بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العاصفة تهب – حول انهيار النموذج السوفييتي

« السابق التالي »

16- التفتت الداخلي

عندما تفقد العناصر التي تكوّن أيّ آلة بيروقراطية كبيرة ثقتها بزعمائها فإنها تستدير لتهاجم بعضها. وعندما تفعل هذه العناصر ذلك فإن أولئك الذين سيطرت عليهم في الماضي يبدأون، بما يعدّ في بداية الأمر طريقة مشوّشة ومرتبكة، في الإلحاح في المطالبة بحقوقهم. ظلّ هذا يحدث في الاتحاد السوڤييتي على مدى السنتين الأخيرتين. والواقع أن أقوى عَرَض من أعراض فقدان الثقة بجورباتشوڤ هو النزوع إلى التفتّت الداخلي للاتحاد السوڤييتي -المسألة القومية.

إنها مسألة نجد اليسار مشوشا بشأنها عالميا في أكثر الأحيان بصورة تدعو إلى اليأس. على سبيل المثال، أكد إيريك هوبسباوم أن “كافة الأجزاء الأخرى من الإمپراطورية الروسية أفضل حالا بوجه عام من روسيا ذاتها” وأن النزعة القومية لدى شعوب كالأرمن “لاعقلانية بكل معنى الكلمة”[195].

ويعني هذا تجاهل الطريقة التي واصل بها ستالين بصورة منهجية سياسة ترويسٍ للشعوب غير الروسية كجزء من عملية تعزيز قبضة البيروقراطية المركزية، الناطقة بالروسية. وقد طهّر ستالين قوميات الأقليات من مواقع السلطة، إلى حد أنه في أواخر الثلاثينيات كان 17 فقط من 1310 موظف في القوقاز الشمالي من المواطنين المحليين[196]. وصفَّى ستالين جسديا مثقفي هذه القوميات وقام بتهجير أمم بأكملها آلاف الأميال. وكان خروشوڤ أقل وحشية[197]، لكنه فصل كثيرا من القادة الحزبيين المحليين بتهمة “النزعة القومية البرچوازية الصغيرة”[198]. وفي ظل بريچنيف سُمح لقادة بعض الجمهوريات بأن يلعبوا على سمات ثقافية بعينها للقومية المسيطرة محليا لكنْ دون مناقشة للسيطرة الشاملة على الاتحاد السوڤييتي من جانب البيروقراطيين الروس، والتي يعبر عنها محليا وجود السكرتيرين الحزبيين الثانين الذين كانوا دائما تقريبا من الروس. أما حق استخدام اللغات غير الروسية فقد داسوه بالأقدام منذ أواخر العشرينيات فصاعدا، ولا شك في أن التسامح إزاء لغات الأقليات في ظلّ بريچنيف لم يُرجع هذه اللغات إلى المساواة مع اللغة الروسية: أعلن أغلبية سكان العاصمة الأوكرانية، كييف، أن لغتهم القومية هي اللغة الأوكرانية، ومع ذلك لم يكن يدّرس بها سوى خُمْس المدارس؛ وفي قيرغيزيا ليست هناك روضة أطفال واحدة تستخدم اللغة المحلية في المناطق الحضرية؛ وفي مولداڤيا تم إجبار الناس على أن يكتبوا ويقرأوا اللغة مستخدمين حروف الهجاء الروسية، وليس حروف الهجاء الرومانية التي كانت سائدة حتى أواخر الثلاثينيات والتي كانت لا تزال مستخدمة لنفس اللغة في رومانيا المجاورة.

لكن النزعة القومية فعلت أكثر من مجرد توفير وسيلة للناس للاحتجاج على الاضطهاد القومي. لقد أدت أيضا إلى تعميق مشاعرهم بالاغتراب عن أولئك الذين كانوا يديرون الدولة المركزية والمشروعات العملاقة. والواقع أن مؤسسات عموم الاتحاد والتي تهيمن على البلاد تتكوّن بأغلبيتها الساحقة من روس، أو -إلى مدى أقل- من بقية السلاڤيين. فعضوان فقط من أعضاء المكتب السياسي من غير الروس. ويؤلّف الروس أقلّ قليلا من نصف السكان لكنهم يشكلون 59.7 في المائة من عضوية الحزب التي تبلغ 18 مليونا أما غير الروس الذين يريدون أن يحققوا نجاحا لأنفسهم فإن عليهم أن يفعلوا ذلك عن طريق التكيّف مع القومية المسيطرة وقبول ما هو، في نظرهم، لغة أجنبية.

