بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العاصفة تهب – حول انهيار النموذج السوفييتي

« السابق التالي »

21- بناء معارضات اشتراكية

في كل مكان في الدول الشرقية جعلت المطابقة الشعبية بين الستالينية والاشتراكية من الصعوبة بمكان على الاشتراكيين الحقيقيين أن يجدوا آذانا صاغية. والعمال الذين يرون العلم الأحمر يرفرف فوق معسكر اعتقال لا يلوّحون به بابتهاج بصورة آلية. والأهم من ذلك أن المعارضات الاشتراكية عانت عادة في ظل دول الحزب الواحد القديم أكثر كثيرا مما عانت القوى الليبرالية التي تتلقىَّ درجة من المساعدة والحماية من الغرب. وهكذا، رغم أن جماعات الاشتراكيين الحقيقيين موجودة، تظل أعدادهم صغيرة ويظل تأثيرهم صغيرا في اللحظة الحاضرة.

على أن مقاومة اندماج رأسمالية الدولة والرأسمالية المتعددة الجنسيات أمر لا مفرّ منه في كل مكان. وسوف تأتي هذه المقاومة من ثلاثة مصادر رئيسية. أولا، ستكون هناك مقاومة من جانب كثير من الديمقراطيين الراديكاليين الذين تحملوا وطأة تحدِّي أنظمة الحزب الواحد القديمة. ولن يكون هؤلاء سعداء بأن يروا أشخاصا حصلوا على مراكزهم من خلال البيروقراطية العليا يحتفظون بها ببساطة بإسقاط مظهر إيديولوجي لصالح آخر. وسيواصلون المطالبة بتسريح الشرطة السياسية ولن يكونوا سعداء بأن يروا الهياكل الحزبية القديمة التي تسيطر على وسائل الإعلام تفسح المجال لهياكل جديدة يتحد فيها مرشحو الحزب القديم مع الرأسمال المتعدد الجنسيات ليمارسوا سيطرة محكمة للغاية[238]. ولن يمضي وقت طويل قبل أن يكتشف أولئك الذين تأثروا بنزعة معارضة الحرب وأفكار الخضر أن الشكل الجديد للرأسمالية سيكون محكوما عليه بالتشبّث بالجيوش القديمة وبتلويث البيئة في سبيل الربح.

في رومانيا وقعت فعلا صدامات مريرة بين أولئك الذين قاموا بثورة ديسمبر وأولئك الذين تولوا السلطة. وفي پولندا هناك صدامات متكررة في الشوارع بين الشرطة والشباب المتأثر بخليط من الأفكار المعارضة للحربلرأسمالية سيكون محكوما عليه بالتش، والفوضوية، والخضراء، والقومية الپولندية. وفي تشيكوسلوڤاكيا أخذ كثير من جمهور مناضلي المنتدى المدني شعار الديمقراطية الراديكالية بجدية أكثر من أن يقبلوا معها كلمات زعماء مثل پيتر پيتهارت Peter Pithart، الذي ناشد -في برنامج تليڤزيوني– “المنتديات المدنية في أماكن العمل والمحليات أنْ يتجنبوا أيّ أساليب ثوروية زائفة” مثل “استخدام الضغط للحصول على الحق في توقيع كافة التعاقدات الاقتصادية إلى جانب المدير الإداري”[239]. وفي ألمانيا الشرقية يشعر المناضلون ضمن جماعات المعارضة القديمة مثل المنتدى الجديد بالمرارة وهم يرون البيروقراطية العليا تعقد صلات مع الرأسمال الألماني الغربي في حين يضطلع رُسُل الاندماج في الدولة الألمانية الغربية بمظاهرات الشوارع. وفي المجر كان رد فعل أنصار السوق الديمقراطيين الراديكاليين من حزب الديمقراطيين الأحرار مريرا عندما قامت أحزاب سياسية ذات أيديولوچية مناصرة للسوق وأكثر سلطوية بالمناورة مع الأعضاء السابقين في البيروقراطية العليا.

