بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العاصفة تهب – حول انهيار النموذج السوفييتي

« السابق التالي »

14- أزمة رأسمالية الدولة

لفترة من الوقت بدا أن لرأسماليات الدولة التي تأسست قديما مستقبل أكثر إشراقا من تلك القادمة متأخرة والتي حاولت أن تحاكيها. وكانت سلسلة الاضطرابات العنيفة قد اجتاحت الكتلة الشرقية برمتها في 53-1956 عندما قاوم الشعب الإرهاب، والمعسكرات العبودية، والهبوط الشديد بمستويات الاستهلاك الشعبي المميزة للعهد الستاليني من التراكم البدائي لرأسمالية الدولة. وفي الاتحاد السوڤييتي كانت هناك إضرابات في المعسكرات العبودية الكبرى. وفي ألمانيا الشرقية وپيلزن في تشيكوسلوڤاكيا في 1953 وفي پوزنان في پولندا أدت الإضرابات إلى صدامات مريرة مع الشرطة وقوات الجيش. وفي المجر كنست انتفاضة عفوية الحكومة القديمة من السلطة ولم يتم إخمادها إلا بعد قمع شديد قامت به القوات الروسية.

لكن زعماء أوروپا الشرقية وخروشوڤ في الاتحاد السوڤييتي كانوا قادرين على احتواء تلك التمردات بمزيج من القمع والإصلاح. كان عهد التراكم البدائي قد خلق احتياطيات اقتصادية كافية لتقديم تنازلات إلى جماهير السكان ولإجراء استرخاء للأساليب القديمة الخاصة بالتعبئة الشاملة من أجل التراكم. وبحلول أواخر الخمسينيات كانت كافة هذه الأنظمة قد استعادت استقرارها وكانت تحقق مستويات نمو اقتصادي تُضارع تلك الخاصة بمنافسيها الغربيين.

بدأت تتكشّف أعراض حلقة جديدة من الأزمة في منتصف الستينيات. عجزت محاولات خروشوڤ المتباينة للإصلاح داخل الاتحاد السوڤييتي عن رفع معدل نمو البلاد إلى المستوى المطلوب ليس فقط لتعزيز نفسه بوصفه القوة العظمى الثانية، بل “للحاق ﺒ وتجاوز” الولايات المتحدة. واتحد قادة مختلف أقسام البيروقراطية على الإطاحة بخروشوڤ في 1964. في تشيكوسلوڤاكيا أدَّى تباطؤ في النمو الاقتصادي إلى الكساد في 62-1963. وأدت مشاجرات بين مختلف الأقسام داخل البيروقراطية وضغوط من أجل الإصلاح الاقتصادي، في بداية 1968، إلى عزل زعيم الحزب العجوز ورئيس الجمهورية، نوڤوتني Novotny، وإلى فترة من التحوّل الليبرالي في ظلّ ألكسندر دوبتشيك Alexander Dubcek. ولم يُوضع حدّ لهذا إلا بغزو روسي للبلاد في أغسطس. وفي پولندا أعقبت الاحتجاجات الطلابية في مارس 1968 مظاهرات وإضرابات عمالية في المدينتيْن البلطيقيتيْن جدانسك وشتشين في شتاء 70-1971 أدّت إلى إحلال چيريك محل جومولكا[166].

كانت أحداث تشيكوسلوڤاكيا وپولندا منذرة بوجه خاص لكافة حكام أوروپا الشرقية. كانت پولندا هي كبرى دول أوروپا الشرقية وكانت تشيكوسلوڤاكيا أكثرها تقدّما صناعيا. وإذا كان قد أمكنهما الدخول فجأة في طور جديد من الأزمة، فلابد أن احتمالات الأمد الطويل في غيرهما كانت قاتمة. أما أولئك الذين كانوا يؤمنون من بيننا بنظرية رأسمالية الدولة فقد كانوا قادرين على أنْ يستنتجوا بعد قمع ربيع براغ أنّ:

البيروقراطية أصبحت واقعة في شرك دائرة شريرة. فأيّ طريقة تحاول أن تحلّ بها بعض مشكلاتها من المحتمل أن تفاقم مشكلاتها الأخرى.
سوف يتجلَّى بصورة متزايدة أن قادة الجهاز المركزي عقبة أمام إنتاج كفء… والبيروقراطية عاجزة عن تحقيق إصلاحات بأيّ قدر من النجاح بدون إحداث صَدْع بالمستويات التي ميزت المجر في 1956 وتشيكوسلوڤاكيا في أوائل 1968. من شأن صَدْع كهذا أن يكون مقدمة لأزمة هائلة في كل مكان في الاتحاد السوڤييتي وأوروپا الشرقية تحتشد فيها الطبقات غير البيروقراطية خلف مطالبها هي.

