بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العاصفة تهب – حول انهيار النموذج السوفييتي

التالي »

مقدمة بقلم المترجم

شكر وتقدير

لا يفوتني أنْ أشكر صديقي الأستاذ بشير السباعي الذي قرأ مخطوطة ترجمة الكتاب والملحق وأمدّني من علمه الغزير بأوضاع الاتحاد السوڤييتي وبلدان أوروپا الشرقية ومعرفته العميقة باللغة الروسية بمعلومات وملاحظات وتصحيحات.
خليل كلفت

مقدمة بقلم المترجم

بانهيار النموذج السوڤييتي في كل مكان (حيث يبدو أنّ انهياره في بقية بلدانه لم يعد سوى مسألة وقت) تكتمل دورة كبرى من دورات التاريخ الحديث تميزت بوجود هذا النموذج وبانقسام العالم، بالتالي، إلى غرب (رأسمالي) وشرق (سوڤييتي) وعالم ثالث (تابع للغرب أخفقت كافة محاولاته للفكاك من إسار هذه التبعية بالاستفادة من وضع دولي تميَّز بالتناقض والحرب الباردة بين المعسكرين: الغرب والشرق).

والصورة المستقبلية العامة التي يرسمها انهيار واختفاء هذا النموذج وتبنِّي بلدانه للنموذج الرأسمالي الغربي، هي صورة شمال اتحد بشرقه وغربه فتضاعفت قوته وتضاعف جبروته، وجنوب يتمثل في عالم ثالث متخلف تضاعف ضعفه وتضاعف انهيار مقاومته. إنها صورة تحتل صدارتها رأسمالية عالمية متحدة موحدة عاتية رمزها الموحي هو حلول ألمانيا الموحدة محل ألمانيا (الاتحادية) وألمانيا (الديمقراطية) المتنافستين السابقتين، ولا يخفى أنها صورة تحيط الثورات الاشتراكية، وحتى كل استقلال وطني، بإطار كئيب من الشروط غير المواتية. وكل ما يبدو في الأفق هو أنّ التحولات الجارية في بلدان النموذج السوڤييتي، وهي بلدان ذات مستويات متباينة في التطور، تبايُن كوبا والاتحاد السوڤييتي، ستضاعف ببعض هذه البلدان قوة الشمال وببعضها الآخر بؤس الجنوب.

التاريخ والأسطورة
بديهي بطبيعة الحال أنّ مفتاح فهم المغزى الحقيقي لهذه التحولات الجارية في بلدان الشرق، وبالتالي في كل العالم، يتمثل في فهم الطبيعة الاجتماعية للنموذج السوڤييتي، هذا النموذج الاقتصادي والسياسي والأيديولوچي الذي ساد طوال العقود السابقة في بلدان ما كان يسمَّى بالمنظومة الاشتراكية العالمية في أعقاب ثورات أو نتيجة لزحف الجيش الأحمر.

غير أنّ الطبيعة الاجتماعية للنموذج السوڤييتي ظلت، على مدى العقود التي عاش فيها هذا النموذج، عقدة مستعصية فلم ينعقد عليها أيُّ إجماع من أيِّ نوع، بل تمايزت وتبلورت ماركسيات متعددة متباينة انطلقت من الاختلافات حول هذه المسألة المحورية.

وهناك بوجه خاص الماركسية السوڤييتية التي رأت أنّ هذا النموذج يساوي الاشتراكية والتطبيق الخلاق للماركسية-اللينينية، ونقيضها المباشر، وهو الاتجاه الذي ينتمي إليه مؤلف هذا الكتاب، وهو اتجاه حزب العمال الاشتراكي في بريطانيا بزعامة توني كليف Tony Cliff، الذي رأى منذ أواخر الأربعينيات، وليس الآن، أنّ هذا النموذج ليس سوى النموذج الشرقي لنفس الرأسمالية الواحدة، نموذج رأسمالية الدولة البيروقراطية، كما رأى أنّ ثورة أكتوبر هُزمت، وأنّ “شيوعيتها” انهارت منذ أواخر العشرينيات من هذا القرن، وليس الآن.

وإذا صحت هذه النظرية الأخيرة فإنّ الموقف الراهن سيبدو أشبه بمشهد سوريالي: مآتم في كل مكان على ظهر الكرة الأرضية يقيمها -الآن- الشيوعيون للشيوعية التي انهارت منذ أكثر من ستين سنة، وأفراح في كل مكان على ظهر الكرة الأرضية يقيمها -الآن- أعداء الشيوعية لانهيار الشيوعية منذ أكثر من ستين سنة. ولسنا إزاء ذكرى حزينة أو سعيدة من أواخر العشرينيات، فالشيوعيون وأعداء الشيوعية على السواء يعتقدون أنّ الانهيار حدث أو يحدث الآن. ويعتقد الشيوعيون أنّ مؤامرة أعداء الشيوعية كانت عاملا حاسما وراء انهيار الشيوعية، رغم أنه لا مانع لديهم من الحديث عن “أخطاء وسلبيات” للتجربة، جعلت نجاح المؤامرة (الأمريكية بوجه خاص) ممكنا، أما أعداء الشيوعية فيهنئون أنفسهم مرتين، مرة لأنّ الشيوعية انهارت من الداخل لأنها ضد الطبيعة البشرية، ومرة أخرى لأنها انهارت تحت ضغطهم الطويل المظفر.

ولن يصدّق الشيوعيون أبدا أنّ شيوعيتهم كما تحققت في الواقع والتاريخ لم تكن سوى رأسمالية دولة بيروقراطية، كما أنّ أعداء الشيوعية لن يصدقوا إلا أنّ الشيوعية تعني في الواقع البيروقراطية والامتيازات والاستبداد والشمولية حيث لا يمكن الزعم أنّ هذه الشرور “الشيوعية” اختفت منذ أكثر من ستين سنة فهي، بالأحرى، استفحلت وتفاقمت ولم تأخذ في التداعي والانهيار إلا الآن.

وبعيدا عن مآتم الشيوعيين من الطراز السوڤييتي وأفراح أعداء الشيوعية من كل طراز، ينبغي أنْ نلاحظ أنّ هذا المشهد السوريالي ليس سوى المشهد الأخير من ملحمة سوريالية عاشتها البشرية قاطبة طوال عقود طويلة: ينقلب الحلم الشيوعي إلى كابوس يراه الشيوعيون في منامهم ويقظتهم، خاصة خارج بلدان النموذج، أسطورة وردية أو الفردوس تحقق على الأرض، ولهذا يراه الرأسماليون في كل مكان كابوسا ينبغي التخلص منه، وفي الحالين تتمثل الصياغة العقلانية لهذا الحلم الكابوس في فكرة أنّ النموذج السوڤييتي هو نموذج الاشتراكية، وتغدو هذه الفكرة أسطورة تستحوذ على عقل وسلوك العالم بأسره، بشعوبه وحكوماته. ولا جدال في أنّ هذه الأسطورة ليست الأسطورة الوحيدة التي سيطرت على الشعوب أو الحكومات في القرن العشرين، ويكفي أنّ نتذكر أساطير أخرى بدت للشعوب أو الحكومات سُبُل خلاص في فترة أو أخرى، في كل أو بعض مناطق العالم كالفاشية أو تصفية الاستعمار أو التنمية. على أنّ هذه الأسطورة تبدو لي أشد هذه الأساطير شمولا، وأطولها أمدا، وأكثرها خصوبة، أيْ قدرة على توليد أساطير جديدة نعيش كثيرا منها الآن، فهي جديرة بالتالي بدراسات ريادية معمقة لفهم الإطار الثقافي، العقلي والأسطوري، الذي تعيش البشرية في سياقه الآن.

ولكيْ نفهم عددا من تلك الأساطير المتولدة عن الأسطورة الأصلية، مثل الأسطورة القائلة بأنّ هذه النهاية للشيوعية أو نهاية هذه الشيوعية هي النهاية لكل شيوعية وبأنها بالتالي نهاية التاريخ، أو الأسطورة القائلة بأنّ انهيار النموذج السوڤييتي انقلاب في اتجاه مجرى التاريخ الحديث، أو غيرهما من الأساطير، سيكون من الملائم أنْ نبتعد، وإنْ قليلا، عن الأساطير لنركز، وإنْ بسرعة، على الطبيعة الاجتماعية لهذا النموذج والتي يمثل فهمها كما سبق القول المفتاح الحقيقي لفهم مغزى وأبعاد ونتائج انهيار هذا النموذج.

الطبيعة الاجتماعية للنموذج السوڤييتي
يتوقف، إذن، مغزى وجود أو اختفاء هذا النموذج على حقيقة طبيعته؛ فهل كان ذلك النموذج اشتراكيا (كما زعم الخط السوڤييتي)، أم انتقاليا بين الرأسمالية والاشتراكية في عهد ستالين (كما زعم تروتسكي Leon Trotsky) وكذلك في عهود خلفائه (كما زعمت الأممية الرابعة)، أم جماعيا بيروقراطيا أيْ مجتمعا بعد رأسمالي لكنْ استغلاليا (كما زعم شاختمان Max Schachtman) أم رأسمالية دولة بيروقراطية (كما زعم توني كليف)، أم اشتراكيا في عهد ستالين انقلب رأسماليا وإمپرياليا اشتراكيا في عهود خلفائه فيما يتعلق بالاتحاد السوڤييتي (كما زعمت الماوية)، أم اشتراكيا في عهد ستالين ثم مهددا بعودة الرأسمالية من خلال التحريفية أو المراجعة (كما كان يؤكد الخط الماوي قبل المؤتمر التاسع للحزب الشيوعي الصيني الذي تحدث عن الإمپريالية الاشتراكية في 1969، ويجدر بالذكر أنّ كاتب هذه السطور ظل منذ أواخر الستينيات وطوال السبعينيات وحتى بداية الثمانينيات من أنصار هذا “الطريق الثالث” الذي كان له حظ من الانتشار في الهند ومصر، والذي لا يعدو أنْ يكون مرحلة من مراحل الفكر الماوي، الذي تتمثل نقطة ضعفه الرئيسية فيما يتعلق بهذه المسألة في نظره إلى عهد ستالين على أنه عهد اشتراكي، وكان من المنطقي أنْ أتخلى خلال الثمانينيات عن هذا الموقف غير المتماسك وأنْ أنتقل إلى الفكرة القائلة بأنّ النموذج السوڤييتي ليس سوى رأسمالية دولة، وإذا كانت هذه الفكرة مشتركة لدى اتجاهات وشخصيات عديدة فإنه يبدو لي أنها تصل إلى أقصى تماسكها لدى اتجاه “توني كليف” وحزب العمال الاشتراكي البريطاني، وهو اتجاه أتفق معه في هذه الفكرة بالذات، في حين أتحفظ على، أو أختلف مع، بل حتى أجهل جهلا مباشرا، في كثير من الأحوال، كثيرا من أفكاره وتوجهاته ونظرياته الأخرى) -أم ماذا؟

وليس من الوارد بطبيعة الحال، في سياق مثل هذا التناول الموجز، أنْ أحاول مناقشة هذه النظريات والمذاهب، فلا مناص إذن من أنْ أكتفي بإشارات سريعة يمكن الارتكاز عليها، بعيدا عن أيّ عرض منهجي منتظم، إلى طبيعة وخصائص النموذج السوڤييتي.
فكيف أمكن أنْ تتحول ثورة أكتوبر إلى رأسمالية دولة، وأنْ ينقلب الحلم إلى كابوس؟

وبطبيعة الحال، لم يكن المجتمع الذي أعقب ثورة أكتوبر في روسيا مجتمعا اشتراكيا. وإذا كان من المنطقي أنّ المجتمع التالى حتى لثورة اشتراكية لا جدال في طبيعتها، حتى في بلد رأسمالي غاية في التطور، لن ينقلب إلى مجتمع اشتراكي في غمضة عين، فإنّ المجتمع التالي لثورة أكتوبر لم يكن انتقاليا وحسب، بل كان كذلك مطبوعا بطابع تخلف روسيا القيصرية، وبالتالي بطابع خصائص ثورة أكتوبر وعدد من الأوضاع والظروف العالمية والمحلية البالغة التأثير.

