بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العاصفة تهب – حول انهيار النموذج السوفييتي

« السابق التالي »

حول نظريات الطبيعة الاجتماعية لبلدان النموذج السوڤييتى

تذييل بقلم المترجم

إلى أين تؤدي التطورات الجارية في الاتحاد السوڤييتي (خاصة منذ 1986 والپيريسترويكا) وبلدان أوروپا الشرقية (خاصة بعد انهيار نظمها الحاكمة في أواخر 1989)؟

هذا هو السؤال الذي يطحن ويعتصر عقول وقلوب الماركسيين (بالمعنى الواسع للكلمة) في كل مكان في العالم. وتتوالى الأسئلة القلقة المؤرقة: إلى اشتراكية ذات وجه إنساني مهما يكن ظاهر مسار التطور الفعلي بعيدا تماما عن أن يكون مبشرا بها؟ إلى الرأسمالية؟ وما مصير حلمهم الذي اطمأنوا طويلا إلى أنه تحقق على الأرض؟ وما مصير البشرية ذاتها في ظل مثل هذا الانقلاب في اتجاه التاريخ؟ وما مصير الماركسية بدورها في ضوء المحصلة التاريخية لتطبيقها طوال هذا القرن؟ ولابد أن تنتهي مثل هذه الأسئلة إلى سؤال جوهري: ما طبيعة النظام الاجتماعي-الاقتصادي الذي كان قائما في تلك البلدان؟ أكان اشتراكيا حقا؟ أكان رأسماليا رغم الشعارات؟ أم ماذا؟ ولا تنتهي الأسئلة: هل يمكن لمجتمع اشتراكي حقا أن يتحول إلى الرأسمالية؟ وبالمقابل: هل يحتاج مجتمع رأسمالي إلى كل هذه العواصف والأعاصير والزلازل والطوفان ليظل مع ذلك رأسماليا؟ ولا تنتهي الأسئلة بل تتواصل قلقة ومؤرقة، محيرة ومعذبة، حقيقية ومضللة، لكن مصيرية في كل الأحوال، إلى ما لا نهاية.

على أيّ حال، هذا هو السؤال الجذري الذي ألقى كريس هارمان، وهو من أبرز مفكري حزب العمال الاشتراكي في بريطانيا بزعامة توني كليف، على عاتقه مهمة الإجابة عنه في كتابه هذا “العاصفة تَهُبّ”، ولهذا العنوان صلة بكراس عنوانه “الجلاسنوست: قبل العاصفة” ألفه هارمان بالاشتراك مع آندي زيبروڤسكي، ونُشر في عدد صيف 1988 -أيْ قبل الانهيار الأوروپي الشرقي (أواخر 1989) بأكثر من عام– من الاشتراكية الأممية (المجلة النظرية الفصلية لحزب العمال الاشتراكي) والتي نشرت هذا الكتاب أيضا في عدد ربيع 1990.

ويقدم هارمان هنا استقصاءً شاملا مدققا لكل ما هو جوهري، لكل ما له مغزى، في مسار التطورات الجارية في الاتحاد السوڤييتي منذ الپيريسترويكا، وفي مجرى الأحداث التي عصفت بالأحزاب الحاكمة في أوروپا الشرقية. ورغم أن هذا الاستقصاء الشامل المعمق هو السمة المميزة لهذا الكتاب، الذي هو كتاب سياسي في المحل الأول، لا يكتسب كتاب هارمان أهميته من مجرد الوصف الموضوعي والأمين والغني بالتفاصيل التي تطمح إلى تقديم صورة ناطقة بالحياة، بل هناك دائما ما يعمق مغزى هذا الاستقصاء لما هو راهن من بحث عن جذور الأزمة الراهنة، وكشف للبنية الاجتماعية-الاقتصادية التي كانت هذه الأزمة ممكنة بل حتمية ضمن إطارها، واستكشاف لصورة المستقبل، للنتائج التي لابد أن تؤدي إليها هذه التطورات التاريخية في نهاية الأمر. والحقيقة أن إجابة هارمان حاسمة: الانتقال من شكل للرأسمالية إلى شكل آخر لنفس الرأسمالية، الانتقال من رأسمالية الدولة إلى الرأسمالية المتعددة الجنسيات.

لا جدال بطبيعة الحال في أن إجابة هارمان لن تكون مُرضية لجميع المعنيين، كما أنه لاشك في أنها إجابة واحدة بين إجابات متعددة، موجودة أو محتملة، حاسمة أو مترددة. ذلك أن كافة محاولات تفسير (واتخاذ موقف إزاء) التحولات الجارية في البلدان المعنية وغيرها من البلدان التي ظلت توصف بأنها بلدان اشتراكية (خاصة: الصين، ڤييتنام، كوريا الشمالية، كوبا، ألبانيا، يوغسلاڤيا -وقد امتدت العاصفة إلى البلدين الأخيرين بعد نشر هذا الكتاب) ليست مجرد استجابات وردود فعل تلقائية أو عارضة لهذه التحولات العاصفة، بل ترتبط ارتباطا وثيقا بالنظريات المتعددة الأقدم عهدا والتي لا يقل عمر أحدثها عن عدة عقود: نظريات الطبيعة الاجتماعية لهذه البلدان. بل يمكن القول إن كافة المحاولات والتفاسير والتحليلات والأحكام الجديدة ما هي إلا اجتهادات نظريات الطبيعة الاجتماعية، الأصلية القديمة، من خلال محاولات أنصارها ومفكريها فهم هذه التحولات الجديدة.

