بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العاصفة تهب – حول انهيار النموذج السوفييتي

« السابق التالي »

20- احتمالات للتسعينيات

يعمّ ابتهاج غامر كلّما حقّقت حركة جماهيرية معارضة أهدافها الأوّليّة. وكلما كان سفك الدماء الذي يقتضيه الانتصار أقلّ، كان الابتهاج أعظم. هكذا كان الأمر في پاريس في 1930 وفبراير 1848، وفي پتروجراد في فبراير 1917، وفي برلين في نوڤمبر 1918، وفي لشبونة في أبريل 1974. وهكذا كان الأمر أيضا في عواصم أوروپا الشرقية في 1989.

ونادرا ما يدوم الابتهاج. فسهولة الانتصار هي ثمرة توافق مؤقت في الأهداف بين كتلة الطبقات المستغلة (بفتح الغين) وقسم من الطبقة المستغلة (بكسر الغين). وقد منع أنصار الإصلاح داخل النظام القديم الجنود من فتح النار في لحظة حاسمة فأمّنوا بذلك التغيير بدون إراقة الدماء. لكن الإصلاح الذي يريدونه يسلّم باستمرار لأساليب الاستغلال القديمة، في حين تريد غالبية الناس، كحدّ أدنى، تحسينا لتلك الأساليب. ويفسح الابتهاج العام في الأيام الثورية الأولى المجال للجدال المرير والتحرّر العميق من الأوهام.

والمرارة والتحرر من الأوهام يكونان أعمق ما يكونان، في بداية الأمر، بين أولئك الذين أقدموا على أعظم المخاطرات في معارضة النظام القديم. وهم يكتشفون أن أولئك الذين كانوا آخر من قفزوا في عربة الثورة قد أمسكوا بعجلة قيادتها، في حين يجري دفعهم هم إلى هوامش الحياة السياسية. وفي پولندا نجد المستشارين الفكريين لتضامن هم الذين يؤثّرون في الحكومة، وليس العمال الذين خاطروا بأحكام السجن الطويل وهم ينشرون إضرابات 1988. وفي ألمانيا الشرقية يقوم بالتوجيه السياسي أولئك الذين حققوا نجاحات أكيدة في أحزاب الجبهة في ظل النظام القديم أو أولئك الذين كانوا تكنوقراطا أرسلهم الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني الغربي عبر الحدود، وليس المناضلون القدامى المنتمون إلى المنتدى الجديد أو اليسار المتحد. وفي تشيكوسلوڤاكيا يدير الوزارات الاقتصاديون الذين لم يتركوا الحزب الحاكم إلى أنْ حُسمت المعركة، وليس الطلبة الذين كانوا يُضربون بهراوات الشرطة في الشوارع. وفي رومانيا نجد الچنرالات ورجال الجهاز الحزبي السابقين والذين لم ينضموا إلى الثورة إلا بعد أن هرب شاوشيسكو يهدّدون الآن بالأحكام بالسجن لأولئك الذين يشتركون في مظاهرات غير مصرّح بها.

من السهل تماما في وضع كهذا أن يشعر المناضلون القدامى المعارضون بأنه قد خانهم ليس فقط القادمون متأخرين إلى الثورة، بل غالبية الناس. وأنت تسمع الآن مناضلين پولنديين وألمانا شرقيين يتحسّرون على ما ينظرون إليه على أنه الفرصة الكبرى المفقودة لتحقيق ثورة حقيقية، وكأنّ فترة الاضطراب الاجتماعي والسياسي قد وصلت إلى نهايتها. مثل هذه المشاعر يمكن أن تقود إلى اتجاهيْن لا طائل تحتهما على حد سواء، نحو انسحاب منهار المعنويات من النشاط أو نحو محاولات بطولية للانقضاض على النظام الجديد بأعمال ليس لها دعم جماهيري.

