير إلى مؤتمر جنيف في 1866 لا يحتوي على أكثر من خمسة عشر سؤالا، ضم الاستقصاء الجديد مئة سؤال ونيفا. وقد استدرك فيه أدق تفاصيل الحياة العمالية. وكان بالنسبة إلى ذلك الزمان استقصاء ممتازا لا يمكن أن يضعه إلا خبير بالمسألة العمالية نظير ماركس. وقد قدم دليلا جديدا على أن ماركس يملك المقدرة على تفهم الشروط العينية، وأنه يتسم، بالرغم من كل الاتهامات التي صوَّرته مولعا بالتجريد، بحس عميق بالواقع. فأن يعرف الإنسان كيف يحلل الواقع، وأن يعرف كيف يستنبط منه استنتاجات عامة، لا يعني بالضرورة الانفصال عنه والتحليق فوق ذرى التجريد. ومن سوى الحظ أن تلك الاستمارة المنشورة باللغة الفرنسية لم تترجم للحال إلا إلى البولونية. أما بالروسية فلم يقيض لها النشر، بناء على اقتراحي، إلا في السنة الماضية في واحدة من جرائد النقابات.

كان انجلز وعلى الأخص ماركس يتتبعان بانتباه الحركة الثورية الروسية. وقد انكب كلاهما على دراسة اللغة الروسية. ولم ينصرف ماركس إلى تلك الدراسة إلا في زمن متأخر، ولكنه فعل ذلك بحماسة بالغة، فبات في أجل قصير قادرا على أن يقرأ لا دوبروليبوف وتشرنيشفسكي فحسب، بل كذلك سالتيكوف وستشدرين، وهما من الكتاب الذين تشق مطالعتهما كثيرا على الأجانب. وتوصل إلى قراءة الترجمة الروسية لـ الرأسمال. وخلافا لما يؤكده مهرينغ، ما ونت شعبية ماركس عن التعاظم في روسيا بعد مؤتمر لاهاي. وكان ماركس يحظى في روسيا، بصفته ناقدا للاقتصاد السياسي البرجوازي، بنفوذ كبير لا يحظى بمثله في أي بلد آخر، ولا حتى في ألمانيا، وقد ترك تأثيرا عميقا في عدد من الكتاب الروس ممن حدد لهم وجهة أعمالهم. وتتردد أصداء تأثير ماركس بصورة مباشرة أو غير مباشرة في مؤلفات اقتصاديين روس من أشباه سيبر ويانجول وكابلوكوف وكوفمان، ومؤرخين روس من أمثال كوفالفسكي ولوتشيتسكي. أما مؤلفات ماركس الأخرى، عدا الرأسمال، فلم تكن معروفة كثيرا. كذلك كان معظم الروس يجهلون جهلا مطبقا فلسفة ماركس والتصور المادي للتاريخ، أو لم تكن لهم عنهما إلا فكرة مبهمة للغاية.

صحيح أنه كان بحكم المعروف منذ عهد بعيد أن ماركس يعزو أهمية راجحة إلى العلاقات الاقتصادية. فكما أوضحت في عام 1901، ترجم تكاتشوف، الناقد المعروف الذي مثل في قفص الاتهام في محاكمة نتشائيف، إلى الروسية في عام 1865 المقدمة المشهورة لـ نقد الاقتصاد السياسي، تلك المقدمة التي عرض فيها ماركس بإيجاز التصور المادي للتاريخ. لكن في الوقت الذي كان فيه تكاتشوف، ومن بعده سيبر وتيقولاي، يقر بالأهمية الفاصلة للشروط الاقتصادية، كان على جهل مطبق بالعلاقة القائمة بين التصور الاقتصادي للتاريخ ومذهب الصراع الطبقي.

بعد 1870 أثر ماركس وانجلز تأثيرا مباشرا على لافروف الذي كان يصدر في لندن مجلة إلى الأمام. وكان أتباع لافروف في روسيا، نظير الاشتراكيين-الديموقراطيين عصرئذ، يكنون إجلالا عميقا لماركس، لكنهم كانوا يمزجون الماركسية بضروب شتى من المذاهب المثالية. ولم يكن ماركس أقل نفوذا في أوساط الباكونينيين الروس الذين كانوا قد عزفوا عن طرائق نتشائيف وكيفوا تعاليم باكونين مع الشروط الروسية محولين إياها إلى ضرب من الشعبوية الثورية.