وكان على ذلك المجتمع الانتقالي أنْ يتصدى لمهامه الجبارة، الدفاعية والهجومية، الحربية والمدنية، الاقتصادية والسياسية، الديمقراطية والاشتراكية، في سياق شروط وأوضاع وظروف موضوعية وذاتية وثيقة الصلة بخصائص كل من روسيا القيصرية وثورة أكتوبر والحركة الشيوعية العالمية في ذلك الحين.

فرغم التطور السريع العاصف للرأسمالية في روسيا القيصرية في العقود السابقة لثورة أكتوبر، ورثت الثورة والمجتمع الانتقالي التخلف الاقتصادي الذي ضاعفه الدمار الناتج عن الحرب العالمية الأولى وحرب التدخل من جانب 14 دولة والحرب الأهلية. وكان كل هذا التخلف الاقتصادي وثيق الارتباط بطبيعة الحال بالطابع غير الحديث للتركيب الطبقي والديموجرافي. وهكذا كانت روسيا بلد القنانة والفلاحين ولم تكن بلد الپروليتاريا التي كانت ضئيلة الحجم بالمعنى المطلق والنسبي. ولم يكن من شأن هذه القاعدة الاجتماعية الضيقة للثورة أنْ تؤمِّن هذه الأخيرة اجتماعيًّا وكان التحالف الثوري بين العمال والفلاحين تحالف جماهير متأخرة ثقافيّا وسياسيّا.

وفي سياق هذا التخلف الاقتصادي والاجتماعي للبلاد والتأخر الثقافي والسياسي للجماهير، أيْ قوى الثورة، جاءت ثورة أكتوبر ليس كثورة اشتراكية بلا نعوت أخرى، بل كثورة تنبع خصائصها وطبيعتها من كافة الشروط الموضوعية (المحلية والعالمية) والذاتية (الخاصة بقوى الثورة وقيادتها(.

والحقيقة أنّ ثورة أكتوبر لا يمكن أنْ تكون مجرد موضوع للبحث الأكاديمي، بل ينبغي النظر إليها أولا ثم إلى الثورات التالية باعتبار الدروس المستفادة من فشلها في الحساب الأخير دروس نجاح ثورات المستقبل. إنّ ثورة أكتوبر ليست مجرد تاريخ للبحث الأكاديمي وليست بالأخص تاريخا مقدسا قال فيه كرادلة البلشڤية كلمتهم الأخيرة. إنها، على العكس من ذلك، بحث مفتوح ما دامت قضيتها قضية مستقبل وليست رمز حنين إلى ماض أسطوري.

ولم تكن ثورة أكتوبر ثورة أقوى حلقات السلسلة بل ثورة أضعف حلقات السلسلة. ولم تكن الأزمة التي فجرتها أزمة اكتمال نمو مجتمع جديد (الاشتراكية) في رحم مجتمع قديم (الرأسمالية). ذلك أنّ المجتمع القديم ذاته (الرأسمالية) كان لا يزال جديدا لم يكتمل نضجه في رحم مجتمع أقدم (الإقطاع). كما أنها لم تكن تعبيرا عن النمو الطبيعي لنضال أضداد التكوين البنيوي للمجتمع القديم بل كانت تلك الأزمة ترجع بصفة مباشرة إلى تأثير الحرب العالمية الأولى حيث خلفت الجيوش الألمانية في سياقها فراغا هائلا في روسيا عن طريق تدميرها اقتصاديا وعسكريا، فتفاقمت بالتالي أوضاع وأزمات جماهيرها إلى حدّ يستحيل معه العيش على المنوال نفسه. وكان ذلك التدافع المفزع من جانب طبقات المجتمع كافة ومن جانب قواه السياسية كافة لملء أو استغلال ذلك الفراغ هو المجرى الفعلي للثورة والثورة المضادة في روسيا.

لسنا إذن إزاء اكتمال نضج مجتمع برچوازي من ناحية واكتمال نضج النضال من أجل انتصار الثورة الاشتراكية من ناحية أخرى. بل إنّ طبيعة الثورة ذاتها لم تحسم إلا في معمعان معارك الثورة (أبريل 1917). ولهذا فإنّ مدى عمق الطابع الاشتراكي لثورة أكتوبر يغدو موضع شك، ويغدو من الواجب بحث هذه المسألة، بعيدا عن الخطب الرنانة، من أجل ثورات المستقبل.

على أنّ ثورة أكتوبر التي كانت تنتقم منها أوحال التخلف اقتصاديا واجتماعيا، كانت تعاني كذلك من ظرف عالمي غير موات. فالأزمة الحادة التي دفعت إلى الثورات في أوروپا في أعقاب الحرب العالمية الأولى كانت مرتبطة بدورها بتلك الحرب. وكانت رغم نضج التكوين الاجتماعي-الاقتصادي الرأسمالي في الغرب تعبيرا عن تأثير الحرب وليس عن نضج وعمق النضال الپروليتاري في سبيل انتصار الثورة الاشتراكية على مدى العقود السابقة لتلك الحرب. ولهذا فإنّ الأزمة لم تكن أزمة ثورية شاملة ولم تكن بالأخص أزمة ثورة اشتراكية. ذلك أنّ هذه الأزمة الأخيرة كانت تفترض من جانب نضج نمو التكوين الرأسمالي (الشرط الموضوعي الحاسم للثورة الاشتراكية) ومن الجانب الآخر نضج نمو النضال الاشتراكي (الشرط الثاني الحاسم للثورة الاشتراكية). وهذه هي الثورة الاشتراكية التي توقعها ماركس في بداية الأمر: في قلاع الرأسمالية. غير أنّ التاريخ كان يدّخر لكامل تاريخ الحركة الشيوعية العالمية مفاجأة غير متوقعة ولم تتضح أبعادها إلا على المدى الطويل: نضج التكوين الرأسمالي بوصفه عقبة في سبيل نضج النضال الشيوعي طالما كانت الرأسمالية تمتلك ديناميات وآليات تجعلها قادرة على حفز واستيعاب ثورات تقنية جديدة من ناحية وعلى السيطرة الإمپريالية على العالم وعلى مقدراته الاقتصادية من ناحية أخرى، وعلى احتواء النضالات والأزمات وعرقلة نموها بالقدر المطلوب لثورات اشتراكية وخلق واستغلال الأرستقراطية العمالية والشوڤينية من ناحية ثالثة، كنتيجة للناحيتين الأولى والثانية. إنّ الشرط الموضوعي لا يسير هنا يدا في يدٍ مع شرط ذاتي مناظر، فالتناظر ذاته غير وارد، حيث يستبعد الشرط الموضوعي الشرط الثاني في مرحلة طويلة من التاريخ لا تزال مستمرة إلى الآن بصورة عامة، وإنْ كانت مقدمات نهايتها تتراكم باطراد خلال العقود الأخيرة. والحقيقة أنّ البلاشڤة كانوا يعلمون أنّ ثورة أكتوبر (وقبلها ثورة 1905) ثورة في أضعف حلقات السلسلة، وليست ثورة في أقوى حلقات السلسلة، في قلاع الرأسمالية، كما تنبأ ماركس. ولكنهم كانوا يؤمنون مع ذلك بنبوءة ماركس بدليل أنّ أملهم الوحيد في الانتصار الكامل للثورة في روسيا كان يتمثل في ثورة الپروليتاريا الأوروپية، في قلاع الرأسمالية. ولَئِنْ كانت نبوءة ماركس صحيحة فإنّ توقع تحققها الوشيك أو القريب كان يعني عدم إدراكه، وعدم إدراك لينين والبلاشڤة، لحقيقة أنّ الشرط الموضوعي للثورة في الرأسمالية المتطورة يستبعد الشرط الذاتي طوال مرحلة تاريخية طويلة تتميز بأنّ تناقضات الرأسمالية لم تنمُ بعد إلى الحد الذي يفتح الباب أمام تكامل وليس تعارض الشرط الموضوعي والذاتي للثورة.

ورغم أنني أطلت في هذه النقطة فقد يكون من المفيد أنْ أضيف أنّ ماركس ذاته لم يستبعد الثورة الاشتراكية في بلدان متأخرة رأسماليا، وكان رأيه عن روسيا بالذات أنها يمكن أنْ تنتقل من المشاعة الريفية إلى الاشتراكية دون أنْ تمرّ حتما بكل مراحل الرأسمالية التي كانت قد بدأت تنمو في روسيا بالفعل، بشرط أنْ تمتلك إنجازات الرأسمالية مع تفادي ويلاتها. ومن الجلي أنّ هذا الشرط الذي يعتبر بمثابة قانون عن تخطي المراحل لا يمكن أنْ يتحقق إلا بافتراض عملية ثورية عالمية أممية تشمل بلدانا متأخرة أو متخلفة وأخرى متطورة للغاية (أو على الأقل بلدين أحدهما متأخر والآخر متطور) حيث تقدم البلدان المتطورة العون المنهجي الشامل للبلدان المتخلفة في مجال التحديث الجذري لقواها الإنتاجية ولأسلوب حياتها. وهنا تتضح نقطة بالغة الأهمية فيما يتعلق بقضية طبيعة الثورة فهذه الطبيعة لا تتحدد بشكل إرادي داخل حدود بلد واحد مهما كان متخلفا فهي بالأحرى قضية أممية، بمعنى أنّ بلدا متخلفا يمكن أنْ يسير في طريق ثورة اشتراكية تتجاوز شروطها الداخلية بشرط أنْ تكون هذه العملية ضمن عملية أوسع تشمل بلدا متطورا أو بلدانا متطورة بافتراض الإخاء الأممي والتعاون الأممي بلا حدود. والواقع أنّ هذا الشرط بالذات كان ينقص ثورة أكتوبر التي انتظرت سُدًى وبلا جدوًى نجدة الثورة الپروليتارية الأوروپية، وبدلا من النجدة الأممية سيكون هناك التطويق الإمپريالي وبناء الاشتراكية في بلد واحد، كعقيدة أو فضيلة وليس كمجرد واقع أو اضطرار أو ضرورة.

وهكذا كان على ثورة أكتوبر أنْ تعاني محليا من التخلف الروسي؛ الذي كان من شأنه أنْ يقود إلى نشوء أزمة ثورية بتأثير حرب عالمية أو غير عالمية أو بدون حرب على الإطلاق، لكنْ دون أنْ يتأخر هذا التخلف عن فرض شروطه كافة، وأنْ تعاني أمميا من التقدم الأوروپي الذي كان من شأنه أنْ يَحُول دون نشوء أزمة ثورية عميقة وشاملة، وأنْ يساعد على استيعابها حربيا ومدنيا إذا نشأت مراحل منها بتأثير الحرب. وهكذا كانت الأزمة الثورية المحلية والعالمية بالتأثير المباشر للحرب غير أنه لم يكن بوسع مآثر الحرب أنْ تتجاوز خلق أو تعميق الأزمة، لا إلى إنقاذ الثورة الروسية من تخلف الأوضاع الروسية الأصلية، وبالتالي الحكم على الثورة بطبيعة محددة مهما كانت التصورات البلشڤية الذاتية عنها (ما دامت هذه الثورة معزولة ومحاصرة)، ولا إلى نجدتها بثورة اشتراكية أوروپية اتضح فيما بعد أنْ توقُّعها وعقد الآمال عليها لم يكن لهما مبرر حقيقي.

