بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العاصفة تهب – حول انهيار النموذج السوفييتي

« السابق التالي »

18- المراوحة في نفس المكان في أوروپا الشرقية

كان من المعتاد أن يُقال في منتصف الخمسينيات أنه عندما تُصاب روسيا بالانفلونزا، تُصاب دول أوروپا الشرقية بمرض الصدر: إصلاح معتدل في الاتحاد السوڤييتي أفسح المجال لثورة مسلّحة في بوداپست. وفي 89-1990 بدا أن الأمور تسير في اتجاه مختلف تماما فالاضطرابات المريرة في كل أنحاء الاتحاد السوڤييتي، والتي خلّفت مئات القتلى كانت مصحوبة بإصلاح سلمي في پولندا، والمجر، وألمانيا الشرقية، وتشيكوسلوڤاكيا. وحالما نفهم طابع رأسمالية الدولة لهذه المجتمعات، يصبح من الممكن أن نفهم سهولة الانتقال السياسي في كثير من أنحاء أوروپا الشرقية.

كانت الأحزاب الحاكمة في كافة البلدان أحزاب البيروقراطية الإدارية. وكان 6 في المائة فقط من عمال پراغ أعضاء في الحزب في 1970، وبعد ذلك بثلاث سنوات كان عضو حزبي واحد من ثمانية يشتغل بعمل يدوى[212]. وانتهت دراسة سوسيولوچية في أواخر الستينيات إلى القول إن “أعضاء الحزب هم أساسا موظفون أو ينتمون إلى مهن مستقلة”[213].

وحتى حيثما كانت أقسام من الإنتلچنسيا الثقافية المعارضة، فإن ما يسمَّى أحيانا “بالإنتجلنسيا التقنية” التي كانت تدير جهاز الحزب، والدولة، والمشروعات، كانت محافظة بعمق[214]. وكانت نزعتها المحافظة عاملا رئيسيا في السماح للأحزاب الحاكمة القديمة بأن تعيد توطيد سيطرتها بعد صدمة 1956. وكان هذا هو الحال أيضا في تشيكوسلوڤاكيا بعد 1968.

ومع ذلك فطوال تلك الفترة كانت ضرورات التراكم الرأسمالي تدفع أعضاءها الأفراد في مشروعات وحكومات أوروپا الشرقية إلى إقامة صلات أوثق مع الشركات والدول الغربية. وبدأ رجل الأعمال الأوروپي الشرقي الناجح يشبه ويفكر مثل رجل الأعمال الغربي الناجح، حتى إن بقيت الأيديولوچية الرسمية مختلفة. والواقع أن رجال الأعمال، الذين كانوا يديرون المشروعات الضخمة التي كانت تحتل مركزا احتكاريا داخل اقتصادات صغيرة نسبيا، كانوا يقرّرون بصورة متزايدة ما كان يقرّره “المخططون” المركزيون. ويخبرنا وصف للاقتصاد التشيكوسلوڤاكي، اشترك في تأليفه وزير المالية الجديد في البلاد، كيف أنه منذ الخمسينيات فصاعدا:

بدأت شركات احتكارية ضخمة تستخدم سلطتها المكتسبة حديثا لإملاء الخطط على المخططين المركزيين… وطوال أكثر من عقدين من الزمن عرفت تشيكوسلوڤاكيا مجرد “لعب بالتخطيط”[215].

لم يكن رجال الأعمال الأوروپيون الشرقيون شديدي الاهتمام بالأيديولوچية، بشرط أن يديروا مشروعاتهم بنجاح، فيراكموا الرأسمال لحماية امتيازاتهم الخاصة الضخمة للغاية. وكان بوسعهم أن يحملوا بطاقات الحزب لأن عضوية الحزب كانت تساعدهم في النجاح -ولأن الحزب كان يساعدهم في قمع الانشقاق في صفوف القوة العاملة. لكنهم لم يأخذوا المعتقدات الحزبية المعلنة مأخذ الجدّ. وقد روَى المنشق السلوڤاكي السابق، سيميكا، كيف أنه كان من الممكن حتى قبل 1968 العثور داخل الحزب التشيكوسلوڤاكي على “معادين ملتزمين للشيوعية، ومعجبين متحمسين بالمجتمع الاستهلاكي الغربي”[216].