على أن إجابة هارمان تستمد مغزى خاصا من الظروف التي جاءت فيها، من واقع أنها جاءت “أثناء العاصفة”. ظلت النظرية القائلة بأن البلدان المعنية رأسماليات دولة بيروقراطية، والتي تمثل إجابة هارمان إجابتها على السؤال الراهن، نظرية محدودة الشعبية في ظل السيادة العالمية لماركسية الحزب الشيوعي السوڤييتي. والآن.. بعد اندلاع العاصفة التي ألقت بأنصار الخط السوڤييتي في كل مكان إلى متاهات لا مخرج منها من الحيرة وفقدان الاتجاه والتشوش والإحباط والتي أدت ولا بد أن تؤدي بالكثيرين منهم إلى إعادة النظر في الماركسية السوڤييتية برمتها، أصبح من المحتمل تماما أن تجد نظرية توني كليف عن رأسمالية الدولة البيروقراطية وكذلك كل تحليل يرتكز عليها للتطورات الراهنة آذانا صاغية بصورة متزايدة. بل يمكن القول إن إفلاس جملة من النظريات “الماركسية” المتعددة والمتناقضة حول هذه القضية المحورية سيدفعنا من الآن فصاعدا إلى الإصغاء إلى هذه الإجابة وإلى هذه النظرية التي ترتكز عليها بعقول وقلوب مفتوحة.

وخلال قرابة ثلاثة أرباع القرن منذ ثورة 1917 وظهور الاتحاد السوڤييتي ثم بقية بلدان ما يسمَّى بالمنظومة الاشتراكية العالمية تبلورت عدة نظريات نكتفي بالإشارة إلى أبرزها حسب الترتيب الزمني:

1 – نظرية أن هذه البلدان اشتراكية، وهي نظرية هذه البلدان عن نفسها، وهي أيضا النظرية التي ظلت سائدة في الحركة الشيوعية العالمية، وهي النظرية الموسكوڤية المرتبطة بالنموذج السوڤييتي للاشتراكية.

2 – نظرية أن هذه البلدان لا هي اشتراكية ولا هي رأسمالية، بل هي في مرحلة انتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية أمامها احتمالان: إلى الأمام نحو الاشتراكية عبر انتصار ثورة سياسية عمالية أو إلى الوراء نحو الرأسمالية عبر انتصار ثورة (اجتماعية) مضادة بيروقراطية-برچوازية تحطم مقاومة الپروليتاريا. وهذه نظرية التروتسكية والأممية الرابعة.

3 – نظرية أن هذه البلدان تمثل نظاما استغلاليا جديدا لكنه ليس رأسماليا هو نظام الجماعية البيروقراطية وهي نظرية ماكس شاختمان وچيمس بورنهام إلخ…

4 – نظرية أن هذه البلدان رأسمالية دولة منذ 1929 في الاتحاد السوڤييتي ومنذ البداية في غيره من البلدان المعنية. وهذه نظرية توني كليف في كتابه: رأسمالية الدولة في روسيا (1948)، وهي نظرية حزب العمال الاشتراكي في بريطانيا.

5 – نظرية أن الاتحاد السوڤييتي بلد رأسمالي، إمپريالي اشتراكي، يهيمن على توابعه الأوروپية الشرقية، إلخ.. وهذه هي النظرية الماوية الأحدث عهدا والتي سيطرت على الصين (وألبانيا) لفترة (في الستينيات والسبعينيات) وكان لها صداها في الحركة الشيوعية العالمية قبل أنْ تتلاشى تقريبا مع تصفية الماوية في الصين في أعقاب وفاة ماو تسي تونج (1976) واتجاه الصين إلى سياسة عملية لا جدال فيها.

لا يتسع المجال هنا بطبيعة الحال لأيّ مناقشة مستفيضة لهذه النظريات. وإنما يهمنا في سياق هذه الإشارات إلى الإطار التاريخي النظري العام لكل تحليل للتطورات الراهنة أن نؤكد ما يلي: لا يمكنك في الواقع أن تبحث بجدية الطبيعة الاجتماعية للتطورات الراهنة دون أن تنطلق من إحدى هذه النظريات (أو غيرها). ينبغي بالتالي أن ينتبه كل المعنيين إلى أن البحث الأعمق المطلوب الآن يتعلق بالطبيعة الاجتماعية الأصلية لهذه البلدان وبالنظريات العديدة التي تبلورت على مدى عقود حول هذه المسألة، والتي فرضت نفسها أخيرا ساعة حسمها: أولا في مجرى الواقع الفعلي للتطورات الجارية، ثم أثناء وبعد ذلك -حسب استعداد الماركسيين نظريا وسياسيا ونفسيا- على مستوى النظريات.

لا بد من الإشارة هنا إلى أن نظريات الطبيعة الاجتماعية للبلدان المعنية هي بحكم طبيعتها نظريات “بعد التجربة”، فبعكس النظرية الماركسية الأصلية السابقة على الثورات والتجارب الاشتراكية عن الاشتراكية تتميز النظريات الجديدة بأنها تقييم وتنظير للتجربة، بأنها نظريات عن التجربة، عن واقع عيني، وليست نظريات عن مبادئ هدف ضروري تاريخيا لم يوضع بعد موضع التطبيق.

