بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العاصفة تهب – حول انهيار النموذج السوفييتي

« السابق التالي »

ملحق: كريس هارمان – من تروتسكي إلى رأسمالية الدولة

مراجعة نقدية لكتاب إرنست ماندل: إلى أين يمضي الاتحاد السوڤييتي في ظل جورباتشوڤ؟ -الطبعة الإنجليزية – لندن 1989
تظهر على الاتحاد السوڤييتي اليوم كافة أعراض مجتمع يدخل فترة ممتدّة من الاضطراب الاجتماعي والسياسي. وتشكل مثل هذه الفترات دائما تحديا كبيرا لكنها تقدّم أيضا فُرصا كبيرة لليسار الثوري عالميا لكنْ لابدّ لليسار لكيْ يواجهها من أن يمتلك فهما واضحا لما يجري ولماذا. لابد له من أن يمتلك نظرية ثورية ترشد ممارسته الثورية.

هناك عدد من مختلف التحليلات النظرية للاتحاد السوڤييتي لدى اليسار الثوري. وإرنست ماندل واحد من أشهر أنصار النظرية التي تشخّصه على أنه دولة عمالية متدهورة، كما أن توني كليف هو أشهر أنصار النظرية التي تشخّصه على أنه رأسمالية دولة بيروقراطية. ويقدم ظهور كتاب ماندل: إلى أين يمضي الاتحاد السوڤييتي في ظل جورباتشوڤ؟ في ترجمة إنجليزية وكتاب توني كليف رأسمالية الدولة في روسيا في ترجمة فرنسية، في الشهور القليلة الأخيرة، مناسبة لنقابل بين التحليلين ولنرى أيهما ينسجم أكمل انسجام مع الحقائق الراهنة.

جاء كل من ماندل وكليف من التراث التروتسكي. كان كليف عضوا في الأممية الرابعة في فلسطين وبريطانيا خلال الثلاثينيات والأربعينيات قبل أن يلعب دورا قياديا في حزب العمال الاشتراكي (الاشتراكيون الأمميون سابقا)، والذي لا يزال مناضلا قياديا فيه. وظلّ ماندل شخصية قيادية في الأممية الرابعة منذ منتصف الأربعينيات.

انطلق كل منهما من قبول نفس التحليل عن روسيا، ذلك التحليل الذي طوّره تروتسكي في الثلاثينيات. لكن التطورات في أوروپا الشرقية في أواخر الأربعينيات قادت إلى فترة من النقاش الحاد في الحركة التروتسكية العالمية دفع بكليف وماندل إلى اتجاهين نظريين مختلفين.
كان تروتسكي قد أكد في الثلاثينيات أن البيروقراطية في الاتحاد السوڤييتي “شريحة” -فئة من فئات المجتمع استطاعت أن تستغلّ عزلة الثورة الروسية (التي كانت تزيد بدورها منها في ذلك الحين!)، وفقر البلاد، وإرهاق الجماهير لتركّز السلطة والامتيازات في أيديها هي. لكنها لم تستطع أن تفعل ذلك إلا عن طريق التذبذب بين الطبقة العاملة والقوى البرچوازية والبرچوازية الصغيرة داخليا وعالميا:

البيروقراطية السوڤييتية (سيكون من الأدق أنْ نقول: المعادية للسوڤييت) هي نتاج التناقض الاجتماعي بين المدينة والريف؛ بين الپروليتاريا والفلاحين؛ بين الجمهوريات القومية والمقاطعات؛ بين مختلف مجموعات الفلاحين؛ بين مختلف شرائح الطبقة العاملة؛ بين مختلف مجموعات المستهلكين؛ وأخيرا بين الدولة السوڤييتية ومحيطها الرأسمالي… ورافعة نفسها فوق الجماهير الكادحة، تنظم البيروقراطية وتضبط كافة هذه التناقضات…[255].

فالبيروقراطية “لم تكن طبقة مستقلة بل زائدة على جسد الپرليتاريا”[256]. إلى هذا المدى كان من الممكن مقارنتها بالبيروقراطية النقابية في الغرب: لقد خانت الطبقة العاملة واستخدمت الطبقة العاملة لتحقيق أهدافها هي، لكنها كانت لا تزال تابعة إلى حد ما للطبقة العاملة. لم تكن لها جذورها المستقلة في الملكية أو في الإنتاج، لكنها كانت زائدة طفيلية تقوم على التناقضات في حقل الاستهلاك. وبوصفها كذلك كانت تعوق تطور المجتمع، دون إحلال أيّ تطور جديد يقوم على مصالحها الطبقية الخاصة. “يمكن لورم أن ينمو إلى حجم هائل وحتى أن يخنق الكائن الحيّ، لكنْ لا يمكن أبدا لورم أن يصبح كائنا حيا مستقلا”[257].

لهذا، أدت البيروقراطية إلى عرقلة تطور البلاد. “لا بدّ للمزيد من نموّ النزعة البيروقراطية دون عراقيل أن يقود حتما إلى توقف النمو الاقتصادي والثقافي، وإلى أزمة اجتماعية مفزعة، وإلى اندفاع المجتمع بأسره في طريق الانحدار”[258].

في صياغته المبكرة لهذا التحليل استخلص تروتسكي الاستنتاج القائل بأن البيروقراطية كان لا يزال من الممكن إعادتها إلى الطريق الصحيح سلميا من جانب طبقة عاملة ناهضة من جديد.

الإقرار بأن الدولة السوڤييتية الراهنة دولة عمالية لا يعني فقط أن البرچوازية لا يمكنها أن تنتزع السلطة إلا بواسطة انتفاضة مسلحة، بل يعني أيضا أن پروليتاريا الاتحاد السوڤييتي لم تفقد بعد إمكانية إخضاع البيروقراطية لنفسها، وإحياء الحزب، وبعث نظام الديكتاتورية -بدون ثورة جديدة، بأساليب الإصلاح وعلى دربه[259].

لكنه لم يخش تغيير تقييمه في ضوء التجربة القاسية لما كانت تعنيه الستالينية التي تربّعت على السلطة. في أكتوبر 1933 كتب يقول: “لا يمكن إجبار البيروقراطية على تسليم السلطة إلى أيدي الطليعة الپروليتارية إلا بالقوة”[260].

أما الثورة المغدورة، المكتوب بعد ذلك بثلاث سنوات، فكان متشبّثا تماما بفكرة أنه لا يمكن إصلاح أيٍّ من الحزب والدولة:

تتفق كافة الدلائل على أن السياق اللاحق للتطور لابد أن يُفضي حتما إلى صدام بين قوى الشعب المتطورة ثقافيا والأوليجارشية البيروقراطية. وليست هناك محصلة سلمية لهذه الأزمة. لم يسبق قطّ لشيطان أن قطع مخلبه بنفسه. إن البيروقراطية السوڤييتية لن تتخلَّى عن مواقعها دون قتال. ومن الجلي أن التطور سيقود إلى طريق الثورة[261].

هذه الثورة كانت -كما أكد تروتسكي- ثورة “سياسية” وليست اجتماعية، رغم أنها لابد أن تكون ثورة سياسية ذات “نتائج اجتماعية عميقة”[262].

بل ازداد موقف تروتسكي من البيروقراطية صرامة في السنوات الأربع الأخيرة قبل مقتله. فقد ألحّ على أنها قوة معادية للثورة، ونتاج لضغط البرچوازية على الطبقة العاملة. لكنه كان لا يزال يلحّ على أنها ليست طبقة. أرادت أقسام ذات نفوذ قويّ من البيروقراطية أن تحوّل نفسها إلى طبقة، لكنْ لم يكن بمستطاعهم أن يفعلوا ذلك إلا عن طريق إقرار الملكية الخاصة في الصناعة -وقد منعهم الخوف من الطبقة العاملة من أن يفعلوا ذلك. “إنها [البيروقراطية] لا تحتفظ بملكية الدولة إلا بقدر خوفها من الپروليتاريا…”[263].

وتماما كما لم يكن بمستطاع الطبقة العاملة أن تقيم دولة عمالية سليمة بدون ثورة، لم يكن بمستطاع البيروقراطية أن توطد نفسها كطبقة حاكمة بدون ثورة مضادة حقيقية. كانت البيروقراطية تبدو قوية للغاية، كما أكّد تروتسكي. لكن قوتها لم تكن لتدوم طويلا في واقع الأمر، “البوناپرتة بحكم جوهرها ذاته لا يمكنها أن تثبِّت نفسها طويلا: إن جسما كرويا متوازنا على رأس هرم لابدّ أن يتدحرج حَتْما إلى هذا الجانب أو ذاك”[264].

