بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العاصفة تهب – حول انهيار النموذج السوفييتي

« السابق التالي »

19- الرأسمالية المتعددة الجنسيات والمعارضات الأوروپية الشرقية

الانتقال السلس من شكل للحكم الرأسمالي إلى شكل آخر لا يتوقف أبدا بصورة كلية على موقف الطبقة الحاكمة. هناك ضغط فقط من أجل هذا الانتقال لأن أزمة أشكال الحكم القديمة تخلق سخطا شعبيا هائلا: علاوة على ذلك يقتضي الانتقال ذاته تمزّق الآليات التي احتفظت بالسخط مكبوحا في الماضي -الأجهزة السياسية والأيديولوچية للطبقة الحاكمة. وكلما كان مستوى التراكم ومستويات القمع المطلوبة لتعزيزه أكبر، تكون هناك إمكانية أكبر لأن تستغل غالبية الشعب هذا التمزُّق لتعبِّر عن المرارة المتراكمة بانفجار ضخم للغضب والعمل يقذف إلى الفوضى بكافة مخططات مُصلحي الطبقة الحاكمة. وهذا هو السبب في أنهم في لحظات حاسمة يأملون في الحصول على مساندة أقسام من نفس المعارضة التي اضطهدوها من قبل. لأن المعارضين وحدهم هم الذين يملكون النفوذ الشعبي اللازم للسيطرة على الجماهير ولتأمين أن يكون الانتقال انتقالا سلسا.

وقد أوضح عضو قياديّ في الحزب الحاكم القديم في پولندا، ليزيك ميلر، إيضاحا لا لبس فيه منطق منح مقاعد حكومية لمنظمة تضامن:
سيكون على حكومة تضامن أن تغلق بعض المؤسسات الكبيرة حيثما تكون منظماتها هي قوية، وسيؤدي هذا إلى احتجاجات حادة من جانب العمال. وقد حاولنا أن نفعل ذلك مرات عديدة، لكننا تركناه جانبا في كل مرة خوفا من ردّ الفعل. وسيكون على مازوڤتسكي أن يكون على مستوى المشكلة.

وقد يغدو الموقف في الاقتصاد أسوأ، فالعناصر المتطرفة ستظهر على السطح، وأعمال الشغب ستبدأ، والبلاد ستصاب بالشلل، والعنف سيكون المخرج الوحيد… ويمكن أن ينشأ موقف قد يطلب فيه مازوڤتسكي من الچنرال ياروزلسكي أن يفرض قانون الطوارئ[217].

ويؤكد المصلح المؤيد للسوق، كليامكين، أن الحكم السلطوي المتواصل لايزال ضروريا لأنه لا توجد أُطُر بديلة قادرة على السيطرة على انفجار من تحت: “ليس لدينا ما يسمَّى بمجتمع مدني، أيْ مجتمع منفصل عن الدولة… ولهذا فلا مكان تُنقل إليه السلطة”[218].

وبكلمات أخرى، ليس كافيا تماما للطبقة الحاكمة أن يخترقها أشخاص ملتزمون بالشكل الجديد للحكم الرأسمالي؛ فالجماهير أيضا ينبغي أن تخترقها أُطرُ معارضة، غير رسمية، ملتزمة بالأهداف ذاتها. إن الأيديولوچية التي غزت طبقة رأسمالية الدولة الحاكمة ينبغي لتزمون بالشكل الجديد للحكم الرأر بديلة قادرة على السيطرة على انرة المترأن تغزو أيضا أولئك الذين ظلّوا ألدّ أعدائها. ومن هنا التغيرات في الأفكار السائدة داخل التجمعات المعارضة في الدول الشرقية بين الستينيات والثمانينيات.

في تمرّدات منتصف الخمسينيات كانت قوى المعارضة بقيادة أشخاص كانوا يتحدثون في إطار نوع ما من نموذج “اشتراكي” للمجتمع بديل عن النموذج الستاليني. وفي الثورة المجرية لم يطالب حتى شخص واحد باستعادة أوضاع ما قبل الحرب أو بمحاكاة لأشكال الملكية الغربية. وكانت تلك القوى التي تجمعت حول حكومة إيمري ناجي Imre Nagy تقف مع طبعة معدَّلة من النظام القائم؛ وكان مقاتلو الشوارع الأكثر راديكالية ومندوبو المجالس العمالية لا يثقون بهذا النموذج. وقد طالبوا برقابة ديمقراطية مباشرة على الدولة والمشروعات. ولم يتحدثوا عن الملكية الخاصة (إلا فيما يتعلق بالأرض، من خلال تقسيم المزارع الجماعية على الكادحين). وفي “أكتوبر” الپولندي في 1956، كان أنصار كل من حكومة جومولكا الجديدة والمعارضة “اليسارية” التي تواجهها، والملتقية حول مطبوعة پو پروستو Po Prostu، يقفون مع “شيوعية يجري إصلاحها”. وحتى في تاريخ متأخر مثل 1968 تحدّث الخصوم الأكثر جذرية للستالينية الجديدة في پولندا و”للتطبيع” في تشيكوسلوڤاكيا في إطار اشتراكية حقيقية بالمقارنة مع الاشتراكية الزائفة للنظام الحاكم[219].