وتنطوي كل نظرية عن الطبيعة الاجتماعية لهذه البلدان، بالضرورة، على نظرية خاصة بها عن الاشتراكية، وهي ليست بالضرورة النظرية الماركسية الأصلية عن الاشتراكية. فلا يمكن لنظريات متعارضة عن الواقع السوڤييتي المحدد مثلا أن تكون منطلقة من مفهوم واحد للاشتراكية هو مفهومها الماركسي. ولا يمكن أن تقول إحداها إن الواقع المعنيّ الواحد اشتراكي وتقول أخرى إنه رأسمالي وتقول ثالثة إنه انتقالي إلخ… دون أن نستنتج من هذا التعارض الجذري أن هذه النظريات عن الطبيعة الاجتماعية تنطوي على نظريات متعارضة جذريا عن الاشتراكية بل كذلك عن الرأسمالية وعن الدولة وعن أساليب الإنتاج بوجه عام على المستوى النظري. كما أنه لا يمكن لهذه النظريات المتعارضة عن الاشتراكية أن تكون ماركسية أو صحيحة في آن معا. ولهذا فمن الواجب عندما نكون بصدد فحص نظرية من نظريات الطبيعة الاجتماعية أن نبحث نظريتها الخاصة عن الاشتراكية من حيث مدى اتفاقها مع أو اختلافها عن النظرية الماركسية عن الاشتراكية، رغم أن كل نظرية خاصة عن الاشتراكية تعلن نفسها ماركسية وتتخف وراء أقنعة ماركسية وتغرق مبادئها الخاصة بفيض من المصطلحات والعبارات الماركسية ومن الحق الذي أريد به الباطل.

تعلن النظرية السائدة والأقدم عهدا حول الطبيعة الاجتماعية للبلدان المعنية، أيْ النظرية السوڤييتية، أنها بلدان اشتراكية.
فإلى أيّ مدى تتطابق هذه النظرية عن الاشتراكية مع موضوعها، أيْ الواقع العيني للبلدان المعنية؟ وإلى أيّ مدى تتطابق هذه النظرية وموضوعها معا مع النظرية الماركسية عن الاشتراكية؟

الواقع أن التطابق بين نظرية الطبيعة الاشتراكية ومفهومها عن الاشتراكية وموضوعها التجريبي تطابق جوهري، بل هو الاندماج بعينه، فهذه النظرية ليست في واقع الأمر سوى تنظير لهذا الموضوع، وبعبارة أخرى فهي نظرية تم “تفصيلها” على “مقاس” التجربة، لكن بعبارات “ماركسية”.

هذا الحكم الذي يبدو متسرعا للغاية وقاسيا للغاية يؤكده مع ذلك واقع أن المحتوى الفعلي لهذه النظرية لم يكن محتوى نقديا بل كان طوال تاريخها محتوى ذيليا: البحث من داخل حدود التجربة ودون لجوء إلى معايير من خارجها (من الماركسية بالذات) في طبيعة ومشكلات وحلول هذه التجربة. ويعرف الجميع الظروف التي أحاطت بنشأة هذه النظرية وبتطور موضوعها ذاته: ظروف الديكتاتورية الستالينية التي لم تنجح ولم ترغب الإصلاحات الفوقية السابقة للپيريسترويكا في أكثر من تصفية أساليبها الأشد وحشية وضراوة.
لكن حقيقة الطابع الزائف والملفق لهذه النظرية تتجلَّى بكل وضوح عند أدنى مقارنة لنظريتها عن الاشتراكية ولموضوع هذه النظرية مع النظرية الماركسية عن الاشتراكية. والواقع أن تلك النظرية لم يكن بمستطاعها أن تدّعي أن البلدان المعنية اشتراكية إلا بعد أن تسلحت بنظرية عن الاشتراكية تتعارض تعارضا جذريا مع الاشتراكية الماركسية. فالمسألة كما ترى ليست مسألة نظرية ماركسية (آن الأوان لبحث صحتها من بطلانها) وتطبيق (آن الأوان لبحث نجاحه من فشله) لنفس هذه النظرية، كما يحاول بعضهم طرح المسألة، بل هي مسألة خاصة بنظرية أفرزها واقع بعينه وقدّمها على أنها هي النظرية الماركسية عن الاشتراكية.

فبدلا من النظرية الماركسية عن الاشتراكية والتي تنظر إلى هذه الأخيرة على أنها تحرير الطبقة العاملة لنفسها بنفسها: بوصفها بقيادة حزبها الماركسي الثوري القوة الأساسية للثورة الاشتراكية وبوصف سلطتها والتي هي ديكتاتورية الپروليتاريا ديمقراطية مباشرة تسيطر من الناحية الفعلية وليس بالأقوال وحدها على الدولة والاقتصاد والتخطيط والسياسة الداخلية والخارجية الأممية، حيث لا تمثل ملكية الدولة إلا شكلا للملكية الفعلية والإدارة الفعلية لهذه الملكية من جانب الطبقة العاملة وبقية الجماهير العاملة، وحيث يكتسب التخطيط طابعه الاشتراكي من كونه تخطيطا للإنتاج والتوزيع تباشره الطبقة العاملة لمصلحتها ولمصلحة الاشتراكية والشيوعية إلخ إلخ إلخ.. -بدلا من هذا نجد أن ملكية الدولة هي قدس أقداس النظرية السوڤييتية فالدولة التي تقيمها اشتراكية والتخطيط القائم عليها اشتراكي وطابع قوى الإنتاج التي ترتكز عليها اشتراكي ومستويات المعيشة التي تنشأ في ظلها مكاسب اشتراكية والأيديولوچية التي تنقشها على صدرها اشتراكية. كل هذا بفضل ملكية الدولة في حد ذاتها أما كل تحليل ماركسي لملكية الدولة لفهم طابعها الاجتماعي الحقيقي فهرطقة لا معنًى لها.