وقد تمثلت إحدى حججه ضدّ “نظرية الطبقة الجديدة” التي طوّرها شاختمان وآخرون في 1939 في أننا كاشتراكيين ثوريين “سنضع أنفسنا في وضع يدعو إلى السخرية إذا نحن ألصقنا بالأوليجارشية البوناپرتية تسمية طبقة حاكمة جديدة قبل سقوطها الشائن بسنوات قليلة أو حتى بأشهر قليلة فقط”[265].

وفي 1940 أوضح هذه الحجة بقوة أيضا فاندلاع الحرب سيشكّل ازديادا في كافة الضغوط المتناقضة داخل الاتحاد السوڤييتي ولن تكون هناك أيّ فرصة للبيروقراطية لأن تكون قادرة على مواصلة عملها للحفاظ على التوازن. “في حالة حرب طويلة الأمد مصحوبة بسلبية الپروليتاريا العالمية لابدّ للتناقضات الداخلية في الاتحاد السوڤييتي من أن تُفضي -وليس فقط ربما- إلى ثورة مضادة برچوازية-بوناپرتية”[266].

المشكلة التي كان على أنصار تروتسكي أن يواجهوها بعد الحرب تمثلت في أن البيروقراطية الستالينية، بعيدا عن أنْ تتداعى أو حتى تضعف، كانت أقوى من أيّ وقت مضى. كانت جيوشها قد وسّعت حدود الاتحاد السوڤييتي وأقامت أنظمة مماثلة فعلا للاتحاد السوڤييتي في أوروپا الشرقية -وهذا إنجاز سرعان ما سينسخه جيش ماوتسي تونج في الصين. وإذا كان الاتحاد السوڤييتي دولة عمالية متدهورة فمن المنطقي بالتالي أن تكون هذه الأنظمة شكلا ما من الدولة العمالية كذلك. لكن ما الذي حدث آنذاك لقناعات تروتسكي المتعلقة بأن البيروقراطية الستالينية كانت “معادية للثورة” -أو للقناعة الماركسية العامة المتعلقة بأن الثورة من تحت ضرورية لتدمير الرأسمالية؟
تصارع ثوريّو الأممية الرابعة مع هذه التناقضات في تحليل تروتسكي خلال 47-1949. حاول بعضهم (بما فيهم كل من كليف وماندل بعد فترة وجيزة) أن يكيفوا الوقائع مع التحليل القديم: كانت روسيا دولة عمالية متدهورة، أما دول أوروپا الشرقية فكانت ديكتاتوريات برچوازية (وهو موقف لا تزال منظمة النضال العمالي في فرنسا تتظاهر بالإيمان به). لكنْ سرعان ما تبلور موقفان، يختلف كل منهما بطريقته الخاصّة عن موقف تروتسكي.

تمثلّ الموقف الأول في استخدام الكثير من اللغة المميزة لصيغ تروتسكي، لكنْ لقبول أن الستالينية كان بمستطاعها أن تكون قوة ثورية رغم أنفها، ولإعلان دول أوروپا الشرقية “دولا عمالية مشوّهة”. كان هذا هو الموقف الذي اتخذه ماندل، وپيير فرانك Pièrre Frank، وميشيل پابلو Michel Pablo، وآخرون.

هذا هو الطريق الذي قاد بعض الناس بكل سهولة بعيدا عن روح نظرية تروتسكي. پابلو، على سبيل المثال، انتهَى إلى أنه إذا كان بوسع الأحزاب الستالينية أن تكون ثورية، فإن الإنسانية تواجه بالتالي “مئات السنين من الدول العمالية المشوّهة” ويتمثّل عمل الثوريين في خلق هذه الدول عن طريق دخول الأحزاب الستالينية[267]. في نفس الوقت أكّد إسحق دويتشر، وهو تروتسكي من جيل ما قبل الحرب كان قد عارض تكوين الأممية الرابعة، أن نموّ الصناعة داخل روسيا سيقود الستالينية آليا إلى إصلاح نفسها. ومن جديد تمثل المنطق في التخلي عن السياسة الثورية المستقلة. كتب دويتشر في 1953 يقول إن “نتيجة عصيان برلين كانت موضوعيا معادية للثورة وليست ثورية” لأنه ساهم في “سقوط بيريا Beria” في وقت “كان بيريا واحدا من أولئك الذين أيّدوا الإصلاح الديمقراطي”[268]. وفيما بعد نقل دويتشر ثقته إلى خروشوڤ، وكتب عن انتفاضات الخمسينيات قائلا:

أوروپا الشرقية (المجر، وپولندا، وألمانيا الشرقية)… وجدت نفسها على حافة استعادة البرچوازية عند نهاية عهد ستالين؛ ولم يوقفها هناك سوى القوة المسلحة السوڤييتية (أو التهديد بها)[269].

في الوقت ذاته، أيّد قسم من أنصار پابلو سحق الثورة المجرية بالقوات الروسية. وبطبيعة الحال فإن مثل هؤلاء الأشخاص لم يكونوا بالضرورة غير نقديّين للستالينية أو لخروشوڤ. وإلى نهاية حياته في 1968 واصل دويتشر الجدال في سبيل طبعة ديمقراطية من الاشتراكية. لكن النقطة الهامة هي أنه نظر إلى البيروقراطية الروسية، التي تعمل من فوق، على أنها وسيط بمستطاعه أن يأخذنا جزءًا من الطريق إلى هناك.

نجح الاتجاه السائد في الأممية الرابعة في تفادي مثل هذه الاستنتاجات المتطرفة لكنهم كانوا يميلون فعلا إلى النظر إلى الكتلة الروسية على أنها قوة تاريخية تقدمية. ماندل، على سبيل المثال، سيؤكد أن معدّل نموّ الاقتصاد الروسي كافٍ وحده لإثبات تفوّق اقتصاده على أيّ رأسمالية (ناسيا توقّع تروتسكي قبل ذلك بقرابة 20 سنة الانهيار الوشيك لذلك الاقتصاد!):

يحتفظ الاتحاد السوڤييتي بإيقاع متوازن تقريبا للنمو الاقتصادي، خطة بعد خطة، وعقدا بعد عقد، دون أن يُثقل التقدّم المتحقّق في الماضي على إمكانيات المستقبل… لقد جرى التخلص من كافة قوانين تطور الاقتصاد الرأسمالي التي تؤدي إلى تباطؤ في سرعة النموّ الاقتصادى[270].

وإذا كان ماندل لم يرتكب قط خطأ دويتشر المتمثل في معارضة ثورتي 1953 في ألمانيا الشرقية و 1956 في المجر، فقد كان يميل حقا إلى مطابقة الإصلاح من أعلى في أوروپا الشرقية مع “الثورة السياسية”. هكذا عبَّر عن تفضيل واضح في 1956 لأساليب جومولكا في وارسو على تلك الخاصة بالثوار في بوداپست. وكان بمستطاعه أن يكتب أنه رغم أن “الديمقراطية الاشتراكية ستظل أمامها معارك مثيرة تكسبها في پولندا، فإن المعركة المبدئية، التي أتاحت لملايين العمال أن يطابقوا أنفسهم من جديد مع الدولة العمالية، قد تم كسبها في الواقع”[271].

ويواصل هذا الاتجاه اليوم كثير من الأشخاص الذين يزعمون أنهم ينطلقون من تحليل تروتسكي. هكذا، على سبيل المثال، يضع طارق على -الذي يقول إن “تكوينه السياسي” قد “تأثر إلى حد كبير بإسحق دويتشر، وليون تروتسكي، وإرنست ماندل (بذلك الترتيب)”- ثقة هائلة في جورباتشوڤ في كتابه الذي هو اسم على مسمًّى: الثورة من فوق. “لكيْ يحافظ على الاتحاد السوڤييتي” يكتب طارق على، “يحتاج جورباتشوڤ إلى أن يستكمل الثورة السياسية الجارية الآن”.

لحسن الحظ، نجد نغمة كتاب ماندل عن الپيريسترويكا مختلفة. وهو يخبرنا بما يلي:

يمثل جورباتشوڤ استجابة الجناح التحديثي للبيروقراطية إزاء تهديد استقرار حكمها، هذا التهديد الذي تمثله هذه الأزمة [أزمة النظام السوڤييتي] وكذلك تقدُّم الإدراك العام. توجيه هذه التغيرات ومحاولة إبقائها تحت سيطرة البيروقراطية -هذا هو المشروع التاريخي لجناح جورباتشوڤ من البيروقراطية السوڤييتية[272].

ويشكِّل أساس الواقعية الظاهرة لجورباتشوڤ رؤية للواقع محافظة بصورة عميقة، وتنسجم تماما مع المحافظة الاجتماعية والأيديولوچية للبيروقراطية السوڤييتية…[273].

ويجادل ماندل بقوة ضدّ أولئك الذين يقولون إن ما يجري الآن “ثورة من فوق”: الهدف الحقيقي لما يجري هو منع انفجار ثوري، أيْ منع “ثورة من تحت”. لكنْ، لهذا السبب بالذات، تُعدّ هذه التدابير إصلاحات جذرية وليست ثورة بالمعنى الصحيح للكلمة…[274].