ما يُنْسَى، في كل من الحالتين، هو أن الطبقة الحاكمة لا تزال تواجه مشكلات ضخمة خاصة بها. ولهذه الطبقة حكومات تنكبّ على تحقيق الانتقال من رأسمالية الدولة إلى الرأسمالية المتعدّدة الجنسيات، لكن مثل هذا الانتقال بعيد عن أن يكون سهلا. ومن الأرجح أن تكون فترة الانتقال حافلة بالمواجهات الاقتصادية والاجتماعية المتكررة، رغم أن جدية هذه المواجهات ستتباين من بلد إلى آخر.

هناك مشكلات اقتصادية لا بد من مواجهتها مماثلة لتلك التي أحاطت بإصلاحات جورباتشوڤ الاقتصادية في الاتحاد السوڤييتي. فهناك قطاعات صناعية كثيرة في كل بلد من بلدان أوروپا الشرقية لا يمكنها ببساطة أنْ تبقى بعد انفتاح كامل على السوق العالمي. وليس من المؤكد بحال من الأحوال أن تلك القطاعات التي تزدهر فعلا في الظروف الجديدة ستكون قادرة على أن تنمو بسرعة كافية لملء الفجوات في الاقتصاد القومي والتي خلقها انهيار القطاعات الأخرى.

ويتطلع الاقتصاديون في الحكومات الجديدة إلى الاستثمار الغربي لمساعدتها. لكن هذا الاستثمار ظلّ، إلى الآن، ضئيل الحجم للآخر من قفزوا في عربة الثورة قد أمسكوا بعجلة قيادتها، في حين يجرى دفعهم هم إلى ضة النظام القديم.غاية، رغم الدعاية الكبيرة التي أحيطت بها وعود الجماعة الأوروپية ورئيس الوزراء الياپاني. وكما لاحظت فاينانشال تايمز مؤخرا:

يحذّر رجال الأعمال الغربيون من افتراض أوروپي شرقي بأن المال سيتدفق على هذه البلدان بمجرد فتح الباب. ورغم مستويات الأجور التي تمثّل ثُلث تلك السائدة في الغرب أو أقلّ، لايزال على بلدان الكتلة الشرقية أن تتنافس مع أجزاء أخرى من العالم على الاستثمار. ووفقا لمسؤول كبير لإحدى الشركات الألمانية الغربية المتعددة الجنسيات، ليس من السهل إقناع أعضاء مجلس الإدارة بمزايا الوضع في أوروپا الشرقية.

والنتيجة هي أن المبلغ الإجمالي للاستثمار المتاح لايزال من الأرجح أن يظل صغيرا. ولا يمكن لعدد صغير نسبيا من الصفقات الضخمة والمرتفعة القيمة مثل قيام چنرال إلكتريك مؤخرا بشراء “تونجسرام” المجر مقابل 150 مليون جنيه إسترليني أن يُخفي واقع أن معظم الاستثمارات الغربية في الكتلة الشرقية لا تشتمل إلا على مقادير صغيرة من الرأسمال[229].

والواقع أن المستثمرين الغربيين غير مقتنعين بأن فترة عدم الاستقرار السياسي قد انتهت، وهم يخشون من أن المصانع التي يموّلونها في أوروپا الشرقية قد تواجه مصاعب بيع السلع التي تنتجها في الغرب -وهذا بالضبط ما حدث للاستثمارات الضخمة في پولندا في السبعينيات[230].

حتى الأجور المتدنية لا تمثل إغراءً كبيرا كما قد يبدو. فهناك أماكن أخرى في العالم ذات أجور أدنى من ذلك أيضا. والأكثر أهمية أن القوة الشرائية لمجموعات الأجور قد تكون متدنية فيما يتعلق بالسلع الاستهلاكية المعمرة والسلع الإلكترونية، لكنها ليست متدنية إلى هذا الحدّ عندما يتعلق الأمر بالبنود الأساسية كالطعام والمسكن، والتدفئة، والوقود. كما أن جانبا من الانفتاح على السوق العالمي يقتضي رفع هذه الأسعار في اتجاه الأسعار العالمية. لكن هذا بدوره يمكن أن يؤدي بالعمال إلى استغلال تحرّرهم من سيطرة الحزب الواحد فيصرّون على زيادات الأجور.