وهذه النظرية غريبة على أيّ احتجاج نقدي بأن البيروقراطية الستالينية غدرت بثورة أكتوبر واغتصبت السلطة وأقامت ديكتاتورية معادية للطبقة العاملة واستندت إلى شرعية ثورة أكتوبر وتأميمها وملكيتها العامة وإلى أيديولوچية اشتراكية ماركسية مزيفة وإلى تحطيم كافة مؤسسات الديمقراطية الاشتراكية من سوڤييتات ونقابات ووسائل إعلام وإلى حزب مغانم شيوعي هو في حقيقته جهاز نوعي من أجهزة الدولة لتقيم مشروعا للتصنيع وتطوير القوى المنتجة يحتل فيه التراكم مركز الصدارة على حساب حاجات الجماهير العاملة وتتضخم من خلاله امتيازات البيروقراطية وتغدو الطبقة العاملة في مجراه محرومة من أيّ أسلحة للنضال. ومثل هذا المشروع لا يمكن أن يكون في ظل الشروط التاريخية الراهنة شيئا آخر سوى مشروع رأسمالي لا بدّ له من أن يمرّ بمرحلة طويلة غير تقليدية لأنه نتاج ثورة مغدورة تقيّده مع ذلك ببعض خصائص نشأته التي يستمدّ منها شرعيته ذاتها. وعندما تصل التحولات الراهنة في الاتحاد السوڤييتي وأوروپا الشرقية (ولا يعرف أحد متى يأتي الدور على الصين وڤييتنام وكوريا!) إلى نقطة الرأسمالية الصريحة السافرة (مهما يكن شكلها: رأسمالية دولة، رأسمالية خاصة، رأسمالية متعددة الجنسيات) التي لا يختلف اثنان حول طبيعتها، سيتجلَّى بوضوح أن ادّعاء أن الاشتراكية بعد أن توطدت وتطورت ونضجت يمكن أن تتحول إلى رأسمالية ادّعاء سخيف حقا وسيدفع ذلك دون شك إلى إعادة النظر في الأسطورة التي سيطرت على الجميع (باستثناء أقليات من الماركسيين) من أوائل القرن إلى أواخره، أسطورة أن البلدان المعنية بلدان اشتراكية، هذه الأسطورة التي صدّقتها هذه البلدان عن نفسها، وصدّقها أنصار الاشتراكية خارجها، وصدّقها حتى أعداؤها الإمپرياليون والرجعيون في كل مكان.

يبدو أن من العبث أن نتوقف هنا عند محاولات تفسير التطورات الجارية لدى أصحاب وأنصار هذه النظرية التي تعصف بها الآن هذه التطورات ذاتها في البلدان المعنية، كما تدخل الأحزاب الشيوعية التي تبنتها تاريخيا في متاهات لا فكاك منها وها هي الأحزاب الشيوعية الغربية تدخل في عمليات لا تنتهي من تغيير الأسماء والبرامج والمبادئ، من الإحباط العام والإحساس بأنها فقدت مبرر وجودها إلخ إلخ.، على أن الميل المتزايد إلى التحرر من الأوهام في صفوف مناضلي الأحزاب التي تتبنَّى هذه النظرية، تحت ضغط التحولات العاصفة، يدفع وسيدفع الكثيرين منهم إلى إعادة النظر في نظرية الطبيعة الاشتراكية بعيدا عن الأوهام الجديدة التي أطلقتها هذه التحولات ذاتها عن زواج الاشتراكية والحرية، عن اشتراكية ذات وجه إنساني، عن اشتراكية السوق، إلخ إلخ… هذه الأوهام التي لا تبدو بالغة الانسجام مع المجرى الفعلي للتطورات ومع تعبير البيروقراطية السوڤييتية عن أهدافها بتشريعات وبرامج وخطط وتدابير قاطعة التحدد وبلغة بالغة البلاغة ناهيك عن انهيار نظم أوروپا الشرقية التي تحكمها الآن أحزاب معادية للشيوعية والتي تراجعت الأحزاب الشيوعية فيها حتى بعد تغيير الأسماء والبرامج إلى موقع معارضة هزيلة.

سنكتفي بإشارة موجزة هنا، قبل الحديث عن تروتسكية الأممية الرابعة، إلى كل من نظرية الجماعية البيروقراطية ونظرية الإمپريالية الاشتراكية.

يعتقد كاتب هذه السطور أن المأثرة الحقيقية لنظرية الجماعية البيروقراطية هي اكتشافها المبكر لواقع أننا إزاء مجتمع استغلالي لكنني أعتقد أيضا أن مشكلاتها الجوهرية تتمثل في أنها لم تتعرّف في علاقات الإنتاج الاستغلالية على أساس قوى الإنتاج المناظرة لتلك التي تميز الرأسمالية على مجتمع رأسمالي بدلا من “اكتشاف” نظام استغلالي جديد بسبب نظرتها إلى ملكية الدولة بعكس نظرية توني كليف التي ربطتها مباشرة برأسمالية الدولة البيروقراطية مبرهنة أن ملكية الدولة ليست مبررا حقيقيا لاكتشاف أسلوب إنتاج خاص.
أما نظرية الإمپريالية الاشتراكية (التي كانت قد حلّت في أواخر الستينيات محل نظرية صينية سابقة قصيرة العمر هي نظرية التحريفية وخطر استعادة الرأسمالية) فقد تم إعدادها في سياق ما سُمِّيَ بالنزاع السوڤييتى-الصيني كأداة من أدواته وليس كنظرية ماركسية أصيلة تطمح إلى التفسير والتغيير. وتتمثل مشكلتها الجوهرية في انطلاقها من خرافة إمكانية الانتقال من الاشتراكية إلى الرأسمالية، ذلك أن هذه النظرية نظرت إلى عهد ستالين على أنه كان قلعة للاشتراكية رغم أخطائه وسلبياته، ولم يبدأ الانحراف عن الاشتراكية والماركسية في نظرها إلا بعد ذلك العهد من خلال الإصلاحات “التحريفية” اللاحقة.

