بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العاصفة تهب – حول انهيار النموذج السوفييتي

« السابق التالي »

15- “ما قبل-الأزمة” والپيريسترويكا

يخبرنا قادة الاتحاد السوڤييتي الآن أنه عندما مات بريچنيڤ أخيرا في 1982 كان الاقتصاد في الواقع في حالة “ما قبل-أزمة”. كان التقدير الرسمي لمعدل النمو قد هبط من 5.7 في المائة في النصف الأول من السبعينيات إلى 4.3 في المائة في النصف الثاني من السبعينيات وإلى 3.6 في المائة في بداية الثمانينيات؛ تقدّر الحسابات الغربية هذا الهبوط ﺒ 3.1 في المائة إلى 2.2 في المائة إلى 1.8 في المائة. وفي أيٍّ من الحالتين، كان الاقتصاد السوڤييتي، بعيدا عن “اللحاق” بالاقتصادات الغربية الأكثر تقدما، قد بدأ يتخلّف عنها. لكن الضغوط الخارجية عليه كانت تتزايد -من تعاظم تكديس الولايات المتحدة للأسلحة خلال سنوات ريجان الأولى، ومن الهبوط في الأسعار العالمية للپترول الخام وفي الإيرادات التي كان يمكن للاتحاد السوڤييتي أنْ يشتري بها الحبوب والآلات المتقدمة من الخارج.

لم تكن أعراض “ما قبل-الأزمة” في الاقتصاد فحسب. كان الجيش قد غاص عميقا في مستنقع حرب في أفغانستان لم يكن بمستطاعه أن يكسبها. وكانت اللامبالاة والفساد منتشريْن داخل البيروقراطية، بما في ذلك أفراد أسرة بريچنيف ذاته. وكان الكوادر الحزبيون قد فقدوا آخر بقايا ذلك الالتزام الريادي ببنية رأسمالية الدولة والذي كان لا يزال يمكن أن نلقاه في أيام خروشوڤ. ويتبيّن عمق اغتراب غالبية السكان من الاستهلاك المتصاعد للخمور ومن الأنصار المتزايدين، بين أنشط أفراد الجيل الأصغر، لموسيقى الروك العدمية بمرارة. وقد اعترف بالأخطار التي ينطوي عليها هذا الوضع آنذاك رئيس المخابرات السوڤييتية، أندروپوڤ Andropov، الذي تولَّى السلطة بعد بريچنيڤ في 1982. وهذا هو السبب في أنه جلب جيلا جديدا من رجال الجهاز الحزبي من الأقاليم إلى قيادة الحزب في موسكو، أصبح جورباتشوڤ أبرزهم.

وحينما تولَّى جورباتشوڤ السلطة في 1985 كانت أعراض الأزمة ملحوظة أكثر من أيّ وقت مضى. وكان من الصعوبة بمكان أن يتفادَى النظر بيأس إلى ما وصفه الحزب في الحال بأنه “الطابع الدرامي للوضع الذي وجدت البلاد نفسها فيه في أبريل 1985″[181].
في المركز وفي المحليات على السواء واصل كثير من القادة العمل بأساليب عتيقة وأثبتوا أنهم غير مهيّئين للعمل في الأوضاع الجديدة. تدهور الانضباط والنظام إلى مستوى لا يُطاق. وأصبحت الممارسة الشريرة المتمثلة في خفض أهداف الخطط واسعة الانتشار[182].
ووصف الحزب عهد بريچنيف بأنه عهد “الركود” الذي كان قد: وصل بالبلاد إلى حافة أزمة اقتصادية. وفقد نظام بعيد المدى ومرتفع الإنفاق للإدارة الاقتصادية فائدته. وأصبحت بنيته ومعرفته المتخصصة متعارضتين مع المتطلبات الحديثة… وكفّ الإنتاج، والكفاءة، ومستويات المعيشة عن النموّ…[183].

