بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العاصفة تهب – حول انهيار النموذج السوفييتي

« السابق التالي »

10- رأسمالية الدولة

هناك تفسير ماركسي واحد لدول أوروپا الشرقية يمكنه أن ينسجم مع هذا التطور المتناقض. وأعني نظرية رأسمالية الدولة -وهي نظرية تم تطويرها أصلا لتفسير طبيعة المجتمع الذي يحكمه ستالين في الاتحاد السوڤييتى[109] ثم استخدمت في وقت لاحق لتفسير التطورات في أوروپا الشرقية[110]، والصين[111]، وبلدان عديدة في “العالم الثالث”[112].

ركزت النظرية على مظهريْن مترابطيْن للدول الشرقية. وقد تمثّل المظهر الأول في الدور الرئيسي الذي لعبه تراكم وسائل الإنتاج في تطوراتها الاقتصادية. هذا أمر إما يتم تجاهله من جانب النظريات الأخرى عن هذه البلدان[113] أو يجري التسليم به كسمة لكل أشكال المجتمع[114]. والنقطة الأساسية هي أن التراكم الإكراهي سمة للرأسمالية وليس لأيّ شكل سابق للمجتمع. في المجتمعات السابقة كان من الممكن أن يكون هناك تطور لوسائل الإنتاج. لكن هذا كان يجري على نحو متفرّق. فقط في الرأسمالية يصبح التراكم، بكلمات ماركس، “موسى وكلّ الأنبياء”. هذا هو ما يؤدي بماركس إلى أن يعقد تمييزا حادا بين ما يحدث لسلسلة كاملة من المؤسسات الاجتماعية والمعتقدات الراسخة في ظلّ الرأسمالية والمجتمعات التي سبقتها.

لا يمكن للبرچوازية أن توجد دون أن تقوم على نحو متواصل بتثوير أدوات الإنتاج وبالتالي علاقات الإنتاج ومعها علاقات المجتمع بأسرها. على العكس من ذلك، كان بقاء أساليب الإنتاج القديمة في شكلها الأصلي، الشرط الأول لوجود كل الطبقات الصناعية السابقة. هذا التثوير المتواصل للإنتاج، والاضطراب المتواصل لكل الشروط الاجتماعية، والشكّ والقلق الدائمان -كل هذا يميز العهد البرچوازي من كل العهود السابقة. إن كافة العلاقات الثابتة، البالغة الجمود، بما يلازمها من تحيزات وآراء قديمة ومبجلة يجري اكتساحها، وكافة العلاقات الجديدة تغدو عتيقة قبل أن تجد الوقت الكافي للتشكّل والرسوخ[115].

كما يوضح ماركس بجلاء أنه لم يكن من الممكن أن تبرز مسألة تراكم إكراهي في تصوّره للاشتراكية. التراكم الإكراهي هو التعبير الملموس عن الاغتراب، عن سيطرة منتجات البشر عليهم والاشتراكية هي التغلّب على هذا الاغتراب. وهكذا يكتب في البيان الشيوعي قائلا:

في المجتمع البرچوازي، ليس العمل الحي سوى وسيلة لزيادة العمل المتراكم. في المجتمع الشيوعي، ليس العمل المتراكم سوى وسيلة لتوسيع، وإثراء، وتحسين، وجود الشغيل[116].

أما واقع أن هناك إكراها على التراكم ماثلا في صميم عمل الاقتصادات الشرقية فليس من الصعب إثباته. ذلك ما يبينه كامل تطور اقتصاد الاتحاد السوڤييتي منذ 1929. وهكذا، على سبيل المثال، قدّر الصحفي الاقتصادي الروسي سليونين Selyunin أن “صندوق الاستهلاك يصل إلى 60 في المائة من الدخل وصندوق المدخرات إلى 40 في المائة”[117]. وهو يلاحظ أن “مثل هذا التركيب المرتفع للمدخرات هو، من الناحية الجوهرية، مستوى زمن الحرب” ويقدّم أرقاما تبين كيف أن نسبة الناتج القومي المخصصة للتراكم ارتفعت على حساب تلك المخصصة للاستهلاك:

روسيا: السلع الاستهلاكية
كنسبة مئوية من إجمالي الناتج
1928 كانت السلع الاستهلاكية 60.5 في المائة من الناتج
1940 كانت السلع الاستهلاكية -39.0 في المائة من الناتج
1960 كانت السلع الاستهلاكية 27.5 في المائة من الناتج
1985 كانت السلع الاستهلاكية 25.2 في المائة من الناتج
ويشير أخيرا إلى أنّ:

التحوُّل إلى تصنيع السلع الإنتاجية وضعنا في وضع ينطوي على مفارقة حيث لا تملك معدّلات النمو المتسارعة ولا النمو الأسرع في الدخل القومي سوى تأثير طفيف للغاية على مستوى المعيشة. إن الاقتصاد يعمل بصورة متزايدة من أجل نفسه، وليس من أجل الإنسان.

