بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العاصفة تهب – حول انهيار النموذج السوفييتي

« السابق التالي »

2ـ الاتحاد السوڤييتي: الأوهام المفقودة

أصبح من المألوف الآن أنْ يؤرَّخ لبدايات التغيير في الاتحاد السوڤييتي بصعود جورباتشوڤ إلى السلطة منذ 1985. ولم يكن لجورباتشوڤ ذاته أيّ سمعة خاصة كمصلح. وحسب تعبير المنشقّ الروسي المنفي چوريس مدڤيديڤZhores Medvedev، لم يكن جورباتشوڤ “لا ليبراليا ولا مصلحا جريئا”[9]. والواقع أنه يدين بصعوده إلى القمة لرعاية أندروپوڤ Andropov، السكرتير العام السابق -لكن الذي كان لفترة طويلة رئيس كي جي بي (المخابرات السوڤييتية) والذي كان متورطا مباشرة في قمع ثورة 1956 في المجر[10].

في غضون سنة واحدة من مجيئه إلى السلطة كان جورباتشوڤ يدفع بإلحاح في اتجاه نهج بالغ الاختلاف عن النهج الذي كان متبعا في العقدين السابقين. وفي المؤتمر السابع والعشرين للحزب في 1986 أطلق شعاريْ پيريسترويكا -إعادة البناء [أو إعادة الهيكلة]- وجلاسنوست [العلانية]، وشنّ حملة من أجل هذه التغييرات في جلسة كاملة هامة للجنة المركزية للحزب في يناير 1987 وبالدعوة إلى انعقاد أوّل كونفرنس خاصّ للحزب الحاكم طوال قرابة نصف قرن في يونيو 1988. وقد مهّد ذلك للانتخابات التي خيضت دون تزييف في ربيع 1989.

ومع وعد جورباتشوڤ “بثورة سلمية” سمح للصحفيين، لأول مرة منذ منتصف العشرينيات، بأن يكشفوا الحياة في الاتحاد السوڤييتي كما يعيشها الناس فعلا. ظهرت تقارير عن الفساد الواسع الانتشار، وسيطرة المافيا، وحجم الفقر والبغاء، وتدهور الخدمة الصحية، والتلوّث المفزع، والمشكلات البيئية الهائلة -ومع حلول صيف 1988: عن الامتيازات الضخمة لقمة البيروقراطية. وبين الكتّاب الذين بدأوا في نشر مقالات في صحف قومية وإقليمية هناك أشخاص كانوا قد سُجنوا بوصفهم “منشقّين” في عهد بريچنيف، في حين توقّف اعتقال أولئك الذين كانوا ينشرون مطبوعات ساميزدات [النشر المستقلّ]. وتحادث جورباتشوڤ نفسه تليفونيا مع أندريه ساخاروڤ Andrei Sakharov، العالم الطبيعي المنشق الذي كان منفيا إلى جوركي، ودعاه إلى العودة إلى موسكو.

امتدّ “الانفتاح” إلى الحياة الثقافية. وبدأت الروايات الممنوعة في الظهور مطبوعة والرسوم الممنوعة في الحلول محلّ فظاعات الواقعية الاشتراكية في معارض الفن. أما مجموعات “الروك” التي عبرّت أغانيها عن غضب غير موجَّه لكنْ مرير إزاء النظام فكانت تدعوها أقسام من منظمة الشباب الرسمية، الكومسمول، إلى الظهور في الحفلات الموسيقية. وأوقف الاقتصاديون 60 سنة من الأكاذيب حول الأداء الاقتصادي وبدأ المؤرخون يكشفون، ببطء في البداية، الحقائق عن عهد ستالين، وحظي فيلم عن محاكمات موسكو كان قد تمّ حظره في يناير 1988 بعرض تليڤزيوني تم الترويج له على نطاق واسع بعد ذلك بأربعة أشهر. ومع حلول نهاية السنة “رُدّ اعتبار” كل عضو من أعضاء الحزب قام ستالين بتصفيته في الثلاثينيات. بل كانت هناك خلال 1989 مقالات قليلة تشيد بالدور التاريخي لتروتسكي. لقد بدا الأمر وكأن الأيديولوچية التي حاولت أنْ تخنق عقول الناس على مدى ستة عقود من الزمان قد انهارت بين عشية وضحاها.