في عامها الأول حاولت قيادة جورباتشوڤ الجديدة تحقيق “إعادة البناء” الاقتصادية مستخدمةً نفس الأساليب التي كان أندروپوڤ قد استخدمها -حملات حازمة موجّهة من القمة، تستخدم الجهاز القائم فحسب في محاولة لدفع الناس إلى أن يكونوا أكثر جدا ومثابرة. كانت هناك حملة ضدّ الأثر الضار المزعوم للخمور على الإنتاجية شملت رفع الأسعار، وإغلاق ثلثي منافذ البيع، وتدمير آلاف الأكرات من الكروم. وكان هناك هجوم ضار على الفساد بين الكثيرين من الجيل القديم من بيروقراطيّي الحزب الذين كانوا قد استمروا في السلطة طوال عقديْ حكم بريچنيف. وكان هناك إنشاء هيئة مركزية لفحص جودة ناتج المشروعات، ولخفض أجور أولئك الذين يعملون في مشروعات ذات جودة منخفضة. بل كان هناك نداء من جورباتشوڤ إلى الشعب يطالبه فيه بالاقتداء بحركة ستالين الستاخانوڤية في الثلاثينيات[184].

لكن محاولات إعادة تنظيم الاقتصاد بصورة جذرية لم تنجح. وخلال 1986 أصبح أغلب المجموعة التي تحيط بجورباتشوڤ مقتنعين بأن الطريقة الوحيدة لتغيير الاقتصاد تتمثل في تحقيق تحوّل كلّي في البيئة البيروقراطية-الإدارية ذاتها. وقد أدركوا أن هذا لا يمكن تحقيقه دون إدخال تغييرات ذات طبيعة سياسية وكذلك اقتصادية. كان البيروقراطيون المحافظون، كما قيل، يعرقلون الپيريسترويكا، وكان لابد من مقاومة محاولاتهم بالسماح لوسائل الإعلام بإلقاء الضوء على نشاطاتهم من خلال الجلاسنوست.

اشتمل البرنامج الاقتصادي للپيريسترويكا، كبداية، على ثلاثة اتجاهات مترابطة للتغيير. أولا، إعادة بناء الإنتاج بعيدا عن التجهيزات والآلات القديمة لإحلال تجهيزات وآلات جديدة محلها. وكان تحقيق هذا يقتضي إغلاق مصانع وطرد عمال من جهة وإدخال العمل بنظام الثلاث ورديات من جهة أخرى. وأخيرا كان المقصود بهذا أن يستتبع فصل 16 مليون من الخدمة. وحتى ذلك الحين كان هناك أكثر من ثلاثة ملايين حالة فصل[185]. ثانيا، الخفض التدريجي لحجم الجهاز البيروقراطي الذي يسيطر على الصناعة وإبدال البيروقراطيين والمديرين غير الملائمين أو غير الأكفاء أو الفاسدين. وكان من شأن حرية النقد المتزايدة في وسائل الإعلام أن تساعد على ذلك. أخيرا، إحلال الجهود القائمة على قوى السوق محلّ الجهود البيروقراطية لجعل الصناعة ذات كفاءة. ومحلّ استخدام أساليب “الأوامر” للتنسيق “الرأسي” لجهود مختلف المشروعات كان ينبغي إحلال الصلات “الأفقية” حيث تتوصّل المشروعات بحرية إلى تعاقدات على ناتج بعضها الآخر. وكان من شأن السعي وراء أقصى الأرباح أن يقود مديري كل مشروع، كما زعموا، إلى تشجيع الاستخدام الفعّال للموارد والتبنّي السريع لتقنيات جديدة.