على أنّ هناك شرطا ذاتيا قد يبدو أكثر رهافة؛ غير أنه حاسم مع ذلك في المسار الفعلي لتطور الثورة، وكان هذا الشرط الذاتي غائبا. فرغم أنّ البناء الاشتراكي ينطوي على جدل الموضوعي والذاتي الذي لا يمكن التنبؤ سلفا بتفاصيله، إلا أنّ برنامج البناء الاشتراكي بخطوطه العريضة لكنْ الحاسمة ينبغي أنْ يكون موجودا ومستوعبا ومهضوما سلفا على أوسع نطاق من جانب قيادة وطليعة وجماهير الثورة، وإلا فكيف يمكننا أنْ نتصور قيام ديمقراطية مباشرة تمارس الجماهير من خلالها مهام الحكم وتخطيط الاقتصاد ممارسة فعلية، وليس في الكتابات الإنشائية والخطب الطنانة قبل أو بعد الثورة، وكان تعليق البرنامج الذي تضمَّنه كتاب الدولة والثورة للينين رمز وعنوان هذا الغياب لبرنامج البناء الاشتراكي.

وهكذا وُلدَ المجتمع الانتقالي التالي لثورة أكتوبر محاصرا من كل جانب، وكان عليه أنْ يتصدى للقيام بمهامه الجبارة وأنْ يخوض معاركه الطاحنة، ببطولة الشعب وبحكمة القيادة، لكنْ أيضا مثقلا بقدر هائل من نقاط الضعف والشروط الموضوعية والذاتية غير المواتية.
والواقع أنْ ذلك المجتمع الانتقالي كان لا يملك ترف الشروع في تحقيق التحول الاشتراكي المستهدف بالشروع على الفور في تطوير القوى المنتجة ورفع مستوى معيشة الجماهير العاملة بصورة مطردة ومتوازنة، بل كان عليه، بدلا من البناء، أنْ يخوض الحرب سنوات (مع الاكتفاء بتدابير شيوعية الحرب)، وكان عليه أنْ ينطلق في تطوير الاقتصاد والقوى المنتجة (بعد انتصار الثورة في الحرب الأهلية) ليس فقط من مستوى تخلُّف سنة 1913 أو 1914 (أيْ مستوى ما قبل بداية الحرب) بل مضافا إليه دمار ست أو سبع سنوات من الحروب المتنوعة المتواصلة.

على أنّ الحرب الأهلية الطاحنة على مدى سنوات لم تدمر الاقتصاد وحسب، بل أنهكت الثورة والمجتمع الانتقالي بوجه عام ودمرت وأفنت الطبقة العاملة وبالأخص ومن باب أولى طليعتها البلشڤية. وكان هذا يعني أنّ يغرق الحزب البلشڤي في بحار من الجماهير غير الپروليتارية وغير المسيَّسة وغير المندمجة مع الفكر الثوري، وكان كل هذا يعني بالتالي أنّ الاشتراكية المعلنة والمستهدفة ستُبْنَى بدون اشتراكيين، بدون ماركسيين، وإنْ تضخم الحزب باعتباره حزب السلطة.

وإذا كان الطموح الهائل الكامن في ذلك المجتمع (التطور العاصف للرأسمالية في روسيا قبل الثورة) وبالأخص في البرنامج البلشڤي إلى تطوير جذري للقوى المنتجة قد تلقَّى دفعة كبيرة من مجرد الإطاحة بالطبقات المالكة القديمة لكيْ ينفتح له الباب أمام تطور جبار عاصف، فإنّ انطلاق هذا التطور من عقاله في ظل كل ذلك التخلف الاقتصادي والتقني والثقافي، كان ينطوي على مشروع يعوض عن التخلف بأساليب التراكم البدائي (“الاشتراكي”) الوحشية التي لا حاجة إليها بطبيعة الحال عندما تكون نقطة انطلاق التحول الاشتراكي رأسمالية متطورة.

وتفشل الثورة في إقامة مؤسسات صحيحة للديمقراطية المباشرة للطبقة العاملة وجماهير العاملين، وينشأ نظام الحزب الواحد، وتفقد السوڤييتات والنقابات ديناميتها بصورة تدريجية فتنحط وتتدهور.

ورغم تحوُّل الماركسية إلى مذهب للدولة، في التعليم والإعلام والدعاية والحزب والعمل السياسي والجماهيري والأبحاث والعلوم والآداب والفنون، فإن هؤلاء الأنصار الجدد لدين الدولة لن يعوّضوا عن دمار المناضلين البلاشڤة في الحروب حتى قبل التصفيات الستالينية، وبصورة تدريجية يتبلور مشهد عملية بناء جبارة لكن بلا شيوعيين حقيقيين، وبلا مؤسسات عمالية ديمقراطية من أيّ نوع.

ورغم المذهب القائل بأن الاشتراكية لا يمكن أن تكون إلا من صُنْع الجماهير، تصبح الاشتراكية وكل شيء آخر من اقتصاد أو تخطيط أو سياسة أو تنفيذ أو رقابة من صُنْع (ووظائف) بيروقراطية وأجهزة الدولة التي أصبح الحزب والسوڤييت والنقابة في عداد أجهزتها من الناحية الفعلية.

ويندفع المجتمع السوڤييتي في تحقيق مشروع بناء مجتمع حديث يمتلك قوى منتجة متطورة على حساب استهلاك الجماهير العاملة، وبقيادة وسلطة وامتيازات البيروقراطية وبالاعتماد على الأجهزة والأساليب الپوليسية مع دور الحزب والسوڤييتات والنقابات في القمع الأيديولوچي والسيطرة على الجماهير، ومثل هذا المشروع لا يمكن إلا أن يكون مشروعا رأسماليا مهما كان نوعيا (رأسمالية الدولة البيروقراطية) ومهما استند على ملكية الدولة أو التخطيط أو الماركسية-اللينينية.

وإذا كان صعود الستالينية في أواخر العشرينيات حركة كبرى من التراكم البدائي (“الاشتراكي”)، والعصف ببقايا الديمقراطية في كافة المؤسسات، وإرساء أسس النظام الشمولي، وصعود البيروقراطية إلى مركز طبقة حاكمة في طور التكوين، فإن المجرى العام لثورة أكتوبر وللمجتمع الانتقالي المبكر، بكافة شروطه الموضوعية والذاتية غير المواتية، سهّل مهمة العصف بثورة أكتوبر باسمها وتبلوُر النموذج السوڤييتي الذي تم فيما بعد تصديره واستيراده، والذي تمثلت خصائصه الرئيسية في اقتصاد الدولة ملكية وإنتاجا وتوزيعا وتخطيطا وسلطة بيروقراطية الدولة، التي اتخذت أشكالا ديكتاتورية پوليسية لا مثيل لها في التاريخ الحديث، والعلاقات الاستغلالية البيروقراطية، والماركسية-اللينينية التي تسبِّح بحمد النظام الاشتراكي المزعوم القائم ولا تجرؤ على نقده، والأممية اللفظية في السياسة الخارجية التي قامت في واقع الأمر على المصالح السياسية والاقتصادية الإستراتيچية.

إن النموذج السوڤييتي الذي لا يمكننا هنا أن نتابع كافة نواحي نشأته ورسوخه ومراحله، وناهيك بتصديره واستيراده وغرسه في بيئات أخرى ليس سوى رأسمالية دولة شمولية.

الانهيار ومغزاه
من الجلي أن هذا النموذج ينطوي في داخله على جرثومة انهياره الأكيدة، ليس الانهيار الذي ينتظر كل “نموذج” رأسمالي وحسب، بل الانهيار المرتبط بخصوصيته النوعية، بوصفه رأسمالية دولة شاملة تحظر الاستثمار الرأسمالي الخاص.

ولعل من أبرز نقاط ضعف نظرية رأسمالية الدولة في روسيا عند توني كليف وكريس هارمان Chris Harman وغيرهما من قادة حزب العمال الاشتراكي في بريطانيا، هذا العجز العقائدي عن استشراف هذا الانهيار. وأعتقد أن هذا العجز ينبع من الإحجام عن تحليل تناقضات رأسمالية الدولة حتى النهاية، وكأن إثبات أن الاشتراكية المزعومة في بلدان النموذج السوڤييتي لم تكن في واقع الأمر سوى رأسمالية دولة، يقتضي التعامي عن تناقضاها وأزماتها وعن المسار المحتمل لتطور تلك التناقضات والأزمات!

والواقع أن كل أو تقريبا كل محاولات تفسير انهيار النموذج السوڤييتي تركز على فكرة “ردّة” رأسمالية راهنة (الخط السوڤييتي، الأممية الرابعة، الجماعية البيروقراطية) أو قريبة العهد أيْ بعد ستالين والمؤتمر العشرين (الخط الماوي وكذلك “الطريق الثالث” المشار إليه سابقا بالتبعية). ولكن هذه النظريات جميعا تواجه مآزق نظرية بالغة الصعوبة، فكيف يمكن تصديق حدوث ردة رأسمالية عن اشتراكية عالية التطور (الخط السوڤييتي) أو حتى اشتراكية عهد ستالين (الخط الصيني) أو عن اقتصاد انتقالي يُفترض فيه نمو الجديد الاشتراكي على حساب القديم الرأسمالي على مدى عقود طويلة (ماندل والأممية الرابعة) أو عن تكوين اجتماعي-اقتصادي بعد-رأسمالي جديد (شاختمان ونظرية الجماعية البيروقراطية)؟

أما نظرية رأسمالية الدولة (توني كليف) فلا مكان فيها للحديث عن ردّة رأسمالية راهنة مع الپيريسترويكا أو قريبة العهد مع المؤتمر العشرين. والردة الوحيدة الواردة عند هذا الاتجاه هي الردة الرأسمالية البيروقراطية الستالينية في أواخر العشرينيات عن ثورة أكتوبر وعن المجتمع الانتقالي الذي ازدوجت فيه بقايا التكوينات الموروثة عن روسيا القيصرية ومحاولات البناء الاشتراكي الأولى خلال قرابة العقد بعد الثورة. وإذا كانت هناك ردة راهنة فهي في نظر هذا الاتجاه ردة عن شكل للرأسمالية (رأسمالية الدولة) إلى شكل آخر للرأسمالية الواحدة نفسها (الرأسمالية عبْر القومية). وإذا كان هذا الاتجاه يقدم بالفعل نظرية متسقة مع الطبيعة الرأسمالية البيروقراطية للنموذج السوڤييتي، ويقدم بالتالي تفسيرا عاما سليما لمغزى التحولات الراهنة باعتبارها حركة، ليس إلى الأمام وليس إلى الوراء، بل في نفس المكان من حيث التكوين الاجتماعي-الاقتصادي الرأسمالي الواحد المستمر، فإن مسألة ما إذا كان تفسيره للأبعاد الهائلة والمفاجئة التي اتخذها انهيار النموذج السوڤييتي مقنعا وكافيا تظل مفتوحة للجدال.

لقد عاشت رأسمالية الدولة الشمولية، رغم تناقضاتها وأزماتها، عقودا طويلة. وفي هذا الزمن الطويل نسبيا أمكن لرأسمالية الدولة أن تعطي أروع ثمارها التي تتمثل في تطوير القوى المنتجة بمعدلات نمو لا تفوقها سوى معدلات نمو الياپان، فحققت في عقود معدودة ما احتاجت الرأسمالية في الغرب لتحقيقه إلى مئات السنين. وفي هذا الزمن الطويل نسبيا أمكن لتناقضات وأزمات رأسمالية الدولة أن تتفاقم وتستفحل وتنضج لتعطي بدورها أروع ثمارها التي تمثلت في كسر إطار الشمولية، وفتح الأبواب والنوافذ أمام نضال الجماهير العاملة في سبيل حرياتها وحقوقها ومستويات معيشتها ونقاباتها وأحزابها وثوراتها.