والحقيقة أن كاتب هذه السطور يجهل أيّ تناول لأنصار نظرية الجماعية البيروقراطية للتطورات الراهنة ويرى في تفسير بعض أنصارها المحليين لهذه التطورات بأنها تجري في إطار الانتقال من الجماعية البيوقراطية إلى الرأسمالية، انطلاقا من أن الجماعية البيروقراطية ذاتها لم تكن سوى أسلوب إنتاج “انتقالي” من الإقطاع إلى الرأسمالية، نفس الميل الأصلي إلى المبالغة في شكل الملكية وإلى اكتشاف أساليب إنتاج انطلاقا من ملكية الدولة. كما أن من العبث أن نبحث اليوم عن تفسير ماوي محتمل للتطورات الراهنة بعد اختفاء الماوية من حكم الصين ومن التأثير القويّ خارجها.

والآن، وسط نظرية الطبيعة الاشتراكية والنظرية التي تناقضها على طول الخط، نظرية رأسمالية الدولة البيروقراطية، تبرز نظرية الطبيعة الانتقالية للبلدان المعنية وهي نظرية تروتسكية الأممية الرابعة. وبحكم منطقها الداخلي (الطابع الانتقالي) تتضمن هذه النظرية احتمال أن تؤدي التحولات الراهنة إلى مصائر متعددة:

* استمرار المجتمع الانتقالي لفترة أخرى (في حالتي نجاح أو فشل الإصلاح البيروقراطي الفوقي).

* الانتقال من المجتمع الانتقالي إلى الاشتراكية عن طريق ثورة سياسية عمالية (تفتح التحولات الراهنة سبيلا إليها).

* الانتقال من المجتمع الانتقالي إلى الرأسمالية عن طريق ثورة مضادة تحطم مقاومة الطبقة العاملة.

ونظرية المجتمع الانتقالي هي في الأصل نظرية تروتسكي الذي كان ينظر منذ نصف قرن إلى حسم هذا التناقض بثورة سياسية عمالية (ذات نتائج اجتماعية عميقة) أو بثورة مضادة برچوازية تحطم مقاومة الطبقة العاملة على أنه مسألة سنوات قليلة أو حتى أشهر قليلة فقط. وإذا كانت تلك النبوءة لم تتحقق، بل حتى إذا كانت نظرية المجتمع الانتقالي قد فات أوانها في ذلك الحين، فإن الروح الثورية لموقف تروتسكي كانت تتمثل في هذا النداء: ثورة أكتوبر تجري الآن تصفيتها على أيدي البيروقراطية الحاكمة باسم الطبقة العاملة ولكن ضدها فإما ثورة عمالية توقف هذا الانحدار وتستأنف السير في اتجاه الاشتراكية وإما الرأسمالية عن طريق الثورة المضادة التي أضحت مستعدة تماما للانقضاض، وبعبارة أخرى: انقذوا ثورة أكتوبر من التصفية النهائية الوشيكة وإلا فعليها السلام.

وإذا كانت مأثرة تروتسكي الكبرى من الناحية النظرية وفيما يتعلق بالمسألة المطروحة هنا هي أنه وضع النظام السوڤييتي بين قوسين، وطرح طبيعته الاجتماعية-الاقتصادية للنقاش، وكشف طبيعة البيروقراطية المعادية للطبقة العاملة وللاشتراكية، وحذر من أن ذلك النظام كان يتجه بخطًى حثيثة نحو الرأسمالية، ودعا إلى الثورة ضدّه دون إبطاء، فقد تمثل الخطأ الكبير في موقفه في نظرية الطبيعة الانتقالية ذاتها والتي قاده إليها اعتقاده أن هناك تناقضا جوهريا بين ملكية الدولة لوسائل الإنتاج والتخطيط المركزي من ناحية وديكتاتورية البيروقراطية وامتيازاتها ومخططاتها وأهدافها الرأسمالية الأبعد مدى من ناحية أخرى، حيث تمثل ملكية الدولة هذه نقيضا مباشرا للرأسمالية. وكان هذا الخطأ الكبير هو الأب الشرعي من الناحية النظرية لتطور الفكر التروتسكي في اتجاه مناقض لروح ومحتوى موقف تروتسكي فيما يتعلق بمسألة الطبيعة الاجتماعية-الاقتصادية للنموذج السوڤييتي.

ولا جدال في نظر كاتب هذه السطور في أن نظرية المجتمع الانتقالي تنطوي على مغالطة كبرى: فالانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية يفترض النمو المطرد للجديد الاشتراكي رغم بقاء عناصر من القديم الرأسمالي لفترة تطول أو تقصر، بينما يعاني هذا “الانتقال” من النمو المطرد إلى حدّ الأزمة للقديم الرأسمالي على حساب بدايات الجديد الاشتراكي التي تحققت قبل انفراد ستالين بالسلطة. ولولا التقييم الخاطئ لملكية الدولة والتخطيط المركزي لكانت هذه المغالطة التاريخية الكبرى مستحيلة تماما.

