بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العاصفة تهب – حول انهيار النموذج السوفييتي

« السابق التالي »

11- رأسمالية الدولة كمرحلة في التطور الرأسمالي

باستخدام نظرية رأسمالية الدولة، من الممكن فهم فترة ستالين والسنوات الأولى من الحكم الستاليني في أوروپا الشرقية، فالطبقة الحاكمة لدولة متأخرة اقتصاديا والتي كانت عاقدة العزم على الانخراط في منافسة عسكرية-اقتصادية مع دولة أكثر تقدما حاولت أن تقوم بذلك عن طريق نسخ الأساليب التي كان قد تم تصنيع الرأسماليات المتقدمة بها. كانت الرأسمالية البريطانية قد استخدمت الأسيجة لطرد الفلاحين من الأرض، وكانت قد استخدمت العبودية في الأمريكيتيْن لتُراكم الثروة ولتمدّ نفسها بمواد خام رخيصة، وكانت قد ألحقت ونهبت نصف آسيا، وكانت قد استخدمت قوانيين التشرُّد والعمل الإجباري لنظام الورشة لإجبار أولئك الذين طردوا من الأرض على عرض خدماتهم بوصفهم شغيلة مأجورين، وكانت قد استخدمت قوة عسكرية وشبكة من الجواسيس ضد أولئك الذين حاولوا أن يقاوموا، وكانت قد تغاضت تماما عن صحة الغالبية العظمي من السكان حينما ربحت من عمل الأطفال من الخامسة أو السادسة من عمرهم فصاعدا. سارت الطبقات الستالينية الحاكمة على نفس الدرب مع “التجميع”، والجولاج، وإطلاق الرصاص على المضربين والمتظاهرين، والقوانين ضدّ “الطفيلية”، وشبكات مخبري الشرطة السرية المنتشرة في كل مكان. كانت الطبقات الستالينية الحاكمة ترغب في أن تحقق خلال عقدين اثنين ما استغرق من الرأسمالية البريطانية ثلاثة قرون. كانت البربرية الستالينية بربرية أكثر تركيزا، مؤدية إلى عشرة، أو 20، أو حتى 30 -حسب تقديرات متطرفة- من ملايين الوفيات[128].

وعلى أساس التجربة البريطانية، كان إنجلس Engels قد تنبّأ:

ما دامت روسيا البلد الأخير الذي تغزوه الصناعة الرأسمالية الكبيرة كما أنها في نفس الوقت بلد ذو سكان ريفيين أضخم بما لا يقاس… لابد للتغيير الثوري الذي ستحدثه الثورة الصناعية أن يكون أكثر عمقا، وأكثر حدة من أيّ مكان آخر. ولا يمكن تحقيق عملية إحلال ما لا يقل عن 500000 من كبار ملاك الأرض و80 مليون فلاح على وجه التقريب إلا مقابل معاناة مفزعة واضطرابات عنيفة… فوق جبال من الجثث[129].

لم يكن بمستطاع إنجلس، بطبيعة الحال، أن يتنبأ بأن يكون التصنيع الرأسمالي والمعاناة التي تلازمه مفروضيْن من جانب بيروقراطية حاولت أن تُخفي طبيعتها الطبقية وراء شعارات ماركسية. أما الناس الذين فقدوا حياتهم في سياق هذا التطور فقد فقدوها في غضون مسافة زمنية لا تزيد عن 25 سنة. لكن من غير المحتمل أن تكون نسبتهم إلى إجمالي السكان أعلى من نسبة أولئك الذين ماتوا من الآثار المركّبة للأسيجة وقوانين التشرد في عهد تيودور، واﻟ 250 سنة من تجارة العبيد عبر الأطلنطي، وبربرية نظام المزارع الكبيرة، وحملات تنظيف الأراضي من الفلاحين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وشحن الغلال من آيرلندا أثناء المجاعة، والفقر الذي فرضه الحكم البريطاني على مناطق بأسرها في الهند، وآثار تجارة الأفيون في الصين. حاول حكام بريطانيا أن يُبرّروا بربريتهم باسم الدين والحضارة. أما ستالين فقد برّر بربريته باسم الاشتراكية. لكن الأساليب والغاية كانت نفس الشيء من الناحية الجوهرية.

في الوقت ذاته، لم يكن الميل إلى سيطرة الدولة على الاقتصاد كله شيئا انفردت به الستالينية. كان ذلك شيئا حدث بدرجات متفاوتة في كل مكان في العالم الرأسمالي، وبوجه خاص في عناصره القومية الأضعف، في الفترة التي امتدت من الحرب العالمية الأولى وأزمة 29-1933 حتى السبعينيات.