لكن اللهجة ليست واثقة هكذا دائما، كما هو الحال عندما يكتب قائلا أن “الحكم الصحيح الوحيد” على التدابير التي اتخذها جورباتشوڤ “حكم مدقق، حالة حالة، ومشكلة مشكلة… أمر مزعج جدا لأولئك المبالغين في التبسيط”[275]. وكأنّ ماندل، بعد أن اتخذ اتجاها جادا ضد أولئك الذين من أمثال طارق على، الذين يريدون منا أن نضع ثقتنا في جورباتشوڤ، لا يزال غير مقتنع تماما بأنهم مخطئون.

لكنْ إذا كانت استنتاجات ماندل ليست متماسكة تماما، فإن التحليل الذي يبنيها عليه أقلّ تماسكا في الواقع. ولا يقتصر الأمر على مجرّد أن الكتاب يشتمل على عدد يثير الغيظ من الأخطاء الأولية المتصلة بالوقائع[276]. فالأكثر أهمية أن الأساس النظري للمناقشة مزعزع من الناحية الجوهرية.

والمشكلة الأكثر أساسية مع هذا التحليل تتعلّق بفهم ماندل للبيروقراطية. فهو يلحّ على أن البيروقراطية ليست طبقة: “البيروقراطية العليا (النومينكلاتورا) ليست طبقة حاكمة بل قسم من طبقة اغتصب السلطة من الطبقة العاملة…”[277].

ويقوده هذا إلى كافة أنواع التناقضات. فهو يكتب قائلا إن “الشريحة البيروقراطية تحتكر السلطة السياسية تماما كما تحتكر السلطة الاقتصادية”[278] وأن “مصالح جمهور المنتجين، العمال الفلاحين… تتعارض مع مصالح الموجهين/المديرين…”[279].

وهو يطبقّ على ذلك ما يسميه “بالقانون الجوهري الذي ينبثق من تاريخ مختلف المجتمعات”، والقائل بأن “المجموعة الاجتماعية (الطبقة الاجتماعية أو قسم رئيسي من طبقة اجتماعية) التي تسيطر على الفائض الاجتماعي بفضل مكانها في عملية الإنتاج، تسيطر إلى درجة كبيرة على كافة النشاطات الأخرى أيضا”[280]. وينتج من “التفسير المادي للتاريخ” أن:

علاقات السيطرة تنبع من علاقات الإنتاج. ولا يمكن لعلاقات السيطرة هذه، إلا خلال فترات وجيزة من السلطة المزدوجة، أن تكون متعارضة جوهريا مع علاقات الإنتاج.

لكنْ إذا كانت البيروقراطية “تسيطر على الفائض الاجتماعي” بفضل “دورها في عملية الإنتاج”، فإن “دورها” ينطوي إذن على استغلالها للمنتجين المباشرين. و”الجماعة” التي تستغل المنتجين المباشرين هي، بحكم التعريف، طبقة مستغلّة (بكسر الغين).

بطبيعة الحال، كانت هناك حالات كثيرة تاريخيا قام فيها قسم من طبقة مستغلة بتركيز السلطة في أيديه واغتصب بذلك جانبا كبيرا من الفائض الذي كان يجري توزيعه من قبل على أقسام أخرى من الطبقة الحاكمة. كان هذا يصحّ، على سبيل المثال، على الملكية الإقطاعية المتأخرة، ووفقا لماركس على نظاميْ كلّ من لويس فيليپ ولويس بوناپرت. لكن الفائض في هذه الحالات كان يأتي، في المقام الأول، من الاستغلال الطبقي للمنتجين المباشرين. كان “القسم من الطبقة” قسما من طبقة مستغلة (بكسر الغين).

من التزييف التام للماركسية أن يُزعم أن قسما من الطبقة العاملة، أيْ من طبقة مستغلة (بفتح الغين)، يمكنه أن يسيطر على الفائض الناشئ عن الاستغلال. لكن ماندل لا يواصل هذا الخط في المناقشة. فبعد ثلاث صفحات من إيراده ينكر ماندل برهانه هو:

بخلاف طبقة حاكمة حقيقية، البيروقراطية عاجزة عن أن تقيم امتيازاتها المادية على الأداء(أيْ إعادة الإنتاج) المتماسك للنظام الاقتصادي، ولدورها في عملية الإنتاج…[281].

وهكذا فالبيروقراطية في صفحة “تسيطر على الفائض الاجتماعي” بفضل “دورها في الإنتاج”. وبعد ثلاث صفحات نجد “امتيازاتها المادية”، التي يُفترض أنها جزء من الفائض، لا تأتي من “دورها في عملية الإنتاج”. ثم يزداد تشوُّش المناقشة كلها أكثر عندما يُقال لنا فيما بعد: “في الواقع، لا يوجد في الاتحاد السوڤييتي مجتمع اشتراكي، مجتمع بلا طبقات”[282].

هذا التشوُّش حول ما إذا كانت البيروقراطية طبقة حاكمة جزء من تشوُّش أوسع. في عرض ماندل لا وجود لتفسير لدينامية الاقتصاد السوڤييتي. ماندل، كما رأينا من قبل، اعتاد أن يؤمن بوجهة النظر القائلة بأن التخطيط جعل الاقتصاد الروسي قادرا على التوسُّع بلا حدود. أما الآن فقد جعله الواقع التجريبي يغير رأيه. وهو يتحدث عن “الأزمة” الاقتصادية، ويقول: “المظهر الصارخ أكثر لهذه الأزمة هو تباطؤ معدّل النمو الاقتصادي”[283].

وهو يفسّر هذا بثلاث طرق.

أ‌) يؤكّد ماندل أن: التطور المتناقض للمجتمع السوڤييتي هو بالتحديد نتاج لاقتران الدينامية والجمود. وتنبع الدينامية من النمو الاقتصادي والاجتماعي (الذي هو نتاج لما يبقى من ثورة أكتوبر) والذي يثير الإعجاب في الأمد الطويل، حتى إن كان يتباطأ سنة بعد سنة. وينبع الجمود من القبضة البيروقراطية الخانقة على الدولة والمجتمع ككل. وهذا الجمود عقبة أمام المزيد من النمو[284].

وفي موضوع آخر يقدم ماندل نفس الفكرة بطريقة تختلف اختلافا طفيفا:

الشريحة المسيطرة في المجتمع تبدو عاجزة عن تطوير النظام[285].

… المصالح المادية للبيروقراطية [هي] القوة المحركة الرئيسية، إن لم تكن الوحيدة، لتحقيق الخطة، وللأداء اليومي للنظام. وهذا يسلب الاقتصاد بأسره أيّ شكل من أشكال العقلانية الاقتصادية. والمصالح المادية للبيروقراطية تدفع في اتجاه استمتاع متزايد بالسلع والخدمات للبيروقراطية نفسها وليس في اتجاه تحقيق الناتج الأمثل للمشروعات -وبلا شك ليس في اتجاه تحقيق الحد الأقصى لمعدّل التراكم[286].

ب‌) ويمضي ليؤكّد أنه: من الناحية التقنية يعبّر الهبوط في معدّل النمو عن الزيادة المنتظمة لما يمكننا في الاقتصاد الرأسمالي أن نسمية “مُعامل رأس المال”. إن حجم الاستثمار اللازم لزيادة الدخل القومي بنسبة 1 في المائة يزداد من خطة خمسية إلى التالية[287].
ج) وأخيرا يزعم ماندل أن: علاقات الخطة/السوق، أو ما يعني نفس الشيء: علاقات الاستبداد البيروقراطي/قانون القيمة… [هي] التناقض الجوهري للاقتصاد…[288].

ولنفحص هذه الطرق واحدة واحدة.

في نقطته الأولى لا يعني حديث ماندل عن “اقتران الدينامية والجمود” شيئا إلا إذا كان المقصود هو أن هذا الاقتصاد كان يبدو ديناميا للغاية، بمعدلات نمو أعلى من معظم البلدان الغربية المتقدمة (ليس كلها مع ذلك: من المحتمل أن الياپان حققت معدلات أفضل)، ولكنه يميل بصورة متزايدة إلى الركود. لكن من الخطأ تماما أن نحاول تفسير الدينامية “بما بقي من ثورة أكتوبر” والركود “بالقبضة البيروقراطية الخانقة”. مثل هذا التفسير يعني أن “القبضة البيروقراطية الخانقة” كانت أقلّ وأن “بقايا ثورة أكتوبر” كانت أكبر – في زمن محاكمات موسكو ومن خمسة إلى عشرة ملايين من الشغيلة المستعبدين- منهما في الوقت الحاضر.