فهل هناك ما يدعو للعجب في أن تعيش رأسمالية الدولة الشمولية، رغم تناقضها وأزماتها، كل هذا الزمن الطويل؟

والواقع أن التناقض الجوهري الذي ينطوي عليه هذا التكوين الاقتصادي-السياسي الشمولي، والذي يحتاج إلى زمن طويل لإنضاج تفاعلاته المؤدية إلى تفتيت وتفجير هذا التكوين الذي يتغلب عليه مع ذلك لزمن طويل بفضل العوامل البنيوية والظرفية المؤدية إلى تأكيد وإطالة أمد دور الدولة، فالبيروقراطية الرأسمالية لا يمكن إلا أن تطمح إلى التحول إلى طبقة رأسمالية عادية تفتح أمامها أبواب الاستثمار الخاص مهما كان حجم ووزن اقتصاد الدولة والاستبداد الشمولي. وهذا عامل تفتيت لهذا التكوين على المدى البعيد. وليس صحيحا أن البيروقراطية العليا لا يمكن أن تنتحر بالتخلي عن امتيازاتها الهائلة، فهي لا تتخلَّى عنها في الحقيقة إلا لتضيف إليها، أو لتكسب بدلا منها، كافة مزايا التحول إلى طبقة مالكة وحاكمة بلا قيود دولوية. كما أن الجماهير العاملة المستغلة والمضطهدة أكثر مما في أيّ بلد رأسمالي ليبرالي لا تملك كطبقة أو طبقات سوى الثورة ضد الإفقار والاضطهاد في ظل الحكم الشمولي. وهذا عامل تفتيت آخر لهذه الرأسمالية الشمولية، لكنْ على المدى الطويل أيضا.

فما هي عوامل التماسك البنيوية والظرفية التي تتغلب، ولزمن طويل، على عوامل تفتيت هذا التكوين الشمولي؟

هناك، أولا، ذلك المشروع الهائل لتطوير القوى المنتجة والذي كان المزيد من إنجازاته وقفزاته بالمجتمع يؤكد دور ملكية وتخطيط وبيروقراطية وأشكال حكم الدولة. وطالما ظلت دينامية ذلك المشروع مستمرة وأهدافه الإستراتيچية غير متحققة بصورة كاملة، كان ذلك المشروع مفخرة الدولة الشمولية ومحور عملها وأساس تماسكها. وتتمثل مصالح البيروقراطية كطبقة، أو بالأحرى كطبقة في دور التكوين، في نجاح هذا المشروع، ويجري تغليب المصالح الإستراتيچية للبيروقراطية في الاستحواذ على اقتصاد متطور بالغ التعقيد والحداثة على مصالحها المؤقتة المتمثلة في مزايا التحول السريع إلى طبقة رأسمالية تستثمر وتستخدم العمل المأجور في مشروعات خاصة.

على أن هذا المشروع التحديثي العملاق لم يكن محور وجود ونجاح ومستقبل البيروقراطية وحدها؛ بل كان كذلك محور واقع وأساطير حياة الجماهير العاملة التي كانت واقعة في إسار أوهام وعوده، والتي كان الحكام يخشون غضبها ومقاومتها لأيّ “ردّة” عن دور الدولة التي كانت تعمل على قدم وساق على تحقيقه. كما أن الشرعية التي اغتصبتها البيروقراطية، شرعية ثورة أكتوبر وديكتاتورية الپروليتاريا، كانت تكرس ملكية الدولة وتخطيط الاقتصاد والأيديولوچية الماركسية-اللينينية التبريرية الملفقة، ولم يكن التحدي المباشر لتلك الشرعية مأمون العواقب. وهكذا كانت تلك الشرعية بدورها من عوامل تأكيد وتأبيد دور رأسمالية الدولة الشمولية.

على أن الوضع الدولي، بثوابته ومتغيراته، كان لا يتأخر عن استفزاز وتحدي النموذج السوڤييتي بأسباب متزايدة لاستمرار وتماسك دور الدولة.

ومنذ البداية، كما سبق أنْ رأينا، كان الغرب الرأسمالي الإمپريالي يتحدى ثورة أكتوبر، بعيدا عن آمال أو أوهام وأساطير نجدة الثورة الپروليتارية العالمية، بشروط الصلح مع ألمانيا، وبالتدخل الأجنبي المسلح، ثم بالتطويق الرأسمالي العالمي بعد ذلك. وكان على الدولة الجديدة ليس فقط أنْ تطور القوى المنتجة بسرعة مذهلة بل أن تطور كذلك وبالسرعة نفسها قوى الدمار دفاعا عن النفس. ولم تتأخر الفاشية الهتلرية عن الهجوم. وكان من المنطقي أن تؤكد الحرب العالمية الثانية، بالدمار المفزع الذي حلّ بالاتحاد السوڤييتي، دور رأسمالية الدولة من خلال ضرورات إعادة التعمير واستئناف مشروع التحديث العملاق والتحول إلى قوة عسكرية من الطراز الأول، دفاعا عن النفس أمام أخطار مفزعة تأكدت بصعود وتفوق وعدوانية إمپريالية الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك دفاعًا عن الإمپراطورية السوڤييتية، وكذلك للتنافس العالمي على مناطق النفوذ. وأخذت تحديات سباق التسلح والحرب الباردة والثورات العلمية والتقنية في الغرب تؤكد وتطيل أمد دور رأسمالية الدولة.

على أن هذه المجابهات والحروب الساخنة والباردة وأعباء الدفاع وأعباء الدولة العظمى وأعباء امتلاك وتطوير ترسانة أسلحة تعادل الترسانة الأمريكية بالاستناد إلى اقتصاد لا يتجاوز نصف الاقتصاد الأمريكي، كان لابد أنْ تنتهي تراكميا إلى إنهاك الاتحاد السوڤييتي وإلى تفاقم تناقضاته واستفحال أزماته.

وفي عصر لم يعد ممكنا فيه حكم الشعب السوڤييتي بالحديد والنار ومعسكرات العمل، خاصة في ظل تراجع الاقتصاد ومستويات المعيشة، وفي عالم يتميز بأنه صار قرية إعلامية واحدة بإغراءات حقائق وأساطير مستويات المعيشة في الغرب، كان لا مناص من بروز تناقض بعينه. ذلك أن الاقتصاد المنظم على الأساس الجماعي يدخل في تناقض صارخ مع مجتمع تسوده القيم الفردية بعيدا عن ادعاءات القيم الجماعية والشيوعية. وفي غياب المبادرة الجماعية (كتلك التي سادت أيام القيم والمبادرات الجماعية الشيوعية التي أطلقتها ثورة أكتوبر) والتي لا تنسجم إلا مع المبدأ الجماعي حقا، شكلا ومحتوى، في تنظيم الاقتصاد ومع سيادة القيم الجماعية والشيوعية، وفي غياب المبدأ الفردي في تنظيم الاقتصاد والذي من شأنه أن يصيب الطبقات المالكة بحُمَّى التراكم الخاص، وأنْ يقدم الأساس لرقابة فعالة على عملية العمل، وكذلك في غياب الإكراه الشمولي الصارم الذي يمكنه أنْ يملأ الفجوة بين ضرورات التراكم الجماعي البيروقراطي (الرأسمالي بالطبع) من ناحية، وغياب الحوافز والمصالح الفردية والخاصة لدى طبقات المجتمع كافة من الناحية الأخرى، غدا من المستحيل تفادي ترهل المجتمع وتدني الأداء الاقتصادي وانهيار كل مسئولية إزاء اقتصاد وموارد البلاد أو الدولة وفقدان الاتجاه العام (وكابوس القطار المندفع بأقصى سرعة بلا سائق كما رآه جورباتشوڤ Gorbachev في يقظته)، فلا مناص إذن من أن يجدّ البحث عن الاتجاه الصحيح والأداء الاقتصادي الفعال وسبل تفادي التخلف النهائي عن الغرب وتردّي وانهيار وانفجار الوضع برمته. وإذا كانت المبادرة قد جاءت في الاتحاد السوڤييتي من أعلى (من جورباتشوڤ والپيريسترويكا والجلاسنوست) فهي لم تأت إلا في مناخ يتميز بالانفجارات المتكررة في بلدان “المنظومة” وبعد سنوات من احتدام الصراعات الحاسمة في پولندا )التضامن وليخ ڤاونسا)، ولم تكتسب مبادرة جورباتشوڤ ديناميتها المدمرة والمحررة إلا من عوامل التفتيت الاقتصادي والقومي والأيديولوچي التي كانت تختفي تحت السطح الجرانيتي اللامع، فإذا بنا أمام معارك إعادة هيكلة الاقتصاد في اتجاه الجمع بين الأشكال المتنوعة للملكية الرأسمالية، والصراعات الطاحنة بين القوميات بعد عقود طويلة من الحل اللينيني المزعوم في بلدان المنظومة، والتنصل من الاشتراكية والشيوعية والماركسية واللينينية وثورة أكتوبر والثورات اللاحقة وكل ثورة بعد عقود طويلة من الرفع المنافق عاليا لتلك الرايات الزائفة.

على أن انهيار النموذج السوڤييتي لا يعني انهيار بلدانه كبلدان أو شعوب أو اقتصادات. وإذا ركزنا على روسيا، يمكن القول إن إنجازاتها في مجال تحديث وتطوير قواها المنتجة (البشرية والمادية والعلمية والتقنية) تؤهلها للتغلب على الأزمة التي رافقت انهيار النموذج وللخروج منها قوة اقتصادية ضخمة (وبالأخص قادرة على اللحاق بالغرب والتنافس معه على قدم المساواة)، تتبوأ مكانتها في صدارة نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب إلى جانب الولايات المتحدة وأوروپا الموحدة والياپان، أيْ كعضو أصيل في نادي الشمال الرأسمالي المتقدم.

وإذا كانت المصائر النظرية العامة لبلدان النموذج لا تخرج عن: أ: استمرار النموذج السوڤييتي، ب: الثورة الليبرالية، ج: الثورة الاشتراكية، فإن الانهيار الراهن للنموذج، وعلى أوسع نطاق، يدعو إلى التساؤل عن احتمالات المصائر الفعلية وهل من الوارد بينها إحياء هذا النموذج من جديد بعد هدوء العاصفة.

لقد رأينا كيف كان مشروع تحديث القوى المنتجة هو القوة الدينامية الدافعة، قبل وبعد وإلى جانب الدوافع الأيديولوچية والظرفية، وراء قيام واستمرار ورسوخ النموذج السوڤييتي في مسقط رأسه بالذات. فما هي تناقضات هذا الارتباط بين المشروع والنموذج؟ وما هي علاقة هذه التناقضات بمصائر اقتصادات ونظم بلدان النموذج؟

وقد رأينا أن مشروع التحديث كان يؤكد دوما دور نموذج رأسمالية الدولة. غير أن ضرورات السير بمشروع التحديث إلى نهايته المنطقية، إلى اللحاق الأكيد بالغرب، أخذت تتناقض مع استفحال تناقضات وأزمات النموذج وترهل النظام وتدهور الأداء الاقتصادي، مؤذنة بضرورة إرسال النموذج إلى متحف التاريخ بعد أن وصل بالتحديث إلى مستوى يسهل تحقيق قفزات كبرى انطلاقا منه بشرط التحرر من البيروقراطية الشمولية التي انقلبت إلى عائق كئيب. والحقيقة أن معدلات النمو المتفوقة لهذا النموذج لا تعكس التفوق الاشتراكي على الرأسمالية فهذا ليس واردا بالنسبة لهذا النموذج، الرأسمالي بدوره. بل إن مقارنة هذه المعدلات مع المعدلات الرأسمالية الغربية المتواضعة مقارنة مضللة وخادعة يجري الإلحاح عليها لتكريس أسطورة التفوق السوڤييتي الاشتراكي المزعوم.