بهذه الطريقة تمّ ببطء إرساس الأساس لتحوُّلٍ مفاجئ في ولاءات الكوادر الرئيسيين في بيروقراطية الحزب الحاكم والحكومة في اللحظة التي دخل فيها المجتمع في أزمة سياسية عميقة. ولم يحدث مطلقا أن اشترك كبار المديرين في المعارضة. ولا توجد، في حدود علمي، حالة واحدة من هذا القبيل في أيّ مكان في أوروپا الشرقية أو الاتحاد السوڤييتي. لم يكن البيروقراطيون هم الذين خرجوا إلى الشوارع. وكان شأنهم دائما أن ينحازوا إلى النظام عندما كان العمال يضربون، كما حدث في پولندا في 80-1981. لكنهم أخذوا بصورة متزايدة ينظرون سرّا إلى الأيديولوچية الستالينية الجديدة الحاكمة على أنها شيء غير ملائم لا ينبغي أن يقدموا له أكثر من ولاء لفظي.

غير أنه كان هناك قسم صغير من الإنتليچنسيا تمثلت وظيفته في أن يهتم بالاتجاهات الاقتصادية والاجتماعية طويلة الأمد -المستشارون الأكاديميون، الاقتصاديون والسوسيولوچيون، للنظام. وفي الخمسينيات والستينيات كان هؤلاء قد قبلوا نماذج هذا النظام للتنمية الاقتصادية. وفي حين أن الاتجاه العالمي الواسع كان لايزال نحو درجات متباينة من رأسمالية الدولة، كان كافة المستشارين الاقتصاديين ينظرون إلى “التخطيط” وملكية الدولة على أنهما من الأشياء المسلّم بها. أما أولئك الأبعد نظرا فقد رأوا أن البنية القائمة عُرضة لضروب شتي من الأزمات (وبوجه خاص الأزمة المتكررة التي ترجع إلى فيض التراكم ودورة الاستثمار) والفاقد. وتمثّل حلهّم في إصلاح اقتصاد الأوامر، واختيار “شيوعية الإصلاحات”، وعدم الاندفاع في اتجاه رأسمالية غربية كانت بدورها تستخدم بصورة متزايدة لغة “التخطيط”.

مع مضيّ الوقت بدأت المواقف تتبدّل. ظهرت مجموعات من الاقتصاديين الذين عبَّروا تعبيرا نظريا عن الاتجاهات الجديدة الناشئة في النظام العالمي. وقد رأوا أن ما يهم طبقة حاكمة ناجحة هو قدرتها على مقايضة المنافسة المتعدّدة الجنسيات برأسمالية الدولة. وانقلبت نظريتهم إلى عبادة للسوق غير المقيد. ومن النموذج الستاليني للمجتمع انتقلوا إلى ما كانوا يسمونه “باشتراكية السوق”. وسرعان ما ألحّوا على أن “الاشتراكية” (أيْ رقابة الدولة من أيّ نوع) هي ذاتها عقبة.

لم يكن بمستطاع المستشارين الاقتصادين أن يحسموا كيف ينبغي أن تتصرف الطبقة الحاكمة. لكنهم استطاعوا أن يمدّوها بخيارات من شأنها تمكينها من أن تكون على مستوى التطورات عندما تكون أزمة اقتصادية واجتماعية قد انفجرت فعلا. كان اقتصاديو المؤسسة المجرية جميعا أنصارا متطرفين “لاشتراكية السوق” منذ منتصف الستينيات فصاعدا. ودفعت أزمة أواخر السبعينيات الاقتصاديين الپولنديين، الذين كان من بينهم من قبل أنصار بارزون للتخطيط مثل كاليكي ولانج، في نفس الاتجاه. حتى تشيكوسلوڤاكيا، التي كانت قد قُيّدت بقيود أيديولوچية ثقيلة منذ أحداث 1968، كان تحت تصرفها معهد للتنبؤ تابع لأكاديمية العلوم التشيكوسلوڤاكية لتقديم طريق بديل إلى الأمام من أجل مديري البلاد.