وبدا أن البديل الوحيد القابل للحياة لرأسماليات الدولة القائمة مجتمعات يقترن فيها التخطيط وملكية الدولة لوسائل الإنتاج الرئيسية بشكل راديكالي من الديمقراطية. وكانت المجادلات داخل المعارضة تدور حول درجة الديمقراطية الراديكالية، وحول ما إذا كانت المجالس العمالية ينبغي أن تنصح أم أنْ تسيطر، أنْ تعمل إلى جانب الدولة القائمة أم أنْ تسعى إلى أنْ تحلّ محلّها.

وقد تغيَّر هذا خلال السبعينيات. في پولندا عاد كورون Kuron ومودزيليڤسكي Modzelewski، بعد فترتين طويلتين في السجن وفترة خمود مفروض، إلى السياسة المعارضة لكنهما ارتدّا عن مواقفهما الثورية السابقة لصالح ثورة “محدودة”؛ وكتب آدم ميتشنيك دراسة طويلة، اليسار والكنيسة، تحاول الإقناع بالتخلّي عن مجادلات اليسار-اليمين القديمة لصالح برنامج مشترك للدفاع عن الحقوق المدنية[220]. وفي المجر كان وجود “يسار جديد” -وطّد نفسه في التقاليد الماركسية- أمرا رئيسيا لظهور الانشقاق المكشوف من جديد في أوائل السبعينيات، لكن بعد ذلك بسنوات قليلة ابتعد معظهم ابتعادا حاسما عن أيّ منظور اشتراكي ويمكن اليوم أن نجدهم أساسا فيما يبدو في حزب الديمقراطيين الأحرار، الذي ينظر إلى اقتصاد سوق غير مقيدّ على أنه الاقتصاد الوحيد الذي ينسجم مع القيم الديقراطية الليبرالية[221]. وفي تشيكوسلوڤاكيا، استمر اشتراكيون ثوريون أفراد مثل پيتر أُول Peter Uhl في لعب دور بارز في الحركة المعارضة حتى لحظة انهيار حكم الحزب الواحد، لكن التحول في الموقف العام للمعارضة لخصه خير تلخيص ڤاتسلاڤ هاڤيل، الذي يقول إنه كفّ عن النظر إلى “الاشتراكية” على أنها عبارة ذات معنى في منتصف السبعينيات.

وسوف تبرّر المعارضة تحوّلها الأيديولوچي بالإشارة إلى الأهوال الستالينية بوصفها تثبت مخاطر البرامج “الطوباوية”[222] أو الحاجة إلى أخذ حقائق الجغرافيا السياسية (أيْ القوة الروسية) في الاعتبار[223].

لكن لا هذه الحجة ولا تلك تفسّر التغيير حقا فأهوال الستالينية كانت معروفة جيدا في أوروپا الشرقية منذ منتصف الخمسينيات فصاعدا. أما الحجة الخاصة “بحقائق الجغرافيا السياسية” فقد أفلست مع تآكل قدرة القوات الروسية على التدخل. وكان ما حدث فعلا هو أن قسما ضخما من المعارضة بدأ يتطلع إلى بديل جديد للنظام الاجتماعي القائم، وهو بديل كان من الممكن إقناع أقسام أساسية من الحكام القائمين بقبوله. وكان البديل، بطبيعة الحال، بديلا يمكن فيه لأولئك الذين يديرون المشروعات أن يتنافسوا داخليا وعالميا بدون توسُّط بيروقراطية الحزب والدولة. وكان المقصود -رغم أن أحدا لم يعبر عن ذلك بكل هذه الصراحة- أن أسلوب رأسمالية الدولة الخاص بالبيروقراطية العليا القديمة في التراكم كان عليه أن يفسح المجال لأسلوب السوق المتعدد الجنسيات الجديد.