فالرأسمالية الغربية التي شبعت تحديثا للقوى المنتجة ليست بحاجة إلى مثل هذه المعدلات في النمو ولا تنوي الدخول في سباق عليها مع أحد. والواقع أن نظامها الاجتماعي-الاقتصادي القائم على مبدأ الربح، وليس على التنمية الشاملة لمقدرات ومستويات معيشة الجماهير، يستبعد النمو بمثل هذه المعدلات التي تعني في نهاية المطاف أزمة فيض الإنتاج، نتيجة لأزمة نقص الطلب “الفعال”، بل أصبحت المهمة الاقتصادية الأولى لهذا النظام تتمثل في كبح نمو القوى المنتجة ومواد الاستهلاك وليس في إطلاقه، اللهم إلا في حدود ومجالات بعينها، الأمر الذي يعني أن الرأسمالية الغربية المتطورة دخلت مرحلة الركود المزمن الذي لا فكاك منه. أما معدلات النمو الياپانية التي تتفوق على المعدلات السوڤييتية ذاتها فتدل بصورة قاطعة على أن تفوق المعدلات لا يرجع إلى تفوق رأسمالي أو تفوق اشتراكي بل يرجع على العكس من ذلك إلى ضرورات ملء فجوة التخلف الروسي والياپاني عن الغرب، وينطبق الشيء نفسه على معدلات نمو الرأسمالية في روسيا القيصرية في العقود السابقة للثورة. وإنما يكمن المغزى الحقيقي لكل مقارنة في مدى ملء فجوة التخلف، في مدى اللحاق بالغرب. وفي حين تتخلف روسيا الاشتراكية المزعومة عن الغرب تخلفا مفزعا من حيث إنتاجية العمل، تتجه الياپان إلى تفوق حاسم، وإنْ كانت الياپان بدورها لا يمكنها بطبيعة الحال أنْ تفلت من النتائج الكئيبة لنمو تناقضات الرأسمالية على المدى الطويل.

وبديهي أن بلدان النموذج متفاوتة من حيث التحديث ومنها بلدان لم ترتبط بالنموذج إلا عبر الارتباط بالاتحاد السوڤييتي السابق أو بروسيا ضمن هذا الأخير، بمعنى تبنِّي أسوأ ما في النموذج (الحكم الشمولي) دون تحديث، اعتمادا على ما سماه السوڤييت ذات يوم بالتقسيم الدولي الاشتراكي للعمل، فليس أمام هذه البلدان سوى اللحاق بالعالم الثالث.

وإذا ركزنا على أكثر هذه البلدان تحديثا، لم يعد واردا استمرار أو إحياء النموذج، ليس فقط لأن الوصول بالتحديث إلى مستوى التنافس مع الغرب على قدم المساواة أصبح يشترط التخلص من هذا النموذج، بل كذلك لأن تحول البيروقراطية إلى طبقة رأسمالية يشترط الشيء نفسه.

والحقيقة أن البيروقراطية مصابة في الصميم بتناقض جوهري بين المبدأ الفردي والخاص والعائلي كمثل أعلى للعلاقات الاستغلالية والمجتمع الاستغلالي من ناحية والتنظيم الجماعي لاقتصاد الدولة من الناحية الأخرى. ولا يمكن لهذه البيروقراطية أن تصبح طبقة رأسمالية، ولا حتى طبقة رأسمالية بيروقراطية، بالمعنى الصحيح للعبارة، إلا عندما تكون العملية الرأسمالية سلسلة واحدة من الحلقات المتماسكة والمتوازنة بحيث لا تطغى المصلحة الجماعية للطبقة في التراكم الرأسمالي البيروقراطي الدولوي، بل توجد إلى جانبها مصالح التراكم الرأسمالي الفردي والخاص، التي لا ينبغي أبدا التقليل من شأنها والتي لا يمكن تأمينها على الإطلاق من خلال رأسمالية الدولة الشمولية التي يمكن لمنطقها دائما وكلما اقتضى الأمر أنْ يعصف بموظفيها “المماليك” مهما كانوا كبارا أو قططا سمانا أو نخبة بيروقراطية عليا. إن البيروقراطي الفرد مدفوع دوما إلى تأمين سيادته للمجتمع من خلال إحلال أسس المبدأ الطبقي الفردي (الملكية الرأسمالية الخاصة وهي المحيط الطبيعي لازدهاره) محل المبدأ الطبقي الجماعي (ملكية وتخطيط الدولة وينطوي هذا المبدأ دوما على إمكانيات العصف بالبيروقراطي الفرد)، على أن هذا المبدأ الفردي ليس أبدا مصلحة فردية منعزلة أو مصلحة أفراد منعزلين بل مصلحة طبقية جماعية لأفراد الطبقة الذين لا يمكن تأمين فرديتهم إلا بجماعيتهم كطبقة ولا يمكن تأمين تماسك جماعيتهم إلا بالحفاظ على مصالحهم الطبقية كأفراد.

وكانت الثورة الليبرالية الراهنة التي هي محتوى أزمة وانهيار واختفاء النموذج السوڤييتي هي الحل السعيد لتناقض هذا النموذج مع المزيد من سير هذه البلدان بالتحديث إلى الأمام وكذلك لتناقضه مع مصالح البيروقراطية في التحول إلى طبقة رأسمالية كاملة الأهلية. على أن الليبرالية الاقتصادية لن تفترض بالضرورة وفي كافة الأحوال ليبرالية في السياسة والحكم فلا جدال إذن في أن التحولات الجارية تكتنفها مخاوف تحوُّل بعض هذه البلدان إلى بلدان فاشية باقتصاد رأسمالي خاص لتتجه حسب تكوينها الاجتماعي-الاقتصادي الحقيقي إلى الانضمام إلى العالم الثالث أو البقاء في ذيل قائمة بلدان الشمال الرأسمالي.

ولم يكن من الوارد، بطبيعة الحال، أن تندلع ثورات اشتراكية بدلا من هذه الثورات الليبرالية، ذلك أن أحد مجالات نجاح النموذج السوڤييتي كان يتمثل في كافة بلدانه في تصفية الحياة السياسية وتفريغ الأشكال الحزبية والسوڤييتية والنقابية من محتواها، باستثناء محتواها التفريغي ذاته، على أن فك الارتباط بين هذه الدول من جانب والشيوعية من جانب آخر حدث تاريخي بكل معنى الكلمة، وهو يصدم غير أنه يحرّر وبالتالي يدفع إلى الاتجاه الصحيح، اتجاه ثورات اشتراكية من طراز جديد.

والواقع أن التعبئات الجماهيرية الضخمة التي تدشن بها الجماهير العاملة في هذه البلدان انتقالها من معاناة مزمنة إلى معاناة حادة مفزعة إنما هي تعبئات الثورات الجماهيرية الليبرالية، فلا مجال إذن لأوهام انقلابها فجأة إلى مقدمات ثورات اشتراكية.

نحو عالم بلا أساطير
يتبين من الصفحات السابقة، في ضوء حقيقة أن النموذج السوڤييتي لم يكن من حيث طبيعته الاجتماعية سوى رأسمالية دولة بيروقراطية، أن المغزى الحقيقي لانهيار واختفاء هذا النموذج من بلدانه ومن العالم يتمثل في اختفاء وتلاشي تناقض رئيسي في صفوف الرأسمالية العالمية، بالنتيجة المنطقية الجوهرية التالية: استعادة وحدة الرأسمالية العالمية لنكون إزاء شمال رأسمالي واحد موحَّد بشرقه وغربه، في مواجهة شعوب الشمال من ناحية وشعوب الجنوب التابع (العالم الثالث) من ناحية أخرى.

وبديهي أن مغزى وجود أو اختفاء هذا التناقض لا يختلف في جوهره وليس في أبعاده بالضرورة، عن مغزى وجود أو اختفاء كل تناقض رئيسي في صفوف الرأسمالية العالمية. إنه ليس أكثر لكنه ليس أقل من ذلك أيضا.

ومن الجلي بطبيعة الحال أن التناقض الرئيسي في صفوف الرأسمالية العالمية قد يقود إلى أزمات مدمرة كالحرب العالمية الأولى أو الثانية؛ وكانت كل منهما انفجارا لتناقض رئيسي في صفوف الرأسمالية العالمية، بين مصالح الرأسماليات الإمپريالية الجديدة المحرومة من المستعمرات، خاصة ألمانيا في كل من الحربين العالميتين، وبين مصالح بقية الرأسماليات الإمپريالية التي كانت قد أكملت اقتسام العالم من قبل، خاصة إنجلترا وفرنسا وروسيا (فيما يسمَّى بالاستعمار الداخلي).

على أن استعادة الوحدة في صفوف الرأسمالية العالمية، حربًا أو سلمًا، لا تعني بالضرورة أن الوحدة صارت أبدية أو أنها غير قابلة للفقدان نتيجة لإعادة تكوين التناقض من جديد بين نفس المصالح الرأسمالية التي تناقضت من قبل (ألمانيا والحربان العالميتان) أو بين مصالح رأسمالية أخرى تتناقض حول محاور أخرى متوقعة أو مفاجئة (مثل نشوء النموذج السوڤييتي).

وتتجلَّى خطورة المرحلة التي يتجه إليها العالم الآن عندما ندرك حق الإدراك أن الرأسمالية الإمپريالية العالمية حبلى بالكوارث في الأحوال كافة، في أحوال وجود أو احتدام أو انفجار تناقضات كبرى في صفوفها، لكن أيضا في أحوال اختفاء هذه التناقضات الكبرى واستعادة الوحدة.

ورغم الكوارث التي يمكن للتناقضات الكبرى أن تقود إليها العالم، وقد كانت الشعوب وقودًا لحربين عالميتيْن مدمرتين تفصل بين نهاية الأولى وبداية الثانية قرابة عشرين سنة وحسب، يمكن القول بوجه عام إن هناك إمكانية لاستغلال الثغرات التي قد تفتحها تلك التناقضات لصالح الشعوب.

أما فترات اختفاء التناقضات الكبرى، واستعادة الوحدة، فلا يمكن إلا أن تكون وبالا على الشعوب، خاصة في البلدان التابعة.

وإذا كان اختفاء النموذج السوڤييتي ينذر بكوارث تنطوي عليها قدرات استعادة الوحدة الرأسمالية العالمية، فإن وجود هذا النموذج (في نشوئه وانتشاره ونموه واستقراره وانهياره ذاته) كان دائما في بؤرة الكوارث التي تقود إليها فترات احتدام التناقضات الكبرى في صفوف الرأسمالية. وكان نشوء هذا النموذج وثيق الصلة بالتأثير المباشر لتلك التناقضات وكذلك باستغلال الثغرات التي تفتحها.