والأمور أكثر تعقيدا في الاتحاد السوڤييتي لأن الحزب الحاكم القديم لا يزال يسيطر، ولأن الديمقراطيين الراديكاليين أقلية داخل الهياكل القومية القائمة لكل من الحزب ومؤتمر النواب. أما التحرر من الأوهام فيما يتعلق بجورباتشوڤ أكثر من أيّ وقت مضى فلا يزال يتخذ شكل مطالبة الشعب بتحول أكثر راديكالية نحو السوق. هذا موقف كل من النواب المتجمعين حول يلتسين وحزب المعارضة شبه الشرعي، والاتحاد الديمقراطي. لكنْ حتى في هذه الحالات، لابد من أن يسأل الناس أنفسهم أحيانا لماذا يميل أولئك الذين سيستفيدون أكثر من السوق، أيْ رؤساء المشروعات الكبيرة، إلى النزعة السلطوية، وليس إلى الديمقراطية، ولماذا بذل الزعماء الغربيون قصارى جهدهم للاحتفاظ بجورباتشوڤ في السلطة.

ثانيا، سيكون هناك في كثير من الأحيان ردّ فعل قومي بين جماعات الأقلية الإثنية على الشكل الجديد للرأسمالية. ولا يمكن لاتحاد رأسمال الدولة والرأسمال المتعدد الجنسيات إلا أن يؤدي إلى تفاقم تفاوت النمو الاقتصادي داخل كل بلد. وتقتضي القدرة التنافسية الفعالة المتعددة الجنسيات تركيزا للإنتاج في أقاليم جغرافية بعينها -عادة تلك التي هي الأكثر تقدما فعلا أو الأقرب إلى تسهيلات الإنتاج والأسواق الأجنبية- على حساب أخرى. ويمكن أن نرى النتيجة في الدولة الشرقية التي كانت مفتوحة أكثر على الصلات المتعددة الجنسيات، أيْ يوغسلاڤيا: نصيب الفرد من الدخل القومي في سلوڤينيا، على الحدود الإيطالية والنمسوية، يصل إلى ضعفه في الصرب، وهو في الصرب ثلاثة أضعافه في كوسوڤو في الجنوب. ويمكن أن يقود نفس منطق النمو الاقتصادي المناطق الناطقة بالسلوڤاكية من تشيكوسلوڤاكيا إلى المعاناة، جنبا إلى جنب مع جمهوريات الاتحاد السوڤييتي الجنوبية (من أرمينيا إلى كازاخستان) ومساحات واسعة من إقليمه الحيوي الناطق بالروسية. كما يمكن أن يقود بعض دول أوروپا الشرقية إلى وضع أسوأ بكثير، نسبيا، من الأخرى: المتحمسون الغربيون للجماعة الأوروپية يضعون الآن فعلا تمييزا بين تلك الدول المتقدمة نسبيا والتي قد تكون “مؤهلة” للانضمام إليها (عادة ألمانيا الشرقية، وأحيانا تشيكوسلوڤاكيا) وتلك التي يمكنها في أفضل الأحوال أن تطمح، بوصفها مناطق بطيئة النمو، إلى وضع “العضو المنتسب”.

وستكون النتيجة، حتما، خلق مشاعر قوية من الحرمان القومي بين أولئك الذين في المناطق التي تقع في أقصى المؤخرة. ويمكن أن يكون هناك تحرّر واسع من الأوهام المتعلقة بالسوق بين جماهير السكان؛ كما يمكن أن تكون هناك محاولات من جانب الأقسام المحلية من الطبقة الحاكمة والإنتلچنسيا لاستغلال هذه المشاعر لتحسين مركزهم الخاص. وكما هو الحال مع موجة النزعة القومية السائدة اليوم في كل من الاتحاد السوڤييتي ويوغسلاڤيا فسوف يقود ذلك كليهما إلى تمردات قومية ضدّ السلطة المركزية وإلى هجمات طائفية على قوميات الأقليات.