كان يجري تمهيد السبيل لمقاربة كهذه في الدوائر الفكرية في وارسو. وحتى في أيام 80-1981 المحمومة كان هناك لقاء للعقول في صفوف المعارضين الفكريين الذين كانوا يقدمون المشورة لمنظمة تضامن وأولئك الذين كانوا يقدمونها للحكومة. وقد روت يادڤيجا ستانيزكيس Jadwiga Staniszkis، التي كانت حاضرة في المفاوضات الأولى في جدانسك في أغسطس 1980 بين الجانبين، كيف أن:
الخبراء على الجانبين… كانوا إلى هذا الحد أو ذاك أعضاء في نفس الوسط في وارسو. وكان خبراء الحكومة انتقاديين في الواقع لكنهم كانوا من الناحية الأساسية محترفين موالين للدولة. وكنا انتقاديين بصراحة أكثر، لكننا كنا لا نزال مقبولين داخل إطار ليبرالية [السكرتير العام] چيريك “الديكورية”. ولو كان الأمر مجرد مسألة م لكننا كنا لا نزال مقبولين داخل إطار ليبرالية [السكرتير العاُط بيروم، واقف سياسية لكان بمستطاعنا بكل سهولة أن نتبادل الأماكن[224].

مع ازدياد أزمة البلاد سوءا خلال 1981 وافق الزعيم الأقوى نفوذا لمنظمة تضامن، ليخ ڤاونسا، على فكرة التعاون مع “إصلاحات” الحكام القدامى. لكن الشخصيات الرئيسية في الطبقة الحاكمة فهموا أن أعضاء النقابة كانوا أشدّ مرارة وأكثر ثقة بالنفس من أن يتقبلوا أعباء الجانب الاقتصادي لاتّفاق كهذا عليهم. وفي ديسمبر 1981 لجأوا إلى انقلاب عسكري لتحطيم قوة النقابة. لكن الانقلاب عجز عن وضع حد للأزمة الاقتصادية، وبحلول 1987 كانت هناك قوى هامة داخل النظام وداخل المعارضة على السواء تضغط من أجل “ميثاق مناهض للأزمة”. على جانب النظام كان التعديل الپراجماتي بعيدا عن رأسمالية الدولة نحو “رأسمالية السوق المتعدّدة الجنسيات” قد مضى بعيدا إلى حدّ أن وزير الصناعة كان مديرا سابقا من البيروقراطية العليا كان قد تحوّل إلى صاحب مشروع خاص ناجح.

وعلى جانب تضامن كانت هناك قيادة للنقابة فقدت الثقة في قوة احتمال أن يشرع العمال الذين كانوا ذات يوم أعضاء في النقابة في النضال من جديد، وكانت مستعدة لذلك للنظر بجدية إلى صفقة كهذه ورحّبت كخبراء بالاقتصاديين الذين كانوا يبشرون باقتصاد صار غربي الطابع تماما.

لم يفكر معظم أعضاء المعارضات في الأمور بمثل هذه الطريقة السافرة أو اللامبالية. وبين قرابة 200 من المنشقين المتصلبين في كل بلد، كان معظمهم مدفوعين بكراهية عميقة لنظام الحزب الواحد القمعي وكانوا يريدون، ببساطة، أسهل بديل له. وكان اقتصاد “السوق”، والضغط على رأسمالية البيروقراطية العليا لتحوّل نفسها إلى ملحق للرأسمالية المتعددة الجنسيات يبدوان مبشّريْن بذلك. وكان صحفي غربي، تيموثي جارتون آش Timothy Garton Ash، حاضرا في الاجتماعات التنظيمية اليومية للمنتدى المدني التشيكي في النصف الثاني من نوڤمير 1989. وهو يروي كيف كانت تتخذ القرارات الخاصة بالسياسة الاقتصادية:

معظم أولئك الحاضرين كانوا ينشطون في المعارضة من قبل، وكانت كبرى المجموعات مأخوذة على حدة تتكون من الموقِّعين على ميثاق 77. ومنذ عشرين سنة كانوا صحفيين، أكاديميين، سياسيين، محامين، لكنهم يأتون الآن من أعمالهم كوقادين، أو منظفي شبابيك، أو كتبة، أو -في أفضل الأحوال- ككُتّاب محظورين… وقد أتى قليل منهم من السجن مباشرة… وهم يتراوحون من الناحية السياسية بين التروتسكي المحدث پيتر أُول والكاثوليكي المحافظ بعمق ڤاتسلاڤ بينا Vaclav Bena…

وإلى جانب هؤلاء هناك ممثلون لمجموعات هامة. وهي الطلبة… الممثلون… ثم هناك العمال، الذين يمثلهم أساسا پيتر ميللر Peter Miller، وهو تقني من مجمع سي كي دي الضخم للآلات الثقيلة في براغ… ثم هناك أولئك الذين سمَّيْتُهم بالمتنبئين، أيْ أعضاء معهد التنبؤ التابع لأكاديمية العلوم التشيكوسلوڤاكية…