والحقيقة أن “التروتسكية” أو “تروتسكية” الأممية الرابعة وإرنست ماندل أو “الماندلية” (وهذه الأخيرة هي التسمية الملائمة في رأي كاتب هذه السطور فيما يتعلق بالمسألة المطروحة هنا على وجه الحصر) احتفظت بالمعادلة الشكلية لنظرية الطبيعة الانتقالية عند تروتسكي: مجتمع انتقالي لا هو رأسمالي ولا هو اشتراكي يجمع عناصر من الماضي الرأسمالي مع عناصر من المستقبل الاشتراكي، أمامه احتمال الاشتراكية عبْر الثورة السياسية واحتمال الرأسمالية عبْر الثورة المضادة التي تحطم مقاومة الطبقة العاملة. وما طبقه تروتسكي على الاتحاد السوڤييتي جرى “تثبيته” عليه لكن بطريقة ملتوية ثم جرى مدّه بنفس الطريقة الملتوية إلى كافة البلدان التي سارت في طريق النموذج السوڤييتي (بعد ثورات أو تدخلات سوڤييتية). ولا يملّ ماندل تكرار هذه المعادلة التي كان حسْمها مسألة سنوات قليلة أو حتى أشهر قليلة فقط منذ أكثر من نصف قرن في نظر تروتسكي. بل تطور طرفا هذه المعادلة عند ماندل على نحو يتراجع فيه تدريجيا احتمال استعادة الرأسمالية إلى أن استبعدها نهائيا ووصفها بأنها فكرة مضحكة حتى بعد الپيريسترويكا بسنوات. ومن الجلي أن تروتسكية ماندل فيما يتعلق بمسألة طبيعة ومصائر النموذج السوڤييتي، تتعارض تعارضا جذريا مع تروتسكية تروتسكي رغم أنها تغذت نظريا وكنقطة انطلاق على نقاط الضعف في تحليل تروتسكي لهذا النموذج.

سبق أن أشرنا إلى أن نظرية الطبيعة الانتقالية تتضمن احتمال أن تؤدي التطورات الراهنة إلى مصائر متعددة: استمرار المجتمع الانتقالي لفترة أخرى، الاشتراكية، الرأسمالية. وقبل أن نرى كيف يطرح ماندل الاحتماليْن الأوليْن مستبعدا الرأسمالية استبعادا قطعيا قاطعا ينبغي أن نشير إلى أن نظرية الطبيعة الانتقالية لا تستبعدها بل هي الفكرة الأساسية في تروتسكية تروتسكي بهذا الخصوص، كما يتبنَّى اتجاه تروتسكي راهن (ديڤيد نورث) فكرة أن التحولات الراهنة تؤدي وستؤدي إلى الرأسمالية.

وفي القسم الأخير من مقدمته لكتابه: إلى أين يمضي الاتحاد السوڤييتي في ظل جورباتشوڤ؟ (15 مارس 1989 صفحات 20-23 في الطبعة الفرنسية)، يستبعد إرنست ماندل منذ البداية “احتمال حدوث استعادة للرأسمالية في الاتحاد السوڤييتي، سواء أكانت “عفوية” أو من خلال مخطط خفي لدى جورباتشوڤ، أو بالإرادة الشعبية”، فالاستعادة “العفوية” للرأسمالية تعني “التقليل على نحو غير مسموح به من شأن الدور المستقل للعامل السياسي، للدولة والقوى الاجتماعية، في مجرى الثورات المضادة. وكما أن الرأسمالية لا يمكن القضاء عليها تدريجيا فإنه لا يمكن استعادتها تدريجيا”، أما تصوّر مخطط لدى جورباتشوڤ أو الجناح “الليبرالي” للبيروقراطية لاستعادة الرأسمالية فهو “يعني أن نسيئ تماما فهم طبيعة وأسس ومدى امتيازاتهم وسلطتهم” بل يدّعي ماندل أن قبول استعادة الرأسمالية يساوي في نظر هذه الشريحة قبول الانتحار الهاراكيري الذي يمثله “قبول سلطة حقيقية للسوڤييتات، أيْ قبول إطاحة الپروليتاريا بها”، وأخيرا فإن الشغيلة “ثلاثة أرباع الشعب السوڤييتي” ليسوا مستعدين “لإعادة المصانع الكبرى، التي أقاموها بكثير من التضحيات، إلى مُلاك خاصين” فهذا لا يتفق مع “مصالحهم المادية الأكثر أولية”. ثم يناقش إرنست ماندل أربعة احتمالات “أكثر واقعية لتجربة جورباتشوڤ”:

1: نجاحها في المقرطة ورفع مستوى حياة الجماهير في حدودها الإصلاحية لكن هذا السيناريو هو الأقلّ احتمالا أمام مقاومة الفئات البيروقراطية الأكثر محافظة وجمودا وأمام “التناقضات الاجتماعية والسياسية التي تشكل عقبة أمام أيّ حل ‘إصلاحى‘ لهذه التناقضات”.
2: تجاوزها من خلال التقاء تجذير قسم من الكادر القيادي للحزب الشيوعي السوڤييتي مع تعبئة جماهيرية معادية للبيروقراطية أوسع كثيرا من تلك الجارية حاليا وبالتالي “ربيع موسكو” على غرار ربيع پراغ. وهذا السيناريو بعيد الاحتمال أيضا “لكنْ أقلّ من الأول” لأنه “في هذه الحالة ستعتبر قوى الجهاز جورباتشوڤ أهون الضرريْن بالنسبة إلى خطر ثورة من تحت”.

3: إخفاقها وهو المآل “الأكثر مدعاة للتشاؤم”: قيام القسم المحافظ من البيروقراطية العليا بوقف المقرطة وإلغاء الجلاسنوست على الفور في حالة عدم اتساع التعبئة الجماهيرية وتدهور شروط حياة وعمل الطبقة العاملة والإخفاق الاقتصادي وسيكون ذلك بالتأكيد “بمثابة كارثة للاشتراكية، في الاتحاد السوڤييتي وكذلك على المستوى العالمي” لكن الأمور لن تعود إلى وضعها السابق بعد كلّ هذه الحريات التي انتزعت والتي تجعل قمعا باتساع قمع الثلاثينيات أمرا لا يمكن تصوّره.