ويمكن ﻟ ليخ ڤاونسا أنْ يقول لرجال الأعمال الأمريكيين إن بإمكانهم أنْ يستخدموا عمالا پولنديين مقابل عشرة دولارات في الأسبوع، لكن هذا يرجع إلى أن الدولار يمكن أن يشتري في وارسو حوالي عشرة أضعاف ما يمكن أن يشتريه في نيويورك من الأغذية والخدمات الأساسية -وهذا وضع يعتزم الوزراء الاقتصاديون الپولنديون تغييره بسرعة.

والمشكلات الاقتصادية المرتبطة بالانتقال سائدة في كل بلدان أوروپا الشرقية. لكنها أحدّ في بعضها بكثير عن الأخرى. وتمثّل المديونية السابقة عبئا هائلا على الطبقتيْن الحاكمتيْن في پولندا والمجر. وسوف يلتهم تسديد الفوائد معظم صادراتهما إلا إذا نمت هذه الأخيرة بمعدّل سريع على نحو لا يمكن تصوره. كما أن جانبا كبيرا من “المساعدة” المعروضة عليهما من الغرب يتخذ شكل قروض إضافية، سيكون عليهما دفع فائدة إضافية عليها. وهذا لا يترك لهما خيارا آخر سوى الإعداد للانتقال إلى الرأسمالية المتعددة الجنسيات مع برامج تقشّف تجر معها معاناة ضخمة للغالبية العظمى من الناس. وحتى الآن منع الضعف السياسي الحكومة المجرية من وضع خططها موضع التطبيق بصورة كاملة. لكن الحكومة الپولندية قد اتخذت فعلا تدابير بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي الذي يسعى إلى رفع تكاليف الطعام، والإسكان، والوقود، إلى “مستويات اقتصادية” أعلى أضعافا مضاعفة مما كانت من قبل، ليخفض الأجور بنسبة 25 في المائة وليخلق نصف مليون أو أكثر من العاطلين. وهناك فعلا تقارير تقول إن الطوابير قد اختفت من الدكاكين لأن الناس لا يقدرون على شراء ما فيها؛ وفي الوقت ذاته، يشكو المزارعون بقسوة من أن الطلب الآخذ في الهبوط على الطعام يدفع كثيرا منهم نحو الإفلاس.

عندما انهار حكم الحزب الواحد لم تكن على ألمانيا الشرقية ديون كتلك الخاصة بپولندا والمجر. لكن احتمال الأزمة الاقتصادية، التي كان قد تنبأ بها الاقتصاديون الروس فعلا قبل ذلك ﺒ 18 شهرا[231]، سرعان ما أضحى واقعا مريرا عندما تدهورت الخدمات وظهرت العجوزات مع رحيل 2000 من العمال المهرة يوميا إلى الغرب. وانتهت الغالبية العظمى من الناس إلى النظر إلى الاندماج في ألمانيا الغربية على أنه الحل الوحيد، وهو موقف شجعت عليه الطريقة التي كان يضاعف بها رؤساء أنجح الكومبينات Kombinate (المشروعات العملاقة) في البلاد صلاتهم المباشرة مع الشركات الغربية. لكن التوحيد يمكنه فقط أن يخلق سخطا هائلا بين نفس العمال الذين يصرخون مطالبين به الآن. فالأسعار الألمانية الشرقية للطعام، والنقل، والوقود، والإسكان، سيكون عليها أن تتضاعف عدة مرات لتصل إلى المستويات الألمانية الغربية، لكن الرأسمال الألماني الغربي لن يكون مضطرّا إلى أن يدفع للعمال في المصانع الألمانية الشرقية التي ينظر إليها على أنها متخلّفة ومنعدمة الكفاءة ما يكفي لمواجهة تلك الزيادات في الأسعار. وسيكون خياره المفضَّل ذبح تلك المصانع، تماما كما فعل بمصانع ذات عمر مماثل في إقليم الرُّور، محوّلا قواها العاملة إلى احتياطي للعمل الرخيص من أجل بقية البلاد. وهكذا نجد تقريرا للجماعة الأوروپية:

يتوقع بطالة في السنة الأولى بنسبة 15 في المائة، لكنه يضيف أن النسبة قد تكون أعلى بكثير. وهو يحذر أيضا من تفاقم مشكلات التكيّف في ألمانيا الشرقية نتيجة لموجة من الواردات من الغرب… وقد أمكن لمتوسط الأجور في ألمانيا الشرقية بعد الإصلاحات السعرية أن يصل إلى 1400 مارك ألماني غربي، بالمقارنة مع 2400 مارك ألماني غربي في ألمانيا الغربية. كما أمكن لتحويل دخل إضافي قدره 300 مارك ألماني غربي من الغرب إلى كل عامل بأجر أن يرفع الأجر إلى 70 في المائة من المستويات الألمانية الغربية…

ومن شأن هذه التحويلات، رغم أنها ليست مرتفعة، أن يُرهق على نحو لا يمكن تفاديه الموارد المالية الألمانية الغربية. [وسيكون هناك خطر] مجازفات جدية -اجتماعية ومتصلة بالميزانية- لكل من الدولتين الألمانيتيْن وللجماعة الأوروپية بأسرها[232].

حتى وزير المالية الألماني الغربي يعتقد أن “إدخال المارك الألماني الغربي في ألمانيا الشرقية من شأنه أن يزيد البطالة، ويجبر على إغلاق مصانع، ويتطلب إنشاء نظام أمن اجتماعي”[233].

قلّما يرد ذكر لرومانيا وبلغاريا في مخططات معظم الصناعيين والممولين الغربيين. فَهُمْ ينظرون إليهما على أنهما متخلفتان وبعيدتان عن الأسواق الرئيسية أكثر مما يسمح بأن تكون لهما أهمية كبيرة.

ويدّعي بعض أولئك الذين يديرون الآن الوزارات الاقتصادية في تشيكوسلوڤاكيا أن مشكلات البلاد ليست قاسية على نحو يقترب مما في پولندا، مثلا، وأن إعادة البناء تنسجم مع الاحتفاظ بالتوظيف الكامل وبنظام إنعاش اجتماعي كامل. ويقول مصلح بارز آخر على النقيض من ذلك، إن تشيكوسلوڤاكيا “تحتاج إلى مسز ثاتشر أخرى”. ويبقى أن نفهم أيّهما على صواب. وهذا البلد قليل السكان نسبيا وقد يكون قادرا على أن يجد مواقع ملائمة داخل الاقتصادات الغربية يمكن لصادراته أن تمتد إليها. لكنْ حتى في هذه الحالة، سيقوم رؤساء المشروعات التشيكوسلوڤاكية بالضغط على العمال ليتحملوا تكاليف إعادة البناء، ومن المحتمل حدوث موجة من المقاومة.

تداعت رأسماليات الدولة القزمية في أوروپا الشرقية أمام المنافسة القادمة من العمالقة الجدد للنظام العالمي. لكن هذا لا يعني أن بإمكانها أن تحوّل نفسها بنجاح إلى عمالقة أو حتى أن تُفلح في تكييف أنفسها بنجاح للخدمة عند أقدام العمالقة.

وبصرف النظر عن الأوضاع في بلدان منفردة، يبرز شيء واحد في كل فحص موضوعي للواقع: الفجوة بين ما تتوقع الغالبية العظمى من العمال من التغيرُّات وما يُرجّح أن يحصلوا عليه فعلا. وتتاخم بلدان أوروپا الشرقية أكثر الدول الأوروپية الغربية رخاءً. وقد انتهَى الناس إلى مطابقة الشكل الغربي للرأسمالية مع مستويات المعيشة الإسكندناڤية أو الألمانية الغربية. لكن مثل هذه المستويات المعيشية غير واردة أبدا وهناك صدام حتمي، عند نقطة ما، بين التوقعات المنتعشة والواقع القاسي.