وسوف تصل الأزمة المزمنة لرأسمالية الدولة إلى نقطة العقدة التي يغدو النظام بأسره مهدّدا عندها. وسوف يتوقف ما سيحدث حينئذ على قدرة مختلف الطبقات على تعبئة نفسها حول برامج تعكس مصالحها الحقيقية[167].

لكن كافة هذه الأنظمة استطاعت أن تستعيد استقرارها في أعقاب أحداث 68-1971 مباشرة تماما كما فعلت بعد 53-1956. واصل الاتحاد السوڤييتي في ظلّ بريچنيڤ التوسع اقتصاديا بسرعة كبيرة، محقّقا تكافؤا عسكريا مع ولايات متحدة كانت مستعدة للدخول في “تهدئة”. وكان قادرا أيضا على أن يمنح تحسينات في مستويات المعيشة لغالبية السكان. في تلك السنوات بدأت معظم الأسر تمتلك سيارات. وكان هناك تخلّف كبير في الأوضاع بالمقارنة مع معظم البلدان الغربية المتقدمة، لكنْ بدا في الواقع أن العمال السوڤييت كانوا يشهدون نفس “الثورة الاستهلاكية” كما كان عمال أوروپا الغربية قد فعلوا قبل ذلك ﺒ 15 سنة فحسب. وفي تشيكوسلوڤاكيا بدا أن التحذير المنذر من جانب الاقتصاديين الإصلاحيين قد ثبت بطلانه، عندما استأنف الاقتصاد السير في طريقه الصاعد -من معدّل نمو وسطيّ قدره 1.8 في المائة في 61-1965 إلى 5.7 في المائة في 71-1975. وارتفعت مستويات المعيشة أيضا: مع نهاية 1976 كانت كافة الأسر في الواقع تملك غسّالات، وأجهزة راديو، وتليڤزيونات، وكانت كل أربع أسر من خمس تمتلك ثلاجة، وكانت أسرة واحدة من كل ثلاث أسر تملك سيارة[168].

أما في پولندا فإن تنبؤات كل من الحكومة [169] والمنشقّين[170] على السواء، القائلة بأن مستويات المعيشة لم يكن بإمكانها أن تنمو ثبت أنه لا أساس لها من الصحة عندما دخل الاقتصاد في فترة رواج. وبحلول 75-1976 كان الصحفيون الغربيون يتحدثون عن “معجزة پولندية” كما زعمت الأرقام الرسمية تحسُّنا بنسبة 30 في المائة في مستويات المعيشة في غضون ثلاث سنوات[171]. وفي كل حالة تواصل التوسُّع بسبب الكساد الذي أصاب الرأسمالية الغربية في 74-1976.

كان لحكام أوروپا الشرقية ما يبرّر أن يكونوا فخورين بأنفسهم… إلا أن أرقام النمو الاقتصادي أخفت عددا كبيرا من المشكلات. واصل الاستثمار نموه أسرع كثيرا من الناتج الاقتصادي. كما واصل التقدم التكنولوچي على مستوى عالمي اعتماده، بصورة متزايدة، على تعبئة للموارد تجاوزت الحدود القومية. وكان إدراك هذه المشكلات الطويلة الأمد قد قاد إلى خطط متعاقبة للإصلاح الاقتصادي في بلدان أوروپا الشرقية الرئيسية. وفي كل مكان غير المجر ويوغسلاڤيا جرى التخلِّي تماما عن هذه الخطط في أعقاب 1968. لكن هذا لم يستأصل كل تغيير في إدارة الاقتصادات. وكان قياس مدى تحقيق المشروعات للخطة -ومكافأت مديري المشروعات- يتوقف أكثر بكثير مما كان في أيام ستالين على الرقابة على تكاليف العمل والجودة، وإن كانت رقابة غير فعالة في أكثر الأحيان: لم يعد الاقتصاديون ينكرون أن “قانون القيمة”، قياس إيراد الناتج على أساس المقدار الوسطي للعمل اللازم لإنتاجه على مستوى عالمي، ينبغي أخذه في الحسبان. وازداد عدد الصلات المباشرة للمشروعات مع بقية النظام العالمي دون انقطاع.

