بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العاصفة تهب – حول انهيار النموذج السوفييتي

« السابق التالي »

13- تناقضات الرأسمالية

أنْ نحلّل مجتمعا على أنه رأسمالي لا يعني فقط أن نشير إلى الطريقة الاستغلالية والبربرية التي يعامل بها حكامه بقية السكان -رغم كل شيء، مثل هذا السلوك نموذجي لكافة المجتمعات الطبقية. إنه يعني أيضا أن نرى أن الطبقة الحاكمة، المجبرة على التراكم مهما كان الثمن، لا يمكنها أن تتفادَى تقويض أساس حكمها هي. كان هذا صحيحا دون شك فيما يتعلق بالطبقات الحاكمة الشرقية. فهذه الطبقات لم يكن بإمكانها أن تتفادَى ما كان، بالنسبة لها، عددا من النتائج السلبية للتراكم.

(1) حفّار القبر. بدأت الأساليب الستالينية تخلق بالضرورة قوة اجتماعية قادرة على تحدِّي حكم البيروقراطية. فعندما استولى ستالين على السلطة المطلقة في 28-1929 في الاتحاد السوڤييتي، كان 80 في المائة من السكان العاملين فلاحين. وخفّضت الخطتان الخمسيتان الأوليان هذا الرقم إلى 60 في المائة مع اندلاع الحرب العالمية الثانية. واستؤنفت العملية بعد الحرب. وعند وفاة ستالين في 1953 كان نصف السكان الروس تقريبا حضريين ومع 1985 كان ثلثا السكان حضريّين وثلث واحد فقط ريفيا، وكان ثُمْنُهم فقط مصنّفين على أنهم “مزارعون جماعيون” (خلفاء الفلاحين)[142]. وفي دول أوروپا الشرقية في فترة ما قبل الحرب كان 65 في المائة من السكان العاملين يعملون في الزراعة وكان 14 في المائة فقط عمالا. ومع 1980 كان 60 في المائة عاملين بالأجر[143].

وجدت الأنظمة الستالينية من السهل نسبيا أن تقوم بإخضاع السكان الريفيين في السنوات الأولى، باستخدام القوة المسلحة عند الضرورة، كما حدث خلال حملات التجميع التي قام بها ستالين ذاته. في الوقت ذاته، تمثل الأثر الأوّلى للتصنيع الإكراهي في إضعاف قدرة الطبقة العاملة على أن تُبدي معارضة للنظام. واستطاعت أقلية هامة من العمال “القدامى” تحقيق انتقال إلى أعلى خارج طبقتهم كمشرفين وبيروقراطيين: تُبيّن أرقام الستينيات أن 29 في المائة من الأشخاص المولودين في أسر الطبقة العاملة في تشيكوسلوڤاكيا قد صعدوا إلى أعمال غير يدوية وفي المجر وپولندا فعل 17 في المائة نفس الشيء[144]. أما مَنْ تبقَّى من أولئك العمال “القدامى” فقد وجدوا تقاليدهم الخاصة بالعمل الجماعي يُضعفها اكتظاظ المدن بجماهير الفلاحين السابقين. وكما لاحظ عالم الاجتماع زيجمونت باومان Zygmunt Baumann فيما يتعلّق بپولندا:

مجموعة ضئيلة نسبيا من العمال الصناعيين من فترة ما قبل الحرب، والذين ظلّوا عمالا رغم كافة فُرص التحوُّل اجتماعيا… عانوا من تدهور متواصل تقريبا في مستويات معيشتهم… لكنهم ذابوا في جمهور غفير من المهاجرين الفلاحين الذين كانت شروط المعيشة التي وجدوها تعني لهم تحسُّنا حقيقيا في مستويات المعيشة التي كانوا قد عرفوها من قبل[145].