علاوة على ذلك فإن الأوضاع أسوأ في المتوسط في معظم الجمهوريات -لكن ليس في البلطيق- منها في روسيا نفسها. وفي السبعينيات كانت مستويات المعيشة تمثل 76 في المائة فقط من متوسط الاتحاد السوڤييتي ككل في آذربيچان، 76 في المائة في أوزبكستان، و91 في المائة في كازاخستان[199]. ورغم أن معدل وفيات الأطفال كان أدنى في لاتڤيا مما في جمهورية روسيا، فقد كان أعلى 80 في المائة في آذربيچان و40 في المائة في أرمينيا. وكان المعدل أعلى بنسبة الضعف في تبليسي، عاصمة چورچيا، مما في لينينجراد[200].

في ظلّ مثل هذه الظروف، من السهل جدا أن ينظر الناس إلى المشكلات الاجتماعية وكأنها ناتجة عن التمييز القومي. والأهم من ذلك أن وجود مؤسسات “إثنية” على مستوى الجمهورية يقدّم مركزا سهلا للتحريض: ربما استطاعت مظاهرة محلية أن تكيّف للضغط مجلس سوڤييت في جمهورية محلية أو لجنة مركزية للشروع في العمل بطريقة لم تكن ممكنة مع السلطة المركزية في موسكو.

والواقع أن مجئ المظالم القومية والاجتماعية معا هو الذي أدَّى على وجه الدقة إلى التعبير الأشد مرارة عن النزعة القومية في أرمينيا وآذربيچان. وفيما يتعلق بالأوضاع في كاراباخ، وفي آذربيچان ككل، وفي أرمينيا فإنها كلها أسوأ إلى حد كبير من المتوسط الخاص بالاتحاد السوڤييتي ككل. وفي يوليو 1988:

روت إزڤستيا أن احتجاجات كاراباخ بدأت كاحتجاجات ضدّ سوء الإدارة الكارثي والأوضاع الاقتصادية البائسة. ولم تتخذ وجهة قومية إلا فيما بعد…

وقالت الصحيفة إن اللحم والزبد تم توزيعهما بالحصص لفترة طويلة، وذلك رغم أن كاراباخ إقليم زراعي. ونصف الأُسر الفلاحية لا تملك أيّ أبقار، وثلثها لا تملك أيّ حيوانات على الإطلاق… ولا يملك الناس في ستيپاناكيرت مياها جارية إلا لمدة ساعة واحدة في اليوم، بسبب الإمدادات غير الكافية…[201].

ووصف تقرير أنباء موسكو الأوضاع المعيشية لأولئك الذين اشتركوا في أعمال الشغب المعادية للأرمن في سومجايت في فبراير 1988. كانوا يعيشون إما في بيوت شباب أشبه بالثكنات أو على طريقة العالم الثالث في مدن الأكواخ.

كان هناك 55 بيتا من بيوت الشباب في مدينة واحدة صغيرة. وكانوا هم المحظوظين، لأن الآخرين كان عليهم أن يقنعوا بمدن الأكواخ المصنوعة من ألواح الصفيح القديم، وأصداف [حيوان] الكوكل، وكتل الأسمنت المسلح التي فيها عيوب، بجوار مصانع تقذف الدخان، والسناج، والرماد… ولولا الغسيل المنشور على الحبال وهوائيات التليڤزيون البارزة من الأرض ما كان بإمكاننا مطلقا أن نخمّن أن أناسا يعيشون هناك…

أشارت صحيفة في باكو إلى أن هناك 250000 شخص في آذربيچان ككل “غير منخرطين في عمل نافع اجتماعيا” [أيْ أنهم عاطلون][202]. ونقل راديو باكو عن كونفرنس حزب رسمي حول التمييز ضدّ اللغة الآذيرية لصالح الروسية ما يلي:

ظلت مشكلات كثيرة في حقل اللغة، والتاريخ، والثقافة، والحياة الروحية للشعب، مهملةً لفترة طويلة من الزمن… وكان هناك نقد قاس لبعض المزارع والهيئات السوڤييتية التي تقلّص بصورة مفتعلة مجال استعمال اللغة الآذيرية. والواقع أن إعداد الأوراق الرسمية باللغة الآذيرية وتنظيم مراسلات الأعمال مهملان… كما أن أكاديمية العلوم، وفروعها، والنقابات الإبداعية، ووزارات التعليم والثقافة، ومجالس الإدارة الرئيسية وأقسام الخدمات، تُبدي إهمالا في تطبيق معايير عملية…[203].