ويبشر الاقتصاديون الأوروپيون الشرقيون بأن السوق هو الحل السحري لكافة المشكلات، وبأن عهد الرأسمالية المتعددة الجنسيات عهد توسع اقتصادي غير محدود ومتزايد الاتساع دوما، جالبا الازدهار -وإنْ بدرجات متباينة- لكل الطبقات. لا شيء يمكنه أن يكون أبعد من ذلك عن الحقيقة. فمنافسة الشركات العملاقة على نطاق عالمي تقودها إلى التركيز في قطاعات بعينها من الاقتصادات القومية وترك الأخرى تتقّيح. وهي تقودها إلى نوبات دورية من إعادة البناء، تؤدي فجأة إلى إغلاق مصانع، وطرد قوى عاملة، وتدمير أقاليم بأكملها. وهي تقودها إلى الانهماك في نوبات مسعورة من التراكم التنافسي (الرواجات) عندما تطوف بالعالم بحثا عن المواد الخام والعمل الماهر، متبوعة بدورات مفاجئة من الركود (الكسادات)، تقف خلالها أحدث المصانع عاطلة عن العمل وتُترك مشروعات تشييد هائلة غير منتهية. وهي تقودها إلى أن تطبّق على المجتمعات الصناعية أساليب مناوبة الزراعة، فتدمّر وتحرق التجمعات القديمة للطبقة العاملة في البحث اللانهائي عن مواقع أكثر ربحا يمكن لهذا كله أن يخلق مصاعب لا تُحصى ولا تُعدّ للقادة السياسيين الجدد لأوروپا الشرقية. سيكون عليهم إلى حد ما أن يسعوا إلى استمالة العمال الذين لن يصبروا بعد الآن على الأشكال القديمة للاستغلال والاضطهاد ليقبلوا الأشكال الجديدة. وسيكون عليهم في كثير من الأحيان أن يفعلوا هذا عندما يواجه العمال أوضاعا من الحرمان الشديد. وليس من المؤكد بحال من الأحوال أنهم سينجحون.

والبلد الذي نجد فيه المشكلات الموضوعية الماثلة في إحداث الانتقال من رأسمالية الدولة إلى الرأسمالية المتعددة الجنسيات أكبر ما تكون هو الاتحاد السوڤييتي. فهو لا يمكنه حتى أن ينجز التغيرات السياسية التي كانت بمثل تلك السهولة في أوروپا الشرقية بدون أن تمزق البيروقراطية نفسها إربا فهذه البلاد، والبيروقراطية بالتالي، أضخم كثيرا من تلك التي في أوروپا الشرقية. وكانت مشروعاتها محمية أكثر من المنافسة الخارجية المباشرة ولفترة أطول من الزمن. وقد أدَّى هذا إلى تضافر معقد لأقلية من الشركات ذات الكفاءة بالمعايير العالمية مع أغلبية عديمة الكفاءة. وكان حكام الاتحاد السوڤييتي قادرين، في الماضي، على أن يعوضوا عن نقاط الضعف الاقتصادية بالقدرة العسكرية، وهكذا شيّد قطاعا للمعدات الحربية يضارع ذلك الخاص باقتصاد يبلغ ضعف اقتصاده، ذلك الخاص بالولايات المتحدة. ومحاولات تفكيك هيكل كهذا تترك أجزاءه المنفردة، ببساطة، معلقةً في الهواء. وتتفجر الأزمات الاقتصادية والسياسية في آن معا.

والمأزق الاقتصادي يلخصه جدال جرى خلال السنة الأخيرة حول خطط بناء مجمع جديد للپتروكيماويات في سيبيريا الغربية خلال العشر سنوات القادمة:

دفعت الأزمة المتزايدة العمق في إنتاج وتوافر السلع الاستهلاكية في الاتحاد السوڤييتي مجموعة من كبار العلماء السوڤييت إلى الدعوة إلى التخلّص من واحد من أضخم استثمارات البلاد -تشييد خمسة مشروعات پتروكيماوية خلال العقد التالي في حقول پترول سيبريا الغربية، مخطَّطة كمشروعات استثمارية مشتركة مع شركات أمريكية، وياپانية، وألمانية غربية، وهندية.

