بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العاصفة تهب – حول انهيار النموذج السوفييتي

منذ 17-1918 -عندما انهارت ثلاث إمپراطوريات عظمى تحت عبء أربعة أعوام من الحرب الشاملة- لم نشهد اضطرابا سياسيا كهذا الذي وقع شرقي الألپ في النصف عام الأخير. لقد انهارت الأُطُر السياسية ذات الحزب الواحد والتي كانت تسود في پولندا والمجر وتشيكوسلوڤاكيا وألمانيا الشرقية وبلغاريا ورومانيا على مدى قرابة 45 عاما تحت ضغط الأزمة الاقتصادية والسخط الشعبي. في الوقت ذاته لا يمكن لأحد أن ينظر إلى الجار العملاق لهذه البلدان، أيْ الاتحاد السوڤييتي، دون أن يتساءل عما إذا كان بمستطاعه إلا ينهار بدوره. والواقع أن الحزب الحاكم يغدو على نحو متزايد مشلولا في مواجهة الأزمة الاقتصادية، ونقص السلع الأساسية، والحركات الانفصالية الجماهيرية في صفوف الأقليات القومية، وأضخم إضرابات للعمال منذ العشرينيات.

والحقيقة أن تلك الأحداث تتحدَّى تقريبا كل التحليلات السياسية المستقرّة في الشرق والغرب على السواء، وكان على إستراتيچيِّيي الحرب الباردة، ودعاة المواجهة مع “النزعة الشمولية”، والمعجبين الغربيين منذ عهد بعيد “بالثلث الاشتراكي من العالم”، والمتملّقين الأحدث عهدا ﻟ “جوربي” أن يواجهوا جميعا الاختفاء المفاجئ لأطُرهم المرجعية الراسخة.

كان الوضع مربكا لليمين الغربي: لقد تعيّن عليهم فجأة أن يبرروا الصواريخ في أوروپا والموجّهة نحو بلدان يصرّ زعماؤهما على أنهم لم يعودوا “اشتراكيين”. لكنهم كانوا قادرين على التعامل مع هذا الموقف. فهم يزعمون أن الاضطراب في الدول الشرقية يثبت كم كانوا على حق دائما عندما كانوا يلحوّن على عجز “الاشتراكية” عن أن تشقّ طريقها وعلى التفوق الملازم لرأسمالية “السوق الحرة” ويقوم المستشارون الأكاديميون لحكومة الولايات المتحدة بتأليف الكتب حول “نهاية التاريخ”، بينما تعلن الصحافة الشعبية “نهاية الشيوعية”.
حتى أولئك المعلقون الذين يخشون أن يتسم الوضع الجديد في أوروپا الشرقية بالديمقراطية الليبرالية أقلّ مما يمكنه أن يتسم بالمنازعات القومية المريرة والغوغائية الشعبوية وذلك الطراز من النزعة السلطوية اليمينية الذي ساد في أعوام ما بين الحربين لا يرون أيّ مستقبل لأولئك الذين يتحدثون بلغة اشتراكية. وتغدو أزمة الدول الشرقية “أزمة الاشتراكية” و”أزمة الماركسية”.

من المؤسف أن الغالبية الساحقة من اليسار عاجزة عن مواجهة هذا التحدّي. ذلك أنهم يطابقون بين الدول الشرقية والاشتراكية، ويشيرون إليها على أنها “اشتراكية” أو “بعد-رأسمالية” أو “دول عمالية مشوّهة” أو “متدهورة” أو -مؤخرا جدا- على أنها “الاشتراكية القائمة في الواقع الفعلي” (بما يتضمن أن أيّ فكرة أخرى عن الاشتراكية هي فكرة خيالية طوباوية بصورة ميئوس منها). لكن الجماهير في الدول الشرقية رفضت الآن الأحزاب التي تجسّد هذه “الاشتراكية” في حين أنّ زعماء الأحزاب الحاكمة القديمة يحاولون الآن أنْ يبرهنوا أن الرأسمالية وحدها تسمح بالنمو الاقتصادي الكامل. كان تعليق كريستا لُوفت Christa Luft الوزيرة الشيوعية لاقتصاد ألمانيا الشرقية، في يناير 1990، نموذجيا. قالت إن ألمانيا الشرقية مستعدة الآن لأنْ تبدأ “الانتقال إلى اقتصاد سوق فعّال”، وتخلت عن تشديدها السابق على “اكتشاف طريق وسط بين الرأسمالية والتخطيط المركزي”. ولم تشر إطلاقا إلى اقتصاد السوق الاشتراكي[1].
وأعلن بوريس يلتسين Boris Yeltsin عضو المكتب السياسي السوڤييتي السابق:

عندما انضممت إلى الحزب كنت أؤمن دون شكّ بالمعتقدات الأيديولوچية. كنت أعتقد أن الشيوعية هي الطريق الوحيد. الآن أشعر أن كل هذه “المذاهب” لا تهمّ… وأنا أؤيد الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج والأرض. هناك حاجة إلى نموذج جديد -ربما بتأثيرات اشتراكية- يمكنه أن يجسّد المظاهر الإيجابية للاشتراكية لكنْ يمكنه أيضا أنْ يتسع لمنجزات الديمقراطية الغربية. وقد شهدتُ هذه المنجزات بنفسي عندما زرت الولايات المتحدة في الخريف الماضي[2].