لكن عندما انطلق التراكم الرأسمالي، بدأ يُغيِّر هذا الوضع للأمور. فالهبوط في نسبة السكان العاملين في الزراعة أدّى بالضرورة إلى هبوط في عدد الناس الذين يدخلون المدن قادمين من الريف. في الوقت ذاته، تقلّصت فُرص فوز العمال بالتحوُّل إلى أعلى إلى مواقع الياقات البيضاء والمواقع البيروقراطية[146]اللسابقين.معارضة للنظام. ي قام بها ستالين ذاته..

كانت نسبة متعاظمة من العمال من أبناء العمال ولم يكونوا قد مرّوا بأيّ تحوُّل اجتماعي خلال حياتهم. هكذا بيّنت دراسة لصناعة الأخشاب في سڤيردلوڤسك في أواخر الستينيات أن 60 في المائة من العمال الذين في بداية العشرينيات من أعمارهم كانوا من أصل عمالي بالمقارنة بأقل من 40 في المائة من أولئك الذين فوق اﻟ 46 من أعمارهم. وتبيّن دراسة أخرى، لمجموعة تعدين في الكوزباس، أن 80 في المائة من أولئك الذين في بداية العشرينيات من أعمارهم انحدروا من الطبقة العاملة بالمقارنة مع الرُّبع فقط من أولئك الذين فوق 46[147].

أيضا مستوى الثقافة المطلوب للقوة العاملة يتغير مع التراكم الرأسمالي. في الثلاثينيات والأربعينيات كان بإمكان التهديدات والعقوبات الفظة أن تُقنع كتلة الفلاحين السابقين في المصانع، والمناجم، ومواقع البناء، بأن ينفذوا المهام غير الماهرة وشبه الماهرة المطلوبة للتصنيع الأساسي. وعند وفاة ستالين في 1953 كان هذا يتغير فعلا. كان مستوى وسطيّ أعلى من المهارة ومبادرة أكبر مطلوبيْن من العمال. وفي 1965 كان العمل غير الماهر يصل إلى 40 في المائة من العمل في الصناعة و60 في المائة في البناء؛ ومع 1979 هبطت النسبة إلى 40 في المائة و 33 في المائة على الترتيب[148].

مثل هذا العمل الماهر لم يكن من الممكن الحصول عليه دون قدر من التعليم الثانوي على الأقل بالنسبة للأغلبية الساحقة من العمال والمزيد من التعليم من نوع ما بالنسبة لأقلية هامة. هكذا هبط عدد العمال غير الحاصلين على تعليم ثانوي كامل -في إقليم جوركي- من 87 في المائة في 1965 إلى 52 في المائة في 1979، و20 في المائة فقط بين أولئك الذين تحت الثلاثين من عمرهم. وبين العمال الشبان في مجمّع كاما الصناعي كان ثُلثاهم “يشعرون أن مستواهم التعليمي أعلى من ذلك الذي يتطلبه عملهم”[149]. وكان احتمال تخويف هؤلاء العمال من جانب رؤسائهم أقل بكثير مما كان الحال مع الفلاحين السابقين في سنوات مبكرة. وكما لاحظ أحد معلقي الپراڤدا في 1983:

تواصل مشروعات كثيرة في إقليم سيڤاستوپول بعناد ملء وظائفها بأشخاص ريفيين بدلا من سكان المدن، حتى إنْ كان عليهم أن “يدفعوا” مقابل هذا ببناء عنابر نوم، والدفع مقابل شقق خاصة، إلخ. لكن مديري المصانع يؤكدون أنهم يحصلون على شيء ما مقابل مالهم: العمال يعملون بجدّ أكثر، ويبقى كثير منهم في المصنع، وهم أقلّ ميلا إلى تغيير أعمالهم[150].

(2) اتجاه أشكال الاستغلال القديمة إلى الزوال. كلما انطلق التراكم أكثر، صارت الأساليب القديمة في تحقيقه أقلّ فاعلية. أمكن تحقيق الطور الأول من التصنيع الستاليني باستخدام أكثر الأساليب بدائية لإجبار الفلاحين السابقين غير المهرة على العمل. لم تكن إنتاجية العمل المنخفضة تؤثر في ذلك كثيرا، مادام ملايين الناس كانوا يتركون الزراعة بحثا عن أعمال صناعية وكان بإمكان عملهم أن يبني ويشغّل المصانع حيث لم يكن يوجد أيّ مصنع. كان التصنيع الضخم ممكنا على أساس “انتشاري”.