وإذا كان نشوء هذه الأنظمة مرتبطا مباشرة باستغلال الثغرات (الحرب العالمية الأولى وثورة أكتوبر، الحرب العالمية الثانية وأوروپا الشرقية والصين وكوريا وڤيتنام) فإن الوجود المستقر للنموذج كتناقض في صفوف الرأسمالية العالمية قد تداخل مع تناقض الفاشية مع بقية الرأسمالية الاستعمارية (هجوم هتلر على الاتحاد السوڤييتي) واستقل بكوارثه التي اتخذت صورة الحرب الباردة والحروب الساخنة بالوكالة تنافسًا على مناطق النفوذ ولم تتخذ هذا الشكل “الرحيم” من الكوارث إلا بفضل تطور القدرة العسكرية السوڤييتية التي كان يمكن على الأرجح لولاها أن يتعرض الاتحاد السوڤييتي للهجوم النووي الذي يبدو أن خططه كانت جاهزة.

صحيح أن تطورات ومعارك التناقض مع النموذج السوڤييتي، والاتحاد السوڤييتي بالذات، كانت متداخلة مع حركات التحرر الوطني الرامية إلى الاستقلال عن الاستعمار الغربي بالاستناد إلى تأييد وعون الاتحاد السوڤييتي (ومعسكره) استغلالا لتناقضه مع الغرب، وصحيح أن الغرب كان يمارس هذا التناقض من خلال الحرب الباردة والحروب المباشرة (كوريا وڤييتنام) وبالوكالة، أيْ بالوسائل العسكرية التي لا يبررها سلوك عدواني من جانب الاتحاد السوڤييتي ومعسكره، وذلك لاعتقاده (الغرب) أن المعسكر السوڤييتي معسكر شيوعي، وليس منافسا رأسماليا مثل الفاشية الألمانية أو الإيطالية أو الياپانية في الحرب العالمية الثانية. غير أنه صحيح أيضا أنه، رغم الدور الاستثنائي الهائل لسوء التفاهم والأسطورة، كانت هناك ممارسة على النطاق العالمي لتنافس إستراتيچي قائم على المصالح، وليس على أيّ سوء تفاهم، من جانب الاتحاد السوڤييتي بالذات.

وصحيح أيضا أن الغرب لم يهادن الاتحاد السوڤييتي (وبقية بلدان النموذج) قط، بل ناصبه العداء وطوّقه وحاصره وهاجمه عسكريّا (الحرب العالمية الثانية بالذات) وتآمر ضده ووضع الخطط النووية لتدميره وشن ضده حربًا دعائية عالمية استمرت عدة عقود، وصحيح أن هذا الغرب هو الذي فرض، بخطه العدواني، واعتقادا منه أنه يحارب الشيوعية الدولية، على الاتحاد السوڤييتي المسار الذي سلكه (تطوير القدرة العسكرية التقليدية والنووية، تأييد ومساعدة حركات التحرر الوطني الرامية إلى الاستقلال عن الغرب، الاندفاع في هجوم دعائي معاكس على النطاق العالمي بدوره). غير أنه صحيح أيضا أن سوء التفاهم الغربي وبالتالي سلوكه العدواني المتطرف وحربه الصليبية ضد الاتحاد السوڤييتي والشيوعية السوڤييتية وواقع أن الغرب هو الذي “اخترع” الاتحاد السوڤييتي بالخصائص التي أجبره على اكتسابها بدلا من أنْ تبقى التناقضات السوڤييتية مع بقية الرأسمالية العالمية في حدود أقل حدة بما لا يقاس، صحيح أن كل هذه الأشياء لا تغيّر واقع أن تناقضا كبيرا تم خلقه وتعهُّده بالرعاية والعناية والتطوير والحرب الصليبية المتعددة الوسائل والمراحل، بالخسائر التاريخية الفادحة التي جلبها هذا الصراع غير المبرر على الغرب والشرق في آن معا.

وإذا كان كلامي هذا يصدمني، أنا نفسي، قبل أن يصدم غيري، لأنني تربيت كغيري على فكرة أن الطبقات الحاكمة تحدد سلوكها بما يتفق ويتطابق وينسجم مع مصالحها الإستراتيچية، فقد فاتني كما فات غيري أن نتعلم أن الطبقات الحاكمة قد يفوتها إدراك مصالحها الإستراتيچية فتنخرط في سلوك مدمر لمصالحها وربما أيضا لبقائها أصلا. وليتذكر القارئ الحرب العالمية الثانية، وليتأمل ما يلي: كيف حدث لعدد من الدول الرأسمالية العالية التطور، بزعامة ألمانيا بالذات، أنْ أصابها الغرور بقوتها الاقتصادية والحربية المتفوقة فعلا، فحسمت أنّ مصالحها تقتضي خوض الحرب مع الدول الأوروپية الاستعمارية الكبرى (ومع الاتحاد السوڤييتي)، وفي غضون سنوات معدودة من الحرب دمرت تلك الدول والطبقات الرأسمالية العالم لكنْ أيضا نفسها، ففقدت استقلالها الذي لم تستعدْه كاملا إلى يومنا هذا (ألمانيا والياپان). والحقيقة أن سوء التفاهم الذي جعل تلك الدول الرأسمالية المتطورة الفاشية، عاجزة عن إدراك مصالحها ووسائل ومراحل تحقيقها وعلى ذلك النحو المدمر ليس بلا سوابق في التاريخ ولم يكن سوء التفاهم المدمر الوحيد في التاريخ المعاصر.

ومن ناحية أخرى، يؤدي اختفاء النموذج السوڤييتي، وبالتالي اختفاء انقسام العالم إلى شرق وغرب، إلى نتائج يتوقف على فهمها واستيعابها تصوّر المستقبل القريب والبعيد للعالم بصورة موضوعية، كما هو في الواقع، بلا أساطير، وبالتالي التعامل معه بهذه الصفة. على أن الوحدة المستعادة في صفوف الرأسمالية العالمية ليست مستقرة بعد، فالعالم الآن في فترة من السيولة والتفاعلات وإعادات الترتيب لاستيعاب الوحدة المستعادة مع تفادي انشقاقات من شأنها التطور في اتجاه تناقضات كبرى جديدة تقود بدورها إلى كوارث جديدة.

ومن المنطقي بطبيعة الحال أن نتوقع فترة غير قصيرة من “توابع الزلزال السوڤييتي”. ويزيد من حدة الزلزال وتوابعه واقع أن اختفاء النموذج لم يتخذ شكلا هادئا يحلّ فيه خيار أو نموذج محل خيار أو نموذج آخر، بل شكل الأزمة والزلزال والعاصفة والانهيار بما يؤدي إلى فترة من الأوقات الصعبة وفقدان التوازن لدى بلدان النموذج، على أنه كان لا مناص، في كافة الأحوال، من السيولة والتفاعلات وإعادات الترتيب لأن التخلي المدوِّي عن الشيوعية من جانب بلدان النموذج جعل الغرب يفقد فجأة عدوه اللدود؛ فسقطت فجأة بالتالي أساطيره عن هذا العدو الشيوعي المزعوم، وبالأخص أسطورته عن التهديد أو الخطر أو الغزو السوڤييتي، هذه الأشياء التي كانت ترغم قوى رأسمالية كبرى على الاحتماء بالمظلة الأمريكية. وسوف يعني المزيد من استقرار التطورات السوڤييتية والاطمئنان إلى هذا الاستقرار إعادات ترتيب في أوضاع وتحالفات وسياسات القوى الرأسمالية الكبرى.

وإذا كانت التوازنات التي ظلت قائمة إلى عهد قريب قد فقدت استقرارها نتيجة للحركة الفجائية التي أصابت بعض عناصرها، أيْ نتيجة للانقلاب في العلاقات مع بلدان النموذج السوڤييتي من ناحية ونتيجة لغيابها النسبي المفاجئ عن الحلبة الدولية لفترة من ناحية أخرى فإن التنبؤ بالصورة المستقبلية الدقيقة التي ستستقر عليها العلاقات والتحالفات والتناقضات بين القوى الرأسمالية الكبرى يغدو بالغ الصعوبة. فمتى يحلّ عالم متعدد الأقطاب الرأسمالية محل هذه الفترة المؤقتة من العالم الأحادي القطب كما يقال الآن؟ وما هي هذه الأقطاب وما وزن كل قطب منها في ضوء تراجع القوة الاقتصادية الأمريكية مع بقاء قوتها العسكرية، وتداعي الاقتصاد الروسي مع بقاء القوة العسكرية الروسية، والقوة الاقتصادية الهائلة دون قوة عسكرية لكل من الياپان وألمانيا الموحدة أو أوروپا معاهدة ماستريخت الموحدة؟ وكيف سيتعامل هذا العالم مع أزمات واضطرابات وهجرات ومجاعات وكوارث وحروب العالم الثالث، بالإضافة إلى مغامرات قواه الإقليمية الطموحة التي تنفتح شهيتها مع التطورات الجديدة؟

والأسئلة التي من هذا القبيل لا نهاية لها من الناحية العملية، غير أن تحليلنا لمغزى وجود أو اختفاء النموذج السوڤييتي لا يضعنا إزاء اختفاء عامل ثوري أو اشتراكي فعال في التوازن العالمي، بل إزاء استمرار القوى الرأسمالية الكبرى نفسها التي ظلت سائدة في العقود السابقة على الحلبة الدولية بما في ذلك روسيا، التي كانت حقيقتها الرأسمالية تختفي تحت الاسم الاشتراكي للاتحاد السوڤييتي السابق.
وإذا كان من الجلي أن عوامل انشقاقات وتناقضات جديدة في صفوف هذه القوى ليست معدومة (“الحروب” التجارية الأمريكية مع الياپان وأوروپا الغربية) فإن عوامل وحدتها ليست معدومة أيضا (علاج جراحات الانشقاق المنتهي، الأخطار الإيكولوچية، اضطرابات العالم الثالث، إلخ).

وبعيدًا عن محاولات التنبؤ وسط أجواء غائمة؛ يجمل بنا أن نلتفت إلى بعض خصائص عالم جرد الانهيار صراعاته من أسطورة الاشتراكية السوڤييتية وحررها من كثير من التناقضات الأسطورية والأساطير المتناقضة المتولدة عن تلك الأسطورة.

وبوجه خاص فإن انهيار هذا النموذج لا يقود إلى انقلاب في اتجاه مجرى التاريخ المعاصر، اللهم إلا من وجهة نظر مَنْ يزعم أنه كان نموذجا اشتراكيا (الخط السوڤييتي) أو انتقاليا (ماندل). والواقع أن تأكيد أن اتجاه مجرى التاريخ المعاصر لم ينقلب لا يقدم عزاءً لأحد. ذلك أن القوى الرأسمالية الكبرى نفسها التي كانت تسوده طوال العقود السابقة ستظل تسوده في المستقبل المنظور. مع إضافة ذات نتائج متمايزة ومتعارضة: إن اختفاء النموذج السوڤييتي يسهم في خلق ظروف موضوعية غير مواتية لأنه عامل وحدة داخل صفوف الرأسمالية العالمية، لكنه يسهم أيضا في خلق ظروف ذاتية مواتية لأنه يفك الارتباط بين الماركسية وبين قوى غريبة عليها ظلت تشوّهها وتضطهد الجماهير باسمها وتضلل الشيوعيين في كل مكان في العالم بنظريات تدَّعي تطويرها استنادا إليها.