والواقع أن استجابة كلّ مَنْ كتب عن الاتحاد السوڤييتي خلال الأعوام الثلاثة الأولى لجورباتشوڤ تمثّلت في النظر إليه على أنه الرجل الذي يواصل بكل عزم تغييرات عظيمة وتقدّمية. كان هذا يصحّ على اليسار تماما كما يصح على اليمين. وفي نظر الحزب الشيوعي البريطاني في ذلك الوقت، كان الرجل الذي سيردّ إلى الاشتراكية طابعها الشعبي. وقال كتاب مقالات من الماركسية اليوم، نشر في 1989، إنه إلى جانب ألكسندر ياكوڤليڤ Alexander Yakovlev وإدوارد شڤاردنادزه Eduard Shevardnadze جزء من “اتجاه ديمقراطي أكثر إخلاصا” في القيادة الروسية، “توّاق إلى حفز وتشجيع المبادرة الشعبية والالتزام الفردي…” مع “تشديد خاص… على القبول بدلا من الإكراه، على خلق كتلة فعّالة من القوى الاجتماعية الضرورية للتغلّب على جمود المؤسسات والمقاومة البيروقراطية (مقاربة تدين بالكثير للماركسي الإيطالي أنطونيو جرامشي Antonio Gramsci)”…[11]القبول بدلاً من الإكراه، على خلق كتلة فعّالة من القوى الاجتماعية الضرورية للتغلّب على جمود المؤسسات والمقاومة البيرو. وفي نظر طارق على Tariq Ali، ترقى تغييرات جورباتشوڤ إلى مستوى بداية “ثورة سياسية” من شأنها أن تمنح “المشروع الاشتراكي… دفعة هائلة”[12].

كان التأييد القاطع لجورباتشوڤ واسع الانتشار أيضا بين أولئك الذين يتخذون موقفا نقديا إزاء النظام القديم داخل الاتحاد السوڤييتي ذاته. كثير من المنظمات غير الرسمية التي ظهرت سمَّتْ نفسها نوادي “من أجل الپبيريسترويكا”. وقامت جماعة الاشتراكيين اليسارييّن الملتفّين حول بوريس كاجارليتسكي Boris Kagarlitsky (الذي سُجن في عهد بريچنيڤ) في موسكو بعقد كونفرنس عنوانه “المبادرات الاشتراكية من أجل الپيريسترويكا”[13]. ويقول ألكسندر فيدوروڤسكي Alexander Fedorovsky -وهو سجين سياسي سابق آخر يحرّر في الوقت الراهن جريدة تتبع الجبهة الشعبية في موسكو- أنه “في ذلك الوقت كنّا جميعا مؤيدين لجورباتشوڤ”[14].

لم يكن هناك في ذلك الوقت سوى أشخاص قليلين للغاية مستعدّين -كما فعلنا في هذه المجلة- أنْ يحاولوا إثبات أن اليسار لا ينبغي أنْ يضع ثقته في جورباتشوڤ. لكن التحرّر من الأوهام كان قادما دون إبطاء. قلّما انتقد جورباتشوڤ أولئك الذين “خرّبوا” الپيريسترويكا والجلاسنوست دون أن يهاجم أيضا أولئك الذين سعوا إلى دفعهما “أسرع مما ينبغي”. وحتى منذ خريف 1987 تبرّأ من بوريس يلتسين، الذي كان آنذاك رئيس المنظمة الحزبية في موسكو، لمحاولته المضيّ أسرع مما ينبغي وأحلّ محلّه شخصية أكثر محافظة؛ زايكوف Zaikov. وكان من المتوقع لخطاب رئيسي بمناسبة ذكرى ثورة 1917 أن يدفع نحو تغيرات أسرع لكنه بدلا من ذلك وازن بعناية بين أولئك الذين أرادوا حركة أسرع وأولئك الذين أرادوا حركة أقل سرعة. فقط بعد ذلك بخمسة أشهر عندما رتّب أعضاء في المكتب السياسي معارضون لأيّ جلاسنوست أن تنشر جريدة سوڤييتسكايا راسييا مقالا يدّعي أن الأمور مضت إلى أبعد مما ينبغي، اختار جورباتشوڤ المزيد من الجلاسنوست خلال الإعداد السريع لكونفرنس حزبي خاص في يونيو 1988. وانتهز المثقفون الذين يتخذون مواقف نقدية هذه الفرصة لتوجيه أسئلة لم توجَّه من قبل عن المجتمع السوڤييتي والتاريخ السوڤييتي. وفي مواقع كثيرة جرت أولى مظاهرات علنية ومشروعة على مدى ستين سنة، تُطالب بأن يكون المندوبون إلى الكونفرنس الحزبي مؤيدين للپيريسترويكا والجلاسنوست وجورباتشوڤ.