كان ماركس وانجلز في حوالي العام 1878 يكنان أعظم التقدير لحركة نارودنايا فوليا. كان يعتبران روسيا القيصرية المعقل الرئيسي للثورة المضادة العالمية، فكانا يريان في النضال البطولي لأعضاء نارودنايا فوليا حركة ثورية قوية موجهة ضد القيصرية. وكانت نارودنايا فوليا تعتبر ماركس واحدا من أعظم معلمي الاشتراكية، وأقرت له بذلك على رؤوس الأشهاد في خطاب خاص وجهته إليه، وهو ينطوي بذاته على فائدة جلى.

خلف لنا ماركس جملة من المخطوطات والرسائل التي تظهر مدى اهتمامه بدراسة الأدب والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية الروسية. بل كان أقاربه والمقربون إليه يحتجون على ما كان يبديه معارفه الروس من أمثال نيقولاي (دانيلسون) من حمية لا تخلو من إسراف وشطط في إرسال مواد إحصائية شتى إليه. كانوا يرون بأم أعينهم تردي حالته الصحية، فكانوا يخشون أن يؤدي إقباله المجاوز الحد على المطالعة لتحضير الرأسمال إلى إلحاق أذى عضال بجسمه الذي كان ينوء أصلا تحت وطأة الإرهاق. ويتجلى لنا ما كان يبديه ماركس من عناية وحمية في دراسة أوضاع روسيا لا في الملاحظات التي كان يدونها في دفاتره فحسب، بل أيضا في رسائله إلى نيقولاي التي تحتوي على تأملات للاهتمام للغاية بصدد روسيا. وقد أتاحت له دراسة جدية للمعطيات المتعلقة بحالة الزراعة أن يحدد لا الأسباب الرئيسية لرداءة المحاصيل فحسب، بل أن يصوغ أيضا قانون دوريتها، وهو قانون قد تأكدت صحته فيما بعد حتى أيامنا هذه في روسيا.

كان ماركس يريد أن يستخلص نتيجة أعماله في المجلد الثالث من الرأسمال الذي درس فيه أشكال الملكية العقارية. لكن لم يتح له الوقت لذلك مع الأسف. فحين وجهت إليه فيرا زاسوليتش في 1881 رسالة تسأله فيها لها ورفاقها رأيه حول مصير المشاعة القروية الروسية، انكب على العمل للحال. لست ادري إذا كان كل من زاسوليتش وبليخانوف قد استلما جوابه. افترض أن لا. وقد أمكنني أن أعثر على المسودة. وهي تظهر للعيان أن مقدرة ماركس على العمل قد ارتجت بقوة. فقد ملأها ماركس بالشطوب والكلمات المضافة، وأرجح الظن أنه لم يتح له الوقت لإنهائها [41]. وسأنشرها عما قريب.

استطاع ماركس، بالتعاون مع انجلز، أن يكتب أيضا مقدمة للطبعة الروسية الجديدة من البيان الشيوعي، تلك الترجمة التي كان يعتقد أن زاسوليتش هي التي قامت بها، مع أنها كانت في الحقيقة من عمل بليخانوف.

لقد نصب التاريخ في الواقع نوعا من المقلب لماركس وباكونين. فما من أحد في مجموعة الثوريين التي كانت تتألف منها الشعبة الروسية من الأممية التي انتخبت ماركس ممثلا لها في المجلس العام صار ماركسيا متماسك المنطق. بل إنهم جميعهم، خلا لوباتين، هجروا الاحتراف الثوري أو صاروا من المرتدين. وعلى العكس من ذلك خرج من صفوف الباكونينيين الروس كل من بليخانوف وزاسوليتش واكسلرود ودويتش، أي الماركسيون الروس الأوائل الذين لم تكن الماركسية بالنسبة إليهم مجرد مذهب اقتصادي، وإنما جبر الثورة.