أو كما يعبر ماركس ذاته:

بقدر ما هو مشخّص في رأسمال، ليست قيم الاستعمال والاستمتاع بها هي التي تحفز [الرأسمالي] إلى العمل، بل القيمة التبادلية وزيادتها… ومصمما بتعصب على جعل القيمة توسّع نفسها، يُرغم الجنس البشري على أن ينتج من أجل الإنتاج… لهذا: ادّخرْ، ادّخرْ، أيْ أَعِدْ تحويل أكبر قسم ممكن من فائض القيمة إلى رأسمال! التراكم من أجل التراكم، الإنتاج من أجل الإنتاج[118].

في حالة دول أوروپا الشرقية كانت نسبة الناتج القومي التي تذهب إلى التراكم تبلغ عادة، حسب الأرقام الرسمية، 25 في المائة أو أعلى[119]. فإذا أعيد حساب الأرقام لتؤخذ في الاعتبار التشويهات التي في آلية الأسعار الرسمية، يمكن أن ترتفع النسبة حتى إلى 40 في المائة[120]. مثل هذا الاندفاع إلى التراكم يؤثر في حياة المجتمع بأسرها. وهو يعني أن مستويات المعيشة يجري خفضها بصورة متواصلة بطريقة أو بأخرى لتوفير الموارد للتراكم. وهو يعني أن الطبقة الحاكمة قد حاولت عن طريق القمع عرقلة أيّ تنظيم مستقلّ من جانب الطبقات المستغلة (بفتح الغين): الرأسماليات “الغربية” بمستوى مماثل من التراكم (تايوان، كوريا الجنوبية) كانت في أكثر الأحيان ديكتاتوريات بأُطُر الحزب الواحد الخاصة بها. وأخيرا، وهذا هو الذي يفسّر سمة ملحوظة كثيرا لآلية “التخطيط” -واقع أنها تصوغ خططا “مُحْكمة” تحاول اعتصار موارد من الاقتصاد غير موجودة ببساطة في كثير من الأحيان، ثم تنتهي إلى طرق مسدودة تؤدي إلى توقف العمل في نسبة عالية من المشروعات الاستثمارية، لتُفضي إلى فوضى اقتصادية واسعة النطاق. وبطريقة مماثلة إلى حد كبير تميل رأسمالية “السوق الحرة” الكلاسيكية في الغرب إلى التراكم السريع خلال فترات الرواج التي لا يمكن إطالة بقائها لتفتح الطريق فجأة بالتالي أمام الكساد.

والواقع التجريبي الخاص بالتراكم الإكراهي لا يمكن فصله عن سمة أخرى للاقتصادات الشرقية: الطريقة التي يرتبط بها تطورها بتطور النظام العالمي الأوسع من حولها. ويؤكد بعض الأشخاص في كثير من الأحيان أن الدول الشرقية لا يمكنها أن تصبح رأسمالية لأنه ليست هناك أيّ منافسة داخلية بين المشروعات. كانت هذه المنافسة هامة في عرض ماركس للرأسمالية لأنها كانت ترغم كل مشروع فردي على خفض تكاليفه إلى حدّ أدنى عن طريق إبقاء معدلات الأجور منخفضة ودفع سرعات العمل إلى أعلى. وكانت تجبر المشروع على أن يستثمر أقصى ما يمكنه من أرباحه على المعدّات الجديدة وعلى التجديد. وقد أدَّى تطور الرأسمالية ذاتها في القرن اﻟ20، كما رأينا، بالدولة إلى التدخل لخفض المنافسة الداخلية إلى حدّ أدنى. لكن ذلك، كما أوضح لينين وبوخارين Bukharin، بعيدا عن إلغاء المنافسة بين الرساميل، نقلها إلى مستوى أعلى، إلى منافسة على نطاق عالمي. ثم بدأت هذه المنافسة تتخذ أشكالا جديدة، بما في ذلك النزاع المسلح بين الدول الرأسمالية بالإضافة إلى، وأحيانا بدلا من، المنافسة الاقتصادية الخالصة من أجل الأسواق. وقد تهبط المنافسة الداخلية إلى ما يقترب من مستوى الصفر -أما المنافسة الخارجية فتأخذ مجراها.

لم يحدث قط أن تمّ عزل الدول الستالينية عن بقية العالم. والواقع أنه في الخمسينيات في المجر “تمّ تحقيق حوالي خمس الدخل القومي عبر وساطة أسواق”[121]؛ بعد ذلك ﺒ 15 سنة كان الجانب الأكبر من دخلها القومي يعتمد على التجارة الخارجية. وفي حالة تشيكوسلوڤاكيا بلغ مستوى نصيب الفرد من التجارة الخارجية في 1965 – 2758 كراون تشيكي. ويقارن هذا مع متوسط عالمي هو 842 كروان ومتوسط لكل البلدان المتقدمة هو 2750 كراون[122]. ويبيّن تقدير آخر عن 1965 أن نصيب الفرد من التجارة الخارجية في كل من المجر، وألمانيا الشرقية، وبلغاريا، وتشيكوسلوڤاكيا، كان أكبر منه في إيطاليا، وأقلّ بصورة طفيفة فقط منه في فرنسا[123].