لكنْ في نهاية المطاف بدأت الاحتياطات القديمة من العمل والمواد الخام تُستنفد. عندئذ كان على التطور الصناعي اللاحق أن يكون من خلال التنمية “التكثيفية”: إعادة بناء وإعادة تنظيم الصناعة القائمة بحيث يتم استخدام العمل والمواد الخام بفاعلية أكثر بكثير. ويتوقف هذا على ممارسة أكبر بكثير للعناية والمبادرة من جانب العمال. وكان لابد من القيام بجهود لرفع التزام العمال بعملهم بأن يُقدَّم إليهم طعام أفضل، ووقت فراغ أطول، وعرض أضخم من السلع الاستهلاكية[151].

ويتناقض هذا مع محاولات اللحاق باقتصادات أكثر تطورا، وأضخم عادة، عن طريق تخصيص نسبة عالية جدا من الدخل القومي للتراكم. ومن السهل تماما إذن أن يخطر على البال موقف الدجاجة والبيضة: إذا تم رفع مستويات استهلاك العمال، فسوف ترتفع بالتالي إنتاجية الوقت الإضافي. لكنْ في الفترة الفاصلة لا يمكن رفع مستويات المعيشة إلا عن طريق الاقتطاع من التراكم وإبطاء معدّل نمو الاقتصاد بالمقارنة مع منافسيه الرئيسيين. وهكذا كان تاريخ الاتحاد السوڤييتي ودول أوروپا الشرقية تاريخ الوعود بزيادة ناتج السلع الاستهلاكية بالمقارنة مع وسائل الإنتاج متبوعةً بتضحية بإنتاج السلع الاستهلاكية من أجل نمو لاحق في وسائل الإنتاج. كان هذا صحيحا، على سبيل المثال، فيما يتعلق بالاتحاد السوڤييتي في عهديْ خروشوڤ وبريچنيڤ، وپولندا في عهد جومولكا Gomulka (56-1970) ثم مرة أخرى في عهد چيريك Gierek (70-1980).

ازداد الوضع سوءا بتأثير إخضاع الاستهلاك للإنتاج في الماضي. وفي الاتحاد السوڤييتي في ظل ستالين أدّى “تجميع” الزراعة إلى هبوط في إجمالي الناتج الزراعي. أكثر من ذلك، لم يحدث سوى استثمار ضئيل للغاية في البنية التحتية الريفية (الطرق، السكك الحديدية، تسهيلات تخزين الغذاء). لم يُزعج ستالين شيء من هذا، حيث حقّق التجميع هدفين -أجبر ملايين الفلاحين على البحث عن عمل كشغيلة مأجورين في المدن[152] وسمح للدولة بأن تضع أيديها على قسم كبير بما فيه الكفاية من المحصول الذي تناقص لتوفير مستوى حد أدنى من الإمداد بالطعام لأولئك الذين كانوا يكدحون في صناعاتها الجديدة.