ولكنْ في الكونفرنس: تحالف جورباتشوڤ مع الشخصية المحافظة المعروفة جيدا، ليجاتشيڤ Legachev، ردّا على النقد الذي وجّهه يلتسين. وعندما اشتكى ميخائيل أولانوڤMikhail Ulanov، رئيس نقابة العاملين بالمسرح التي تكوّنت مؤخرا، من أن الصحافة خارج موسكو مازالت تحت سيطرة المفوّضين الحزبيين المحليين، قاطعه “السيد جورباتشوڤ، الذي كان جالسا بالخلف. وأشار إلى أن الصحف المحلية ربما تكون قد تفادت على الأقل التجاوز الذي رآه أحيانا في صحافة موسكو”[15].

احتفظت مقترحات جورباتشوڤ ذاته بشأن “انتخابات حرة” إلى مؤتمر جديد للنواب بثلث المواقع للمرشحين من جانب المنظمات الرسمية (أيْ التي يسيطر عليها الحزب) كما اشترطت تدبيرا للتصفية في اجتماعات مندوبي الدوائر الانتخابية للتخلّص من المرشحين غير المرغوب فيهم. وفي الشهور التالية وقّع مرسوما يجيز للشرطة أن تعتقل أولئك الذين يشتركون في مظاهرات “غير مصرّح بها” ولم يعترض عندما بذل رجال الجهاز الحزبي المحليون قصارى جهدهم للحصول على مرشحيهم من خلال اجتماعات الدوائر الانتخابية.
في الجلسة الأولى للمؤتمر كان بإمكان النواب -وعمدوا فعلا إلى- أنْ يعبرّوا عن شكواهم إزاء أيّ شيء في الواقع: امتيازات بيروقراطية الحزب، النقص المفزع في السلع الاستهلاكية، جيوب الفقر الضخمة في البلاد، الميراث الرهيب لستالين، سلوك المخابرات السوڤييتية، استخدام قوات خاصة في چورچيا، إساءة معاملة الأقليات القومية، المراسيم التي تقيّد الحق في التظاهر وانتقاد الحكومة، وحتى قرارات جورباتشوڤ ذاته.

لكن كافة الإجراءات كانت مرتَّبة بعناية لمنع هذه الشكاوي من أن تُوجَّه في قنوات صُنْع القرار الديمقراطي بأيّ حال. كان اجتماع للجنة المركزية للحزب الحاكم قبل المؤتمر قد أصدر قرارا بأن يصوّت 70 في المائة من المندوبين الذين كانوا أعضاء في الحزب لجورباتشوڤ ليتم انتخابه كرئيس بلا منازع. وأصرّ جورباتشوڤ آنذاك على أنه وحده يملك حق اختيار نائب الرئيس وتعيين أشخاص لمناصب حكومية رئيسية أخرى. أما القوائم الانتخابية الخاصة بالپرلمان المصغرّ، المتفرّغ، مجلس السوڤييت الأعلى، فقد تم إعدادها بحيث يمكن إنكار أيّ اختيار على الإطلاق على كثير من المرشحين.

عندما برزت مسائل خلافية في المؤتمر أحيلت إلى لجان كان عليها أن ترفع تقاريرها إلى مجلس السوڤييت الأعلى، بدلا من تصويت المؤتمر عليها. هذا ما حدث بشأن مذبحة چورچيا، وفصْل اثنين من المدّعين العامّين ادّعيا تفشِّي الفساد في قمة الحزب ذاتها، ومسألة شرعية معاهدة ستالين-هتلر التي دمجت جمهوريات البلطيق في الاتحاد السوڤييتي.

