بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العاصفة تهب – حول انهيار النموذج السوفييتي

« السابق التالي »

17- لماذا تتجه الپيريسترويكا إلى الفشل؟

ليست إخفاقات جورباتشوڤ نتاجا لنواقص شخصية. لقد كانت ماثلة منذ البداية في صميم المهمة التي حدّدها لنفسه.
من الناحية السياسية، ارتكزت الپيريسترويكا على تناقض. كان لا بد من إعادة تنظيم جذرية لأضخم بيروقراطية في العالم، ولم يكن من الممكن أن يحدث ذلك دون السماح بالضغط عليها من خارج صفوفها. لكن هذه البيروقراطية كان لايزال منتظرا منها أن تفرض مطالب الحكومة المركزية على بقية السكان. ولا يكاد يدهشنا أن جورباتشوڤ قلب رأسا على عقب كلا من صفوف البيروقراطية وصفوف الجماهير التي بدأت تتظاهر، وصورته في أيديها، قبل ذلك بسنتين. كان جورباتشوڤ يحذو حذو نموذج الحكومات الإصلاحية في أوروپا الشرقية في الخمسينيات والستينيات:

فشل الاقتصاد… يؤدي إلى انقسام في الجهاز. قسم يبدأ في المطالبة بإصلاح شامل… وعند نقطة بعينها تستدعي البيروقراطية الإصلاحية شرائح غير بيروقراطية بعينها (المثقفين، الصحفيين، الطلبة) لتساعدها في شلّ الجهاز ولتدعها تستولي على السلطة. لكن هذا يسمح لطبقات غير بيروقراطية (العمال في المقام الأول) بتعبئة نفسها بل يشجعها على ذلك، في البداية خلف أقسام من البيروقراطية الإصلاحية، لكن بصورة متزايدة لمصلحتها الخاصة…

والإصلاحيون… يحاولون ركوب العاصفة. لكنهم لا يمكنهم أن يفعلوا ذلك إلا بإعادة تأكيد البنية الطبقية الأساسية للمجتمع. وهذا يعني تحطيم أيّ مكاسب يكون العمال قد حققوها. وفي البداية تجري تجربة الأسلوب “البارد” المتمثل في الهيمنة الأيديولوچية (مثلا جومولكا بنجاح، وناجي، بدون نجاح كبير في 1956، ودوبتشيك في 1968)؛ وإذا فشل هذا فإن الأسلوب “الساخن” المتمثل في القمع المسلح… يتلوه حينئذ (كادار في 1956، هوساك في 1969)…

وعلى أيّ حال فإن القسم الإصلاحي من الجهاز مجبر على التوصل إلى تفاهم مع أعدائه، الداخليين والخارجيين، ومع أساليبهم إذا كان له أنْ يتفادى التحلّل الكامل على أيدي القوى التي أطلقها بنفسه من عقالها. إنه مجبر على أن يعيد فرض علاقات الإنتاج المتناقضة، رغم التعديل، مع النمو الأكمل للاقتصاد القومى[211].

لكن المشكلات التي تُحيط بجورباتشوڤ -أو أيّ شخص قد يحلّ محلّه- أسوأ من ناحيتين من تلك التي أحاطت بأسلافه الأوروپيين الشرقيين. أولا، كان في متناول هؤلاء سلاح خارجي جبار إذا اختاروا طريق القمع: القوة الضخمة لقوات الاتحاد السوڤييتي المسلحة. وهذا سلاح لايزال موجودا، كما بيّن الانقضاض على باكو في يناير بكلّ قوة. لكن حدّه القاطع تآكل بالهزيمة في أفغانستان وبالجلاسنوست بين بعض صفوف هذه القوات. وليس من المحتمل أن يكون من الممكن استخدام هذا السلاح بصورة فعالة لإعادة فرض النظام في كل أنحاء الاتحاد السوڤييتي إلى أن يهدأ الاضطراب في المجتمع بوجه عام. ولم يحدث ذلك إلى الآن.