ويزعم العلماء أن المشروع سيتكلف ضعف الاستثمار المخطط والذي يبلغ 41 مليون روبل… وعندما يبدأ الإنتاج، [فإنه سوف] يدفع السعر العالمي لمنتجات الپلاستيك والپوليمر إلى الهبوط… وهم يزعمون قبل كل شيء أن هذا الاستثمار سيحرم باقي الصناعة الكيماوية من الاعتمادات التي تحتاج إليها بشدّة، ويمنع تبنِّي إستراتيچيات وفر الطاقة، ويستبعد أيّ إمكانية لإعادة توجيه الاقتصاد إلى الحاجات الاجتماعية[234].

والنقطة اللافتة للنظر هي أن منطق المشروع الكيماوي ليس منطق رأسمالية الدولة القومية القديمة، المكتفية ذاتيا، بل منطق السعي إلى إقامة إنتاج مرتبط بالرأسمالية المتعدّدة الجنسيات. وستكون النتيجة، فيما يقول النقاد، استثمار ضخم يشوّه باقي الاقتصاد الداخلي للاتحاد السوڤييتي ويدفع قطاعات الإنتاج الأخرى إلى الوراء، ويمزّق نتاج مرتبط بالرأسمالية المتعدّدة الجنسيات. ادة توجيه الاقتصاد إلى الحاجات الاجتماعيةول بترول سيبريا الغربية، اقالصلات بين مختلف الصناعات، ويؤدي إلى مزيد من ضغوط الهبوط بمستويات المعيشة -كل ذلك بدون أيّ ضمانة على أن التغييرات في أماكن أخرى في الاقتصاد العالمي لن تؤدي به إلى أن يعمل على نحو مرتبك.

كما يتأكدّ المأزق السياسي من الطريقة التي يتعايش بها الإطار الحزبي القديم والإطاران الپرلمانيان الجديدان: مؤتمر النواب ومجلس السوڤييت الأعلى، بدون أن يكون أحدها قادرا على أن يكون في مستوى المشكلات. ولا يزال الهيكل الحزبي القديم مركز التنسيق الرئيسي لأولئك الذين يديرون المشروعات، والقوات المسلحة، والشرطة والمخابرات، والحكومة المحلية والقومية. وقد بيّن تقرير في عهد بريچنيف أن 40 في المائة من كبار رجال الجهاز الحزبي كانوا مديرين صناعيين سابقين، وأن نسبة 25 أخرى في المائة كانوا رؤساء زراعيين سابقين، مقابل 12 في المائة صعدوا من صفوف بيروقراطية الحزب وحدها[235]. والزعماء الحزبيون “المحافظون” ليسوا ديناصورات، معزولين عن واقع الحياة الإدارية، بل هم ممثلون لأولئك الذين يديرون المشروعات الكبرى. ونزعتهم المحافظة هي تلك الخاصة بطبقة يعتمد أعضاؤها على صلاتهم ببعضهم أكثر كثيرا مما يعتمدون على صلاتهم مع الشركات الغربية العملاقة. ولهذا فإنهم لا ينظرون، كما هو الحال في جانب كبير من أوروپا الشرقية، إلى الانتقال إلى الرأسمالية متعددة الجنسيات على أنه يقدّم ضمانة سهلة ضدّ التغيرات التي يخشونها. ولا يمكن لحكومة مثل حكومة جورباتشوڤ، التي ترمي إلى تغيير الاتحاد السوڤييتي تغييرا كاملا، أن تستغني عنهم أو عن الهياكل الحزبية التي يسيطرون عليها. لكن هذه الهياكل تفتقر بصورة متزايدة إلى التأثير على القوى الجديدة التي أطلقتها الجلاسنوست من تحت -الحركات القومية، لجان الإضراب، الاحتجاجات البيئية. وهم يجمعون على المناوبة بين تهديد وتهدئة الحركات التي تظهر إلى الوجود. وفي هذا السياق تبدأ مختلف المصالح البيروقراطية في الانجذاب في اتجاهات متباينة، مُحْدثة نوعا من التفتت الداخلي للحزب إلى إن يعجز عن ممارسة أيّ سيطرة حقيقية على النمو الاجتماعي.