لقد وَجَدَ أولئك الذين رغبوا في إقامة صناعات جديدة في بلدان كانت الرأسمالية فيها متأخرة في نموّها أن الطريقة الوحيدة التي يمكنهم أن يحققوا بها ذلك في مواجهة المنافسة من جانب القوى الرأسمالية الراسخة تتمثل في استخدام قوى الدولة لتركيز الموارد المتاحة. وقد لعبت الدولة فعلا في منعطف القرن دورا رئيسيا في نمو الصناعة الكبيرة في الياپان وروسيا القيصرية. وقادت الحربان العالميتان وأزمة الثلاثينيات إلى درجة هائلة من الاندماج بين الدولة والمشروعات العملاقة في الرأسماليات المتقدمة: كانت هذه هي النقطة الرئيسية التي لاحظها منذ 1916 بوخارين ولينين في دراساتهما للإمپريالية[130]. ومع أواخر الثلاثينيات كان نطاق سيطرة الدولة على النشاط الصناعي في ألمانيا النازية كبيرا إلى حد أنه أقنع اقتصادي الماركسية النمسوية الشهير هيلفردينج Hilferding بأن الرأسمالية كان قد حلّ محلها أسلوب إنتاج جديد[131]. وحتى في أكثر البلدان الغربية تميُّزا “بالسوق الحرة”، الولايات المتحدة، أقامت الدولة وسيطرت على معظم القدرة الصناعية خلال سنوات 41-1944[132].

في الثلاثينيات والأربعينيات كان الحجم الأكثر فعالية للوحدات الإنتاجية من الضخامة بحيث كانت حفنة من الشركات المحلية تسيطر على السوق في السلع المصنّعة في كل بلد من البلدان المتقدمة اقتصاديا وقد جعل ذلك من المفهوم إدماج هذه الشركات في بنية واحدة وحيدة، موحدة مع الدولة الرأسمالية، مع استبعاد المنافسين الأجانب من خلال التعريفات الجمركية والحصص. حتى حيث واصلت شركات منافسة وجودها داخل القطاعات الرئيسية لاقتصاد، فهمت الحكومات مهمتها على أنها تتمثل في التحقق من أن الشركات المؤسسة محليا كانت تغطي السوق بالنسبة لمعظم مجموعات السلع: سعَى كل بلد رأسمالي إلى امتلاك صناعته للصلب، وصناعته لبناء السفن، وصناعته للطائرات، وصناعته للسيارات وحتى صناعاته للأثاث وللسلع البيضاء*. كانت رأسمالية الدولة منسجمة مع مرحلة تطور قوى الإنتاج التي كان ذلك فيها هدفا يمكن التفكير فيه.

وقد مضى هذا الاتجاه إلى أبعد حدّ في بلدان كان التطور الصناعي فيها أضعف ما يكون. ففي الثلاثينيات والأربعينيات انتقلت الدولة إلى مكان الصدارة في التنمية الاقتصادية لبدان متباينة تباين إيطاليا موسوليني (حيث كانت أكبر كتلتيْن اقتصاديتيْن مملوكتيْن للدولة)، وأرچنتين پيرون، وبرازيل ڤارجاس، وهند نهرو (حيث كانت العائلات الصناعية الرئيسية قد اتفقت، قبل الاستقلال، على برنامج اقتصادي يقوم على أساس من الخطط الخمسية محاكاة للنموذج الروسي)، والصين في ظل كل من تشانج كاي تشيك وماوتسي تونج، ثم -بعد ذلك بسنوات قليلة- مصر عبد الناصر والنظامين البعثيّيْن المتنافسيْن في العراق وسوريا، وجزائر بومدين، والنظام العسكري في بورما.
كان الأساس المنطقي لمثل هذه التحولات بسيطا: في هذه المرحلة من مراحل الرأسمالية بدا من الممكن إرساء أساس للتنمية الصناعية عبْر تدخل الدولة بطريقة لم تكن ممكنة بغير ذلك. وقصص النجاح الاقتصادي في “العالم الثالث” كانت تلك التي حدث فيها تدخل قويّ للدولة، وليس حيث تُرك كل شيء للسوق. وهذا هو السبب في أن الأيديولوچيات السائدة، كينزية كانت أم اشتراكية، ديمقراطية أم ستالينية، سلمت بتدخّل الدولة.

لم يحدث في أيّ حالة من هذه الحالات أنْ كان هناك انتقال من “أسلوب إنتاج” إلى آخر. ففي كل حالة قام أولئك الذين كانت لهم السيطرة على جهاز الدولة القائم باستخدامه لإعادة تنظيم الصناعة، مع خفض المنافسة الداخلية إلى حد أدنى بحيث يمكن تحقيق التراكم في مواجهة الضغوط الخارجية. ولا يعني ذلك أنه لم تكن هناك أيّ معارضة لمثل هذا التحوّل -وكثيرا ما اتخذت إجراءات “پوليسية” من أنواع شتي ضد المصالح الرأسمالية “الخاصة” القديمة التي قاومت التغيّرات. لكن هذه التغيّرات كانت ممكنة بدون تعبئة جماهير السكان من أجل ثورة اجتماعية حقيقية، والواقع أنها كانت في بعض الحالات بدون أيّ تعبئة على الإطلاق لغالبية السكان.

« السابق التالي »