واجهت آثار هذه السياسة جميع خلفاء ستالين بمشكلات لا يمكن التغلّب عليها تقريبا فاستثمار مبالغ ضخمة في المخصبات الصناعية، والآلات الزراعية، وأجور العمال الزراعيين المتزايدة لتقترب من المستوى المديني ليس مُربحا تقريبا كما ينبغي أن يكون. وتتبدّد نسبة عالية بلا ضرورة من المحصول بسبب هزال النقل وتسهيلات التخزين. كما أن السكان الريفيين، في المتوسط، أكبر سنّا وأقلّ مهارة من أن يستجيبوا “لحافز” مستويات معيشة أعلى، وقد تمثّل ردّ فعل أجيال متعاقبة من الشبان والشابات على الشروط المعيشية البائسة في الريف في الانطلاق إلى المدينة في اللحظة التي تعلموا فيها بعض المهارات القابلة للتسويق (مثل قيادة لوري أو إصلاح آلات).
ترتفع مستويات المعيشة حقا، لكنْ ليس بما يكفي تقريبا لرفع الإنتاجية إلى المستويات السائدة في البلدان الغربية المتقدّمة. وإذا لم ترتفع الإنتاجية بسرعة كافية، ستكون الطريقة الوحيدة أمام أولئك الذين يديرون الاقتصاد مركزيا للحصول على مستويات التراكم العالية التي حدّدوها هي تحويل المصانع التي تنتج سلعا استهلاكية إلى إنتاج وسائل الإنتاج. لكن هذا بدوره يعني أن المقدار الذي يدفعه المديرون في شكل أجور يتجاوز إجمالي قيمة السلع الاستهلاكية والناتج الغذائي. وهناك عجز في كثير من السلع الاستهلاكية الرئيسية وميل للأسعار إلى الارتفاع.

بعد النموّ في سنواتها المبكّرة بمعدّل أعلى من الاقتصادات الغربية بدأت رأسماليات الدول الشرقية تنمو بنفس السرعة فقط (أو حتى أبطأ)، كما بدأت تعاني من أزمات حادة في الوفاء بمجموعات بكاملها من السلع الاستهلاكية.

(3) التركيب العضوي المتعاظم للرأسمال. تواجه رأسمالية الدولة المشكلة الكلاسيكية لأيّ رأسمالية -حيث إن التراكم يُؤدي إلى ارتفاع إجمالي الاستثمار أسرع من القوة العاملة، فمتوسط العائد على الاستثمار يميل إلى الهبوط[153]. وقد تناقص متوسط الزيادة السنوية للناتج الصناعي للروبل المستثمر في روسيا[154] على النحو التالي: 51-1955: 6.4 في المائة، 56-1960: 5.1 في المائة، 61-1965: 4.7 في المائة. واستمر هذا الاتجاه طوال عهد بريچنيف. وفي 1985 كانت نسبة الناتج القومي التي تذهب إلى الاستثمار بنفس ارتفاع نسبة 1965 على الأقل، لكن معدل نمو الصناعة كان أدنى بما بين 50 و 60 في المائة على الأقل[155].

(4) الإنتاج الاجتماعي واستحواذ الدولة القومية[156]. وأخيرا، فإن نفس الشيء الذي جعل رأسمالية الدولة تبدو مخرجا من المشكلات. التي تواجه بلدانا عند مرحلة بعينها في تطور النظام العالمي -النمو المتواصل لقوى الإنتاج-يجعل رأسمالية الدولة تبدو عقبة أمام الكفاءة الاقتصادية في مرحلة تالية. فالتطور التالي لقوى الإنتاج على مدى أربعة أو خمسة عقود بدأ يصطدم بأيّ طريقة كهذه في تنظيم الإنتاج.
أصبحت أكثر المشروعات نجاحا في الغرب تلك التي بدأت ليس فقط في أن تبيع على النطاق العالمي، بل كذلك أيضا في أن تنظم الإنتاج على النطاق العالمي. بدأت الرأسمالية المتعدّدة الجنسيات في غرس رأسمالية الدولة كطليعة للنظام. أما الطبقات الحاكمة القومية التي حاولت أن تحتفظ بالسوق المحلي لكامل مجموعة السلع التي في أيدي الشركات المؤسسة قوميا فقد بدأت تكتشف أن هذه الشركات كانت عاجزة ببساطة عن تعبئة مستوى الموارد المطلوب لمباراة المشروعات الأكثر تقدّما في النظام العالمي. والإنتاج الذي كان محصورا في الحدود القومية الضيقة أصبح عديم الكفاءة بصورة متزايدة ومتخلّفا من الناحية التكنولوچية.