والواقع، كما بيّنت كلّ دراسة جادة للخطط الخمسية والتصنيع، أن الاندفاع في اتجاه التصنيع والزراعة الجماعية قام به جناح ستالين من البيروقراطية (وإنْ كان صحيحا أن ذلك تم بمساعدة الزينوڤييڤيين السابقين، والمعارضين اليساريين المذعنين من أمثال پريوبراچينسكي وراديك، والجمهور الغفير من البوخارينيين التائبين). وقد جاء ذلك الاندفاع في أعقاب ما سمِّيَ أحيانا “بالثورة الستالينية” -البقرطة النهائية والكاملة للحزب، وآلة الدولة، والنقابات، واستخدام الشرطة السياسية (چي پي يو) لمحو كل تعبير عن المعارضة[289].

هذه البقرطة لم تَقُدْ ببساطة، ولا حتى بصفة رئيسية، “في اتجاه ازدياد استمتاع البيروقراطية نفسها بالسلع والخدمات”. لقد قادت قبل كل شيء، رغم ما يزعم ماندل بخلاف ذلك، إلى معدّل ضخم للتراكم ولم يكن هذا التراكم في “السلع والخدمات” التي يستهلكها البيروقراطيون، بل كان، قبل كل شيء، في الصناعة الثقيلة في الحديد، والصلب، والأسمنت، وتوليد الكهرباء، والفحم، والپترول.

في الآونة الأخيرة أمدّنا الاقتصادي الروسي، ڤاسيلي سليونين، بأرقام عن التراكم في الاتحاد السوڤييتي منذ العشرينيات. وهو يبدأ بأرقام من أجانبيچان تبيّن أن 25 في المائة من الدخل القومي الراهن تذهب إلى “الادخار” و75 في المائة إلى الاستهلاك. ثم يُعيد حساب هذه الأرقام آخذا في اعتباره التشويه الناتج عن الأسعار وينتهي إلى أن “صندوق الاستهلاك يصل إلى 60 في المائة من الدخل وصندوق المدخرات إلى 40 في المائة. ومثل هذا المستوى المرتفع من تكوين المدخرات هو، من الناحية الجوهرية، مستوى زمن الحرب”[290]. وهو يقابل مستوى وسطيا لإجمالي التراكم في الدول الغربية يتراوح بين 15-20 في المائة.

ويمضي سليونين ليبيّن كيف ارتفع المستوى الحقيقي للتراكم في الاتحاد السوڤييتي ارتفاعا متواصلا منذ العشرينيات، فيقدّم الأرقام التالية: في 1928 كانت السلع الاستهلاكية 60.5 في المائة من الناتج، في 1940-39 في المائة، في 1960-27.5 في المائة، في 1985–25.2 في المائة. وينتهي إلى أن الأرقام المقدمة رسميا لمعدّل التراكم لابد أنها تقدير منخفض على نحو فظّ:

هل يمكن تصوُّر أن ثلاثة أرباع الدخل تذهب وفقا للأرقام الرسمية إلى الاستهلاك في حين أن السلع الاستهلاكية لا تتجاوز رُبْع الناتج الصناعي؟ لا يمكنك أن تمنع نفسك من التساؤل عما هي السلع التي يتم شراؤها بصندوق الاستهلاك.

وضعتنا التحولات في اتجاه تصنيع السلع الإنتاجية في وضع ينطوي على مفارقة حيث لا تملك معدلات النمو المتسارعة ولا النمو الأسرع في الدخل القومي سوى تأثير طفيف للغاية على مستوى المعيشة إن الاقتصاد يعمل بصورة متزايدة من أجل نفسه، وليس من أجل الإنسان[291].

قد يكون هذا أمرا لا عقلانيا من وجهة نظر جمهور العمال الروس، الذين يتراكم عملهم دون أن يكسبوا شيئا لكن من المؤكد أنه ليس سياسة تقوم على إنتاج السلع من إجل استهلاك البيروقراطية وحدها -إلا إذا كنت تعتقد أن “الكوادر الفولاذيين” يأكلون المواد الخام حقا!
والواقع أن البيروقراطية قد أشرفت على سياسة تراكم وتصنيع ضخمين، ومن الخطأ تماما زعم أنها منعت حدوث ذلك.

ثانيا، يزعم ماندل أن النمو في “مُعامل رأس المال” نتاج ﻟ “تزايد عدم استخدام الموارد، الناشئ من القصور العام في أداء الاقتصاد، بالإضافة إلى الإنتاجية المنخفضة لعمل الإنسان”.

لكن هذا من قبيل افتراض صحة المطلوب إثباته. إذا كان عدم استخدام الموارد “يتزايد”، لماذا؟ هناك “قصور عام في أداء الاقتصاد” و”إنتاجية عمل منخفضة”. لكن هل هناك أيّ سبب لأن تكون هذه الأشياء أسوأ اليوم مما كانت في زمن ستالين وخروشوڤ؟
ربما توقع المرء من ماركسي أن يبحث النمو في “معامل رأس المال” بدقة أكثر مما يفعل ماندل. فالمعامل يتصل اتصالا وثيقا بالمفهوم الماركسي عن التركيب العضوي لرأس المال. والمعامل هو نسبة وسائل الإنتاج إلى الناتج، التركيب العضوي لنسبة وسائل الإنتاج إلى قوة العمل (بقياس كل ذلك بمعايير القيمة). إذا ارتفع أحد الحدّينْ يصبح من المتوقع أن يرتفع الآخر كذلك.

وبطبيعة الحال، كان التركيب العضوي متزايد الارتفاع لرأس المال، في نظر ماركس، أساس التناقض الجوهري للاقتصاد الرأسمالي، ميل معدل الربح إلى الهبوط والاقتصاد بصورة متزايدة إلى الركود. وإذا كان يشكل أساس أزمة الاتحاد السوڤييتي أيضا، فإن الاكتشاف له دلالة بالغة حقا، ولا ينبغي تبريره ببساطة بادّعاء أن اللاعقلانية وعدم الكفاءة أكبر في الوقت الحاضر منهما في ذروة إرهاب ستالين في الثلاثينيات.

وأخيرا، ماذا عن محاولة فهم “التناقض الجوهري” على أنه بين “الخطة” و”السوق”، أو بين “الاستبداد البيروقراطي” و”قانون القيمة”؟
وصيغة ماندل هنا معيبة نظريا وخطرة سياسيا في آن معا.

يعمل قانون القيمة في المجتمعات التي يوجد فيها إنتاج سلعي -وبوجه خاص الشكل الأكثر تطورا للإنتاج السلعي. والوظيفة (الضرورية لأيّ مجتمع) المتعلّقة بتوزيع العمل بين مختلف الإجراءات الإنتاجية، لا يتم القيام بها بصورة واعية في مثل هذه المجتمعات، بل تتم بالأحرى من خلال التفاعل الأعمَى بين منتجات مختلف إجراءات العمل المنظمة بصورة مستقلة عن بعضها. ومنظمو مختلف إجراءات العمل هذه يتنافسون فيما بينهم، وهذا التنافس يُجبر كُلا منهم على محاولة أن يظلّ في طليعة الآخرين في رفع إنتاجية العمل -من خلال كلّ من فَرْض عمل أقسى واستثمار وسائل إنتاج متزايدة التقدم دوما وهم بتصرّفهم بهذه الطريقة، يقيمون الصلة على نحو متواصل بين كل إجراء من إجراءات العمل الملموس وكل إجراء آخر من إجراءات العمل الملموس يجري القيام به ضمن النظام، أو -كما يعبرّ ماركس- يحوّلون العمل الفردي الملموس إلى عمل اجتماعي مجرّد.

وقانون القيمة هو الضغط الذي يوجد في مثل هذا النظام مُجبرا كل وحدة منفردة من وحدات النظام على الارتباط بالإنتاجية في كل وحدة أخرى. وهو القوة الاقتصادية القسرية التي تلغي رغبات ونوايا أولئك الذين يديرون الأجزاء المنفردة من النظام. وفي ظلّ الرأسمالية، من المؤكد أن قانون القيمة ليس شيئا مناقضا بالضرورة “للاستبداد البيروقراطي” أو -لنفس السبب- للتخطيط داخل الشركات المنفردة. العكس تماما -فهو يُجبر المديرين على أن يكونوا مستبدين، وعلى تضييق الخناق على العمال، وهو يُجبرهم كذلك على أن “يخططوا” الترتيبات الداخلية ضمن نطاق الشركة للوفاء بمتطلّبات المنافسة خارجها. وكما عبر ماركس: “فوضى السوق تُحتّم طغيان المصنع”.
صحيح أيضا أن الرأسمالية نظام يتطور بصورة متواصلة، بتجديدات وتقدّم تقني تحدث في بعض أجزاء النظام قبل الأخرى. في مكان آخر من النظام لا تعود الأشكال القديمة “للطغيان داخل الشركة” -الأساليب القديمة للتخطيط الرأسمالي- منسجمة عندئذ مع ما هو ضروري لمواكبة الصراع من أجل إنتاجية متزايدة. عندئذ يدخل قانون القيمة في تناقض مع الأشكال القائمة لتنظيم الإنتاج.