هذا هو السبب في أن الأمر لم يكن بحاجة إلى أكثر من ضغط خارجي ضئيل للغاية لينهار صرح “الشيوعية” الأوروپية الشرقية. أما الأشخاص المسنّون الذين في القمة، الكادارات، الياكيسات*، الهونيكرات، الأشخاص الذين ظلوا طوال حياتهم متفانين في الأساليب القديمة للتراكم والتي تقوم على اقتصادات الأوامر المحصورة قوميا، فقد أبرقوا وأرعدوا حول الخيانة بل داعبتهم أحيانا فكرة أن يأمروا شرطتهم بفتح النار. لكن الهياكل الرئيسية التي تحتهم كان يديرها فعلا أشخاص كانوا قد قبلوا، سرّا على الأقلّ، الإدراك العام الرأسمالي الجديد الذي ينشره الاقتصاديّون. وكان كل ما هو مطلوب احتمال الأزمة الاقتصادية مقترنة بدرجات متباينة من الاحتجاج الجماهيري السلمي حتى تقوم اللجان المركزية المجتمعة على وجه السرعة بفصل الحرس القديم -وحتى تقوم اللقاءات الحزبية الإقليمية والقومية بعد ذلك بفصل أعضاء اللجنة المركزية.

والواقع أن المبادرة الشجاعة والنشطة للطلبة، والمثقفين، والعمال في المقام الأول، والذين خاطروا بالتعرض لانتقام الشرطة بالخروج إلى الشوارع، قد عجّلت بتمرّد سلبي وجبان، لكنْ حاسم، قامت به الطبقة الحاكمة ضدّ حزبها الحاكم القديم. وهذا ما جعل غالبية الشعب يشعرون بأنهم كسبوا كل شيء، وبكل بسهولة. لكن السلطة المركزية للطبقة الحاكمة لم تُمسّ.

والطبقة الحاكمة والحزب الحاكم لا يكونان أبدا شيئا واحدا تماما فالحزب الحاكم يمثل الطبقة الحاكمة، رابطا أعضاءه معا في انضباط مشترك يساعدهم في تحقيق غاياتهم ضدّ بقية المجتمع. لكن الطبقة يمكنها أن تحتفظ بالمصدر الحقيقي لسلطتها وامتيازاتها، أيْ سيطرتها على وسائل الإنتاج، حتى عندما ينهار الحزب. هذا ما تأكد في ألمانيا، وإيطاليا، والپرتغال، وإسپانيا، بعد سقوط نظمها الفاشية. فقد تحطمت الشبكة الرسمية التي كانت تربط معا قيادات الشرطة، وضباط الجيش، ووزراء الحكومة، ورجال الصناعة. لكن الشبكة غير الرسمية بقيت كما بقي الدافع إلى التراكم وهذا ما منحهم هدفا طبقيا مشتركا ضدّ أولئك الذين تحتهم. ولم يمض وقت طويل حتى كانوا قادرين على بناء أحزاب حاكمة جديدة قادرة على الدفاع عن مصالحها تماما كما كانت الأحزاب القديمة.

وفي أوروپا الشرقية شهدنا طوال الأشهر الستة الماضية الانهيار التراكمي للأحزاب الحاكمة القديمة. لكن رؤساء المشروعات، وموظفي الوزارات، والچنرالات، وحتى معظم قيادات الشرطة، ظلوا في مكانهم، لم تمسّهم التغيرات، وهم يناقشون مسألة أيّ أحزاب جديدة ينبغي مساندتها والسيطرة عليها، محاولين تأمين حصولهم على حكومات جديدة لمواصلة نماذجهم الجديدة للتراكم الرأسمالي.

« السابق التالي »