كان هذا صحيحا حتى بالنسبة لأضخم اقتصاد في العالم، اقتصاد الولايات المتحدة. في 1948 بلغ إجمالي التجارة الخارجية 12.8 في المائة فقط من ناتج البلاد وحتى في 1965 بلغ 13.7 في المائة فقط. لكن مع 1979 ارتفع الرقم إلى 31.7 في المائة[157]. كانت المنافسة لا تكاد توجد في عدد من الصناعات الرئيسية على مدى 30 أو 40 سنة؛ وكانت الشركات الرئيسية قد سلّمت بتقسيم مستقر للسوق بينها وأهملت التجديد طالما ظلت أرباحها تتدفق[158]. فجأة، في السبعينيات والثمانينيات، تغيّر هذا عندما بدأت الشركات الأجنبية، خاصة الياپانية، تتحدّى الشركات الأمريكية الوطيدة في مجالات رئيسية كالصلب، والمحركات، والإلكترونيات.

فيما يتعلق بالرأسمالية الأمريكية هناك جانب آخر لهذه العملية. في نفس الوقت الذي تفقد فيه نصيبها في السوق على أرض وطنها ظلّت بعض الشركات الأمريكية العملاقة قادرة على إبقاء وتوسيع دورها المسيطر كمنتجين داخل رأسماليات قومية أخري. وتنتج پوينج ما لا يقل عن 80 في المائة من الطائرات المدنية في العالم؛ وخلال اﻟ 20 سنة الأخيرة فرضت فورد وچنرال موتورز سيطرة كاملة على الشركات التابعة لهما في أوروپا، واشترتا بالجملة شركات محلية أخرى، ودمجتا عملياتهما التي تتم على نطاق القارة. وهما الآن أفضل استعدادا من معظم الشركات الأوروپية للنجاح بعد 1992. بل إن واحدة من أصغر وأضعف الرأسماليات الغربية، آيرلندا، تملك شركتين متعددتي الجنسيات كانتا ناجحتين في الفوز بمكان لنفسهما في كل أنحاء أوروپا وأمريكا الشمالية.

والانتقال من الرأسمالية القومية إلى الرأسمالية متعدّدة الجنسيات لا يلغي الدور الاقتصادي للدولة القومية في دعم الشركات “القومية”.
فلا يمكن لپوينج أن تسيطر على صناعة الطائرات المدنية في العالم إلا بسبب العون الذي تلقاه من الطلبيات العسكرية الأمريكية؛ وقد استخدمت فورد وچنرال موتورز الدولة الأمريكية في توفير بعض الحماية لنفسهما ضدّ سيطرة ياپانية كاملة على “سوقهما القومي” في الوقت الذي كانتا توسّعان عملياتهما المتعددة الجنسيات وتعقدان بعض الصفقات مع الشركات الياپانية. ورغم كونها ذات اتجاه متعدد الجنسيات بصورة متزايدة، فإن بريتيش إيروسپيس التي تحولت إلى قطاع خاص ظلّت معتمدة على طلبيات ونفوذ الحكومة البريطانية في الحصول على ما يقدّر ﺒ 80 في المائة من أعمالها. وفي مجالات الاتصالات السلكية واللاسلكية البعيدة المدى السريعة التوسع والمربحة، تتوقف مقدرة الشركات على عقد صلات متعددة الجنسيات على مدى قدرتها على الفوز بدعم الحكومات عندما يصل الأمر إلى الحصول على طلبات بإعادة تجهيز أنظمة التليفون القومية.

كبرت الرأسمالية العالمية على مرحلة رأسمالية الدولة. لكنْ سيكون من الخطأ أن نصف ما حلّ محلّها بأنه “رأسمالية خاصة” أو حتى “رأسمالية سوق”، وكأنَّ دور الدولة قد اختفى. ما يُوجد الآن هو جمع بين رأسمالية الدولة والرأسمالية المتعددة الجنسيات. وأنا أسميها “الرأسمالية المتعددة الجنسيات” اختصارا، لكن مكوّناتها تتطور من أسس رأسمالية الدولة القومية ولا تنفصل عنها بصورة كاملة أبدا[159].