كان هذا هو الحال بكل وضوح مع بلدين مثل پولندا والمجر اللتين اقترضتا قروضا ضخمة من البنوك الغربية لتمويل ازدهار استثماراتهما. وفي ظلّ چيريك كان كل مشروع رئيسي يرتبط في الواقع بالتكنولوچيا والأموال الغربية: مصنع جرارات أورسوس خارج وارسو موّله باركليز وأقامه ماسي فيرجيسون؛ مصنع پولسكى-فيات في سيليزيا صممته الشركة الإيطالية وزوّد مصانعها في ميلانو بقطع غيار؛ قام كونسورتيوم لشركات ألمانية بقيادة كروپ بإمداد المصانع الكيميائية بما قيمته نصف مليار جنيه من التجهيزات وخطط لعمليات تسويق مشتركة مع الحكومة الپولندية؛ واعتمد توسُّع إنتاج النحاس الپولندي على صفقة قيمتها رُبْع مليار جنيه مع كونسورتيوم من البنوك الغربية[172].

سمحت سلسلة من تعديلات القانون المجري بتكوين مئات من المشروعات المشتركة مع الشركات الغربية وباقتراض ضخم من البنوك الغربية. هناك دول شرقية أخرى كانت أكثر إحجاما في تعاملها المباشر مع الشركات والبنوك الغربية. لكنْ كانت هناك معاملات مع ذلك. كانت هناك شركات غربية منخرطة في تشييد مصانع السيارات الروسية العملاقة عند تولياتيجراد ونهر كاما؛ وفي سنة 1976 وحدها اشترى الاتحاد السوڤييتي ما قيمته 3.6 مليار دولار من الآلات الثقيلة والتجهيزات من شركات ألمانية غربية[173]؛ وكان تشييد خط أنابيب الغاز الضخم من شمالي روسيا إلى جنوبي أوروپا، بمساعدة غربية، أساسا للتنمية الاقتصادية في الاتحاد السوڤييتي في أوائل الثمانينيات؛ وكان هناك تعاون متزايد بين المشروعات الألمانية الشرقية والألمانية الغربية فيما يتعلق، على سبيل المثال، بتصنيع محركات السيارات لفولكسڤاجن في ألمانيا الشرقية بترخيص خاص. وبحلول منتصف أكتوبر 1989 كان هناك 2090 من المشروعات الاستثمارية المشتركة المسجلة في الاتحاد السوڤييتي، والمجر، وپولندا، وتشيكوسلوڤاكيا، ورومانيا، وبلغاريا[174].

وعلى رأس هذا كله سعت قيادة بريچنيف في الاتحاد السوڤييتي إلى التعويض عن التخلف المتأصّل في قطاعه الزراعي بشراء الحبوب بعقود طويلة الأجل من الولايات المتحدة، يدفع مقابلها من دخله من صادرات الپترول بعد الزيادات الكبيرة في السعر العالمي للپترول في 73-1974 و79-1980.

كان لابد لمثل هذا المدخل التدريجي للتعامل مع المشكلات الاقتصادية العميقة الجذور من أن يصطدم بالضرورة بمصاعب. وكان على الاقتصادات التي كانت تعمل آنذاك بكل طاقتها أن تجد بطريقة أو بأخرى الموارد لتدفع مقابل واردات السلع والتكنولوچيا الأجنبية. وفي أوائل السبعينيات كان يبدو أن الاقتراض من البنوك الغربية هو سبيل الالتفاف حول هذه المشكلة بالنسبة لكل من أنظمة پولندا اردات السلعب.