ستأتي المقاومة الثالثة، والأهم من حيث إمكاناتها، من العمال، وقد شهدت يوغسلاڤيا، حيث التحول إلى السوق هو الأكثر تقدّما، موجة ضخمة من الإضرابات في 1987 و1988. وفي ألمانيا الشرقية ستكون الإضرابات حتمية عندما يحاول النظام (مهما كان مَنْ يديره) أن يرفع أسعار السلع الأساسية في اتجاه المستويات الألمانية الغربية. وفي بلغاريا كانت هناك “موجة عارمة من الإضرابات” في يناير، بما في ذلك “إضراب لعمال المناجم انتشر مثل انهيار جليدي”[240]. وفي تشيكوسلوڤاكيا حذّر نائب رئيس الوزراء الاتحادي، كارنوجورسكي Carnogursky، من “تقارير منذرة بالفوضى في كثير من المشروعات”[241]. وفي پولندا كانت لا تزال هناك ثقة هائلة بوزراء تضامن في بداية السنة؛ ومع ذلك، كان هناك قدر هائل من الإضرابات، على سبيل المثال في المناجم.

كانت أهم الإضرابات هي تلك التي وقعت في مناجم الاتحاد السوڤييتي في صيف 1989. وكانت المطالب الأولية في منجم شڤياسكوڤ في ميجدوريشنسك، حيث بدأ الإضراب، مطالب اقتصادية عاجلة -من أجل خدمة كانتين ملائمة في المنجم، من أجل ملابس عمل أدفأ في الشتاء، من أجل 800 جرام من الصابون شهريا لكنْ مع امتداد الإضرابات صارت بؤرة لسخط أوسع نطاقا بكثير. وقد نشأ هذا السخط من كل من حدود إصلاحات جورباتشوڤ والاتجاه الذي كانت تأخذه الإصلاحات. وكما عبر رئيس لجنة عمل كيموروڤو، وهو كهربائي في منجم ڤولكوڤ، “مع أوضاع الإدارة الاقتصادية الجديدة لم تتغيرّ شروط العمل بالنسبة للعمال ومع ذلك أصبح العمل أكثر شدة -أما الأجر الذي كان يُفترض ارتفاعه مع العمل البدني المبذول فلم يرتفع بطريقة متناسبة كهذه…”[242].

وجمعت الملصقات بين مطالب اقتصادية ومطالب سياسية أكثر: “يسقط البيروقراطيون”، “امنحوا 40 في المائة عن الليالي، و20 في المائة عن الأمسيات”[243]. وسرعان ما برزت مطالب أخرى أيضا: من أجل معاشات أفضل، من أجل إجازات إضافية، من أجل إجازة أطول لرعاية الأطفال. وكانت هناك شكاوى مريرة من جانب عمال المناجم الذين أجريت معهم أحاديث في وسائل الإعلام الرسمية حول الاختلاف الصارخ بين أوضاعهم وأوضاع رؤسائهم: عمال المناجم لم يحصلوا أبدا على تصاريح سفر، بينما “الجهاز الإداري بأكمله كثير السفر جدا”[244]: “يقيم القادة الحزبيون على مستوى المنطقة في مبان رائعة”، بينما ليس لدى عمال المناجم سوى “أكواخ بائسة معرّضة للتصريفات الكيماوية”[245]. وبحلول الأسبوع الثالث كان بعض المضربين في الدونباس يطالبون بالإنهاء الفوري لكافة الامتيازات الرسمية، مثل المحلات الخصوصية لمسؤولي الحزب، ودستور جديد وأكثر ديمقراطية للبلاد، وحقهم في تكوين نقابتهم المستقلة.

سيكون من الخطأ أن نعتقد أن المضربين توصّلوا في الحال إلى نظرة واضحة وواعية طبقيا وقد نظر كثيرون إلى عمال المناجم على أنهم مختلفون بعض الشيء عن بقية العمال وأفضل منهم إلى حد ما. وكان المطلب المبكر والذي تلقَّى قدرا من التأييد في الكوزباس يتعلق بالاستقلال المالي للمناجم المنفردة أو مناطق التعدين المنفردة، بحيث يمكنها استخدام الأرباح مباشرة لتحسين الأجور والأوضاع -وهو مطلب حاول أنْ يتحدَّى الاستغلال الواقع عليهم لكنه أمكن أيضا، جزئيا، توجيهه ضد العمال في مشروعات أقل ربحا وضد عمال المناجم في مناجم أقدم وأقل كفاءة في الدونباس.

