بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العاصفة تهب – حول انهيار النموذج السوفييتي

« السابق التالي »

12- أصول رأسمالية الدولة في أوروپا الشرقية

قدّمت أوروپا الشرقية قبل وخلال الحرب العالمية الثانية أمثلة حية لأبنية دولوية قديمة تلجأ شيئا فشيئا إلى تدابير رأسمالية الدولة.
كان لأزمة 29-1934 العالمية نتائج مدمِّرة في كل مكان. وكانت كل البلدان الشرقية باستثناء تشيكوسلوڤاكيا تعتمد على تصدير المحاصيل والمواد الخام. خفّضت الأزمة ما كان بإمكانهم أن يكسبوا من هذه الصادرات بما بين 30 و50 في المائة[133] ودفعت بغالبية السكان المعتمدين على الزراعة إلى الفقر المدقع. كانت النتيجة نشوء تناحرات مريرة بين الطبقات وبين جماعات إثنية مختلفة، وظهور حكومات سلطوية يمينية. وحتى في البلد الأكثر تطوّرا، تشيكوسلوڤاكيا، كان لا بد لهبوط في الناتج القومي الإجمالي بنسبة 14 في المائة بين 1929 و1933 أن يعني مستويات عالية جدا من البطالة بين الأقلية الكبيرة الناطقة بالألمانية من السكان، دافعةً أغلبهم إلى التطلع إلى ألمانيا النازية كملاذ. وأصاب إفقار شديد الناطقين بالسلوڤاكية في النصف الشرقي من البلاد، مغذِّيا نزعة قومية معادية للتشيك.

لم تعرف حكومات أوروپا الشرقية في فترة ما قبل الحرب سوى طريقة واحدة للسيطرة على مثل هذه التوترات -التغاضي عن سياساتها الاقتصادية “الليبرالية” السابقة. وحتى قبل 1929 استخدمت الدول “ضوابط غير مستخدمة إطلاقا، أو لا تكاد تُستخدم، في البلدان الغربية”[134]. وقادت أزمة الثلاثينيات دولة بعد أخرى إلى التدخل مباشرة لتسيطر على التجارة الخارجية، وتنظّم مباشرة صفقات تجارية ثنائية مع الدول الأخرى (خاصّة ألمانيا النازية، التي كانت بدورها قد فرضت احتكار الدولة على التجارة الخارجية)، وتخفِّض بشدّة مستوى الواردات، وتحدّد أسعار صرف تفاضلية لمختلف المعاملات التجارية، وتسيطر على البنوك والمؤسسات الصناعية المتجهة إلى الإفلاس. هكذا اشترت حكومة الكولونيلات اليمينية في پولندا سندات دولة في أضخم شركة صلب لتحول دون إفلاسها وكانت أول من شرع خارج الاتحاد السوڤييتي في تطبيق خطة استثمارية طويلة الأجل[135].

زادت الحرب العالمية الثانية من الميل إلى سيطرة الدولة على الاقتصاد زيادة هائلة. أولا، تم إدماج اقتصادات أوروپا الشرقية بصورة مباشرة أو غير مباشرة في اقتصاد الحرب الألماني، الذي فرض ضوابط مباشرة على مستويات الناتج، والأسعار، وتخصيص المواد الخام، والأجور. ثانيا، دمرت “الألمنة” [من: ألمانيا] والتدابير المعادية للسامية القاعدة الاقتصادية لكثير من الطبقات الرأسمالية المحلية القديمة. ثالثا، شوّهت الحرب تماما التطور الاقتصادي لكل بلد. وتمّ نقل موارد هائلة إلى الآلة الحربية الألمانية على حساب مستويات المعيشة والاستثمار الأساسي. وفي ألمانيا الشرقية، والمجر، والقسم التشيكي من تشيكوسلوڤاكيا كان هناك تطور متسارع للصناعة الثقيلة دون اهتمام باحتياجات السكان المحليين؛ وكان هناك تدمير خالص أحدثته الحرب ذاتها في البلدان التي وقع فيها قتال ثقيل-في پولندا، والمجر، وألمانيا الشرقية، ورومانيا. هكذا كان الناتج المجري في 1947 أقلّ بنسبة 27 في المائة من مستوى 1937، وفي رومانيا بما بين 20 و40 في المائة، وفي بلغاريا ﻟ 16 في المائة، وفي تشيكوسلوڤاكيا ﺒ 17 في المائة. أما في پولندا فكان الهبوط بحوالي 22 في المائة عن مستوى كان هو ذاته أدنى من مستوى 1913![136].

ازداد المأزق الاقتصادي لمعظم البلدان سوءا بسياسات المنتصرين في الحرب. وقد أجبرت تلك البلدان التي كان حكامها القدامى يؤيدون هتلر (ألمانيا الشرقية، رومانيا، المجر) على دفع تعويضات (أساسا للاتحاد السوڤييتي). وفي ألمانيا الشرقية استنفدت هذه التعويضات ما يقرب من نفس مقدار الموارد التي دمرتها الحرب الشاملة: ثُلث مباني ومعدّات أضخم مصنع في البلاد، مصنع لُويْنا بالقرب من هالّه، دمرته الحرب، وثُلث آخر نقلته قوات الاحتلال الروسية إلى الاتحاد السوڤييتي؛ وحتى في أوائل الخمسينيات “وصلت التعويضات بالإضافة إلى المطالب السوڤييتية بشأن تعدين اليورانيوم وتكاليف الاحتلال إلى أكثر قليلا من خُمْس الناتج القومي الصافي بتكلفة العوامل”[137].
وأخيرا، في حالة ألمانيا الشرقية، ألحقت الحدود القومية التي فرضها المنتصرون خسارة اقتصادية كبيرة: أصبحت صناعاتها مقطوعة عن المصادر التقليدية لوقودها -فحم الأنتراسيت- بسبب تسليم سيليزيا إلى پولندا وتأسيس دولة ألمانية غربية منفصلة (وهذا هو السبب في أن محطات توليد الطاقة الكهربائية في البلاد تعمل اليوم بفحم الليجنايت المعدّن محليا والشديد التلويث).