يحدث التناقض بين “الاستبداد البيروقراطي” و”قانون القيمة” لأن المجتمع خاضع لقانون القيمة. هل يمكن أن يصدق هذا على الاتحاد السوڤييتي؟ فقط في حالة قبولك أن الاتحاد السوڤييتي مجتمع منتج للسلع، شكل مختلف من أشكال الرأسمالية.

لم يمثّل هذا أيّ مشكلة لتروتسكي وپريوبراجينسكي وهما يكتبان في أواسط العشرينيات. فرغم أن الدولة كانت تسيطر على الصناعة الكبيرة في الاتحاد السوڤييتي، كان القطاع الزراعي بكامله من الناحية العملية، وقسم كبير من التجارة، وكثير من الإنتاج الحرفي، في أيدي الأفراد. كانت الدولة تتاجر مع القطاع الخاص ومع البلدان الرأسمالية خارج البلاد، ولهذا كانت تتعرّض لضغوط الإنتاج السلعي ذاته. في هذا الوضع كان بمستطاع تروتسكي وپريوبراجينسكي أن يكتبا عن التعارضات بين الضغوط الآتية من ناحية من متطلّبات الإنتاج السلعي (“قانون القيمة”) وتلك الآتية من ناحية أخرى من المحاولات التي تقوم بها الدولة لتخطيط الاقتصاد وفقا لمصالح مجموعة اجتماعية أو أخرى.

لكن من أين تأتي اليوم الضغوط الخاصّة بإشباع متطلبات الإنتاج السلعي؟ قضى ستالين في واقع الأمر على البرچوازية الصغيرة الريفية والحضرية. ويسيطر قطاع الدولة تماما على الاقتصاد. وإذا كان الاتحاد السوڤييتي، كما يؤكد ماندل، “مجتمعا بعد رأسمالي”، مجتمعا لم يعد يسيطر عليه الإنتاج السلعي، فمن الصعب إذن أن نفهم لماذا ينبغي لقانون القيمة أن يتعارض مع أساليب البيروقراطية في إدارة الاقتصاد. إن ذلك أشبه ما يكون في الواقع بأن نتوقع أن تعمل قوانين الديناميكا الهوائية في حيز مفرّغ من الهواء -إلا إذا كان يقرّ دون قصد بما ينكره على طول بقية كتابه، بأن البيروقراطية مجبرة على أن تسلك كطبقة رأسمالية.

هناك تفسير خطير يمكن إيراده على صيغته: أن الاقتصاد المدار بيروقراطيا “يناقض قانون القيمة”، رغم أنه بطبيعته أقل كفاءة من اقتصاد رأسمالي قائم على السوق، وهذه، دون شك، قناعة جمهرة برمّتها من أيديولوچيِّيي الرأسمالية الغربية. وهي أيضا قناعة كثير من أولئك الذين ينظرون إلى الاتحاد السوڤييتي على أنه شكل جديد من أشكال المجتمع الطبقي، لا هو رأسمالي ولا هو اشتراكي: إنهم ينظرون إليه على أنه “استبداد شرقي” أو “جماعية بيروقراطية” بدينامية مختلفة تماما عن الرأسمالية -في الحقيقة بلا أيّ دينامية على الإطلاق عادةً، ولهذا ينبغي النظر إليه على أنه أدنى من الرأسمالية. هذا من الناحية الجوهرية هو اليوم، على سبيل المثال، موقف مجموعة المثقفين الملتفين حول مجلة كريتيك في بريطانيا. وكان هذا أيضا هو التحليل الذي قاد التروتسكي الأمريكي السابق ماكس شاختمان إلى تأييد غزو خليج الخنازير لكوبا.

لا يتجه ماندل، بطبيعة الحال، إلى مثل هذه الاستنتاجات العملية الرهيبة. لكنه يلجأ فعلا إلى صيغ من شأنها أن تقود الآخرين إليها، كما هو الحال عندما يؤكد أن “وضوح المعلومات ونشرها دون عوائق… تكفلهما الملكية الخاصة داخل نطاق المشروعات الرأسمالية”[292].
في الواقع، على وجه التحديد لأن فوضى السوق تقود إلى طغيان المصنع، فهي تقود أيضا إلى القصور البيروقراطي داخل نطاق الشركة، وإلى محاولات لخنق التجديد، وإلى افتقار إلى سيطرة الإدارة العليا على إدارة المصنع. ويتميز أداء أيّ شركة رأسمالية بسلسلة كاملة من الممارسات التي لا تلغيها آليّة ما أوتوماتيكية سلسة التشغيل، بل فقط إعادة التكييف الدورية للإنتاج الداخلي مع قانون القيمة الخارجي عبْر الأزمة و”إعادة الهيكلة”. أكثر من ذلك، يعني التركيز والتمركز المتزايدان لرأس المال أن الشركات تكبر دوما، وأن الاستبداد البيروقراطي داخل الشركة يقوَى دوما، وأن درجة إعادة الهيكلة والأزمة المطلوبة لإشباع قانون القيمة تغدو دوما أكبر وأكثر خللا وهذه النقطة هامة. فنحن مواجهوان طول الوقت بدعاية وسائل الإعلام تخبرنا أن “أزمة الشيوعية” تبيّن كفاءة الرأسمالية الغربية. ولا ينبغي أن نتزحزح قيد أنملة فيما يتعلق بهذه الحجة.

من المؤسف أن هذه ليست النقطة الوحيدة التي يعطي ماندل فيها حجة. ففي نقطة أخرى يقول إن السبب في أن الخدمة الصحية في الاتحاد السوڤييتي أسوأ منها في الولايات المتحدة هو أن “الأطباء في الاتحاد السوڤييتي يبدّدون قدرا كبيرا من وقتهم في ملء الاستمارات”[293]. على أن الرعاية الصحية الأمريكية شهيرة بعدم كفاءتها (وهي تلتهم نسبة من الناتج القومي تبلغ ثلاثة أضعاف النسبة الخاصة بالاتحاد السوڤييتى، أو ستة أضعاف إجمالي الاعتمادات) على وجه التحديد لأن الأطباء الأمريكيين يبدّدون قدرا كبيرا من الوقت في مراجعة أرصدة مرضاهم في البنوك!

ويظهر الافتقار إلى التماسك النظري في تحليل ماندل بكلّ وضوح عندما يكتب قائلا إن مقاربة “ستيفن كوهن Stephen Cohen وموشيه ليڤين Moshe Lewin”…”مماثلة لمقاربة كاتب هذه السطور”[294]. وقد قدّم كلّ من كوهن وليڤين أعمالا تاريخية مفيدة. لكنهما كلاهما أيضا بوخارينيان متزمتان، يعتقدان أن الاعتماد على السوق كان من شأنه أن يحلّ كافة مشكلات الاتحاد السوڤييتي الاقتصادية في الثلاثينيات ويفهمان مهمتهما على أنها نُصح قادة الاتحاد السوڤييتي باتباع سياسة اعتماد كهذا في الوقت الحاضر.

ملاحظة عملية، أخيرة، على تحليل ماندل. كان تروتسكي ينظر إلى البيروقراطية على أنها زائدة طفيلية غير مستقرّة. وقد قاده هذا إلى استنتاج أن الأزمة الكبرى التي توقعها في غضون “سنوات قليلة، إنْ لم يكن أشهر قليلة” ستؤدي بالأقسام الرئيسية من البيروقراطية إلى أن تؤثر تحويل نفسها إلى طبقة برچوازية تقوم على أساس الملكية الخاصة. “ليس بصورة عضوية من خلال التدهور، بل من خلال الثورة المضادة”[295].

وأولئك الذين ينطلقون من المعنى الحرفي لتحليل تروتسكي اليوم ينقسمون إلى ثلاثة معسكرات. هناك أولئك الذين ينظرون إلى الأزمة الحالية في الاتحاد السوڤييتي على أنها تلك التي حذر منها تروتسكي (متجاهلين فترة زمنية فاصلة قدرها 55 سنة أشرفت البيروقراطية خلالها على تقدّم ضخم في قوى الإنتاج). وقد استخلص هؤلاء الاستنتاج القائل بأن المصلحين داخل الاتحاد السوڤييتي وأوروپا الشرقية الذين يتحدثون اليوم عن السوق يمثلون قوى “نزعة الاستعادة البرچوازية” وأن مهمة الثوريين تتمثل في مقاومتهم. ومنطق هذا الموقف هو تقديم تأييد نقدي لليجاتشيڤيين -القوى الأكثر رجعية في الاتحاد السوڤييتي.