كان من المستهدف أن تكون العناصر الثلاثة معتمدة على بعضها. فالانتقال من التنسيق بالأوامر إلى التنسيق بالسوق كان من شأنه أنْ يكشف أيّ تجهيزات هي الأكثر كفاءة وأن يعطي المديرين حافزا على تركيز الإنتاج فيها. وكان ضرب طبقات السيطرة البيروقراطية شرطا مسبقا للانتقال إلى الصلات الأفقية، التي كان من شأنها بدورها أنْ تُلقي الضوء على كفاءة أو عدم كفاءة المديرين الأفراد. لكن الأمور لم تنته إلى ما هو مأمول. ولم يقد الإحلال الجزئي للصلات الأفقية محل الرأسية في 1988 إلى أيّ ارتفاع سحري في مستوى الكفاءة.
مشكلة إمداد السكان بالطعام ازدادت سوءًا.. كل شيء في الاقتصاد يعاني من نقص الإمداد، كما استنتج تقرير في يناير 1989 في التليڤزيون من اجتماع لمجلس الوزراء. وتحدث التقرير عن عدد متزايد من السلع التي تعاني من نقص الإمداد، وعن نقص مليوني متر مربع عن مساحة الإسكان المستهدفة في الخطة، وعن هبوط في عدد ما افتُتح من منشآت الأطفال الجديدة لمرحلة ما قبل المدرسة[186].

وكانت الأسعار تُواصل الارتفاع. “لا المصانع ولا الدكاكين لها أيّ مصلحة في توفير سلع رخيصة -لا فائدة من ذلك”[187]. وكان كثير من المديرين قد اكتشفوا أن بإمكانهم أن يزيدوا أرباحهم، وعلاواتهم الخاصة، ببساطة عن طريق رفع أسعارها. وحيثما كانوا غير قادرين على أن يفعلوا ذلك مباشرة، كانوا يتحولون من إنتاج المجموعات الرخيصة البيع من السلع إلى أخرى أغلى. لكنْ، مادامت السلع التي ينتجها مشروع لازمة بشدّة كمدخلات في مشروع آخر، فقد أدَّى هذا إلى الفوضى في كل اتجاه.

والأهم من ذلك أن العلانية، التي رآها جورباتشوڤ ضرورية إذا كان له أن يُنجز إعادة البناء، زادت من المشكلات الاقتصادية. وفي ربيع وأوائل صيف 1988 كان جورباتشوڤ قادرا على أن يستخدم شعار الجلاسنوست كسلاح ضدّ المحاولات المحافظة للحدّ من الپيريسترويكا. وخلال الإعداد السريع للكونفرنس الحزبي الخاص منح جورباتشوڤ وسائل الإعلام في موسكو حرية التصرف في كشف الفساد، والوحشية، وعدم الكفاءة. وقد أدَّى هذا الضغط إلى إعادة انتخاب قليل من المندوبين إلى الكونفرنس. وأدَّى بآخرين كثيرين إلى التظاهر بالحماس لإعادة البناء. وخرج جورباتشوڤ منتصرا من الكونفرنس، بينما أصبحت مجموعة ليجاتشيڤ Ligachev المحافظة في المكتب السياسي تعتمد على رضاه -كما تبيّن بصورة نابضة بالحياة بعد ذلك بشهرين اثنين عندما أخرجتهم اللجنة المركزية من المناصب الرئيسية ومنحت جورباتشوڤ نفسه رئاسة الدولة.

كان نجاح جورباتشوڤ السياسي بكامله ضمن إطار البيروقراطية السياسية-الإدارية. وقد صعد خلال سنوات خروشوڤ وبريچنيڤ عن طريق تعلّم كيف يفوز بالحظوة عند أولئك الذين فوقه، وكيف يناور ضدّ أولئك الذين إلى جانبه، وكيف يُخضع بالإرهاب أولئك الذين تحته. وكانت هذه مهارات استخدمها جورباتشوڤ إلى أقصى حدّ طوال شهور الربيع والصيف -بالإضافة إلى مهاراته الكبيرة كداعية. وقد مكنته هذه المهارات من أن يقوم بمناورة ضدّ خصومه الأمر الذي ركز سلطة ضخمة في يديه هو وأرْسَى، كما أعتقد، أساس هجوم جديد ضدّ أولئك البيروقراطيين الذين تحت والذين كان بإمكانهم أن يعرقلوا إعادة البناء.