وقد قال بوريس كاجارليتسكي الذي اشترك في بعض اجتماعات لجنة الإضراب في كاراجاندا:

ينبغي أن لا تبالغوا في مستوى الوعي الطبقي لدى الطبقة العاملة. فنحن نخطو الآن الخطوات الأولى فحسب لحركة الطبقة العاملة. وأحيانا كان عمال المناجم محليين تماما، بمعنى أن لجان الإضراب رفضت التضامن من جانب جماعات أخرى من العمال، على سبيل المثال. لكنْ من ناحية أخرى، ما أروع الطريقة التي كان يتعلم بها الناس!

ويتمثل أحد أهم الأمور في أن العمال الآن، بعد أن أضربوا، بدأوا يدركون أنهم أقوياء جدا وسيجعلهم ذلك أقل فأقل تواضعا، وأكثر فأكثر قدرة على استخدام قوتهم سياسيا، واقتصاديا، واجتماعيا إنه تغيرّ كبير. فعلى مدى سنين طويلة كان أفراد الطبقة العاملة غير قادرين على أنْ يحققوا أيّ شيء. أما الآن فيمكنهم أن يحققوا أشياء، في حين لا يستطيع جورباتشوڤ والقيادة أن يحققوا أيّ شيء[246].

أخيرا عاد المضربون إلى العمل مقابل وعود من جورباتشوڤ وريچكوڤ لم يفيا بها. وعندما أضرب عمال المناجم في ڤوركوتا محتجّين مرة أخرى في نوڤمبر لم يتلقوا تأييدا فعّالا من أيّ مكان آخر في البلاد وأخيرا تفتّت إضرابهم أمام قانون جورباتشوڤ الجديد ضدّ الإضرابات. لكن جورباتشوڤ ذاته نظر إلى إضرابات الصيف على أنها تهديد أكبر حتى من نضالات قوميات الأقليات. وقال جورباتشوڤ لمجلس السوڤييت الأعلى:

ربما كانت هذه أكبر محنة تصيب بلادنا طوال أربع سنين من إعادة البناء. كان هناك تشيرنوبيل، وكانت هناك محن أخرى متباينة. ومع ذلك فأنا أخصّ هذه المحنة بأنها الأشد خطورة والأشد صعوبة[247].

إن حتمية نضالات عمالية كهذه هي التي تقدّم أعظم الأمل للاشتراكيين في الدول الشرقية. لكن هذا لا يعني أن العمال سيبدأون منذ البداية بأفكار اشتراكية. وسيجد كثيرون أنفسهم في البداية في الديمقراطيين الراديكاليين (وفي الحركات القومية بين الأقليات القومية)؛ بل ربما انخدعت قلة بديماجوچية المحافظين في الحزب (رغم أن هذا خطر تُبالغ فيه كثيرا الإنتليچنسيا ذات العقلية الإصلاحية). وسوف تجعلهم كراهيتم للنظام القديم مرتابين في كثير من الأحيان في أولئك الذين يدعون أنفسهم اشتراكيين.