على سبيل المثال، بتصني والمجر ويوغسلاڤيا. فقد افترضت هذه الأنظمة أنها ستكون قادرة على سداد ديونها من عائدات الصادرات إلى الأسواق الغربية. لكن الركوديْن العالمييْن في 74-1976 و80-1982 وضعا حدًّا لهذا الخيار. وعندما ركدت الأسواق وارتفعت أسعار الفائدة بسرعة شديدة، وجد حكام هذه الدول الشرقية أنفسهم في نفس الوضع الذي كان أمام حكام “البلدان الآخذة في التصنيع حديثا” مثل البرازيل والأرچنتين تماما: بدأت تكلفة سداد الاقتراض السابق تقضي على فرص المزيد من التراكم: في 79-1980 دخلت پولندا فترة طويلة من الركود الاقتصادي، التي تتخلّلها فترات من الانكماش؛ أما المجر، التي لا يزال معظم المعلقين الغربيين المؤيدين للسوق يتعاملون معها على أنها “اقتصاد المعجزة” في أوروپا الشرقية في أوائل الثمانينيات[175]، فقد سيطرت عليها، على نحو كان قابلا للتنبؤ، مشكلات ديونها بعد ذلك بنصف عقد من الزمان[176].

اجتمع الخوف من محصلة كهذه مع الجمود المحافظ في دول أخرى مثل تشيكوسلوڤاكيا، وألمانيا الشرقية، والاتحاد السوڤييتي في ظل بريچنيڤ لتقييد حجم الانفتاح على السوق العالمي؛ وانتقلت رومانيا في ظل شاوشيسكو من النقيض إلى النقيض، فجلبت ديونا ضخمة في السبعينيات ثم خفَّضت بشدّة الواردات من أيّ نوع (باستثناء السلع الترفيّة من أجل حاشية الديكتاتور) لسداد تلك الديون.

كان الطريق المحافظ يتمثل في محاولة التشبّت بالنموذج القديم لرأسمالية الدولة المكتفية ذاتيا قوميا في وقت كان ركودا 74-1976 و 80-1982 يقدّمان دافعا إضافيا كبيرا في الغرب و”العالم الثالث” لإعادة بناء الصناعات القومية لتتلاءم مع ضرورات الإنتاج المتعدّد الجنسيات. وبصورة محتومة بدأت قطاعات هامة من الاقتصادات الشرقية تتخلّف عن المستويات العالمية الأكثر تقدما من التكنولوچيا. وفي الخمسينيات كان الاتحاد السوڤييتي قادرا على اللحاق بالولايات المتحدة من ناحية التكنولوچيا النووية وعلى التفوق عليها، بعد فترة وجيزة، في سباق الفضاء. ومع أواخر الستينيات كان يبدأ بكل وضوح في التخلّف في القطاعات الرئيسية مثل الكمپيوتر.

كانت محاولات عدم التخلف عن التكنولوچيا الأكثر تقدّما عالميا تغدو، بصورة متزايدة، باهظة التكاليف وفي كثير من الأحيان غير فعّالة. شركة روبوترون الألمانية الشرقية، على سبيل المثال، بذلت جهدا في محاولة للتنافس مع الغرب في تكنولوچيا الكمپيوتر وبرامجه. وكانت إنجازاتها كبيرة حقا، لكنها لم تكن كافية تقريبا لأن تجاري قيام بعض الشركات الغربية المتعدّدة الجنسيات بتركيز موارد أكبر في مثل هذه المجالات. والواقع أن الشركات المتعددة الجنسيات ذات الأساس الأمريكي كان يجري طردها خارج إنتاج كثير من أنواع الميكروتشيپ* الأساسية في هذه الفترة من جانب الشركات الياپانية المتعدّدة الجنسيات لأنها كانت ببساطة لم تعد تملك الموارد اللازمة للتنافس. ولم يكن أمام صناعة دولة صغيرة كألمانيا الشرقية أيّ فرصة للتنافس في وضع كهذا.

على نحو مشابه، كان هناك مشروع تشيكي قادر على صنع المجموعة الكاملة من سلع كهربائية كان يجري إنتاجها في الغرب -من الثلاجات وخلاّطات الطعام إلى أجهزة الكمپيوتر. لكنه فعل ذلك بالضرورة بتكاليف إنتاج أكبر كثيرا على دورات إنتاجه القصيرة من الشركات الغربية العملاقة المتعدّدة الجنسيات، التي كان بوسع كل شركة منها أن تركز على جزء فقط من مجموعة الإنتاج. مرة أخرى، ربما لم يكن بإمكان صناعتي السيارات التشيكية والألمانية الشرقية، اللتيْن لا تنتج الواحدة منهما سوى مئات قليلة من آلاف السيارات في مجموعها كل سنة، أن تحصلا على التطوير والتجهيز التكنولوچييْن المفتوحيْن أمام أعلى عشر شركات غربية متعدّدة الجنسيات، كانت كل واحدة منها تنتج ملايين السيارات سنويا.