كان آخر عام ونصف عام من حياة ماركس رحلة بطيئة نحو الموت. كان ما يزال أمام ماركس مشروع عمل ضخم، وكان ينكفئ عليه كلما سمحت له صحته بذلك. وكان قد رسم، حين كان في عز قواه، نموذج الإنتاج والتبادل الرأسماليين ومعالمهما وحدد قوانينهما الأساسية. بيد أن القوة خانته فما استطاع أن يصنع من ذلك عملا حيا، ناجزا، مكتملا، شأن المجلد الأول من الرأسمال الذي يسلط ساطع الضوء على أوالية الإنتاج الرأسمالي والصراع الذي تدور رحاه على قاعدته بين الرأسمالي والعامل.

فتك المرض فتكا ذريعا بماركس، ونهك قواه الجسمية تماما فما أمكنه أن يتحمل ضربتين موجعتين للغاية انهالت عليه على التوالي: موت زوجته وموت ابنته. ولقد كان ماركس، على الرغم من جلافة طبعه، ومهما بدا ذلك غريبا، يحب أسرته حبا جما، وكان وديعا للغاية في حياته الخاصة، وكان من هذا المنظور يشبه غاية الشبه تشيرنيشفسكي. وحين نقرأ رسائله إلى كبرى بناته، التي تألم منتهى الألم لفقدها حتى بات أصحابه يتوقعون أن يفارق الحياة بين يوم وآخر، نقف مدهوشين أمام ما يحمل ذلك الرجل الجلف للغاية في مظاهره من حساسية وحنان لا غور له بين جنباته.

سأبيح لنفسي استطرادا بسيطا. فحين أقيم أثناء المؤتمر التاسع للحزب حفل على شرف لينين، أرغمني المؤتمرون على إلقاء كلمة. وقد فعلوا ذلك، متأملين في أرجح الظن أنني لن أغدق على لينين إلا عاطر الثناء. وقد نوهت يومذاك ببعض خصال لينين التي جعلته يبدو غريبا جدا في أنظار رفاقنا الغربيين. رويت في ما رويت دهشة فكتور آدلر حين أبلغته، أثناء حديثنا عن الوسائل القمينة بانتشال لينين وزينوفييف بأسرع ما يمكن من الوضع المربك الذي كانا عليه في النمسا في بداية الحرب، أن لينين يعبد أسرته وأن قلبه عامر بالعطف على والدي زوجته. وكان مارتوف قد نشر قبيل ذلك بقليل، حتى يسيء إساءة قاضية إلى سمعة لينين والبلاشفة، كراسة مقيتة صوّر فيها لينين بصورة زعيم لجماعة من قطاع الطرق والمصادرين الذين لا يتورعون عن شيء ولا يردعهم وازع من ضمير.

وكما أصغى إلى فكتور آدلر بدهشة وأنا أتكلم عن لينينن كذلك يقرأ الآن جميع الأدعياء بله المستجدين الثوريين بدهشة قصة السنوات الأخيرة من حياة ماركس. تراهم يقولون أنه لأمر يدعو إلى الأسف أن يكرس الثوري شطرا من قواه لشيء آخر غير الثورة. فعلى الثوري الحقيقي، طوال حياته، ولأربع وعشرين ساعة في اليوم، أن يلزم موقعه وأن يكون حيث يقضي الواجب. من الصباح إلى المساء، ومن المساء إلى الصباح، يكتب أو يتخذ قرارات. رجل قدّ من كتلة واحد من الفولاذ الثوري، مصمت القلب دون أي عاطفة إنسانية. يعيش من غير أن يشرب أو أن يأكل، أو يكتفي عند الاقتضاء، مثل يوحنا المعمدان، بالجراد والعسل البري (وما هذا القوت أصلا بأدنى من قوت الكثيرين من مناضلينا في 1918-1919). أما يسوع المسيح، فهو بالأصل أبيقوري. عنه يقول الإنجيل أنه كان يأكل ويشرب، وأنه لعن شجرة التين لعقمها. ومع ذلك كان يسوع أشد حزما وأقوى تصميما في ثورته من الرسول المتزمت بطرس الذي أنكره، لأسباب سياسية، ثلاث مرات.