سمح جورباتشوڤ -الذي كان يترأس الجلسات أو يجلس وراء رئيس الجلسة مباشرة والذي كان يُقاطع وقائع المؤتمر متى شاء- للمندوبين الراديكاليين بالكلام، لكنه مرّر بعد ذلك القرارات التي تلقّت تأييدا حماسيا من الأغلبية المحافظة. ولم يُبْدِ جورباتشوڤ ذاته أيّ اهتمام عندما تمّ إسكات ساخاروڤ بالصياح بسبب خطاب يشجب أعمالا وحشية ارتكبتها القوات السوڤييتية في أفغانستان أو عندما دافع الچنرال روديانوڤ Rodianov عن الهجوم الوحشي الذي شنّته قوات وزارة الداخلية المسلّحة بآلات حادّة على المتظاهرين في تبليسي.

أما أولئك الراديكاليون الذين كانوا مؤيدين تماما لجورباتشوڤ قبل سنة فقد أضحوا عنيفين في هجومهم المتكرّر عليه. واشتكى يوري أفاناسييڤ Yuri Afanasyev، المؤرخ، في المؤتمر نفسه:

… لقد قمنا بتشكيل مجلس سوڤييت أعلى من الطراز الستالينى-البريچنيڤي… والأغلبية التي تشكلت… في هذا المؤتمر أمس اعترضت سبيل كافة قرارات المؤتمر التي يتوقعها الشعب منا… وأنت يا ميخائيل سرجييڤيتش [جورباتشوڤ] إمّا أنك تُصغي بانتباه إلى هذه الأغلبية أو أنك تؤثر فيها بمهارة… دعونا لا ننسى للحظة مَنْ الذي بعث بنا إلى هنا، إلى هذا المؤتمر[16].

خارج صالة المؤتمر كانت المواقف الراديكالية أكثر مرارة أيضا وأظهرت استطلاعات الرأي أن نسبة ضخمة جدا من الشعب قد أصيبت بخيبة أمل إزاء المؤتمر، وكانت هناك يوميا تقريبا لقاءات في ستاد لوچنيكي. ويقول تقرير أذاعه راديو ليتوانيا:

قدّر أحد الخطباء عدد المشاركين ﺒ 150000-150000 يقفون فوق مثلّث مُسفلت ضخم… نظم اللقاء جمعية الذكرى* والجبهة الشعبية بموسكو… كان مجرّد ذكر اسم بوريس يلتسين يجعل الحشد الجماهيري يصرخ ويصيح. وألهب حضور الأكاديمي ساخاروڤ الجماهير…[17].

انتزع ڤيتالي بوناماروڤ Vitaly Ponamrov من الجبهة الشعبية بموسكو استحسانا هائلا في اجتماع حاشد عندما أعلن: “نحن لا نثق مطلقا في جورباتشوڤ. لقد خسر جورباتشوڤ نفوذه لدى الشعب”[18].

كان التحرر من الأوهام بين الإنتچلنسيا الراديكالية عميقا جدا في الواقع مع نهاية السنة عندما شهدوا جورباتشوڤ يحاول أن يفصل من الخدمة رئيس تحرير الجريدة الأسرع نموا في البلاد “أرجومنتي إي فاكتي” Argumenty i facty[19]، ويوقف عمل الميكروفونات وَسْط خطاب كان يلقيه ساخاروڤ في الجلسة الثانية لمؤتمر النواب. وكان آخر عمل سياسي قام به ساخاروڤ قبل وفاته هو إصدار نداء للقيام بإضراب احتجاجا على القيود الموضوعة على المقرطة. وقد هللت وسائل الإعلام الغربية كثيرا لقرار اللجنة المركزية في فبراير 1990 بالتسليم بوجود أحزاب أخرى؛ ولم يكن بإمكانه أن يوقف عملية التحرّر من الأوهام داخل الاتحاد السوڤييتي. وكما سلّم مراسل صحفي غربي: “اشتكت مجموعات غير رسمية من أن الإصلاحات تتّسم بجُبْن وطالبت بأن تعرف لماذا لم يجر فصل المحافظين”[20]

« السابق التالي »