يتمتّع مؤتمر النواب والسوڤييتات بولاء من جانب الغالبية العظمى من الناس أكبر مما للحزب. ولكنهما ليسا في وضع ملائم ليحلا محله كمركز لتنسيق أعمال مختلف أقسام البيروقراطية الحاكمة. ومن هنا الاختلاف الصارخ بين الاتحاد السوڤييتي وتشيكوسلوڤاكيا، مثلا. ففي تشيكوسلوڤاكيا انهار الحزب وواصل المجتمع سيره كما كان يفعل من قبل إلى حد بعيد، بمستوى متزايد من تكامل مشروعاتها مع الغرب. أما في الاتحاد السوڤييتي فلم يحدث انهيار الحزب إلى الآن، لكن المجتمع يغدو أكثر اختلافا وفقدان اتجاه بصورة متزايدة.

ويؤدي هذا الآن إلى ظهور سلسلة غريبة من التفرُّعات الأيديولوچية بين المصلحين. وأشهر الزعماء الديمقراطيين الراديكاليين -مثل أولئك المتجمعين حول يلتسين Yeltsin في مؤتمر النواب يجدون هويتهم في السوق والديمقراطية. لكن بعض غلاة أنصار السوق ينتهون الآن إلى استنتاج أن هناك حاجة إلى حكم سلطوي.

وقد عبَّر عن هذا الرأي بكل وضوح أ. ميجرانيان Migranian و أ. كليامكين Klyamkin من معهد النظام الاشتراكي العالمي في أواخر السنة الماضية. ويؤكد ميجرانيان: “كان سيصبح أفضل لو أن قائدنا [جورباتشوڤ] كان قد قوَّى يده بطريقة إدارية، كما حدث في المجر في ظل يانوش كادار Janos Kadar أو في الصين في ظل دنج شياو پنج” Deng Xiaopeng. أما كليامكين فيتساءل:

ماذا يحدث إذا أعلن مصلح نفسه مؤيدا لإدخال السوق؟ هل يمكن تحقيق هذا بالاعتماد على السوق؟ بالطبع لا، حيث أن 80 في المائة من السكان لن يقبلوا ذلك، فالسوق يعني، رغم كل شيء، الانقسام إلى طبقات اجتماعية، والتمايز حسب الدخل… ولهذا لا يمكن لمصلح جاد أن يعتمد في نجاحه على الجماهير[236].

سمَّى بوريس كاجارليتسكي ذلك ﺒ “ستالينية السوق”[237]. لكن المظهر الأيديولوچي الذي تتخذه المحاولات الجديدة الرامية إلى حلول سلطوية لا يُرجَّح أن يكون مظهرا ستالينيا كاملا. فردّ الفعل ضدّ النظام القديم ضخم للغاية. وهناك، على أيّ حال، طرق أخرى كثيرة يمكن بها لأنصار إعادة البناء السلطوية أن يحاولوا بناء قاعدة لأنفسهم. فالماضي يجثم بثقله ككابوس على عقول الأحياء، والماضي ينطوي على تحيزات جماهيرية ستحاول قوى سياسية معدومة الضمير استغلالها -الشعور المعادي للأتراك في بلغاريا، الشعور المعادي للمجريين في رومانيا، الشعور المعادي “للغجر” في المجر، شوڤينية الروس الكبار في الاتحاد السوڤييتي، معاداة السامية في كل مكان تقريبا. وربما ظهرت حقا تركيبات سياسية جديدة، تبشّر برسالة معادية للشيوعية، لكنها أيضا سلطوية، ومستعدة للعمل مع بقايا قوات الأمن القديمة لفرض “النظام”.

« السابق التالي »