كان أولئك الذين وجدوا أنفسهم يوجّهون أوروپا الشرقية بعد الحرب يديرون بلدانا كانت في الواقع أكثر تخلفا بكثير من أوروپا الغربية قبل الحرب، وكانت قد تأثرت بصورة أسوأ بالحرب وآثارها، لكن الأحداث كانت قد منحت الدولة فيها سلطة إدارة تنظيم الإنتاج دون عرقلة تذكر من جانب المصالح الرأسمالية الخاصة. فلا غرابة إذن في أن زعماء كافة الأحزاب السياسية -البرچوازية والاشتراكية الديمقراطية وكذلك الستالينية- سلّموا بأن الطريقة الوحيدة للسير إلى الأمام بالنسبة للاقتصادات كانت تتمثل في استخدام قوة الدولة تلك.

في تشيكوسلوڤاكيا، حيث كانت نسبة 80 في المائة من الصناعة في يد الدولة فعلا قبل سَتْلنة Stalinisation البلاد بعد فبراير 1948، كانت لجنة التخطيط في 47-1948 “مؤلفة من أعضاء من كافة الأحزاب، برئيس من زبيروچوڤكا Zberojovka، الشركة الضخمة للمعدات الحربية، التي كانت ضمن القطاع الخاص من قبل!”[138]. في پولندا والمجر كان الاشتراكيون الديمقراطيون وكذلك الشيوعيون منخرطين في تخطيط الاقتصاديْن. وكانت النتيجة أن النازي أدار اقتصادات الأوامر الخاصة بزمن الحرب والتي انتقلت مباشرة في أكثر الأحيان إلى “تخطيط”… “الديمقراطيات الشعبية”: “كثير من علاقات السوق التي كبحتها ضوابط السعر والكمية في 39-1945 لم تعاود الظهور قط”[139]. وكما اعترف في وقت لاحق أوسكار لانج Oscar Lange، الاشتراكي الديمقراطي الذي تحول إلى شيوعي وساعد في وضع الخطط الپولندية:

أساليب التخطيط الإداري بصورة بالغة التمركز والإدارة التي تستخدم الإكراه فوق-الاقتصاديّ على نطاق واسع ليست سمة مميزة للاشتراكية، بل هي بالأحرى أسلوب مميز بوجه خاص لاقتصاد الحرب[140].

والواقع أن زعماء الأحزاب الشيوعية أصبحوا حقا الأنصار الأشد تصميما لاقتصاد الأوامر بعد اندلاع الحرب الباردة وتكوين الكومينفورم Cominform (منظمة ستالين لتنسيق أنشطة الأحزاب الشيوعية الحاكمة). ومنذ منتصف 1947 فصاعدا ضغطت هذه الأحزاب من أجل معدلٍ للتراكم أعلى كثيرا مما فعلت الأحزاب الاشتركية الديمقراطية والبرچوازية[141]. مرة أخرى، لم يكن هذا نتيجةً لأيديولوچية مّا لاعقلانية، بل بسبب التزام هذه الأحزاب ببناء القدرة الصناعية-العسكرية للكتلة الروسية بأسرها. والأمر البالغ الدلالة أن أولئك الذين عارضوا نظرة هذه الأحزاب لم يكن بإمكانهم تطوير نظرة بديلة متماسكة خاصة بهم. هذا هو السبب في أنه حتى في تشيكوسلوڤاكيا، حيث لم تكن في ذلك الوقت قوات روسية، لم يكن بإمكان الأحزاب البرچوازية والاشتراكية الديمقراطية إعداد أيّ مقاومة حقيقية للانقلاب الشيوعي في فبراير 1948. وكل ما احتاج إليه الحزب الشيوعي لانهيار هذه الأحزاب تركيز قوات حدود في براغ، واستعراض أنصارها في قلب المدينة، وتنظيم إضراب عام لمدة ساعة واحدة (وهذا مستوى للتعبئة من المحتمل أنه أدنى من ذلك الذي أدَّى إلى انهيار حكم الحزب الواحد في نوڤمبر 1989). وكانت البرچوازية التشيكوسلوڤاكية تفتقر إلى بدائل إلى حدّ أن رئيسها، بينيز Benes، وافق على التغييرات التي طالب بها الزعماء الشيوعيون، وبقي ابن مؤسّس الدولة، مازاريك Masaryk، وزيرا (وإنْ كان قد سقط ميتا وربما قُتل، بعد ذلك بقليل).

مفهوما من وجهة النظر هذه، ليس ما حدث في أوروپا الشرقية شيئا مختلفا اختلافا كيفيا عما حدث في غيرها، لكنه ببساطة التعبير الأكثر تطرفا من الناحية الكمية عن اتجاه عام. من هنا سهولة الانتقال من التنظيم الاقتصادي لما قبل الحرب ولزمن الحرب؛ ومن هنا أيضا سهولة الانتقال اللاحق الذي نشهده في هذه اللحظة.

« السابق التالي »