على أن محاولات الديمقراطيين الراديكاليين لخلق تأييد منظم بين العمال ستلحق بها الأضرار باستمرار بسبب التزامهم الخاص بربط رأسمال الدولة بالرأسمال المتعدّد الجنسيات عبْر السوق. فهذا الالتزام يؤدي بالديمقراطيين الراديكاليين إلى إقرار أنه لا بد من أن تكون هناك فوارق اجتماعية ضخمة بين أولئك الذين يديرون المشروعات وأولئك الذين يعملون فيها؛ ويتمثل اعتراضهم الوحيد على الفوارق الاجتماعية القديمة في أنها أتت من مواقع البيروقراطية العليا، وليس من السوق. وهو يعني أيضا أنهم لا يعتقدون أن هناك موارد لتحسين الشروط المادية للعمال[248]، ولهذا فهم مترددون إزاء تأييد إضرابات حول مسائل من هذا النوع، قائلين إن العمال لا ينبغي أن يناضلوا إلا في سبيل المطالب السياسية. ويتمثل مدخلهم إلى المشكلات العمالية في البداية بالقول بأن العمال ينبغي أن يعملوا بمزيد من الجدية (مصدّقين في كثير من الأحيان الخرافة التي تروج لها الطبقات المتوسطة في كل مكان في العالم والتي تقول بأن “عمالنا لا يعرفون كيف يعملون”)، وأن هذا العمل بجدية هو الذي سيؤدي آخر الأمر إلى ارتفاع في مستويات المعيشة.

هذا هو السبب في أن مستشاري تضامن كانوا معارضين للإضراب قبل وكذلك بعد تشكيل الحكومة الائتلافية في پولندا. وهذا هو السبب في أنه خلال التغيرات السياسية في تشيكوسلوڤاكيا في نوڤمبر، دعا أبرز الشخصيات في المنتدى المدني إلى إضراب عام لمدة ساعتين فقط وطالبوا العمال بتعويض فاقد الإنتاج في وقتهم الخاص. وهذا هو السبب في أن موقف المجموعة الملتفة حول يلتسين في مؤتمر النواب من إضراب عمال المناجم في الاتحاد السوڤييتي لم يكن مختلفا عن موقف جورباتشوڤ -كان يلتسين مستعدا لشجب الأوضاع التي كانت قد أدت إلى الإضراب، لكنه ناشد عمال المناجم بعد ذلك في التليڤزيون أن “يُبدوا شعورا خاصا بالمسؤولية تجاه الشعب وتجاه الحكومة” وأن يعودوا إلى العمل[249].

وتتجلَّى الفجوة بين الديمقراطيين الراديكاليين والنضالات العمالية بكل قوّة في حالة الاتحاد السوڤييتي حول مسألة التعاونيات. ينظر الراديكاليون إلى هذه الأخيرة على أنها علاج سحري لمشكلات البلاد، مجسّدين بذلك أهداف المشروع الصغير والمشروع الفردي. أما في الممارسة فتقدّم التعاونيات في الاتحاد السوڤييتي خدمات مكلفة جدا للطبقات المتوسطة لا يمكن للعمال أن يتحملوها. ولا يمكنها إلا أن تفعل هذا بسبب قدرتها على السيطرة على أشياء لا يمكن العثور عليها حتى في المحلات التي تترد عليها الجماهير كثيرا. ولا غرابة في أن الغالبية العظمى من العمال ينظرون إلى التعاونية بنفس نفورهم تقريبا من المخازن الخاصة التي في متناول النخبة الحزبية وحدها.

كما تُسبّب الإضرابات المتصلة بموضوعات اقتصادية مشكلات خاصة لأولئك الذين يسعون إلى توجيه إحباطات الناس في اتجاهات قومية خالصة. فالقوى العاملة في المشروعات الضخمة هي دائما تقريبا مختلطة القوميات[250]، ويمكن للنضالات العمالية أن توحّد هذه القوى حول لجان إضراب تتجاوز الانقسامات الإثنية، منعشة إمكانية ظهور أممية حقيقية تأخذ في اعتبارها حقوق الأقليات القومية.

من ناحية أخرى، قبل أن يكون بإمكان الاشتراكيين في الدول الشرقية أن يستغلّوا العوامل المواتية لهم في هذا الوضع سيكون عليهم هم أنفسهم أن يكونوا واضحين فيما يتعلق ببعض النقاط الهامة.