يتمثل التفسير الثاني في القول بأن إصلاحات جورباتشوڤ تواصل “الثورة السياسية”، وفي تقديم تأييد نقدي له.

والرأي الثالث، وهو الذي يؤمن به ماندل في المقام الأول: في كتابه (وإنْ بصورة غير متماسكة، كما رأينا)، يتمثل في السعي إلى استغلال الثغرات التي تقدمها الجلاسنوست لتنظيم الطبقة العاملة بصورة مستقلة عن جورباتشوڤ وخصومه المحافظين.

لكن ماندل لا يمكنه أن يفعل ذلك إلا عن طريق الانتقاص من حجج تروتسكي تلك التي تلحّ على قوة قوى “الاستعادة”. ويلح ماندل: “ليست الرأسمالية ما يريد جورباتشوڤ إدخاله في الاتحاد السوڤييتي”[296] -رغم أنه يكتب بانعدام تماسك نموذجي في مكان آخر قائلا إنه “نشأ داخل البيروقراطية قسم ‘ذو نزعة استعادية‘ بكل جلاء”[297] وإن “المأزق الاقتصادي الحقيقي لجورباتشوڤ… هو… الاحتفاظ باقتصاد اشتراكي الطابع ومخطط أو استعادة الرأسمالية في الصناعة الكبيرة”.

واقع أن مثل هذه المنظورات المختلفة تماما يمكن أن تنبثق من نفس التحليل “التروتسكي الأرثوذوكسي” الواحد للاتحاد السوڤييتي لابد من أن يثير أسئلة حول صحة التحليل نفسه -تماما كما فعلت أزمة الحركة التروتسيكية من قبل في 47-1948.

جاء رد فعل كليف بصورة مختلفة للغاية عن ماندل. أكّد في الطبعة الأولى، المنسوخة بالإستنسل، من كتابه، والتي ظهرت في أوائل 1948، أن الحركة الثورية تواجه خطرا هائلا. فالوقوف عند المعنى الحرفي لتحليل قديم للواقع أمكنه أنْ يؤدي إلى التخلي عن الروح الثوري الذي كان وراء ذلك التحليل أصلا وكانت الطريقة الوحيدة لتفادي ذلك الخطر تتمثل في إنجاز إعادة تحليل أساسية للمجتمع الروسي “تمدّ جذورها في تعاليم المعلمين الماركسيين العظام”.

بدأ تحليل كليف بفحص الوقائع المادية للاتحاد السوڤييتي. وبعد تمحيص كُتل ضخمة من المواد التجريبية، استخلص التناقضات بين الأوضاع في فترة ما بعد الثورة والأوضاع بعد 1928، عندما وطد ستالين سلطته أخيرا.

كان تروتسكي قد انتهَى إلى استنتاج في 1935 بأن الترميدور، البقرطة الحاسمة للنظام، كان قد وقع قبل ذلك بعشر سنوات مع هزيمة المعارضة اليسارية. لكنه مضى بعد ذلك ليشير إلى أن الترميدور كان يمثل، في الثورة الفرنسية، إقامة نظام غير ثوري يحتفظ مع ذلك بإنجازات جوهرية للثورة، وكان مختلفا عن الثورة المضادة.

وأكَّد كليف أن تمحيصا للوقائع المادية بيّن أن تغيُّرا كيفيا أبعد حدث بعد ترميدور 1924 الروسي. وفي شتاء 28-1929 قامت البيروقراطية، التي كانت تتذبذب من قبل بين الطبقة العاملة والفلاحين، بالهجوم الضاري عليهما معا.

العناصر الأخيرة من الرقابة العمالية تم تحطيمها في المصانع؛ والاستقلال النقابي تم القضاء عليه تماما؛ والأجور الحقيقية هبطت بنسبة 30 أو 40 في المائة؛ والشرطة السياسية مُنحتْ حرية التصرف لمحو بقايا النقاش داخل الحزب؛ والنضال ضدّ “المساواتية” أضحى سياسة دولة في حين أخذت التفاوتات بين البيروقراطيين والعمال تزداد بصورة كبيرة؛ والفلاحون تم طردهم من الأرض من خلال ما سُمِّيَ “بالتجميع”؛ وتضاعف عدد المساجين في معسكرات العمل 20 مرة في غضون سنتين (ليتضاعف من جديد عشر مرات في العقد التالي)؛ واستُخدم الترويس لتحطيم استقلال الجمهوريات السوڤييتية غير الروسية.

لم يكن من قبيل المصادفة أن تقع كل هذه التغيرات دفعة واحدة. كانت كلها نواتج جانبية لاستجابة الجناح الستاليني من البيروقراطية إزاء الأزمة الاقتصادية التي أصابت البلاد مع خطر الحرب في 1927 و “أزمة المقصّات” في 1928. وعندما تداعت سياستها القديمة -سياسة بوخارين-ستالين في 24-1927 المتمثلة في تجاهل بقية العالم وأملا في الأفضل -استخدمت البيروقراطية كافة القوى التي في متناولها لفرض سياسة جديدة. سعت البيروقراطية إلى الرد على التهديدات الآتية من الغرب عن طريق مجاراة نفس الوسائل التي يستخدمها الرأسماليون الغربيون لإقامة الصناعة، ومعها القدرة العسكرية. وحطمت البيروقراطية استقلال الطبقة العاملة والفلاحين وهجمت على مستويات معيشتهم للحصول على فائض من أجل التصنيع. وإذا كانت أساليبها أكثر وحشية حتى من تلك التي استُخدمت، مثلا في إنجلترا، فذلك لأن البيروقراطية الستالينية سعت إلى أن تنجز في عقدين اثنين ما استغرق إنجازه 300 سنة في إنجلترا.

كان أكثر جزء إثارة للإعجاب في كتاب كليف هو ذلك الذي بيّن فيه، بالتمحيص البالغ التدقيق في الإحصاءات الرسمية للاتحاد السوڤييتي، كيف أن الحديث الرسمي عن “التخطيط” (المقبول آنذاك من جانب ماندل و”تروتسكيين أرثوذكسيين” آخرين) كان يُخفي واقع إخضاع إنتاج السلع الاستهلاكية على نحو متواصل بعد 1928 لإنتاج وسائل الإنتاج. وفي حين نمت السلع الاستهلاكية والإنتاجية قبل 1928 كلاهما معا، تباعد طريقهما تماما بعد 1928. وفي حين كان يتم تجاوز أهداف “الخطة” من السلع الإنتاجية، فإن أهدافها من السلع الاستهلاكية كان يتم تجاهلها ببساطة.

ويبيّن هذا، بالمناسبة، التعارض الحادّ بين التصور الخاصّ بالتخطيط والتنمية الصناعية والذي ناضل تروتسكي من أجله في السنوات السابقة على 1928 وذلك الذي حققه ستالين. انطلق تروتسكي من الحاجة إلى تسريع معدّل النمو الصناعي من أجل رفع مستويات المعيشة، والثقة بالحكومة، والوزن الاجتماعي للطبقة العاملة. أما ستالين فقد انطلق من خفض مستويات المعيشة، واستخدام الشرطة السياسية لإرهاب الطبقة العاملة لإخضاعها، وإغراق الشرائح القديمة، الواعية طبقيا، من العمال في بحر من الفلاحين السابقين، الجهلاء وقليلي التجربة والمصابين بالفزع.

كان هناك أوجه شبه شكلية بين سياسات ستالين وسياسات تروتسكي. وقد أربكت هذه التشابهات تروتسكي نفسه بعض الوقت وقادت أشخاصا مثل راديك وپريوبراجينسكي إلى الإذعان للستالينية. لكنهما، كما أدرك تروتسكي نفسه فيما بعد، كانتا متناقضتين من وجهة نظر الطبقة العاملة.