لم تكن الاحتجاجات الأولى في أرمينيا في 1987 تخصّ كاراباخ بل كانت ضدّ التلوث المروِّع في يريڤان والذي يُحدثه مصنعان كيماويان ويتسرّب من محطة طاقة نووية مجاورة. وفي أرمينيا ككل، أُبلغ اجتماع للحزب الحاكم أن “استهلاك الفرد من اللحم ومنتجات اللحم أقل بنسبة 24 في المائة من متوسّط الاتحاد واستهلاك كافة منتجات الألبان يبلغ في مجموعه 50 في المائة من المعدّل الغذائي المنصوح به”، وأن مساكن أقل ﺒ 12000 عن تلك اللازمة كانت تُبْنَى كل سنة، وأن إنتاج السلع الاستهلاكية كان أقل من أهداف الخطة بما قيمته 80 مليون روبل[204]. وتكشّفت حقيقة مواصفات البناء في الجمهورية بالطريقة الأشد ترويعا من خلال الدمار الذي أحدثه الزلزال في ديسمبر 1988.

وأفضل تعليق على الأوضاع في هاتين الجمهوريتين يتمثل في الأرقام الخاصة بالبطالة. كشفت الپرافدا أن أحدث الأرقام (عن 1986!) تبيّن أن نسبة العاطلين بلغت 27.6 في المائة في آذربيچان و18 في المائة في أرمينيا -وكان ذلك قبل أن يؤدي “الانتقال إلى الاستقلال المالي” إلى أن يفقد ثلاثة ملايين شخص في الاتحاد السوڤييتي ككل أعمالهم[205]. وبوجه الإجمال هناك ستة ملايين من الشبان بدون أعمال في جمهوريات آسيا الوسطى وكازاخستان[206].

ولا يكاد يدهشنا أن الحركات القومية ازدادت اتساعا وجذرية عندما فقد الناس في الأقاليم الأكثر فقرا أيّ أوهام بأن الپيريسترويكا يمكن أن تحسّن أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية. أما في الجمهوريات الأكثر غنًى فكلما بدت مشكلات الاتحاد السوڤييتي ككل صعبة العلاج، بدا الانفصال، أو الاستقلال الاقتصادي على الأقل، أشبه بطوق نجاة للإفلات من السفينة الغارقة.

لكن النزعة القومية لم تكن مجرّد تعبير عفوي عن السخط الشعبي. لقد قدّمت أيضا للأقسام المحلية من البيروقراطية الحاكمة سبيلا إلى محاولة حرْف النقد بعيدا عن أنفسهم، نحو جماعات إثنية أخرى. وفي فترة مذبحة سومجايت في أوائل 1988، أشارت تقارير في الصحافة الروسية إلى أن قادة حزبيين محلّيين وقيادات شرطة قد شجعوا أشخاصا عن عمد على الاعتداء على السكان الأرمن في المدينة؛ وفي بداية 1990 استشهدت صحف غربية بزعماء الجبهة الشعبية الآذربيچانية حيث يزعمون أن موظفي الحزب المحليين، وليس هؤلاء الزعماء، هم الذين كانوا يحرضون على الهجوم على الأرمن -وهو زعم قبله اليسار الراديكالي في موسكو[207]. وفي جمهورية تضاعفت فيها مشكلة البطالة ومشكلة أوضاع الإسكان المروّعة بوصول 200000 لاجئ، لم يكن بإمكانهم أن يجدوا لا المنازل ولا الأعمال، كان من السهل تماما توجيه الغضب ضدّ عشرات الآلاف من العمال الأرمن وبعيدا عن امتيازات البيروقراطية المحلية.

كان ستالين قد وطّد سلطته بسياسة فرّقْ تَسُدْ التي سمحت للقومية السائدة في كل جمهورية باضطهاد قوميات الأقليات في الوقت الذي تعاني فيه هذه القومية السائدة ذاتها على أيدي البيروقراطية المركزية الناطقة بالروسية. والآن يتخذ استيقاظ الأقليات المضطهدة (بفتح الهاء) بسهولة صورة توجيه هذه الأقليات مشاعر استيائها ضد بعضها، كما حدث عندما قاتل القوميون الچورچيون لقمع الأبخازيّين في الوقت الذي كانوا يحتجون ضدّ اضطهاد موسكو لهم، أو عندما شنّ الأوزبك مذابح ضد المسكيتيين الذين كان ستالين قد هجّرهم إلى أوزبكستان.

ولم يحدث في آذربيچان فقد أن سعت أقسام من الجهاز الحزبي المحلي إلى استغلال هذه الخصومات. لقد قدّمت مسألة اللغة بوجه خاص إمكانية للقيام بذلك. فقد أمكن لتلك الأقسام من البيروقراطية والناطقة باللغة المحلية أن تتبنَّى القضية، وأن تحصل على التأييد الشعبي بمحاربة شكل حقيقي جدا من الاضطهاد، وأن تحوّله بعد ذلك إلى سلاح لتعزيز نجاحاتها على حساب أولئك الذين لا ينطقون باللغة المحلية، سواء أكانوا ناطقين بالروسية أو بغيرها من لغات الأقليات المحلية. وكان بإمكان هذا بدوره أن يعود بالفائدة على البيروقراطيين الناطقين بالروسية. وكانت هناك أقليات ناطقة بالروسية في كل الجمهوريات تقريبا -ورغم أن هذه الأقليات كانت تشتمل على رجال أجهزة حزبية ومديري مشروعات متميزين للغاية وكان بوسعهم أن يستبدوا بأولئك الذين تحتهم والذيت كانت تشتمل على رجال أجهزة حزبية ومديري مشروعات متميزين للغاية وكان بوسعهرها من لغات الأقليات ان ينطقون باللغة المحلية، فقد كانت تشتمل أيضا على كثير من العمال الناطقين بالروسية والذين يتولون عددا من أكثر الأعمال بؤسا في الصناعة الثقيلة.