عليهم، أولا، أن يدركوا أن الانتقال من رأسمالية الدولة إلى الرأسمالية المتعددة الجنسيات لا هو خطوة إلى الأمام ولا هو خطوة إلى الوراء، بل خطوة في نفس المكان. فالتغيير لا ينطوي إلا على انتقال من شكل للاستغلال إلى شكل آخر بالنسبة للطبقة العاملة ككل، حتى إذا وجدت بعض الجماعات المنفردة من العمال (العمال المهرة في صناعات متوسّعة) نفسها في وضع أفضل يسمح لها بتحسين أوضاعها ووجدت أخرى (أولئك الذين في صناعات خاضعة “للترشيد”) أن أوضاعها ازدادت سوءا.

لسوء الحظ، لا يزال هناك اشتراكيون في الدول الشرقية لم يدركوا هذا إدراكا كاملا فبعضهم ينظرون مخطئين إلى الشكل الغربي للرأسمالية و”حماية حقوق ومصالح المستهلكين”، و”الديمقراطية” على أنها نفس الشيء الواحد (وكأن أيّ مصطلح منها يصحّ على العدد الضخم من رأسماليات “السوق الحرة” في “العالم الثالث” والبلدان الآخذة في التصنيع حديثا!) كما ينظرون إلى السوق على أنه شيء ينبغي احتضانه، ولو بتحفظات[251]. وينظر آخرون إلى تأميم الصناعة على أنه شيء ينبغي الدفاع عنه في حدّ ذاته، وإلى المهمة الأساسية على أنها مقاومة بيع “الملكية القومية” للشركات الغربية المتعددة الجنسيات[252] -أو، في حالة ألمانيا الشرقية، الدفاع عن الدولة ككل ضدّ امتصاصها في ألمانيا الغربية.

لكن رأسمالية الدولة لم تأت إلى الوجود نتيجة للنضالات العمالية[253]. لقد كانت تنسجم مع ضرورات التراكم في طور بعينه من أطوار النمو الرأسمالي استنفد الآن طاقاته. كذلك لا علاقة لهذا الانعطاف الجديد نحو الرأسمالية المتعددة الجنسيات بالديمقراطية أو بالاحتياجات الاستهلاكية؛ بل يحدث هذا الانعطاف لأنه ليست هناك طريقة أخرى يمكن بها للبيروقراطية العليا لرأسمالية الدولة أن تقوِّي نفسها ضدّ المنافسة العالمية. ولا تتمثل مهمة الاشتراكيين في الدفاع عن طور من أطوار التراكم ضدّ آخر، بل تتمثل في استغلال عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي الناشئ عن محاولة الانتقال من طور إلى آخر لتأكيد مطالبنا نحن الثورية.

ويعني ذلك، بصورة ملموسة، دعم أيّ نضال للعمال، أو المثقفين، أو الطلبة، أو القوميات المضطهدة (بفتح الهاء) ضدّ نظام رأسمالية الدولة القديم، وفي نفس الوقت مقاومة محاولات السيطرة على هذه النضالات من جانب أولئك الذين يريدون غرس الرأسمالية المتعددة الجنسيات في داخل رأسمالية الدولة.

وهو يعني أيضا مقاومة الترشيد الذي تفرضه القوى الجديدة للرأسمالية المتعددة الجنسيات، بدون الوقوع في فخّ تحالفات مع ممثلي رأسمالية الدولة القديمة. فهؤلاء الأخيرون سيحاولون إغراء العمال بإسقاط المطالب المتعلقة بالأجور والأوضاع داخل الصناعات المؤممة وبأن يتعاونوا في رفع الإنتاجية، زاعمين أن هذا هو السبيل لتجنّب “خطر الخصخصة” أو خطر تحوّل البلاد إلى “مستعمرة جديدة”. إذا انخدع العمال بهذا، فسوف يتيحون الفرصة فقط للاستغلال المكثف من أجل… منع الاستغلال المكثف. ويجدر بنا أن نتذكر تجربة إعادة البناء في اﻟ 16 سنة الأخيرة في بريطانيا: كان كبار المديرين في بريتيش إيرلاينز، وبريتيش إيروسپيس، وبريتيش ستيل، وبريتيش شيپبيلدنج، وأوستن روڤر، قد حثُّوا العمال على أن “يشاركوا في جعل التأميم يعمل”؛ فقط بعد قطع أشواط في الإغلاق الواسع النطاق وبرامج الاستغناء عن العمال على هذا الأساس صنعوا لأنفسهم من الخصخصة مبالغ ضخمة للغاية. وفي پولندا على سبيل المثال، كانت هذه هي الطريقة التي أراد الوزراء المؤيدون للسوق أن تمضي بها الأمور. “أرادوا”، كما يؤكّد حديث صحفي مع أحد مستشاريهم، ستانيسلاڤ جومولكا، “أن يبدأوا بخصخصات صغيرة وأن يوسّعوا العملية بثبات على غرار النموذج البريطاني”[254].