والمتنبئون اقتصاديون في واقع الأمر. وينبع كهنوتهم الخاصّ من معرفتهم. أو اعتقادهم بمعرفتهم، أو على الأقل دفعهم إلى الاعتقاد بمعرفتهم، ما ينبغي عمله فيما يتعلق بالاقتصاد -وهو موضوع ساخن تماما في عقول الناس الذين في الشوارع، وهو موضوع ليس لدى معظم الفلاسفة، والشعراء، والممثلين، والمؤرخين، المتجمعين هنا فيه سوى خبرة أقلّ قليلا مما لدى العمال العاديين الذين يركبون ترام ڤيسوكاني… ويؤيد الدكتور ڤاتسلاڤ كلاوس Vacklav Klaus، المتعجرف بقدر ما هو واضح، حُلُول ملتون فريدمان Milton Friedman. أما زميله الأكثر تواضعا، الدكتور توماس يتسيك Tomas Jezek، فهو -على العكس- تلميذ لفريدريك فون هايك Friedrich von Hayek…[225]..
ولم يمض وقت طويل قبل أن يقوم أحد الاقتصاديين بما نظر إليه الناس على أنه محاولة للحصول على رئاسة الوزارة في لقاء جماهيري بميدان ڤينسسلاس:

تتلو طالبة رسالة من الطلبة يطلبون فيها من الرئيس أن يستبدل كوماريك Komarek بآداميتش. وهي تقول إن “الدكتور بان دوشنت كوماريك Pan Docent Komarek -الدكتور في العلوم- له برنامج جاهز” -وهكذا يكون من الواضح لكل شخص يقف في الميدان أن المنتدى قد اقترح لتوّه مرشحا كرئيس للوزراء. لكنْ اذهبوا إلى “الفانوس السحري” وستكتشفون أن المنتدى لم يقصد ذلك أبدا[226].

والشيء اللافت للنظر في هذه الواقعة هو أن كل هذا حدث بدون أن يلاحظ أحد أن كوماريك كان عضوا لفترة طويلة في الحزب الحاكم -وهو شيء مستحيل في الواقع في تشيكوسلوڤاكيا ما لم يكن مستعدا لشجب حركة 1968 الإصلاحية وميثاق 77. والواقع أن أيّ شخص آخر بمثل هذه الخلفية كان سيجري استقباله بارتياب هائل من جانب الطلبة، لكن ليس من جانب الاقتصاديين الذين بدا أنهم يقدمون علاجا سحريا للتغلّب على الأزمة الاقتصادية والسياسية. لم يصل كوماريك إلى رئاسة الوزارة -إلى الآن. لكنه أصبح نائبا لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، هذا الموقع الذي يقول منه للتشيكيين والسلوڤاكيين إن حلّ مشكلتهم الإسكانية يتمثل في نسخ الأساليب التي تنتهجها ثاتشر في بريطانيا[227].

وعلى نحو مماثل، يشغل مستشارو تضامن من غُلاة دُعاة “السوق الحر” الوزارات الاقتصادية في وارسو، ويتلقّون المشورة من الاقتصادي الأمريكي چيفري زاكس Jeffery Sachs -ويتركون لكورون ذي الميول الاشتراكية الديمقراطية وزارة العمل، التي يحاول منها أن يوقف المقاومة العمالية لنتائج مثل هذه السياسات.

في ألمانيا الشرقية كان أغلب أولئك الذين خاطروا في المظاهرات الأولى في أكتوبر 1989 قليلي الثقة إلى أبعد حدّ بالغرب. لكنهم كانوا يسلّمون بأنه لابد من اتخاذ خطوة في اتجاه اقتصاد السوق. وكان هذا يصدق بوضوح، حتى على يسار الحركة – “يقول معظم الناس في اليسار المتحد إننا نحتاج إلى درجة من السوق وإلى رأسماليين أجانب. وتيار السوق الاشتراكية قويّ جدا”[228]. وقد وضعتهم أفكارهم في موقف أضعف جدا من أن يقارعوا الحجة بالحجة عندما قال اشتراكيون ديمقراطيون من ألمانيا الغربية، وأعضاء في أحزاب الجبهة القديمة، ورؤساء مشروعات ألمانية شرقية، جميعا، للعمال أن الاندماج في الدولة الألمانية الغربية سيقدّم حلولا سحرية لمشكلات الجميع.

« السابق التالي »