والواقع أن قدرة البيروقراطيات المحلية على استغلال النزعة القومية لأهدافها الخاصة قد أدت ببعض الأشخاص اليساريين إلى أن ينظروا إلى ذلك بوصفه العامل الفعّال الرئيسى[208]. ويمكن أن تكون النتيجة النهائية لحجة كهذه معارضة حق قوميات الأقليات في تقرير المصير على أساس أنه “إذا حدث أن تفتّت الاتحاد السوڤييتي إلى قومياته المكونة فإن ذلك سيخلق وضعا أسوأ بكثير من الوضع القائم حاليا.. وسيطلق العنان لعملية بلقنة وسيشوّش النضال الطبقي”[209]، أو على أساس أن المحصلة الوحيدة يمكن أن تكون حمّام دم لا نهاية له[210].

هذه الحجة مقلوبة تماما رأسا على عقب. فالبيروقراطيون المحليون يمكنهم أن يستغلوا مشاعر الحرمان القومي لأن هذه المشاعر موجودة. ولم يكن حكام الجمهوريات المحلية هم الذين بدأوا الحركات القومية في دول البلطيق. وكما سبق أن رأينا، كان على جورباتشوڤ أن يُبدّل الحكام القدامى الذين لم يكونوا ليقدموا تنازلات إلى الحركات القومية التي كانت مزدهرة فعلا آنذاك! وفي بيلوروسيا، أو أوكرانيا الغربية، أو أرمينيا، أو مولداڤيا، أو قيرغيزيا، أو چورچيا، لم ينضم البيروقراطيون إلى هذه الحركات إلا بعد أن انطلقت فعلا. وصحيح أنهم حالما انضموا إليها حاولوا توجيهها بعيدا عن الخيار المتصلّب المتمثل في المواجهة مع الكرملين نحو الخيار المعتدل المتمثل في إزعاج قوميات الأقليات المحلية.

والواقع أن المسؤولية عن خطر إراقة الدماء فيما بين الطوائف يجب إلقاؤها على أولئك الذين شجعت أعمالهم طوال 60 سنة على الخصومات القومية -البيروقراطية المركزية، وبصفة رئيسية الناطقة بالروسية. وإذا كان الأرمينيون والآذربيچانيون قد هاجموا بعضهم فذلك لأن البيروقراطية الحاكمة لم تكن لتمنح أيًّا من الجماعتين الاثنيتيْن الحقوق القومية الكاملة (بما في ذلك حق آذربيچان في الانفصال عن الاتحاد السوڤييتي وحق ناجورنو كاراباخ في الانفصال عن آذربيچان) ولم يكن بإمكانها حلّ واحدة وحيدة من المشكلات الاجتماعية الملحة التي تنغّص على الناس حياتهم.

شيء واحد في سلوك جورباتشوڤ ظلّ ثابتا بعناد عبر كل انعطافاته وتقلباته فرغم كل حديثه عن “المقرطة” نظر إلى محاولة إحباط تطور حركة انفصالية في منطقة باكو الهامة صناعيا على أنها أهم شيء منفرد، معتقدا أن الجغرافيا ستمنع دائما تحوُّل الحديث الانفصالي بين الأرمن الغاضبين إلى عمل. وهذا يفسّر لماذا كان قمعه موجَّها لوقت طويل ضدّ المطالب الديمقراطية للغالبية في كاراباخ. وهو يفسر أيضا لماذا وجّه مرة أخرى قمعه الدموي إلى الآذربيچانيين في اللحظة التي تطورت حركة انفصالية حقيقية بينهم. كانت المراكز الحدودية مع إيران أهم لبيروقراطية عموم روسيا من أيّ حديث عن الديمقراطية أو الحقوق القومية. ولن تكون هناك حكومة يختار شعب قوميات الأقليات بحرية أن يعيش في ظلها، قبل أن تكون هناك في الاتحاد السوڤييتي حكومة مستعدة لأن تترك الناس يهدمون مثل هذه المراكز الحدودية إذا شاءوا -وستكون هناك حاجة إلى ثورة اجتماعية لتحقيق ذلك.

« السابق التالي »