ويتمثل جانب من جوانب استغلال الأزمة السياسية للانتقال في دفع المطالب الديمقراطية للديمقراطيين الراديكاليين إلى أقصى الحدود:بدون حصرها في مجرد مسألة الانتخابات، بل أيضا طرح مسألة نقابات حرة، ومسألة الحق بدون عوائق في الإضراب والتظاهر، ومسألة التسريح الكامل للقوى القمعية (الشرطة السياسية، وشرطة الأمن، والأجهزة السرية)، ومسألة تطهير هيئات الدولة وإدارات المشروعات من كلّ أولئك الذين تعاونوا مع هذه الأجهزة في الماضي، ومسألة الإشراف على وسائل الإعلام من جانب أولئك الذين يعملون فيها وليس من جانب المعيّنين من قبل الحكومة، أو البيروقراطية العليا، أو المشروع الكبير. وهو يعني تحويل النضالات الديمقراطية ضدّ رأسمالية الدولة إلى نضالات ديمقراطية ضد الرأسمالية المتعدّدة الجنسيات -كما يعني، في هذا السياق، كسب عدد من أفضل أقسام الديمقراطيين الراديكاليين لينظروا إلى الرأسمال المتعدد الجنسيات على أنه عدو.

وترتبط بهذا مسألة طبيعة الدولة. يقع كثير من الاشتراكيين في أوروپا الشرقية في فخ تقديم مخططات لجعل المجتمع القائم أعدل وأكفأ. وهم يناقشون بلا انقطاع كيف يمكن إعادة تنظيم الصناعة بطريقة أقل تبديدا، وكيف يمكن إقناع العمال بأن يعملوا أفضل، وكيف يمكن الحصول على الجمع الصحيح بين السوق والخطة. لكنهم يفعلون ذلك بدون أن ينطلقوا من الحقائق الأكثر أساسية: حقيقة أنهم يعيشون في مجتمع طبقي حيث تعيش طبقة حياة مريحة للغاية على حساب الطبقة الأخرى (ومن هنا الميل إلى الحديث عن “مجتمع مسيَّر ذاتيا” وليس عن مجتمع في ظل رقابة عمالية)، وحقيقة أن مجتمعا من هذا النوع يملك دولة معزولة عن بقية المجتمع وتلتهم قسما ضخما من الناتج الاجتماعي، وحقيقة أن أيّ حديث عن “مصلحة الأمة” أو “مصلحة المجتمع” يحجب هذه الحقائق.

فقط عندما يتم فهم طبيعة الدولة، يمكن التوصُّل إلى فهم صحيح للمسألة القومية. والاشتراكيون الذين يجدون أنفسهم بطريقة أو بأخرى في الدولة القائمة ينتهون، بالضرورة، إلى النظر إلى مطالبات قوميات الأقليات بالانفصال عن تلك الدولة على أنها تقود إلى “الانقسام داخل طبقة العمال”. أما الاشتراكيون الذين يريدون أن يحطموا الدولة القائمة كدولة طبقية فَهُمْ، على النقيض، لا يكترثون بما إذا كانت ستبقى كدولة رأسمالية واحدة أم ستنقسم إلى دولتين رأسماليتين. ونحن لا نعبد دولة قومية روسية تسمَّى الاتحاد السوڤييتي، كما أننا لن نعبد كذلك دولة قومية لاتڤية، مثلا.