على أن تلك المهارات لم تهيئه لشيء أخر -كيف ينبغي التعامل مع ردود أفعال ملايين الناس خارج البيروقراطية الحاكمة مادامت الجلاسنوست قد منحتهم، للمرة الأولى منذ أواخر العشرينيات، إمكانية مناقشة الشروط التي يعيشون في ظلها. وكان الوعد الباهت بالجلاسنوست من فوق كافيا لإطلاق موجة ضخمة من الجلاسنوست من تحت.

في بداية الأمر بدا هذا وكأنه أساسا ظاهرة محصورة داخل إنتلچنسيا موسكو، وكان هؤلاء هامين بقدر ما كانوا يؤثرون في محتويات الصحف، ومحطات التليڤزيون والإذاعة، وسياسات دور صناعة الأفلام السينمائية، في عموم الاتحاد. لكنهم أيضا مجموعة متميزة نسبيا ومعزولة تماما عن غالبية الشعب حتى في موسكو، إذا تركنا جانبا كل أنحاء بقية الاتحاد السوڤييتي. وقد بيّن حادث اﻟ سوڤييتسكايا راسييا كيف أمكن إخضاع معظهم بسهولة: تم إجبارهم فجأة على ثلاثة أسابيع من الصمت من خلال تحرُّك معاد من قسم واحد فقط من القيادة. وقام جورباتشوڤ بتحركاته هو لتهدئتهم بعد نجاحاته في كونفرنس الحزب. وطالب العضو “الليبرالي” المزعوم في المكتب السياسي، ياكوڤليڤ Yakovlev، رؤساء وسائل الإعلام بأن يؤمِّنوا تغطية صحفية “مسؤولة” ويمنعوا “محاولات إلهاب المشاعر، وإثارة الانفعالات، وبذر بذور الشك القومي والاجتماعي، ودفع مختلف المجموعات الاجتماعية إلى التصادم”. وحثّ على مقاومة “المعالجات الآتية من مواقع غير واقعية، ومتطرّفة” والتي كانت “شكلا خطيرا للغاية من أشكال الطفيلية الاجتماعية”[188]. واستُخدمت مفرزة شرطة تشكلت حديثا لوضع حدّ لمظاهرات مثل تلك التي نظمها الاتحاد الديمقراطي في 7 أغسطس، ومكنّ مرسوم جديد السلطات من سجن منظمي “المظاهرات غير المصرح بها”. ثم استُخدم “نقص ورق الصحف” كذريعة لتقييد مطبوعات القسم الإصلاحي من الصحافة، مثل مجلة أوجانييك Oganyek الأسبوعية.

كانت هذه محاولات للحدّ من تأثير الرأي العام الراديكالي في موسكو، وليس لإيقافه حيث هو. أحسّ جورباتشوڤ بكل وضوح أنه لا يمكنه أن يفعل ذلك دون تشجيع درجة من إحياء خصومه المحافظين. كان لا يزال يحتاج إلى أن يشوه سمعتهم بالحقيقة البشعة الخاصة بعهديْ ستالين وبريچنيف. وكان ذلك يعني السماح لوسائل الإعلام بنشر سيل المفاجآت حول ما كانته الحياة في الاتحاد السوڤييتي في واقع الأمر -حول الإعدامات ومعسكرات العمل، حول تهجير الشعوب والمجاعات، حول المحاكمات الهزلية والإعدامات بالجملة في عهد ستالين، حول الفساد بالجملة وانعدام الكفاءة في سنوات بريچنيڤ.

الأكثر أهمية، مع ذلك، ما كان يحدث خارج موسكو، في الحواضر والمدن في كل أنحاء الاتحاد السوڤييتي. كانت آلاف المجموعات الصغيرة غير الرسمية تنظم نفسها فعلا في أواخر 1987، وكانت تتمحور في كثير من الأحيان حول أفراد مسجونين أو وقعوا ضحايا بتهمة “الانشقاق” في الستينيات والسبعينيات. وسوف تحرّض هذه المجموعات حول قضايا محلية -التلوث من مصنع محلي، المخاطر المتوقعة من محطة طاقة نووية، فساد مفوّض سياسي محلي، التمييز ضد لغة محلية، مصير أشخاص محليين خلال سنوات ستالين.