ينبغي الحكم على كل شيء من وجهة النظر الإنسانية. فأنتم أيضا، حين تقرؤون سيرة حياة رجال توقرونهم وتجلونهم، يسعدكم أن تعلموا أن من تجلونه إنسان كسائر الناس، لكنه أذكى وأكثر ثقافة وأعظم نفعا لقضية الثورة. وإنما فقط في المآسي القديمة والتراجيديات التي تدعي الكلاسيكية يصور الرجال بصورة الأبطال: يسيرون فتنهار الجبال، يضربون الأرض بأقدامهم فتنشق وتفغر فاها، ويأكلون ويشربون كالآلهة.

بهذه الصورة يُصور أحيانا ماركس على غرار ما تفعل عزيزتنا كلارا زتكن التي لا تخلو من جنوح إلى المغالاة والتشدق. ومن يصور ماركس بتلك الصورة ينسى جوابه إلى أولئك الذين سألوه عن حكمته المأثورة: Homo Sum: Humani Nihil A Me Alieneum Puto [42] . كان، من شأن كل إنسان، يقترف أخطاء. فكان كثيرا ما يبدي أسفه لفرط ثقته بالناس، على سبيل المثال، أو يعرب عن حزنه لما يقترفه من حيف بحق بعض الأشخاص. وفيما يتعلق بي، أستطيع أيضا أن أغفر له شغفه بالنبيذ، وهو ابن مقاطعة الموزيل، لكنني لا أستطيع، على ما أكنّ له من حب، أن أغفر له ولعه بالتبغ. فقد كان يقول بنفسه، ولو على سبيل المزاح، أن الرأسمال لم يدر عليه حتى ما يسد به ثمن التبغ الذي دخنه في تأليفه. والحال أن عوزه قضى عليه بأن يدخن تبغا رديئا، مما قصّر أيام حياته وأورثه التهابا رئويا مزمنا عانى بسببه أوجاعا لا تطاق في سنيه الأخيرة.

فارق ماركس الحياة في 14 آذار 1883. ولقد أصاب انجلز عين الحقيقة حين كتب يوم وفاته إلى رفيقه القديم سورجه:
«إن جميع الظاهرات، حتى أعظمها هولا، التي تتم وفق سنن الطبيعة، لتنطوي على عزاء. وكذلك الحال هذه المرة. ربما كان ما يزال في وسع فن الطب أن يهبه عامين أو ثلاثة أعوام أخرى من حياة خاملة، من حياة عاجزة لإنسان يموت ببطء، لكن ما كان لماركس أن يطيق حياة كتلك. فأن يبقى على قيد الحياة وأمامه جملة من الأعمال غير المنجزة وأن يتعذب عذاب طنطال [43] وهو يعاين عجزه عن إتمامها كان أشق عليه بألف مرة من ميتة هادئة. كان من عادته أن يقول مع أبيقور: «ليس الموت رهيبا على من يموت، وإنما على من يبقى على قيد الحياة». وما كان أفظعه من مشهد لو كنا سنرى ذلك الرجل العبقري، القوي، وقد أمسى طللا متداعيا، يجرجر أذيال الحياة ليتباهى به الطب ويشمت به الجهلة الأدعياء الذين ساطهم بلا رحمة أو شفقة يوم كان في عز قواه، والذين ما كانوا والحالة هذه إلا ليهتبلوا الفرصة السانحة كي يتخذوا منه هزأة لهم، وأنه لأفضل بألف مرة أن يكون الأمر قد تم على نحو ما تم به، وان يكون قد توارى عن الوجود لنواريه بعد غد في الرمس الذي ترقد فيه زوجته.

في رأي أنه لم يكن هناك، بعد كل ما عاناه، من منفذ آخر، وإني لأعلم ذلك خير مما يعلمه النطاسيون جميعا.

ليكن ما كان. فالإنسانية خسرت رأسا، وأي رأس! خسرت واحدا من أعظم ممثليها عبقرية.

ستتابع حركة البروليتاريا طريقها، لكن لن يكون على رأسها بعد الآن القائد الذي كان يلجأ إليه في الساعات الحرجة الفرنسيون والروس والأمريكان والألمان، والذي كان يسدي إليهم على الدوام نصائح واضحة وموثوقة، نصائح لا يمكن أن يسديها إلا نابغة ورجل مطلع أتم الإطلاع على مجرى المسألة».