4: انفلاتها إلى ثورة سياسية: يتأخر تحسين شروط حياة وعمل الطبقة العاملة، ويزداد سخطها ويتحول إلى حركة جماهيرية مستقلة متزايدة الاتساع والتنظيم الذاتي متزايد التمركز من خلال استغلال الجلاسنوست:

وتعلن الجماهير ترشيح نفسها للممارسة المباشرة للسلطة. ويمتلئ شعار “كل السلطة للسوڤييتات!” بكل محتواه الكلاسيكي، في سياق اجتماعي-اقتصادي أكثر مواتاة للغاية من نظيره في 1917، أو 1923، أو 1927. وتنبثق من الپروليتاريا ومن الإنتليچنسيا الاشتراكية الراديكالية قيادة سياسية جديدة، شيوعية بالمعني الأصيل والحقيقي للكلمة، لتساعد الجماهير في تحقيق أهدافها الأساسية. وتنتصر الثورة السياسية بالمعنَى الماركسي لهذه العبارة.

والسيناريو الثالث (تدعيم الديكتاتورية) والسيناريو الرابع (الانفجار الثوري الجماهيري والثورة السياسية) لا يستبعدان بعضهما البعض على المدى الطويل بل قد يؤدي الثالث إلى الرابع، وهما الاحتمالان الأكثر رجحانا “وإنْ من خلال اجتماعهما”، وهما “ينطلقان من تقييم أكثر واقعية لعمق التناقضات الاجتماعية التي تمزّق الاتحاد السوڤييتي”.

فالاحتمالان الوحيدان عند إرنست ماندل هما باختصار:

* استمرار نفس النظام “الانتقالي” من خلال السيناريو الأول (نجاح التجربة) أو الثاني (تجاوز التجربة) أو الثالث (إخفاق التجربة).
* الثورة السياسية والاشتراكية (السيناريو الرابع).

جاءت تقديرات إرنست ماندل في ربيع 1989 لكن خريف 1989 جاء بانهيار نظم أوروپا الشرقية وباتجاه الاتحاد السوڤييتي بمزيد من التصميم نحو الملكية الخاصة والسوق وتفاقم المسألة القومية، وبدت بوادر استجابة ماندل لهذه التطورات العاصفة في بداية 1990 (في حديثه في مجلة إمپريكور) حيث سلّم بأن پولندا والمجر قد تستعيدان الرأسمالية لكنه قال أيضا إن المعركة لم تحسم بعد وإن حركة پروليتارية جماهيرية لم يشهد التاريخ لها مثيلا توشك على الاندلاع. وهذه النبوءة الأخيرة لم تؤكدها التطورات الأوروپية الشرقية والسوڤييتية حتى الآن، وإنما هي عقائدية تروتسكية حول ضرورة “مقاومة الطبقة العاملة” التي سيكون على ثورة مضادة بورچوازية أن تحطمها مع أن هذه “المقاومة” تم تحطيمها منذ عهد بعيد من خلال آليات النظام الستاليني والتي استمرت من الناحية الجوهرية بعد ستالين بدليل الحالة السياسية الراهنة للطبقة العاملة في الاتحاد السوڤييتي وأوروپا الشرقية وبقية البلدان المعنية.

ومهما يكن من شيء فإن إفلاس ماندل والماندلية فيما يتعلق بهذه المسألة المحورية من المسائل النظرية والعملية للتروتسكية والذي يشمل في آن واحد نظرية الطبيعة الاجتماعية ونظرية إعادة البناء يفتح الباب واسعا (مع التقدير الكامل للإنجازات الضخمة لماندل والأممية الرابعة في بقية المسائل النظرية والعملية للماركسية الراهنة) أمام نظرية أخرى تنطلق من تبنِّي نقاط قوة نظرية تروتسكي والعمل على التغلب على نقاط ضعفها في آن معا، وهي النظرية الأخيرة التي ننتقل إليها الآن.

هذه النظرية التي تحدد الطبيعة الاجتماعية للبلدان المعنية بأنها رأسمالية دولة وتنظر إلى إعادة البناء على أنها انتقال من شكل للرأسمالية إلى شكل آخر لنفس الرأسمالية الواحدة هي نظرية توني كليف في كتابه: رأسمالية الدولة في روسيا (1948) وهي النظرية التي “طوّرها إلى مدى أبعد ودافع عنها، بين آخرين، كريس هارمان، نايچل هاريس، دنكان هالاس، پيتر بينس” كما يقول چون مولينو في كتابه: نظرية الثورة عند ليون تروتسكي (1981، بالإنجليزية، الإشارة رقم 90، الفصل الرابع) وهي، كما سبق القول، نظرية حزب العمال الاشتراكي البريطاني.