لكن هذا التطور يحطم فعلا الشروط التي أمكن لرأسماليات الدولة القديمة المكتفية بذاتها قوميا أن تزدهر في ظلّها. كان هذا واضحا حتى منذ أكثر من 20 سنة من محاولات خلق رأسماليات دولة جديدة. اكتشفت الصين وكوبا أنه لا يمكنهما أن ينسخا بنجاح الطريق الذي مهده الستالينيون في الاتحاد السوڤييتي -ومن هنا الصراعات الداخلية المريرة التي أفضت إلى القفزة الكبرى إلى الأمام في 1958 والثورة الثقافية في 1966 في الصين[160]، والأزمة في كوبا والتي أفضت إلى ترك تشي جيڤارا Che Guevara الحكومة في 1966[161].
والواقع أن تكاليف الشروع في إنشاء سلسلة كاملة من الصناعات القادرة على الصمود أمام تلك القوى الصناعية الوطيدة صارت الآن أكبر من أن توفرها الموارد المحددة للطبقات الحاكمة القومية في البلدان الأكثر فقرا. هذه النقطة تم إيضاحها بصورة نابضة بالحياة عندما قُدّر أن إنتاج القنبلة الهيدروچينية الصينية قد استنفد حتما بين رُبع ونصف إجمالي ناتج البلاد من الكهرباء[162]. وكان الواقع “أن الحد الأدنى من كلفة الدخول في السوق العالمي يرتفع كل يوم. أما الموارد التي يُموَّل منها ذلك في البلدان المتخلفة فلا ترتفع”[163]. وكانت النتيجة:

وضع حدّ للعهد الذي كان من الممكن فيه التفكير في أن تنمية لرأسمالية دولة من الطراز الروسي ممكنة بالنسبة للبلدان المتخلفة… التي يمكن فيها التفكير في مسيرة قسرية دموية غادرة عبْر التصنيع على أنها تشكّل تقدُّما بمعنى ما ضيّق…[164].

أما أولئك الحكام الذين حاولوا منذ هذه المرحلة فصاعدا أن يحققوا حلم تنمية رأسمالية الدولة القومية فقد اكتشفوا أنهم طبقوا سياسة أفضت، في الواقع، إلى الأزمة القومية وحتى الانهيار القومي. النظامان اللذان أعقبا هزيمة الاستعمار البرتغالي في أنجولا وموزمبيق تم إجبارهما على تراجع مرير في اتجاه القوى الغربية بهذا المنظور؛ ويتمنَّى النظام الڤييتنامي أن يقوم بهذا التراجع لكنه يجد أن العناد الأمريكي يعترض سبيله؛ أما محاولة نظام الخمير الحمر في كمبوديا أن يشقّ طريقه “بخطط التنمية” القديمة الطراز فقد أفضت إلى كل البربرية القديمة الستالينية بدون التقدم الصناعي الذي صاحبها في الاتحاد السوڤييتي.

ربما لا يكون ذلك نهاية التنمية الاقتصادية في “العالم الثالث”[165]. لكنْ منذ ذلك الحين فصاعدا لم تعد “التنمية” ممكنة إلا لرأسماليات دولة ركّزت مواردها على اقتحام مجموعة ضيقة للغاية من الصناعات، عادةً بالتعاون مع الشركات المتعددة الجنسيات الراسخة الأقدام، على أمل اقتحام قطاع أو قطاعين من السوق العالمي -كما فعلت بنجاح بعض البلدان الصغيرة نسبيا على “حافة المحيط الهادئ”. كثير من البلدان التي حاولت السير على هذا الدرب سقطت على جانب الطريق. وفي بلدان أخرى، كالهند والصين بعد ماو، كان النمو الحقيقي في بعض القطاعات والأقاليم مصحوبا بالركود في مكان آخر كما كان يُعمّق التوتّرات الاجتماعية. فقط في حفنة من البلدان، مثل كوريا الجنوبية، كانت القطاعات المتقدمة قادرة على جذب بقية الاقتصاد معها إلى الأمام.

« السابق التالي »