كان للتخلّف المتزايد في التكنولوچيا آثار هامة في ثلاثة مجالات. أولا، حدثت عُجوزات عندما وصل هذا التخلف إلى أكثر وسائل الإنتاج تقدّما فبصورة متزايدة كان لم يعد من الممكن الحصول على أجهزة الكمپيوتر والمعدّات الهندسية المتقدمة إلا بشرائها من الغرب. لكن ذلك يعني الحصول بطريقة أو بأخرى على العملة الأجنبية لشرائها بها -بافتراض أنها ليست واردة في قائمة “كوكوم” الخاصّة بالقوى الغربية بالصادرات المحظورة.

ثانيا، كان من الصعب بصورة متزايدة تحمُّل عبء إنتاج الأسلحة المتقدمة. وقد نجح الاتحاد السوڤييتي، حتى منتصف الثمانينيات على الأقل، في أن يُجاري التكنولوچيا العسكرية الغربية، لكن فقط عن طريق الإغارة على بقية الاقتصاد من أجل الموارد. وكما أشار الاقتصادي السوڤييتي زايتشنكو Zaichenko مؤخرا:

من بين أكثر من 100 بلد توجد عنها إحصاءات موثوقة هناك خمس أو ست دول شرق أوسطية فقط تنفق على الدفاع أكثر من الاتحاد السوڤييتي. وقد رفع الكفاح الطويل لجعل بلادنا أكثر نفوذا في الحلبة الدولية القدرة الدفاعية إلى مستوى لم يكن من الممكن تأمينه إلا باعتصار كافة الجهود المالية والاقتصادية إلى أقصى حدّ…[177].

كان الاتحاد السوڤييتي قادرا على إنتاج الطائرات والدبابات، والمدافع، بجودة ما ينتج منها في الغرب، لكن فقط عن طريق استنزاف الموارد الضرورية لتنمية ناتج عالي الجودة في بقية الاقتصاد.

وأخيرا، حتى حيثما نجحت الأنظمة في إشباع الاحتياجات المادية الأساسية للعمال (الطعام، الكساء، المشروبات الكحولية، الإسكان)، كما في ألمانيا الشرقية وتشيكوسلوڤاكيا، لم يكن بإمكانها أن تمنع الاستياء المتعاظم بشأن تكلفة وجودة السلع الاستهلاكية المعمرة[178].

جعلت نظرية رأسمالية الدولة من الممكن أن نفهم، حتى منذ منتصف السبعينيات، أنه لا الانفتاح على الغرب ولا محاولة تقييد مثل هذا الانفتاح بوسعهمااي ألماني منع انزلاق الدول الشرقية نحو الركود الاقتصادي والأزمة السياسية[179]. وقد جعلت أحداث پولندا في أوائل الثمانينيات الصورة أكثر وضوحا أيضا:

بحلول 1981، كان الاختيار بين الاحتفاظ بالاقتصاد المغلق والانفتاح على بقية العالم قد أصبح حقا اختيارا بين المقلاة والنار. كان الخيار الأول يعني تعميق الركود، والتبديد المتزايد، والعجز عن إشباع مطالب غالبية السكان، والخطر المتواصل لثورة الطبقة العاملة. وكان الخيار الثاني يعني الارتباط بإيقاع اقتصاد عالمي يتعرض بصورة متزايدة للركود والكساد -والتخلي عن الوسائل الإدارية لوقف الكساد الذي يقتضي انكماش الاقتصاد المحلي. ذلك هو السبب في أن أزمة 80-1981 في پولندا كانت صدمة شديدة لكافة حكام أوروپا الشرقية. لقد أثبتت أنه لم يكن هناك أيّ حل سهل للمشكلات التي تُحدق بكل دولة[180].

« السابق التالي »