فهل ما زال العالم، رغم تقلباته وانقلاباته وتكشُّف حقائقه، في عصر الإمپريالية والثورة الپروليتارية؟

أعتقد أن الإجابة بالإيجاب، ولكنْ… بشرط فهْم موضوعي، ثوري حقا، بعيدا عن النزعة الإرادية الثوروية، فهْم لا يعتبر الثورات “الاشتراكية” طوال القرن العشرين ثورات پروليتارية كاملة الأهلية، يعني إخفاقها وفشلها في نهاية المطاف أن تشخيص طبيعة العصر كان خاطئا، بل ينطلق من الحدود الحقيقية لاشتراكية تلك الثورات، والشروط الموضوعية والذاتية التي تقتضيها الثورة الاشتراكية القابلة للحياة. وإذا كانت پروليتاريا البلدان الرأسمالية المتقدمة قادرة، بعد إغناء وتطوير ماركسيتها باستخلاص دروس التجارب المريرة، على إحياء واستئناف النضال الاشتراكي الثوري الأممي فإن قضية الثورة الاشتراكية والاستقلال الوطني في البلدان التابعة (العالم الثالث( تغدو بالضرورة قضية واحدة في إطار ثورة اشتراكية أممية، حيث يستحيل على بلد أو أكثر من بلدان العالم الثالث القيام بالثورة الاشتراكية وتأمين البناء الاشتراكي إلا في إطار الثورة الاشتراكية الأممية التي تشتمل على بلد أو أكثر من البلدان الرأسمالية المتطورة؛ لأن ثورات العالم الثالث عاجزة عن حماية نفسها ضد الحرب الصليبية التي ستشنها الرأسمالية العالمية الموحدة ضدها، بحكم بداهة ضعفها وتخلفها، كما أن ثوراتها عاجزة عن تحديث قواها المنتجة بلا عون بلا حدود من جانب بلدان اشتراكية متطورة.

والحقيقة أن الوضع الذي يجد الجنوب (العالم الثالث) فيه نفسه الآن، بعد عقود من محاولات الفكاك من التبعية أو تحسين شروطها باستغلال التناقضات بين المعسكرين، برهان ساطع على أن التناقض والصراع بين المعسكرين لم يكن في الواقع سوى تناقض وصراع بين كتلتين رأسماليتين. وكانت الآفاق التي يفتحها ذلك التناقض أمام شعوب العالم الثالث آفاقا كاذبة، فالحقيقة التي تتضح الآن، بعد فوات الأوان، هي أنها لم تفتح أمام أيّ بلد أو شعب أو أمة في العالم الثالث إمكانات لانتشار الثورة الاشتراكية والبناء الاشتراكي، ولم تساعد في أفضل الأحوال إلا في انتشار النموذج السوڤييتي نفسه في طبعاته الأكثر تخلفا والأكثر بعدا عن تحديث حقيقي (استنادا إلى تقسيم العمل الدولي “الاشتراكي” المزعوم). وفي نهاية المطاف، تم إعلان رأسماليات الدول الديكتاتورية ذات الأيديولوچيات القومية والمعادية لأية ماركسية، بما في ذلك الماركسية السوڤييتية، بشرط التعاون والصداقة مع الاتحاد السوڤييتي نظما اشتراكية أو ذات توجُّه اشتراكي، وكانت النتائج كارثية في كل مكان.

والجنوب الآن هو مكان التخلف وزمانه ورمزه، وقد وصلت التبعية الاستعمارية بالجنوب، بعد فترات من المحاولات المخفقة للتحرّر منها، إلى نقطة مفزعة. وصل الجنوب إلى نقطة الانهيار. ولا يتمثل هذا الانهيار في مجرد التأبيد النهائي، في المدى المنظور، للتبعية بعد إخفاق حركة التحرر الوطني وتراجع آفاق الثورة الاشتراكية أو حتى أوهامها الجميلة، بل هو الانهيار المباشر. فبعد أن وصل الجنوب إلى أقصى تطور ممكن في إطار التبعية ما بعد الكولونيالية، بدأ اليوم، بل أمس، الهبوط على الجانب الآخر من التل، في اتجاه المجاعات والحروب والحروب الأهلية والمغامرات والفوضى والهجرات، وربما لن تهدأ عواصف العالم الثالث قبل انخفاض جذري في سكانه يعيد توازن السكان والموارد في ظل نظم اجتماعية-اقتصادية متخلفة، ربما لتهدأ المالتوسية في قبرها.

ولم يستطع الشرق الأحمر، ولم يكن من شأنه ولم تكن قضيته، أن ينقذ الجنوب. أما الغرب (الشمال) فهو الذي قاد ويقود الجنوب إلى هذا المصير. و قد عجز الجنوب عن الإفلات منه لأنه لم يمتلك ولا يمتلك دينامية ذاتية منقذة.

على أن عجز العالم الثالث عن إنقاذ النفس، اعتمادا على النفس أو بعون من آخرين، لم يكن فقط عجزا عن تحقيق تحول اشتراكي، أيْ التحول إلى نظم اشتراكية حقيقية بعيدا عن ديكتاتوريات الاشتراكية القومية الفاشلة، بل كان كذلك عجزا عن التحول الرأسمالي، أيْ التحول إلى بلدان رأسمالية حقيقية ذات بنية اجتماعية اقتصادية حديثة.

وتنبع استحالة التحول الاشتراكي في العالم الثالث من واقع أن العالم كان ولا يزال خاليا من الشرط الجوهري لهذا التطور وهو وجود نظام اشتراكي عالمي أممي متطور أو عملية ثورية اشتراكية عالمية أممية. أما استحالة التحول الرأسمالي، فهي نابعة من واقع أن إنجازات الرأسمالية العالمية تسيطر عليها الرأسماليات الإمپريالية المتطورة وتسيطر بها على العالم الثالث ولا تسمح له بالوصول الحُرّ إلى الإنجازات، أيْ بالتحول إلى رأسمالية عالية التطور، حرة ومستقلة، تنافسها على قدم المساواة.

وهكذا فإن بلدان العالم الثالث لن تتحول إلى بلدان رأسمالية بالمعنى الصحيح إلا كاستثناءات سعيدة تثبت القاعدة. أما النظرية المناقضة، نظرية “نهاية العالم الثالث” عن طريق تحوله إلى رأسمالية كالنمور أو التنانين الآسيوية (نايچيل هاريس Nigel Harris) فتبدو نظرية خيالية إذا أدركنا حق الإدراك واقع سيطرة الشمال (الغرب) على العالم مستخدما إنجازاته التاريخية التي لا يريد أبدا الاكتفاء بتوزيعها هدايا على العالم الثالث، وكذلك العجز الكامن في البنية الاجتماعية-الاقتصادية والثقافية للتبعية.

ومُحاصرا بين هاتين الاستحالتين، ليس أمام العالم الثالث (ومعه بطبيعة الحال عالمنا العربي ومصر) سوى التدهور والمزيد من التدهور. وفي سياق هذا التدهور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والروحي، تنفتح أبواب الجحيم ليس فقط أمام المجاعات والحروب الطاحنة (الأهلية والخارجية) بل كذلك أمام تجارب كارثية لا نهاية لها ترتدي أشكال الأصالة والأصولية والسلفية والحكم الديني (وليس الإسلامي وحسب) ولن يكون هذا الحكم الديني، أيا كان الدين الذي يُقام باسمه، سوى لفترات قصيرة، ولن يكون إنجازه الفعلي سوى المجازر التي ستقام لأية قوى مستنيرة أو علمانية أو ديمقراطية أو شيوعية أو لمعتنقي أديان أخرى، سماوية أو وثنية، ولن يكون كل هذا بعيدا عن مخططات الشمال أو تدخلاته أو مصالحه.

ومع انقسام العالم بصورة نقية واضحة، إلى شمال وجنوب، إمپريالية وتبعية، غنًى وفقر، واستحالة إنقاذ العالم الثالث من داخله من خطر نهاية أخرى مناقضة تماما لنهاية نايچيل هاريس التي أشرنا إليها منذ قليل، يبدو أن أيّ تفكير في مخرج للجنوب لابد أن يتجه إلى العلاقة شمال-جنوب.

غير أن هذه العلاقة ليست علاقة تعاون متكافئ لتنقذ أو تساعد في إنقاذ الجنوب، بل إن العلاقة إمپريالية-تبعية بين الشمال والجنوب لا تؤدي إلا إلى المزيد من تدهور الجنوب، حيث يزداد الغني غنًى والفقير فقرا، ولهذا الترابط (الاستغلال) تأثيره المباشر المتواصل على هذا التدهور.

ولا شيء يدعو إلى الاعتقاد بأن الشمال سيحرك ساكنا. صحيح أنه لا يمكن استبعاد دموع التماسيح ولا إرسال أعداد من طائرات المساعدة الإنسانية إلى مناطق المجاعات والهجرات والحروب الطاحنة، غير أن من غير الوارد على الإطلاق أن يهرع الغرب (الشمال) إلى إنقاذ العالم الثالث كما هرع منذ عهد قريب إلى تحرير الكويت من الاحتلال العراقي، ولن تكون أعمال كحرب الخليج الأمريكية واردة بعد استنزاف ونضوب خامات العالم الثالث والتي سيفقد هذا الأخير بدونها نصف وربما كل أهميته للغرب، حيث إن ثورته السكانية سوف تحطم، في غياب الخامات، كل أساس اقتصادي لتبادله التجاري مع الغرب أو لاستضافته لرساميله، ولن يأتي الشمال في هذه الحالة إلا لاغتصاب أراض تخلو من سكانها في الجنوب[*].

فهل هناك مخرج من نهاية العالم الثالث بالمعنى المناقض لمعنى نايچيل هاريس من خلال أزمة للشمال يستغلها الجنوب أو تكون لفائدته؟

من التفاؤل الساذج، بطبيعة الحال، تصوُّر ثورة اشتراكية وشيكة أو قريبة في أوروپا أو الغرب أو الشمال، فهذه الثورة مرتبطة بصورة حاسمة بردّ اعتبار الماركسية وإغنائها بدروس التجارب القاسية وتطوير مفاهيمها عن الحزب والثورة والبناء الاشتراكي واندماجها في حركات وثورات جماهيرية فعلية من طراز لم يسبق له مثيل في التاريخ الحديث (ثورات أقوى لا أضعف حلقات السلسلة، ثورات جماهيرية عميقة لا ثورات أقليات اجتماعية أو سياسية، ثورات ضرورة لا ثورات مصادفة، ثورات قاعدة لا ثورات استثناء، إلخ).

وفي الوقت الذي لا تزال مثل هذه الثورات بعيدة، وعلى الأقل غير منظورة، بدأ بالفعل منحدر تدهور الجنوب، فهذه الثورات لا تملك إذن منع أو عرقلة هذا التدهور، رغم أنه لا ينبغي استبعاد دور قد تقوم به شعوب الشمال وطبقته العاملة وحركته الشيوعية في مجال عرقلة تدهور العالم الثالث، بافتراض وعيها بكارثته وتعاطفها معه. على أنه لا ينبغي، من جهة أخرى، المبالغة في هذا الدور الذي يستحيل أن يتجاوز في المدى المنظور قدرات هذه الشعوب إلى حدّ إجبار حكومات الشمال على منع تدهور العالم الثالث أو حتى منع أن يتخذ هذا التدهور تلك الأبعاد الكارثية المتوقعة.

وهناك افتراض لا ينبغي استبعاده تماما. إنه الزلزال الغربي. أيْ الفوضى الشاملة الناتجة عن الأزمة البنيوية الإستراتيچية للغرب، بالذات ضمن الشمال الرأسمالي، أو هذا الأخير -بشرقه الذي يعيش الآن فوضى انهياره، بأزماته الاقتصادية الطاحنة، وحروبه الأهلية، وتشريده للشعوب، وبغربه الذي لا يزال متماسكا، ربما في ظاهر الأمر وحسب.