وقعت أعباء عظيمة الأهمية على عاتق انجلز عندئذ. وكان انجلز يحتل بصورة طبيعية وعن طيب خاطر مؤخرة المسرح يوم كان ماركس حيا يرزق، مع أنه كان كاتبا نابها، وواحدا من خيرة من كتبوا بالألمانية، وذا إطلاع وتبحر واسع، واختصاصيا في جملة من القضايا.

«لا أستطيع أن أنكر أنني ساهمت في توطيد النظرية، وعلى الأخص في إنشائها، خلال الأربعين سنة التي جمعتني فيها الصلة بماركس. لكن القسم الأعظم من الأفكار الرئيسية، وبخاصة في التاريخ والاقتصاد، وكذلك صياغتها النهائية، يعودان إلى ماركس وحده. وما أعطيته شخصيا كان ماركس يستطيع بسهولة أن يسد فيه مسدي، ما عدا –من الجائز- قسمين أو ثلاثة أقسام اختصاصية. لكن ما فعله ماركس ما كان بوسعي قط أن أفعله. كان ماركس أسمى موقعا، ويرى إلى أبعد، وكانت رؤيته أرحب وأسرع من رؤيتنا. كان عبقريا، أما نحن فما كنا في أحسن الفروض إلا ذوي مواهب. بدونه ما كانت نظريتنا لتكون ما هي عليه. ولهذا تحمل بإنصاف اسمه».

بات متوجبا على انجلز، كما كتب إلى بيكر، أن يقوم بعبء الدور الأول، وهو الذي لم يلعب في حياته كلها سوى الدور الثاني الذي قبل به بغبطة وحبور. وكان ماركس على وفاق تام مستديم. وكانت أول مهمة –فائقة الأهمية- تقع على كاهل انجلز بعد وفاة ماركس هي جرد الميراث الأدبي لهذا الأخير. وعلى الرغم من افتراضات أستاذ إيطالي كان في رسائله إلى ماركس قد أبدى له ضروب الزلفى والتملق، ثم ما لبث بعد وفاته أن تجاسر وكتب أن ماركس بإحالته القراء في المجلد الأول من الرأسمال إلى المجلدين الثاني والثالث إنما كان يخدعهم لا أكثر ولا أقل، وجدت بين أوراق ماركس مخطوطات مجلد ثانٍ وثالث ورابع. والمؤسف أم جميع تلك المواد تركت في حالة أوجبت على انجلز، الذي ما كان يستطيع أن يكرس لها وقته كله، أن يمضي أحد عشر عاما في إعادة ترتيبها وتصنيفها. وكان ماركس يكتب بطريقة تكاد أن تكون غير مقروءة، وكثيرا ما كان يستخدم اختصارات لا يفهمها أحد سواه. وقبيل وفاته بقليل، وحين أدرك أنه عاجز عن إنجاز عمله، قال لابنته الصغرى أن انجلز قد يتمكن من استخلاص شيء ما من تلك الأوراق.

ومن حسن الحظ أن انجلز استطاع القيام بالقسم الرئيسي من ذلك العمل. وطبع المجلدين الثاني والثالث من الرأسمال. ولا يسمح لي مخطط محاضراتي بالتوقف عند عمله هذا، على اعتبار أن عرض المجلد الأول بالذات من الرأسمال قد أرجئ إلى دورة أخرى. وتبيانا لأهمية عمل انجلز، سأقول لكم أنه لولاه لما قدر أحد على إنجازه. صحيح أن العمل تشوبه بعض العيوب، بيد أن تبعتها لا تقع على عاتق ماركس وحده. وليس لنا إلا أمل واهٍ في أن نضع اليد ذات يوم على جميع المخطوطات كما حصل عليها انجلز، ولا يسعنا، نحن والأجيال القادمة، أن ندرس المجلدين الأخيرين من الرأسمال إلا في حالتهما الراهنة، وفي الشكل الذي أعطاهما إياه انجلز.