وفي بعض المناسبات جذبت هذه الجماعات مئات أو حتى آلاف الأشخاص إلى الشوارع وأجبرت الصحافة المحلية على الاعتراف بوجودها.
وفجأة قدمت المجادلات التي دارت في سياق الإعداد للكونفرنس الحزبي الخاص فرصة لهذه الجماعات للنشاط الجماهيري الحقيقي عندما أعطت أقسام من الجهاز الضوء الأخضر لشن حملة ضدّ تعيين شخصيات فاسدة أو غير شعبية بوجه خاص كنواب. وفجأة أمكن لتلك المجموعات الصغيرة التي استغلت هذه الثغرة أن تجد نفسها تقود مظاهرات احتجاج تصل قوتها إلى آلاف. وكما لاحظ المعارض اليساري كاجارليتسكى[189] “اجتاحت البلاد موجة من المظاهرات”. وفي كل مكان تقريبا بدأ المحتجّون في طرح أسئلة تجاوزت مسألة شخص المندوب. وعلى سبيل المثال، في اجتماع ضم 5000 شخص في ياروسلاڤ، بدا أن تيار الخُطب التي تُلْقَي في الاجتماع الجماهيري الحاشد بلا نهاية. كان الناس يتحدثون ليس فقط عن الإجراءات الانتخابية للكونفرنس الحزبي، بل أيضا عن الإمدادات الهزيلة في المدينة، وحول العجز الحاد في المستشفيات والإسكان، وحول حالات انتهاك مبادئ الإنصاف الاجتماعي. كما عُرضت على الملأ مظالم شخصية. وأخذت كومة طلبات الإذن بالكلام تعلو وتعلو[190].

وعندما قالت قيادة الحزب للكونفرنس أنه ينبغي أن تكون هناك “آلية دائمة لمقارنة الآراء للنقد والنقد الذاتي في الحزب والمجتمع” سارعت إلى إضافة أن “المناقشات… لا ينبغي أن تقود إلى مواجهة سياسية، إلى شقاق بين القوى الاجتماعية”[191]. لكن المواجهة كانت قائمة فعلا فبالإضافة إلى انفجار السخط بين القوميات غير الروسية كان هناك اندفاع متواصل إلى الاحتجاجات في طول البلاد وعرضها. كما وقع هنا وهناك قليل من الإضرابات غير المعلنة عادة، والقصيرة للغاية عادة، حول الأجور وشروط العمل.

وفي غياب يد حازمة من المركز تسيطر على الجميع تماما، أحسّ البيروقراطيون الذين يديرون المشروعات والحكومة المحلية بأن السبيل الوحيد للاحتفاظ بسيطرتهم على أولئك الذين تحتهم هو التسليم ببعض هذه الضغوط على الأقل. قُطعت الوعود بمنح حقوق قومية أوسع، وبإغلاق المصانع الأكثر تلويثا، وبرفع الإنفاق على الأجور، والإسكان، والتعليم، والصحة.

وهكذا ففي حين فشل الإصلاح في رفع ناتج الاقتصاد، ارتفع فجأة مقدار إنفاق الحكومات والمشروعات. وفي 1988 ارتفعت الدخول بحوالي 8.5 في المائة، والناتج الصناعي ﺒ 3.5 في المائة فقط. وتم إبلاغ اجتماع لمجلس الوزراء في أوائل 1989 بما يلي:
على مدى ثلاث سنوات من ميزانية الخطة تجاوز الإنفاق الدخل ﺒ 184000 مليون روبل. بلغ عرض النقود أبعادا حرجة، فتضاعف حجمه بالمقارنة مع السنة السابقة، وتجاوز بأربعة أضعاف الرقم الوسطي للخطة الخمسية الحادية عشرة… وكان هناك ارتفاع في عجز ميزان المدفوعات…[192].