مثل هذا المستوى من التجارة الخارجية له بالضرورة تأثير هائل على التوجيه الداخلي للاقتصاد. وهو يعني أن أولئك الذين يسيطرون على الدولة والاقتصاد لابد لهم من أن يهتموا بصورة متواصلة بشأن كيف تتم مقارنة تكاليف الإنتاج داخل البلاد مع متوسط التكاليف في بقية العالم: أيْ لا بدّ لهم من أن يحتفظوا بالأجور منخفضة، وأن يُواصلوا بلا انقطاع ضغطا مستمرا لفرض التسريع على العمال، وأن يستهدفوا مستويات استثمار من شأنها أن تجعل الاقتصاد القومي قادرا على أن يجاري جهود الاقتصادات في أماكن أخرى من العالم. وبكلمات أخرى، رغم أن المشروعات الفردية قد لا تكون معنية مباشرة بالمنافسة مع المشروعات الأخرى، فإن الاقتصاد القومي ككلّ معنيٌّ بذلك.

لكن ليست المنافسة على الأسواق الأجنبية فقط هي التي لها أثر عميق على السير الداخلي للدول الشرقية. فهناك أيضا مثل هذا الأثر لمشاركة هذه الدول في المنافسة العسكرية بين الكتلة الشرقية والغرب والصين. وهذا هو الأهم في حالة الاتحاد السوڤييتي حيث يبلغ الإنفاق على الأسلحة ما بين 12 في المائة (التقدير السوڤييتي قبل الجلاسنوست)[124] و16 في المائة (تقدير وكالة المخابرات المركزية)[125] من الدخل القومي. وهذا يشكلّ حوالي ضعف المستوى الأمريكي، وحوالي أربعة أضعاف متوسط المستوى الأوروپي الغربي، وحوالي 14 ضعف المستوى الياپاني.

وأغلب الأسلحة ليست سلعا بالمعنى النقي للمصطلح. فهي لا تُباع لمشتر مجهول من خلال التنافس مع بائعين آخرين، بل تذهب مباشرة بالأحرى إلى الحكومة التي أشرفت على إنتاجها[126]. لكن الأسلحة تشترك في شيء واحد هام للغاية مع السلع المصنوعة من أجل السوق. فهي لا تتوقف قيمتها لمن يحوزها أيّا كان على خصائصها المادية الفعلية (قيمتها الاستعمالية) بل على كيف تتم مقارنتها، من حيث الأسعار والفاعلية، مع تلك التي يحوزها المنافسون. إن بلديْن يصنعان دبابات للحرب ضدّ بعضهما يرتبطان ببعضهما، من إحدى النواحي، بنفس العلاقة التي بين بلديْن يصنعان سيارات يقومان بمحاولة بيعها متنافسيْن ضدّ بعضهما. ويتوقف النجاح على الإبقاء على الأجور منخفضة، وعلى دفع الإنتاجية إلى أعلى بقدر الإمكان، وعلى استخدام الأرباح في الاستثمار لرفع مستوى الاستثمار في التجهيزات والتجديدات.

هذا هو ما يفسّر المستويات المرتفعة جدا للتراكم في الاقتصاد الروسي في عهد ستالين: كما نظرت البيروقراطية الروسية إليه، كان التراكم هو الطريقة الوحيدة لإرساء قاعدة الصناعية الثقيلة اللازمة من أجل الاستعداد العسكري. وهو يفسر أيضا على سبيل المثال، أوجه التشابه في نموذج التنمية الصناعية في فترة ما بعد الحرب في ألمانيا الشرقية، أو المجر، أو تشيكوسلوڤاكيا مع نموذج سنوات زمن الحرب عندما كانت هذه البلدان جزءا من اقتصاد الحرب النازي. والحرب والاستعداد للحرب – المنافسة العسكرية- تجبر الطبقات الحاكمة الحديثة على أن تفرض على اقتصاداتها نفس دينامية التراكم الرأسمالي كما تفعل منافسة السوق. وهي ترغم هذه الطبقات على أن تنظم اقتصاداتها “المخططة” في ظاهر الأمر حسب عقلانية الإنتاج السلعي. وهي تجبرها، على وجه الخصوص، على أن تعامل قوة العمل بوصفها سلعة، وعلى ألا تدفع لعمالها أكثر من الحدّ الأدنى المحدّد ثقافيا وتاريخيا والضروري لهم ليكونوا قادرين على العمل وراغبين فيه. وبكلمات أخرى، تقوم طبقة رأسمالية الدولة الحاكمة، باندفاعها إلى التراكم، بخلق طبقة العمال[127].

« السابق التالي »