وكانت أمام انجلز مهمة أخرى، كان فيما سبق ينجزها بوصفه مساعد ماركس ومعاونه، وباتت الآن تقع على عاتقه بكاملها. فبعد حل الأممية الأولى، والى ماركس وانجلز أداء وظائف المجلس العام القديم. واعتبارا من ذلك اليوم بات على انجلز وحده أن يكون الوسيط بين مختلف الأحزاب الاشتراكية، وأن يسدي إليها النصائح، وأن يبقى من ثم على إطلاع دقيق على مجريات أوضاعها. والحال أن الحركة العمالية الأممية شهدت، غب وفاة ماركس على وجه التحديد، تطورا كبيرا، بحيث انطرحت في عام 1886 مسألة تنظيم أممية جديدة. لكن حتى بعد عام 1889، وهو العام الذي اجتمع فيه في باريس المؤتمر الأول التأسيسي للأممية الثانية التي بقيت بلا مكتب مركزي متفرغ حتى عام 1900، لبث انجلز، بوصفه كاتبا ومستشارا، يسهم بأكبر قسط في الحركة العمالية في جميع بلدان أوربا تقريبا. وبات المجلس العام القديم، الذي كان مؤلفا من عدة أعضاء وله أمناء لكل قطر، متجسدا الآن في شخص انجلز وحده. فما أن تبرز إلى حيز الوجود مجموعة ماركسية جدية في قطر من الأقطار، حتى تبادر انجلز بطلب النصح، فكان هذا الأخير، بما يتوفر له من معرفة ممتازة باللغات، يتمكن من الرد بلا تأخير على الكثيرين من مراسليه بلغتهم الأم. وكان انجلز يتتبع بانتباه الحركة العمالية في كل قطر بأدبياتها الخاصة. وكان ذلك يستغرق منه زمنا كثيرا، لكنه كان يوطد على هذا النحو نفوذ الماركسية، موفقا ببراعة بين المبادئ وبين خصائص كل قطر. ولم يكن هناك قطر واحد لم يشارك انجلز في حركته العمالية ولم يكتب في صحيفتها المركزية. وقد نشر مقالات في الصحف الألمانية والنمساوية والفرنسية، ووجد متسعا من الوقت أيضا ليكتب مقدمة للترجمة البولونية لـ«البيان الشيوعي»، وساعد بنصائحه أو بتوجيهاته الماركسيين الاسبان والبرتغاليين والسويديين والدانمركيين والبلغاريين والصربيين.
ويخلق بي أنوه بالمساعدة الخاصة التي قدمها للماركسية الروسية الفتية. فقد كان معرفته بالروسية تسمح له بأن يقرأ الأدب الماركسي الروسي بلغته الأصلية، وبفضل تأثيره دون سواه تمكنت مجموعة تحرير العمل [44]، بالرغم من النفوذ الهائل لـ«نارودنايا فوليا»، من توثيق الصلات بسرعة مع الماركسية الألمانية ومن التغلب على الريبة التي كانت أوربا الغربية، وبخاصة ألمانيا وفرنسا، تحيط بها الماركسية والحركة العمالية في قطر آسيوي نظير روسيا. وفي عام 1889 قصد بليخانوف لندن للتعرف إلى انجلز ولإطلاعه على التيار الجديد الذي أخذ يبرز وسط الحركة الثورية الروسية. وكتب انجلز مقالا خاصا عن السياسية الخارجية للقيصرية لأول مجلة ماركسية روسية شرعت باصدراها مجموعة تحرير العمل [45].

وسرعان ما عاين انجلز ثمار نشاطه الجبار. وحين أسست الأممية الثانية، لم يشارك مباشرة في أعمال مؤتمراتها. فقد كان يتجنب المداخلات العامة ويكتفي بكونه مستشارا لأولئك الذين يتولون من بين تلاميذه، في جميع أقطار العالم، قيادة الحركة، ويعلمونه بالأحداث الهامة، ويسعون إلى الإفادة من نفوذه وهيبته. وبفضل حظوة انجلز اكتسبت بعض الأحزاب نفوذا مرموقا في الأممية وحافظت عليه. وفي أواخر حياته، ترتبت على ذلك النهج، القائم على التعامل فقط مع زعماء الحزب الرئيسي في كل قطر، بعض المحاذير. ففي حين رفع انجلز صوته بالاحتجاج المباشر على جموح الماركسيين الفرنسيين في المسألة الفلاحية ونوه بالطابع البروليتاري للبرنامج، تراجع أمام الألمان المتخوفين من إعادة العمل بالقانون المناوئ للاشتراكيين وخفف حدة لهجة المقدمة التي وضعها لمقالات ماركس عن صراع الطبقات في فرنسا، تلك المقالات التي تعد تطبيقا باهرا لمبدأ الصراع الطبقي المستعر ودكتاتورية البروليتاريا.