يقف اليسار الغربي الرسمي عاجزا أمام الانقلاب المفاجئ في الاتجاه حيث تبدو الاشتراكية في واقع التجربة وكأنها مرحلة انتقالية في التطوّر من الرأسمالية إلى الرأسمالية! كان هذا هو الحال بكل جلاء مع الأوروشيوعيين الغربيين. ففي إيطاليا يُعلن أكبر حزب شيوعي غربي أنه سيغيِّر اسمه. وفي بريطانيا أجاب المؤرخ إريك هوبسباوم Eric Hobsbawm، الذي لا يزال عضوا في الحزب الشيوعي، بنعم على صحفي أجرى معه حديثا عندما سأله عما إذا كانت “كافة مناطق الشيوعية العالمية” قد دخلت في “طريق مسدود”[3].
ويستنتج رئيس تحرير مجلة الحزب البريطاني الماركسية اليوم Marxism Today، أن الشيوعية قد ماتت. أما الأشخاص الذين كانوا لا يزالون يدافعون، منذ اثني عشر عاما فقط، عن قمع ثورة 1956 في المجر فلا يمكن تمييزهم الآن في موقفهم السياسي من الجناح اليميني للاشتراكية الديمقراطية.

الأوروشيوعيون ليسوا وحدهم الذين قذفت بهم الأحداث في هذا الاضطراب. هناك أيضا أولئك الذين حاولوا أن يقاوموا اندفاعاتهم نحو اليمين. فالحزب اليوناني، وهو أحد الأحزاب الشيوعية الموالية للسوڤييت الأقوى نفوذا، لحق في غضون سنتين بنفس المسار الذي احتاج الحزب الإيطالي إلى ثلاثين عاما لاستكماله: تبنَّى “الاقتصاد المختلط” وانضمّ إلى حكومة ائتلافية ملتزمة “بالتقشف”، والسوق الأوروپية المشتركة، وحلف الأطلنطي. وفي بريطانيا نجد برت راميلسون Bert Ramelson، المنظِّم العمالي السابق للحزب الشيوعي وأداة تنكيله بالنقاد اليساريّين الجُدُد للستالينية من أمثال إي پي تومسون E. P. Thompson وچون ساڤيل John Saville في 1956، يعلن الآن[4]، ما يلي: “لا أعتقد أن لينين ساعد الحركة الاشتراكية مطلقا بآرائه عن الحزب النخبوي وقبل كل شيء المركزية الديمقراطية”[5]. ويخبرنا رئيس تحرير مورننج ستار Morning Star “المتشدّدة” أن “الاقتصاد المختلط الذي توجد فيه ملكية خاصة ومشاريع رأسمالية ليس رأسماليا بالضرورة”[6].

هناك كثير من الاشتراكيين الذين يريدون أن يقاوموا مثل هذه الاستنتاجات. وهم ينظرون إلى “الرأسمالية القائمة فعلا” ولا يعتقدون أن بإمكان الملكية الخاصة، والاقتصاد “المختلط”، والسوق أن تقدم مستقبلا للبشرية. لكنهم نظروا إلى الكتلة الشرقية دائما على أنها البديل الشامل للرأسمالية، على أنها معسكرهم “في الحرب الطبقية على المستوى العالمي”، ولا يمكنهم أن ينكروا أنها تنهار الآن. وهم ينتهون إلى أعمق تشاؤم، خائفين مما يشير إليه محرّرو نيو لفت ريفيو New Left Review على أنه “ميول استعادة للرأسمالية في الشرق”[7].

هناك طريقة وحيدة لتفادي مثل هذا التفكير المتشائم. وتتمثل هذه الطريقة في أنْ نستخدم الماركسية لنقوم بتحليل شامل لما كان يجري في الدول التي اعتادت أن تدّعي أنها ماركسية. تحليل كهذا فقط يمكنه أن يجعل اليسار على المستوى العالمي قادرا على أن يُعيد توجيه نفسه وعلى أن يبقى. وبذلك يمكن لهذه الطريقة أن تبرّر الماركسية كمنهج للتحليل. وكانت هذه المجلة [الاشتراكية الأممية] مرتبطة دائما بنظرية عن المجتمعات الشرقية بوصفها رأسمالية دولة بيروقراطية[8]. هذه النظرية لم تحقق لنا قط شعبية بين اليسار، لأنها كانت تصطدم بالرأي البديهي الذي يكرسه “الإدراك العام” ومؤدّاه أن هذه المجتمعات جسَّدت أسلوب إنتاج متميزا جوهريا عن أسلوب الإنتاج القائم في الغرب. لكن هذه النظرية يمكنها وحدها أن تستوعب معنى الأحداث التي جرت في الأشهر القليلة الأخيرة، والتي تظل محيِّرة تماما بدونها، مع الإشارة إلى خيارات المستقبل أمام الطبقات الحاكمة في العالم وأمام أولئك الملتزمين منا بالنضال ضدّها، في آن معا.

« السابق التالي »