في ظلّ ستالين كانت الصورة الإجمالية تتمثّل في اقتصاد يسيطر فيه الاندفاع إلى تراكم وسائل الإنتاج على كل شيء آخر. وهذا الاندفاع إلى التراكم أثار البيروقراطية ضدّ العمال والفلاحين. فقد منح مختلف أعضاء البيروقراطية مصالح، تمدّ جذورها في عملية الإنتاج ذاتها، شكلتهم في طبقة في تعارضٍ تاريخي قاس مع الطبقات الأخرى. وكان هذا يعني أنهم كانوا لم يعودوا فئة من الطبقة العاملة، أو مجموعة تتذبذب ببساطة بين طبقات أخرى، بل كانوا أبطال تطوير أسلوب إنتاج على حساب الطبقات الأخرى. وكما عبَّر كليف:

لماذا كانت الخطة الخمسية الأولى نقطة تحول كهذه؟ في ذلك الوقت بالذات، وللمرة الأولى، سعت البيروقراطية إلى أن تخلق پروليتاريا وأن تراكم الرأسمال بسرعة. بكلمات أخرى، في ذلك الوقت سعت البيروقراطية إلى أن تنجز الرسالة التاريخية للبرچوازية بأسرع ما يمكن. وكان لابد لتراكم سريع للرأسمال على أساس مستوى منخفض للإنتاج، ودخل قومي ضئيل للفرد، أنْ يلقَى ضغطا ثقيلا على استهلاك الجماهير، على مستويات معيشتها. في ظل مثل هذه الأوضاع كان لابد للبيروقراطية -التي تحولت إلى تشخيص لرأس المال، والتي يشكل تراكم رأس المال نفسه بالنسبة لها كلّ شيء، أن تتخلّص من كل بقايا الرقابة العمالية، وأن تحلّ الإكراه محل الإيمان بعملية العمل، وأن تحوّل الطبقة العاملة إلى ذرات متفرّقة من الأفراد، وأن تحشر الحياة الاجتماعية الاقتصادية بأسرها بالقوة داخل قالب شمولي. ومن الجلي أن البيروقراطية، التي غدت ضرورية في عملية التراكم الرأسمالي، والتي غدت مضطهدة (بكسر الهاء) العمال، لم تكن لتتباطأ عن استغلال تفوقها الاجتماعي في علاقات الإنتاج من أجل الحصول على امتيازات لنفسها في علاقات التوزيع. وهكذا فإن التصنيع والثورة التقنية في الزراعة (“التجميع”) في بلد متأخر تحت شروط الحصار يُحوّلان البيروقراطية من شريحة خاضعة للضغط المباشر وغير المباشر وللرقابة من جانب الطبقة العاملة إلى طبقة حاكمة، إلى مدير للأعمال العامة في المجتمع: توجيه العمل، شؤون الدولة، العدل، العلم، الفن، وهلم جرا[298].

يشير كليف إلى البيروقراطية على أنها “رأسمالية دولة”. وقد تسبّب هذا في الهجوم على نظريته من جانب جمهرة غفيرة من المعلّقين -وماندل واحد منهم فقط- يزعمون أنه لا يمكن أن تكون هناك رأسمالية بدون مالكين خاصّين لوسائل الإنتاج ينافسون بعضهم لبيع السلع.
يبحث كليف هذه الحجة بإسهاب في كتابه. وهو ينطلق من التحليلات الخاصّة بالمرحلة الإمپريالية للرأسمالية والتي طورها خلال الحرب العالمية الأولى كل من لينين وبوخارين. أوضحت تلك التحليلات كيف أن تركيز وتمركز رأس المال يقودان إلى إحلال “رأسمالية الدولة الاحتكارية” محل رأسمالية “السوق الحرة” في المجتمع: علاقات الإنتاج من أجل الحصول ب شمولي. لواعي. وتُفضي الاندماجات الأفقية والرأسية إلى شركات ضخمة تسيطر على صناعات بأكملها، وتقوم بتخطيط عملياتها بعناية مدققة فلا تكتفي بتركها لمصادفات السوق. وتعمل قمم هذه الصناعات في علاقات وثيقة بصورة متزايدة مع بيروقراطيات الدول. هناك، إن جاز القول، “اندماج” بين الصناعة والدولة. وهذا يجد تطوّره الأكمل في حروب إمپريالية جبارة شاملة، يعمل فيها الدولة والرأسمال معا على تخطيط اقتصاد الحرب داخليا، في الوقت الذي يسعيان فيه إلى تحطيم الرأسماليات المنافسة تحطيما ماديا.

واقتصاد الحرب دقيق التخطيط إلى حد أن أولئك الذين ينطلقون من نظرة بسيطة، لا تاريخية، للرأسمالية لا يعودون ينظرون إليه على أنه رأسمالي. كان هذا على سبيل المثال، الاستنتاج الذي انتهَى إليه اقتصادي الماركسية النمسوية الشهير، هيلفردنج، بشأن اقتصاد ألمانيا النازية. ففي داخل اقتصاد الحرب يكون الإنتاج مخططا من أعلى ولا يعتمد على تقلبات السوق، على التفاعل بين السلع. أما تجارته الخارجية فمحدودة بالضرورة.

يلحّ كليف، مع ذلك، على أن اقتصاد الحرب يظلّ نوعا من الرأسمالية. لأنه إذا كانت منافسة “السوق الحر” من الطراز القديم لا تلعب سوى دور ضئيل للغاية، فإن شكلا جديدا للمنافسة يسيطر عليه تماما. إنها المنافسة العسكرية بين طبقات رأسمالية الدولة الحاكمة المتنافسة لمختلف البلدان. ولهذه المنافسة آثار على تنظيم الإنتاج داخل كل بلد مماثلة لتلك التي للمنافسة الاقتصادية على تنظيم الإنتاج داخل كل شركة.

للتنافس عسكريا فيما بينهم، يكون على حكام كل بلد أن يتحقّقوا من أن إنتاجية العمل تحت سيطرتهم ليست أدنى من تلك التي لدى منافسيهم. وفي كل مرة يستثمر فيها منافسوهم في معدّات جديدة وتكنولوچيا أكثر تقدّما يكون عليهم أن يحاولوا أن يفعلوا نفس الشيء. وفي كل مرة ينجح فيها منافسوهم في الحصول على فائض أكبر لاستثمارهم عن طريق رفع معدّل استغلال عمالهم، يكون عليهم أن يحاولوا أن يباروهم في محاولاتهم.

بهذه الطريقة تغدو مختلف إجراءات العمل الملموس المبذول في مختلف المصانع في مختلف أنحاء العالم مرتبطة ببعضها، وتُقاس ببعضها، وتتحوّل إلى تعبيرات عن عمل مجرد مشترك ويُجبر تهديد الهزيمة العسكرية طبقة رأسمالية الدولة الحاكمة العملاقة على أن تفرض قانون القيمة على مشروعاتها تماما كما يُرغم تهديد الإفلاس على ذلك أصغر صاحب مشروع منفرد.

هذا هو التحليل الذي يستخدمه كليف لفكّ شفرة لغز روسيا الستالينية. كانت سياسات ستالين بعد 1928 تقتضي تحويل روسيا إلى اقتصاد أسلحة ضخم، يسيطر عليه الاندفاع إلى مراكمة الأساس الاقتصادي للقوة العسكرية، وقبل كل شيء الصناعة الثقيلة. كان ستالين يُخضع اقتصاد الاتحاد السوڤييتي ككل لضغوط شكل خاصّ من أشكال المنافسة الرأسمالية العالمية (لقانون القيمة على نطاق عالمي)، حتى وهو يمنع المنافسة بين مختلف أقسام الاقتصاد داخل الاتحاد السوڤييتي.

هذه السيطرة عن طريق المنافسة هي التي تفسّر السمة الأكثر لفتا للنظر في التنمية الاقتصادية في الاتحاد السوڤييتي: الطريقة التي كشفت بها عن نفس الدينامية التي أكد ماركس أنها فريدة للرأسمالية -السعي الذي لا نهاية له إلى التراكم. في البيان الشيوعي يعقد ماركس تمييزا حادا بين “المجتمع البرچوازي” الذي لا يكون فيه “العمل الحي سوى وسيلة لزيادة العمل المتراكم” و”المجتمع الشيوعي” حيث “العمل المتراكم ليس سوى وسيلة لتوسيع، وإثراء، وتعزيز وجود الشغيل”. والاتحاد السوڤييتي يقع على جانب “المجتمع البرچوازي” من هذه الناحية وليس على جانب الاشتراكية. ويوضح كليف لماذا.

لكن هذا ليس كل ما يسعى إلى أن يفعل. فهدفه من كشف دينامية اقتصاد الاتحاد السوڤييتي بوصفها دينامية تراكم تنافسي لا نهاية له هو استخلاص استنتاجات من أجل النضال في سبيل الاشتراكية.

أما أولئك الذين لا يُدركون حقيقة مثل هذه الدينامية فيمكنهم أن ينتهوا إلى أحد استنتاجين مشؤومين على حد سواء. الأول هو النظر إلى الفئة البيروقراطية الحاكمة على أنها أكثر تقدمية من الطبقات الرأسمالية في الغرب. ويصبح المنطق بالتالي إخضاع النضال من أجل الاشتراكية لتقديم المساعدة، أو النصيحة على الأقل، لهؤلاء الحكام. وهو منطق يقود إلى الرعب من فكرة أن الثورات الاجتماعية قد تهدّد حكمهم، وإلى الشلل أمام الأزمة الراهنة في الاتحاد السوڤييتي خشية أن تُفضي إلى “استعادة للرأسمالية”.

الاستنتاج الثاني هو النظر إلى البيروقراطية على أنها أقل تقدمية من الطبقات الرأسمالية الغربية، على أنها قوة شمولية تمنع تطور الإنسان لمستقبل غير محدود، كان ذلك طريق شاختمان في الأربعينيات والخمسينيات. وهو الطريق الذي ينجذب إليه اليوم كثير من “منظّري الطبقة الجديدة”.