ترى هذه النظرية أن النظام السوڤييتي الناشئ عن ثورة أكتوبر 1917 تحوَّل إلى رأسمالية دولة عبر مسار تبرز فيه حقائق أساسية: تخلُّف قوى الإنتاج، دمار الحرب الأهلية التي دمرت أيضا الطبقة الثورية ذاتها، صعود البيروقراطية الستالينية كطبقة رأسمالية حاكمة: تمثل سنة 1929 تاريخا حاسما في هذا المسار. وفي مقاله المعنون: من تروتسكي إلى رأسمالية الدولة (إنترناشونال سوشاليزم، عدد صيف 1990)، يشير كريس هارمان إلى تغيرات كبرى تمت دفعة واحدة في شتاء 28-1929، موجزا أفكار توني كليف في كتابه سالف الذكر:

في شتاء 28-1929 قامت البيروقراطية، التي كانت تتذبذب من قبل بين الطبقة العاملة والفلاحين، بالهجوم الضاري عليهما معا. تمّ تحطيم العناصر الأخيرة من الرقابة العمالية في المصانع؛ وتمّ القضاء تماما على الاستقلال النقابي؛ وهبطت الأجور الحقيقية بنسبة 30 أو 40 في المائة؛ ومُنحت الشرطة السياسية حرية التصرف لمحو بقايا النقاش داخل الحزب، وأضحى النضال ضد “المساواتية” سياسة دولة في حين أخذت التفاوتات بين البيروقراطية والعمال تزداد بصورة كبيرة؛ وتمّ طرد الفلاحين من الأرض من خلال ما يسمَّى “بالتجميع”؛ وتضاعف عدد المساجين في معسكرات العمل 20 مرة في غضون سنتين (ليتضاعف من جديد عشر مرات في العقد التالي)؛ واستخدم الترويس لتحطيم استقلال الجمهوريات السوڤييتية غير الروسية.

ويقول چون مولينو في كتابه سالف الذكر (ص 137) عن ذلك التحول:

وفي رأسمالية الدولة في روسيا أثبت توني كليف بالتحليل التفصيلي، أنه ابتداءً بالخطة الخمسية الأولى، تمّ إخضاع الاقتصاد السوڤييتي بكل قسوة للتراكم وإنتاج وسائل الإنتاج، كنقيض لاستهلاك العمال. وذلك في تناقض صارخ مع فترة 21-1928 حيث كان هناك، رغم التشوّه البيروقراطي، نموّ متوازن إلى حدّ ما للإنتاج، والتراكم، والاستهلاك.

أيْ أن استعادة الرأسمالية في الاتحاد السوڤييتي تاريخ قديم تحقق منذ أكثر من ستين سنة فلا مجال للحديث (منذ ذلك العهد القديم) عن مجتمع اشتراكي أو انتقالي كما تفعل النظرية السوڤييتية والنظرية التروتسكية على التوالي انطلاقا من ملكية الدولة والتخطيط المركزي الشامل اللذيْن ينظر إليهما كليف على أنهما الأداتان الضروريتان لرأسمالية الدولة البيروقراطية، واللذيْن يرتكز كليف على دراسة مستفيضة معمقة للاقتصاد السوڤييتي ولعلاقات الإنتاج والتوزيع في المجتمع السوڤييتي للكشف عن طابعهما الطبقي الحقيقي الذي تخفيه النظريات التي لا تتصور الرأسمالية إلا في شكل الرأسمالية الخاصة والملكية الخاصة والفردية.

ويودّ كاتب هذه السطور أن يشير هنا إلى تبنيه من الناحية الجوهرية لنظرية رأسمالية الدولة البيروقراطية في السنوات الأخيرة. لكنني أودّ أيضا أن أؤكد أن هذا التبني لا يمتدّ إلى كافة وجهات نظر هذا المذهب الماركسي: الفكري السياسي التنظيمي، ولا يخلو من تحفظات هامة على بعض الأفكار المرتبطة بنظرية رأسمالية الدولة البيروقراطية. وسأشير فقط إلى نقطة واحدة: يبدو أن هجوم هذه النظرية على المبالغة في دور ملكية الدولة في نظريات أخرى قادها إلى المبالغة في تصور أن رأسمالية الدولة الشاملة يمكن أن تكون نظاما “دائما” في بلد واحد أو في مجموعة من البلدان، ولهذا لم يكن باستطاعتها أن تتنبأ بانهيار محتمل لهذا الشكل من أشكال الرأسمالية ولهذا كان التهوين الدائم من إمكانية استعادة شكل الرأسمالية الخاصة رغم أن هذا الشكل لا يمكنه أن يحول في الظروف المعاصرة دون أن تحتل رأسمالية الدولة دورا بالغ الأهمية في الاقتصاد كما هو الحال في قلاع الرأسمالية الغربية ذاتها. وهنا يمكن القول إن هذه النظرية سوف تجد، تحت ضغط التطورات الراهنة، ما تتعلمه من إلحاح تروتسكي على الرأسمالية الخاصة وعلى الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج لكن ضمن إطار نظري مختلف يعتقد أن رأسمالية الدولة الشاملة يمكن أن تكون، وكانت بالفعل، مرحلة خاصة وشكلا خاصا للرأسمالية، كما يعتقد أنها ستلعب دورا كبيرا في اقتصاد البلدان المعنية في المستقبل.

وإذا كان كريس هارمان يصف محصلة التحولات الراهنة بأنها ستكون انتقالا من شكل رأسمالية الدولة البيروقراطية إلى شكل الرأسمالية المتعددة الجنسيات، مقدِّرا للدور الذي تلعبه الإمپريالية العالمية في هذه التحولات، ومتفاديا أيّ حديث عن رأسمالية خاصة بعقائدية نموذجية لدى هذا الاتجاه في هذه النقطة بالذات، فإن أيّ تحليل ماركسي مدقق لن يعثر على سور صيني بين الرأسمالية المتعددة الجنسيات والرأسمالية الخاصة والفردية ولا بينهما وبين رأسمالية الدولة. وكريس هارمان لا يقيم مثل هذا السور بصورة مباشرة على أيّ حال وإنْ كان تفاديه العقائدي لكل حديث عن الرأسمالية الخاصة قد يوحي به عن حق أو عن غير حق.

« السابق التالي »