وحين قد انجلز للطبعة الألمانية الرابعة لـ«البيان الشيوعي» -وهي المقدمة التي كتبها يوم الاحتفال العالمي بالأول من أيار (1890)- نوه بتنامي الحركة الأممية وأعرب عن الأسف لأن ماركس لم يبق على قيد الحياة ليشاهد بأم عينه ذلك المشهد الذي يبعث العزاء والسلوان في النفس. وفي حين أن ماركس لم يشهر إلا في الأوساط الأكثر تقدما من الحركة العمالية ولم يتوصل أثناء حياته إلى الشعبية الواسعة، صار انجلز، الذي كان يعرف حق المعرفة أهمية الدعاية، على الرغم من أنه كان يمقتها شأن صديقه فيما يتعلق به شخصيا، صار في أواخر حياته واحدا من أشهر قادة الحركة الأممية. وقد أمكنه أن يقتنع بذلك حين استسلم لأول مرة في عام 1893 لإلحاح أصدقائه وإلحافهم، وذهب لزيارة البر الأوربي. فقد أخذت المسيرات والاحتفالات الجماهيرية والحفاوات التي نظمت على شرفه طابعا من العظمة بحكم التطور الرائع للحركة العمالية بعد عام 1863. ومن قبيل ذلك أن استقبالا منقطع النظير أعد لانجلز في المؤتمر الأممي في زوريخ مع أنه كان لا يريد أن يكون فيه أكثر من مدعو، وقد اكتفى بإلقاء خطبة قصيرة في نهاية الدورة.

ينبغي عليّ أن اشير هنا إلى حادثة في ذلك المؤتمر الذي حضره انجلز. فقد كان الحزب الاشتراكي البولوني يتمتع يومئذ بنفوذ مجاوز الحد في الأممية، وكان يتباهى فيها بماركسيته ويطرح شعار استقلال بولونيا، منحرفا أكثر فأكثر نحو الاشتراكية-الوطنية الأشد ابتذالا. وبالتوازي مع ذلك الحزب برزت مجموعة ماركسية أخرى لفتت الأنظار منذ ذلك الحين إلى انحراف الحزب الاشتراكي البولوني عن الخط البروليتاري. وقد طلبت تلك المجموعة الصغيرة، بقيادة روزا لوكسمبورغ، أن تقبل في مؤتمر زوريخ. لكن الطلب رد. ولم يؤيده بليخانوف أيضا لأنه كان يقدر، كما روى لي بحضور انجلز، أن جهود تلك المجموعة لن تثمر ولن تحرز تقدما. وقد كانت هناك، بالطبع، أسباب أخرى، يأتي في طليعتها أن مجموعة روزا لوكسمبورغ كانت تؤكد على صالاتها بالمنظمة البولونية «بروليتاريا» التي كانت فيما سلف حليفة نارودنايا فوليا وحاربت بالتالي مجموعة تحرير العمل.