لكننا نقرّ بأنه إذا أحسّت أقلية قومية بأنها مضطهدة (بفتح الهاء) فليست هناك سوى طريقة واحدة لجعل عمالها يجدون أنفسهم في نضال العمال في قومية الأغلبية. على عمال صة مبالغ ضخمة للغلقولالأغلبية، أو على الاشتراكيين الواعين بينهم على الأقل، أن يوضحوا أنهم لا يريدون أن يُواصلوا ذلك الاضطهاد. وعليهم أن يقفوا إلى جانب حق الأقلية القومية في تكوين دولتها هي إنْ شاءت ذلك، بصرف النظر عن شكل الدولة الذي تختار الأقلية إقامته.

ربما كانت قومية الأقلية واقعة تماما تحت تأثير قادة برچوازيين صغار (أو بيروقراطيين صغار) يحاولون قيادتها إلى طريق مسدود. لكن الطريقة الوحيدة التي سيقطع بها العمال الذين في صفوف قومية الأقلية صلاتهم مع هذه القيادة تتمثل في أن يروا حركة عمالية اشتراكية بين قومية الأغلبية مستعدة للقتال، بصورة أكثر فاعلية من هؤلاء القادة، ضدّ واقع الاضطهاد القومي.

وتعتقد الحكومة الإصلاحية والديمقراطيون الراديكاليون في الدول الشرقية أن الانتقال من شكل رأسمالية الدولة المحتضر للاستغلال إلى الشكل الرأسمالي المتعدد الجنسيات سيكون مصحوبا باستقرار اجتماعي وازدهار واسع النطاق. وهم مخطئون. فالخطوة الأولى في التغلب على مقاومة جهاز الحزب الواحد القديم للانتقال ربما كانت قد قُطعت في عدد من دول أوروپا الشرقية، لكن ذلك يترك أيضا فترة طويلة من التكيُّف الاقتصادي و -بالتالي- التكيُّف الاجتماعي والسياسي. وليست هناك أيّ ضمانة على أنه لن يكون هناك حتى قبل أن تكون تلك الفترة قد انتهت انفجار جديد مفاجئ لإعادة بناء رأسمالية على النطاق العالمي، وضغوط جديدة تقود إلى اضطراب اقتصادي، واجتماعي، وسياسي.

وفي الوقت نفسه لم تُتَّخَذ في الاتحاد السوڤييتي حتى الخطوة الأولى. وخوفا من الفوضى ترددت الجماعة الملتفّة حول جورباتشوڤ في أن يتقدموا إلى الأمام، رغم أنهم في نفس الوقت يعرفون أنه لا يمكنهم أن يعودوا إلى الوراء. لكنْ إذا عجزت رأسمالية الدولة عن أن تحوّل نفسها إلى رأسمالية متعددة الجنسيات، فسوف ندخل بالتالي في طور طويل جدا من النضالات الاجتماعية المريرة والواقع أن قوى الاشتراكية الحقيقية لديها، رغم صغر حجمها، كل شيء تجازف من أجله.

والحقيقة أن الأحزاب التي تمتدح “السوق الحرة” -الشكل المتعدد الجنسيات للرأسمالية- قائمة الآن فعلا بصورة علنية في كل مكان في أوروپا الشرقية وبصورة شبه علنية في الاتحاد السوڤييتي. كما أن بقايا الأجهزة السياسية القديمة لرأسمالية الدولة تخلق الآن أحزابا جديدة خاصّة بها، على أمل إحياء النجاحات السياسية عن طريق الديماجوچية الموضوعة لجعل أولئك الذين يعانون في ظلّ إعادة البناء ينسون المعاناة التي تحملوها في ظلّ النظام القديم. ويقف دُعاة العنصرية والكراهية الطائفية متربصين خلف الكواليس، مستعدّين لاستغلال التحرّر من الأوهام. والمهمة الملحة للاشتراكيين الحقيقيين هي بناء أحزاب خاصة بهم، صامدين بمعارضتهم الثورية في وجه كلّ من الشكلين القديم والجديد للرأسمالية.

« السابق التالي »