ثانيا، لم يكن فشل الإصلاح الاقتصادي مجرّد فشل في التنفيذ. هناك خطأ في صميم فكرة الإصلاح ذاتها. فالهدف هو إعادة بناء الاقتصاد السوڤييتي. بحيث تتوسع أقسامه القادرة على تكييف نفسها مع المستوى العالمي الراهن لقوى الإنتاج في حين تتوقف أقسام أخرى. لكن من المؤكد أن يكون هذا مشروعا مؤلما إلى أقصى حدّ، ليس فقط فيما يتعلق بأولئك العمال الذين يعانون في هذا السياق بل كذلك فيما يتعلق بأغلب الأعضاء الأفراد في البيروقراطية.

وقد اقتضت إعادة بناء الاقتصاد البريطاني بين منتصف السبعينيات ومنتصف الثمانينيات إغلاق مصنع من كل ثلاثة مصانع تقريبا وتدمير الرأسمال إلى حد أن إجمالي الاستثمار الصناعي في 1990 لا يزال كما كان في 1972. ومن المشكوك فيه للغاية أن إعادة البناء كانت ستتواصل بسلاسة لو لم يكن لدى الرأسمالية البريطانية تلك الإضافة السعيدة المتمثلة في عائدات پترول بحر الشمال.

واقتصاد الاتحاد السوڤييتي أضخم كثيرا من الاقتصاد البريطاني، وكانت مشروعاته أكثر انعزالا بكثير عن بقية العالم طوال ستين سنة. والنسبة التي سيدمرها انفتاح فوري على المنافسة العالمية أضخم بصورة مماثلة. وكان بمستطاع هذا، بدوره، أن يلحق أضرارا كبيرة بالمشروعات التنافسية الباقية عندما فقدت مورّدين للمواد الخام والسلع الوسيطة كما فقدت مشترين لناتجها. إعادة بناء كهذه، بعيدا عن تقديم مجال “للمشروع ليزدهر” (كما يعبّر أنصار السوق)، يمكن أن تفتح بكل بساطة ثقوبا سوداء في ثاني أكبر اقتصاد في العالم. ومن شأن ذلك أن يغذّي السخط الاجتماعي والقومي على نطاق أوسع كثيرا مما شهدنا إلى الآن -ما لم يكن ذلك مصحوبا بنطاق للقمع أقرب ما كان في عهد ستالين منه إلى ما كان في عهد بريچنيڤ.

لم يكن لدى المصلحين في الاتحاد السوڤييتي أيّ خيار سوى أنْ يحاولوا إدخال آليات السوق الداخلي في حين يحتفظون بالحماية ضد المنافسة الخارجية. لكن ذلك ترك المشروعات السوڤييتية العملاقة في مركز احتكاري أو شبه احتكاري، قادرة على إملاء أوامرها على السوق، وعلى إنتاج ما تريد إنتاجه، وليس ما يحتاج إليه الاقتصاد ككل، وعلى رفع الأسعار. وقد أفضت محاولة الإصلاح بصورة لا يمكن تفاديها إلى التضخم، وإلى عجز يزداد استفحالا، وإلى تقليص إداري للإنتاج.

كتب ماركس ذات مرة قائلا أن البشرية لا تطرح على نفسها إلا مشكلات تستطيع حلّها. لكن ذلك ليس صحيحا فيما يتعلق بالبشر الأفراد أو فيما يتعلق بالطبقات المستغلة (بكسر الغين). فهؤلاء مدفوعون إلى محاولة تحقيق غايات لا يملكون القدرة على بلوغها. كان هذا هو الحال مع جورباتشوڤ ورأسمالية الدولة الروسية. فالطبقة الحاكمة لا يمكنها لا أنْ تتخلَّى عن الإصلاح الاقتصادي ولا أنْ تجعله ينجح. هذا هو السبب في أن الپيريسترويكا تغيّرت من إلهام إلى نكتة في نظر كافة الطبقات داخل الاتحاد السوڤييتي، وهذا هو السبب أيضا في أن البيروقراطية الروسية، بعيدة عن أن تكون قوية، أضعف في الواقع مما كانت خلال عهد “الركود”.

« السابق التالي »