أما نظرية كليف فتنتهي، بفضل إدراكها لحقيقة مثل هذه الدينامية، إلى استنتاج متميز جذريا. إنه الاستنتاج القائل بأن البيروقراطية الستالينية، شأنها في ذلك شأن الطبقات الرأسمالية الغربية، تخلق حفّار قبرها. وكلما كانت ناجحة في مراكمة الرأسمال، فإنها تخلق حجم وقوة طبقة عاملة تملك القدرة على الإطاحة بها.

البيروقراطية توسِّع أعداد الطبقة العاملة على أساس أعلى تركيز عرفه التاريخ إلى الآن. ومهما تكن المحاولات الهادفة إلى عبور الهوّة بين العمل المأجور المركّز ورأس المال المركّز، فإن البيروقراطية تخلق قوّة سوف تصطدم معها بعنف عاجلا أم آجلا[299].

عندما كُتبَتْ هذه الكلمات في أواخر الأربعينيات، كانت تبدو أقل تأثيرا بكثير من تلك التي كانت تتحدّث عن “مئات السنين من الدول العمالية المتدهورة” أو تلك التي زعمت أن البيروقراطية الروسية كانت تحكم نوعا جديدا من المجتمع العبودي لا يتعرّض لتناقضات الرأسمالية. أما اليوم فيُثبتها مدى الاضطراب الذي يجتاح الاتحاد السوڤييتي.

نقطة واحدة أخيرة. تحليل كليف وحده هو الذي يجعل بمقدورنا أن نفسّر طابع الأزمة الاقتصادية الحالية في الاتحاد السوڤييتي. فهي ترجع إلى أن الاتحاد السوڤييتي جزء من نظام عالمي يقوم على المنافسة العسكرية والاقتصادية بحيث تمة الاقتصادية الحالية في الاتي كانت تتحدّث عن مفي الات سام الاقتها، م. الي. جد البيروقراطية أن أساليبها القديمة في إدارة الاقتصاد لم تعد ملائمة.

ويحاول حكام الاتحاد السوڤييتي المحافظة على التكافؤ العسكري مع دولة تملك ضعف ناتجهم القومي الإجمالي -ولهذا يتعيّن عليهم أن ينفقوا ضعف نسبتها من ناتجهم القومي الإجمالي على الأسلحة. وتستحوذ عليهم فكرة تحديث صناعتهم الهندسية بحيث يمكنهم أن يجاروا التقدم التقني في أيّ مكان آخر في العالم. وهم ينظرون إلى الهبوط النسبي في سعر صادرهم الرئيسي، خام الپترول، في السنوات الأخيرة على أنه تهديد لإستراتيچيتهم الاقتصادية بأكملها بجعل استيراد الآلات الأكثر تقدما أمرا أكثر صعوبة. وهم يخشون بعمق، قبل كل شيء، أن لا يمكنهم أن يرفعوا إنتاجية العمل داخل الاتحاد السوڤييتي لتقترب من مستوى الولايات المتحدة.

اعتاد ماندل أن يُنكر أن الظروف الخارجية يمكنها أن تمارس مثل هذه الضغوط على الاقتصاد الروسي، وكتب قائلا إن هذا يعني زعم “أن ذيلَ واحدٍ في المائة من الناتج المستورد من والمصدّر إلى البلدان الرأسمالية المتقدمة هو الذي يهزّ كلب الاقتصاد الروسي”[300]. أما الآن فهو يسلّم بأن هذه الضغوط قائمة، لكنه لا يستطيع دمجها في تحليل شامل. وهكذا، كما رأينا، يرى ماندل تناقضا بين “قانون القيمة” و”الاستبداد البيروقراطي” دون أن يفسّر كيف يعمل ذلك القانون ولماذا كان ينبغي أن يأتي التناقض إلى الصدارة الآن.

لكنك بمجرد أن تدرك أن الاتحاد السوڤييتي بلد رأسمالية دولة بيروقراطية يصبح من السهل جدا إكمال التحليل. استجابت البيروقراطية الستالينية للأزمة العالمية في الثلاثينيات والتهديد المتعاظم بالحرب بالسعي إلى مراكمة الرأسمال داخل البلاد مع خفض صلاتها التجارية الخارجية إلى حدّ أدنى. ومن هذه الناحية، لم تكن البيروقراطية تسلك سلوكا بالغ الاختلاف عن الطبقات الحاكمة في كثير من البلدان الرأسمالية في الغرب والعالم الثالث. كانت الفترة بأكملها فترة اقتصادات مكتفية ذاتيا نسبيا تتدخل فيها الدولة لكيْ تمنع انطلاق الأزمات العنيفة من عقالها ضمن الاقتصاد الداخلي -فترة الكينزية في الغرب، وتنمية إحلال الواردات في بلدان كالأرچنتين والبرازيل، ومحاولات نسخ “التخطيط” الستاليني في الصين وحتى في الهند.

لكنْ في الستينيات والسبعينيات وصلت مثل هذه المقاربات في كل مكان بصورة متزايدة إلى تناقض مع تدويل الاقتصاد العالمي. كان تركيز الرأسمال يعني أن الموارد اللازمة للبقاء في الطليعة في الصناعات الأكثر تقدُّما بدأت تتجاوز الموارد الداخلية لكل الدول تقريبا؛ وكانت مواكبة التطورات في التكنولوچيا تعني بصورة متزايدة صياغة علاقات مع أضخم الشركات المتعدّدة الجنسيات. أما الصناعات التي كانت قد تطورت داخل نطاق الحدود القومية فلم يكن بمستطاعها عندئذ أنْ تبقى إلا في حالة إعادة بنائها كجزء من تقسيم عالمي جديد للعمل.

كان من الممكن أن تكون إعادة البناء مؤلمة حتى لرأسماليات الدولة المحدودة والمفتوحة نسبيا مثل تلك التي في بريطانيا. أما في رأسماليات الدولة الكاملة والأكثر اكتفاءً ذاتيا في الشرق فيمكنها أن تكون مدمِّرة. فهي لا تهدد فقط أوضاع وأسباب عيش كثير من العمال، بل تهدّد أقساما بأكملها من الجهاز البيروقراطي-الإداري ذاته. ولا يمكن أن تكون هناك أيّ ضمانة، حتى في حالة استكمالها بنجاح، على أن الأوضاع في العالم الخارجي لن تكون قد تبدّلت خلال الفترة الفاصلة، تاركة اقتصاد الاتحاد السوڤييتي كما كان -دون مستوى المنافسة.
تواجه الطبقة الحاكمة الروسية المشكلة التي تنقضّ دوريّا على كل طبقة حاكمة رأسمالية. إن نفس الأساليب التي سمحت بتراكم ناجح في الماضي لا تعود تفعل ذلك. ولأنها جزء من نظام عالمي فإن عليها أن تحاول تغيير أساليبها لكن محاولاتها لأن تفعل ذلك تُطلق من عقالها قوى اجتماعية لا يمكنها أن تُسيطر عليها. وكما كتب ماركس في البيان الشيوعي:

لا يمكن للبرچوازية أن توجد دون أن تقوم على نحو متواصل بتثوير أدوات الإنتاج وبالتالي علاقات الإنتاج ومعها علاقات المجتمع بأسرها… هذا التثوير المتواصل للإنتاج، والاضطراب المتواصل لكلّ الشروط الاجتماعية، والشكّ والقلق الدائمان -كل هذا يميز العهد البرچوازي من كل العهود السابقة. إن كافة العلاقات الثابتة، البالغة الجمود، بما يلازمها من تحيزات وآراء قديمة ومبجلة يجري اكتساحها، وكافة العلاقات الجديدة تغدو عتيقة قبل أن تجد الوقت الكافي للتشكُّل والرسوخ. كلّ ما هو صلب يذوب في الهواء، وكل ما هو مقدس يُنتهك، وفي نهاية الأمر يصبح الإنسان مجبرا على أن يواجه بوعي يقظ شروط حياته وعلاقاته بنوعه[301].

لم يعد بإمكان برچوازيات الدولة الستالينية في الشرق أن تهرب من هذه الدينامية الرأسمالية العنيفة أكثر مما بإمكان البرچوازيات “الخاصة” (وبدقة أكثر: برچوازيات رأسمالية الدولة الاحتكارية) في الغرب والعالم الثالث. هذا هو الأمر المثير للغاية فيما يجري في الاتحاد السوڤييتي اليوم. لكنْ لتفهم لماذا، عليك أن تتجاوز صيغ ماندل المبهمة، وغير المتماسكة والمتناقضة مع نفسها، وأفضل طريقة لعمل ذلك هي أن تنطلق من كتاب كليف.

« السابق التالي »