مهما يكن من أمر، لبثت مجموعة لوكسمبورغ معزولة عزلة تامة. ورُجيت روزا لوكسمبور نفسها أن تغادر المؤتمر. وقد تحملت تلك الإهانة أمام الأممية كلها، وبحضور انجلز ذاته. ولعلها بكت، لكنها لم تضمر ضغينة لا لماركس ولا لانجلز ولا للاشتراكية العلمية، بل ازدادت تصميما في يقينها، وقالت بينها وبين نفسها: سوف نقنع الأممية وسوف نثبت لها صحة موقنا. وهذه الميزة على وجه التحديد هي التي كانت تميز روزا لوكسمبورغ عن غالبية المثقفين البائيسن الهزيلين الذين إذا دفعت بهم المصادفة إلى الدخول إلى حزب اشتراكي ووقعوا ضحايا لظلم ظاهر أو فعلي، سارعوا إلى الخروج من ذلك الحزب، وإلى الافتئات عليه، وإلى الانتقال من ثم إلى صفوف البرجوازية. إن الحزب ليس مدرسة داخلية لبنات النبلاء. إنه يتألف من أفراد أحياء قد يتبادلون أحيانا، وهم في المعترك، ضربات موجعة. هذا أمر مستكره، لكنه محتم، على الصعيد القومي كما على الصعيد الأممي. وبعد مؤتمر زوريخ ذاك، الذي أنزل حيفا بأشخاص آخرين ما لبثوا لاحقا أن انحازوا إلى جانب الفوضويين، أو بكل بساطة إلى جانب البرجوازية، أثبتت روزا لوكسمبورغ أنها فعلا تلميذة ماركس وانجلز، ممثلَي أولئك المثقفين الثوريين حقا الذين لا دور لهم غير أن يساعدوا الطبقة العاملة على وعي نفسها وعلى تحويل العمال الثوريين لا إلى مثقفين وإنما إلى عمال مثقفين.

احتفظ انجلز، بخلاف ماركس، بقدرته على العمل إلى سن الخامسة والسبعين تقريبا. ففي آذار 1895 كتب إلى فكتور آدلر رسالة مهمة أشار فيها إلى الترتيب الذي يخلق أن يقرأ به المجلدان الثاني والثالث من الرأسمال. وفي تلك الحقبة أيضا كتب تتمة مهمة للمجلد الثالث. وكان يتهيأ أيضا لكتابة تاريخ الأممية الأولى. وفي إبان ذلك النشاط الفكري ألم به مرض فارق على أثره الحياة في 5 آب 1895.

يرقد ماركس في مقبرة هايغيت في لندن قي ضريح واحد مع زوجته وحفيده. ويتألف قبره من حجر واحد بسيط. وحين كتب بيبل إلى انجلز عن عزمه على اقتراح تشييد نصب فوق جدث ماركس، رد عليه انجلز بأن بنات ماركس يعارضن ذلك معارضة جازمة. وحين قضى انجلز، كانت عادة إحراق الجثمان قد بدأت تدرج. فطلب أن تحرق جثته وأن يلقي رمادها في البحر. وأثر وفاته طرحت تساؤلات حول ما إذا كان ينبغي أو لا ينبغي تنفيذ مشيئته الأخيرة، إذ ارتأى بعض الرفاق الألمان نفس رأي من يريدون اليوم تحويل الساحة الحمراء في موسكو إلى مقبرة، مع أنصاب للموتى فضلا عن ذلك. ومن حسن الحظ أن رفاقا آخرين أصروا على ضرورة احترام إرادة المتوفى. وعلى هذا النحو احرق جثمان انجلز، وألقيت المرمدة المحتوية على رماده في بحر الشمال.

لقد ترك الصديقان نصاب أكثر ديمومة من الصوان، وأبلغ وأفصح من أي شاهدة قبر: الحركة الشيوعية الأممية للبروليتاريا التي تسير، تحت راية الماركسية والشيوعية الثورية، باتجاه انتصار الثورة الاجتماعية الكونية. تركا لنا منهج البحث العلمي، وقواعد الاستراتيجية والتكتيك الثوريين. تركا لنا كنزا لا يقدر بثمن لا نزال تغرف منه لندرس الواقع المحيط بنا ولنفهمه.

لقد فاتتهما سعادة واحدة. فقد خامرهما الحبور لدى احساسهما بهبوب عاصفة الثورة، وشاركا بقسط فعال في هذه الثورة، لكنها لم تكن إلا الثورة البرجوازية، ولم يقيض لهما أن يعيشا إلى حين الثورة الاجتماعية، إلى حين الثورة البروليتارية. لكن روحهما تحوم فوق ثورتنا، وفي الهدير المقترب للثورة الاجتماعية الكونية يدوي النداء الجهير الذي أطلقاه قبل خمسة وسبعين عاما: «يا بروليتاريي جميع البلدان، اتحدوا!».

« السابق التالي »