أحدث مثل هذا الاحتداد المفاجئ للأزمة الاقتصادية تشوشا بين صفوف أولئك الملتزمين بالإصلاح. فمن جهة، هناك ضغط من جانب البيروقراطيين الكثيرين جدا من ذوي العقلية المحافظة في الحكومة والصناعة من أجل إعادة العمل بالأساليب القديمة للرقابة الممركزة، باستخدام البلطجة من أعلى لجعل المديرين في كل مشروع ينتجون المدخلات التي يطلبها المديرون في مشروعات أخرى. وقامت قيادة الحزب بتحوّل محدود في هذا الاتجاه عن طريق فرض ضوابط سعرية جديدة على سلع كثيرة وحظر تصدير سلع استهلاكية بعينها.
من جهة أخرى، كان هناك ضغط من أجل مزيد من الإصلاح من جانب الاقتصاديين الذين زعموا أن منافسة أكثر بين المشروعات ثم منافسة مباشرة، في نهاية المطاف، بين الشركات داخل روسيا وتلك التي في أماكن أخرى في الاقتصاد العالمي يمكنهما وحدهما إجبار المديرين على أن يكونوا أكفأ وعلى أن ينتجوا الأشياء المطلوبة.

لم تعرف القيادة في أيّ اتجاه تسير، لأنها استطاعت أن ترى مشكلات هائلة في كلّ من المقاربتين. كانت تعرف أن نظام البلطجة الممركزة أدَّى من قبل إلى وضع “ما قبل-الأزمة”. لكنها كانت تعرف أيضا أن القيام بانعطاف جذري في اتجاه السوق يمكنه أن يدمّر أقساما بأكملها من الصناعة. وحتى سياسة “السوق” المحدود أكثر والمتمثلة في السماح لكل الأسعار بالارتفاع واجهت عقبة هائلة: أدت ارتفاعات أسعار كهذه في پولندا في 1970، و1976، و1980، إلى ثورات عمالية ضخمة. وكما عبر مستشار جورباتشوڤ، أجابيچيان، في أوائل 1989: “إصلاح أسعار القطّاعي… ضروري” لكن بسبب “النتائج الاجتماعية” ينبغي تأجيله لمدة ثلاث أو أربع سنوات.

لم يؤد إبدال البيروقراطيين القدماء، وغير الأكفاء، والفاسدين، حتى إلى تغيّر جوهري في أداء البيروقراطية ككل. وكما اشتكى جورباتشوڤ ذاته:

حوالي 66 في المائة من وزرائنا، و61 في المائة من السكرتيرين الأوائل للجان الحزببية في المناطق الإدارية ومن رؤساء اللجان التنفيذية السوڤييتية في المناطق الإدارية، و63 في المائة من السكرتيرين الأوائل للجان الحزبية في المدن والأقاليم أشخاص جدد… لكن الماضي ترك أثره عليهم… فاهتمامهم الأول ينصبّ على خط تليفون حكومي مباشر، ومبان جيدة، وسيارة وهلمجرا… ويسعى كثير من الناس وراء مصالحهم الذاتية الأنانية الخاصة، لكنهم يريدون تنميتها متخفّين في القناع الملائم المتمثل في الاهتمام بالشعب والاشتراكية[193].
بعد ذلك بثمانية عشر شهرا لم يكن شيء قد تغيّر. فأولئك الذين عيّنهم جورباتشوڤ بنفسه تصدّوا له وانتقدوه في اجتماعات اللجنة المركزية لأنه لم يوفر “الاستقرار”. ومن أجل وقف الانهيار الاقتصادي، أدخل ريچكوڤ Ryzhkov تدابير طوارئ للسنتين التاليتين الأمر الذي منح المركز سيطرة ضخمة على الخطط الاستثمارية للمشروعات، وسلطات التسعير، والتجارة الخارجية. وسرعان ما اتهّمه الاقتصاديون المؤيدون للسوق بالعودة إلى الأساليب “الرأسية” و”الأوامرية” في الإدارة الاقتصادية[194].

« السابق التالي »