فما هو مبرر افتراض زلزال غربي؟ وما عسي أن تكون طبيعته أو خصائصه؟ وكيف يمكنه أن يؤثر في مصائر الجنوب؟

هل ينبغي افتراض الزلزال الغربي لأن عالما رابعا نما وينمو داخل ذلك العالم الأول رغم بريق سطحه، ولأنه ليس هناك ما يمنع أن تتفاقم أزماته فتنفجر (لوس أنجلوس)؟ أم ينبغي افتراضه لأن انهيار الشرق الرأسمالي (بلدان النموذج السوڤييتي) يمكن أن يهزّ العالم كله بما فيه الغرب الرأسمالي، فيما يتحرك لاستيعاب الزلزال الشرقي وتوابعه؟ هل يتدخل وعي الشعوب الغربية، مهما كان بعيدا عن الوعي العلمي أو الشيوعي، بأن النظام الغربي يقيّد النمو الممكن لحياة هذه الشعوب، مكبّلا نمو القوى المنتجة، عاجزا عن التطبيق الإنتاجي الشامل للثورات العلمية التقنية، سالبا العلوم البحتة والتطبيقية إمكانات أيّ تطور جذري عن طريق فصلها من الناحية الجوهرية عن الإنتاج، تاركا في أجواء مدن الغرب وأريافه التي لم تعد أريافا الانطباع العام المرعب بأن النظام الغربي يهدر كافة الإمكانات التي يقدمها العصر لتقدم السوپرمان الغربي ذاته -وليس قطيع المتخلفين المنتكسين في عوالم أخرى بعيدة- بحيث تغدو كل خطوة علمية تفتح آفاقا جبارة أمام الإنسانية السبب المباشر لخطوات أخرى إلى الوراء في الحياة الفعلية، وباختصار: فاقدا بركوده المزمن المبرِّر لاستمرار أيّ نظام اجتماعى-اقتصادي (حيث يمثل هذا الركود المزمن بالذات ذروة التناقض بين طابع القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج، تلك القوى والعلاقات التي تظل قبل ذلك متوافقة رغم التناقض)؟ ثم: كيف يمكن لفوضى الزلزال الغربي أن تؤثر في مصائر العالم الثالث؟ برفض الحداثة؟ بالعودة إلى الأصالة؟ باستغلال أزمة الغرب وتراخي قبضته على إنجازاته التاريخية بما يسمح بالتحول إلى الرأسمالية بالمعنى الذي يبشر به نايچل هاريس؟ وكيف يكون ذلك؟ وهل من المحتمل أن يضرب الزلزال الغربي ضربته قبل أن يغرق العالم الثالث تماما في نهايته بمعنى انهياره ودماره؟

ويالها من أسئلة تردّ على أسئلة!!!…

خرافة نهاية التاريخ
رغم أنّ انفصال النظرية (الماركسية) عن تطبيقها المزعوم في بلدان النموذج السوڤييتي يمكن التوصل إليه بكل سهولة من أبسط مقارنة بين مبادئ تلك النظرية وأسس تلك الممارسة أيْ تطبيقها المزعوم، تنطلق وسائل الإعلام الغربية وكذلك أجهزة إعلام الحكام الجدد في بلدان النموذج السوڤييتي سابقا من ادِّعاء أن النموذج السوڤييتي ليس من الناحية الجوهرية سوى الثمرة التاريخية الطبيعية للتطبيق الدقيق والأمين والصارم إلى حدّ الجمود العقائدي للنظرية الماركسية، وبقفزة واحدة يصل الفكر الغربي البرچوازي وتوابعه في العالم الثالث إلى فكرة مؤداها أن انهيار النموذج السوڤييتي يساوي انهيار النموذج النظري الماركسي واللينيني لبناء الاشتراكية والشيوعية، ولا تمثل نظرية نهاية التاريخ سوى صياغة مكثفة لهذه القفزة الواحدة السريعة المتسرعة.

وبطبيعة الحال، لن تعني نهاية التاريخ شيئا إنْ لم تكن تعني نهاية الصراع التاريخي بين التكوينيْن الاجتماعيين-الاقتصاديين الأساسيين في التاريخ الحديث والمعاصر أيْ الرأسمالية والاشتراكية.

ومن الجلي أن نموذج الصراع التاريخي كما تفهمه نظرية نهاية التاريخ يتمثل في الصراع بين الرأسمالية والنموذج السوڤييتي. وقد بدا طوال عقود أن النموذج المذكور يمثل الاشتراكية والشيوعية والماركسية. وإذا كان “ما بدا” هو الحقيقة المطلقة، إذا كان النموذج السوڤييتي يساوي التجسيد الواقعي أو الثمرة الطبيعية للتطبيق الأرثوذكسي للنموذج النظري الماركسي لبناء الاشتراكية أو الشيوعية، فلا مناص من التسليم بأن نهاية التاريخ قد حلت بالفعل. وهذا أمر بديهي في نظر فوكوياما الذي لا شك عنده في هذا التطابق الجوهري بين النظرية الماركسية والتطبيق السوڤييتي.

ومن المفارقات أن الخط السوڤييتي الموسكوڤي، الذي يسلم بهذا التطابق الجوهري بين النظرية الماركسية-اللينينية والتطبيق “الخلاق” في بلدان “المنظومة” الاشتراكية، جدير بأن يقود إلى الاعتقاد بأن نهاية التاريخ حلت بالفعل لكن أنصاره يتشبثون بحل السهولة المتمثل في الحديث الخادع عن “أخطاء وسلبيات” التطبيق بما يُبَرِّئ النظرية من مسئولية ما حدث، والتفاؤل التاريخي العميق بنجاح آخر لتطبيق هذه النظرية، ربما كما هي دون تطوير، مع تفادي “أخطاء وسلبيات” الماضي في التطبيق الخلاق في المستقبل.

على أنه لم يعد من المقبول أن نواصل تجاهلنا لماركسيات متعارضة مع الماركسية السوڤييتية ظلت تنظر إلى النموذج السوڤييتي على أنه لا يمثل الاشتراكية والشيوعية والماركسية. فليس من الوارد إذن أنْ ينظر الماركسيون الحقيقيون إلى الصراع بين الشرق والغرب، بين الرأسمالية والنموذج السوڤييتي، بين الرأسمالية والاشتراكية كما تحققت في الواقع، بين الولايات المتحدة والاتحاد السوڤييتي، بين حلف الأطلنطي وحلف وارسو، على أنه كان صراعا ينتهي التاريخ بنهايته، فهذا الصراع لم يكن بين التكوينين الاجتماعيين-الاقتصاديين المتصارعين تاريخيا في العصر الحديث: الرأسمالية والاشتراكية.

ولا يعني هذا إنكار أن صراعًا تاريخيّا دار ويدور منذ قرابة قرن ونصف قرن بين “التكوينيْن”، لا يعني إنكار الحركة الشيوعية أو حركة الطبقة العاملة أو حركات التحرر الوطني الشعبية، لكنه يعني أن هذا الصراع التاريخي لم يكن يتمثل في صراع النموذج السوڤييتي وبلدانه ضد الغرب وحلفائه، بل إن كل انتصار للنموذج السوڤييتي في أيّ بلد (قيام النظام الستاليني في روسيا على سبيل المثال) كان يعني بالتحديد هزيمة الاشتراكية والشيوعية والماركسية لصالح طبقة استغلالية جديدة صاعدة ترفع مع ذلك رايات الطبقة العاملة والثورة والاشتراكية والشيوعية والماركسية-اللينينية. وإذا كانت الثورات “الاشتراكية” وكافة محاولات السنوات الأولى لبناء الاشتراكية تجسد ذروة الصراع بين “التكوينيْن” فإن تبنِّي النموذج السوڤييتي أو تطور الأحداث بحيث تؤدي إلى قيام هذا النموذج كان يعني الجَزْر والانحسار والهزيمة. والحقيقة أن النضالات والثورات والمحاولات التي تنتمي إلى الصراع بين “التكوينيْن” لم تتجسد في مجتمعات اشتراكية بل فقط في مجتمعات انتقالية في الفترات الأولى التالية للثورات سرعان ما كان يجري تصفيتها في كل مكان، تلك التصفية التي تجسدت في التبلور النظري والعملي للنموذج السوڤييتي الستاليني في الاتحاد السوڤييتي ثم في تطبيقه من الناحية الجوهرية، حتى رغم الصراعات الفكرية الصاخبة في بعض الأحوال، في التجارب اللاحقة. ورغم ما ظلّ يبدو على السطح عقودًا طويلة، لم يتخذ الصراع بين “التكوينيْن” صورة صراع بين معسكرين، اشتراكي ورأسمالي، بل قام في واقع الأمر معسكران، شرقي وغربي، ينتميان إلى تكوين اجتماعى-اقتصادي واحد هو التكوين الرأسمالي واحتدمت بينهما تناقضات المصلحة وسوء التفاهم، كما سبق أن رأينا.

وإذا كان الصراع بين “التكوينيْن” لم يتخذ شكل الصراع بين بلدان رأسمالية وبلدان اشتراكية، وإذا كان هذا يعني أن هذا الصراع التاريخي فشلت فيه الاشتراكية والشيوعية والماركسية، رغم نجاحاتها ونضالاتها وثوراتها، في تأسيس مجتمع اشتراكي، فليس هناك بالمقابل ما يدعو إلى الاعتقاد بأن هذا الصراع التاريخي قد انتهى. والقول بأن هذا الصراع سوف يتواصل في المستقبل كما ظل قائمًا في الماضي، لا يساوي أكثر من القول بأن المجتمع الرأسمالي ينطوي بحكم طبيعته الطبقية الاستغلالية على ضرورة نضال الطبقة العاملة، ليس فقط دفاعيا في إطار المجتمع الرأسمالي ذاته بل هجوميّا في سبيل انتصار الثورة الاشتراكية لبناء الاشتراكية والشيوعية.

كما أن الإخفاقات والهزائم المتكررة للماركسية والنضال الشيوعي لا تعني أن هذا الفشل الطويل يساوي العجز الدائم في المستقبل أيضا عن تطوير النظرية باستيعاب الدروس؛ بما يقود إلى قيام أحزاب وحركات وثورات شيوعية من طراز جديد بما ينقل الصراع التاريخي بين “التكوينيْن” إلى مستوى تاريخي أعلى.

فقط عند استنتاج مثل هذا العجز المستقبلي الدائم، أو عند ادّعاء أن المجتمعات التي انهارت كانت اشتراكية أو شيوعية، يمكن الحديث، دون تأنيب ضمير، عن نهاية التاريخ، لكنْ لا المجتمعات التي انهارت كانت اشتراكية ولا من الملائم الحديث عن عجز مستديم. إن مجرد الإيمان بوجود المجتمع الرأسمالي، بخصائصه التي أصبحت مفهومة بفضل النقد الماركسي لهذا المجتمع، يساوي الإيمان بأن الصراع قائم وإنْ كان في بداياته، رغم التاريخ الطويل من النضالات والثورات والحركات والنجاحات والإنجازات والانحسارات والإخفاقات والهزائم والانهيارات، وبأنه سيتطور بالضرورة، لأن من خصائص المجتمع الرأسمالي أنه ينطوي في داخله على طبقتين أساسيتين متعارضتين تعارضًا جوهريّا.

وعندما يحقق النضال ضد المجتمع الرأسمالي نقيضه أيْ المجتمع الاشتراكي، سيكون من الممكن الحديث عن أن الصراع التاريخي بين “التكوينيْن” تحقق فانتهي بذلك. ويمكن لِمَنْ يحلو له أن يتحدث عن نهاية التاريخ بوصفها التحقق الفعلي للتاريخ. كما يمكن لمن شاء أن يعتبر نهاية التاريخ بداية التاريخ الحقيقي للإنسان باعتبار أن ما سُمِّيَ دائما بالتاريخ ليس في الحقيقة سوى ما قبل تاريخ الإنسان (كارل ماركس).

التالي »