بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العاصفة تهب – حول انهيار النموذج السوفييتي

« السابق التالي »

4- الاتحاد السوڤييتي: المسألة القومية

كان هناك عامل أخير شكَّل أساس التحرّر المتنامي من الأوهام إزاء جورباتشوڤ: عجزه عن التعامل مع السخط الجماهيري، الذي تنامَى عندما ازدادت الأزمة الاقتصادية سوءًا.

كانت إضرابات عمال المناجم في صيف وخريف 1989 تعبيرا عن هذا السخط -لكنْ خلال الجانب الأكبر من 1988، 1989 ألقى انفجار قومي بين الجماعات الإثنية غير الرسمية والتي تشكِّل نصف سكان الاتحاد السوڤييتي بظلاله على التعبيرات المباشرة عن النضال الطبقي. كان جورباتشوڤ غافلا عن إمكانات مثل هذه النزعة القومية عندما بدأ الپيريسترويكا. وقد كتب بعبارات تتّقد حماسا في صيف 1987:
ضد خلفية الصراع القومي، الذي لم يستثن حتى بلدان العالم الأكثر تقدما، يمثل الاتحاد السوڤييتي نموذجا فريدا حقا في تاريخ الحضارة الإنسانية. وقد لعبت الأمة الروسية دورا بارزا في حلّ مسألة القوميات[27].

أولئك اليساريون على المستوى العالمي الذين هلَّلوا لجورباتشوڤ أمكنهم أن يكونوا قصار النظر مثله تماما[28]. لكنّ بذور السخط القومي كانت ماثلة وملموسة منذ عهد بعيد لأولئك المستعدّين، أيديولوچيًّا، للبحث عنها[29].

واستمر العمَى العام عن المسألة القومية حتى بعد أن تمّ إرسال القوات إلى آلما آتا في أواخر 1986 للتعامل مع الاحتجاجات القومية حول فصل الزعيم المحلي للحزب الكازاخي، كوناييف Kunaev، وإحلال روسي، كولبين، محلّه. وسلم المعلقون في الشرق والغرب بالادعاءات الرسمية القائلة بأن المتظاهرين كانوا مخدّرين بالمخدرات التي قدّمها الزعيم المفصول[30].

ثم في فبراير 1988 اكتسحت يريڤان، عاصمة أرمينيا، فجأة، أضخم المظاهرات التي شوهدت في أيّ مكان في الاتحاد السوڤييتي منذ 1927. كانت المظاهرات حول مطالبة سكان إقليم مجاور من أقاليم جمهورية آذربيچان، ناجورنو كاراباخ، بتوحيده مع جمهورية أرمينيا. قليل من الناس خارج ذلك الإقليم سمعوا قبل ذلك اسم كاراباخ، وهو إقليم جبلي فقير يقطنه 180000 ألف نسمة فقط: على سبيل المثال، لم يذكر هذا الإقليم سوى مرة واحدة في نيويورك تايمز خلال نصف قرن[31]. لكنْ كُتب له أن يُلقي بظله على السياسة القومية على مدى السنتين التاليتين.

حمل المتظاهرون الأوائل صور جورباتشوڤ وأنشدوا بشعارات مثل “كاراباخ امتحان للپيريسترويكا”. تحدّث جورباتشوڤ ساعة ونصف في التليڤزيون الأرميني، وهرع أعضاء في المكتب السياسي إلى أرمينيا وآذربيچان من موسكو، وتدفقت حمولة 29 طائرة من القوات وتم نشرها في يريڤان. لكن المظاهرات استمرت عدة أيام إلى أنْ وافق جورباتشوڤ على مفاوضات لم يسبق لها مثيل مع ممثلين منتخبين في لقاء جماهيري ضخم.

في نفس الوقت، كان هناك اندلاع مفاجئ -وغير مفسَّر- للشغب الطائفي في سُومجايت، الميناء الصناعي الآذربيچاني على بحر قزوين بالقرب من باكو. شرعت الحشود الآذريرية فيما كان، في واقع الأمر، مذبحة للسكان الأرمن، فقتلوا 31 على الأقل[32]. وتمثل ردّ فعل السلطات في موسكو في إلقاء القبض على قلّة من المشاغبين الآذيريين وتقديمهم إلى المحاكمة، لكنه تمثل أيضا في تدفق القوات إلى كل من أرمينيا وإقليم كاراباخ وفي اعتقال زعماء اللجان التي سبق أنْ قادت التحريض القومي هناك. وادّعى مقال في الپراڤدا أن المظاهرات سيطر عليها “المحترفون والمغامرون السياسيون، من بينهم أولئك الذين اقترحوا تحويل أرمينيا إلى جمهورية ليست طرفا في الاتحاد”[33].

لقد ضُرب مثل يُحتذَى كان لابدّ من تكراره مرة بعد مرة. ففي مارس كانت هناك مظاهرات وإضرابات عامة في أرمينيا وإقليم كاراباخ. وفي يوليو كانت هناك إضرابات أخرى بعد أن أطلقت القوات النار على أحد أفراد مفرزة إضراب في مطار يريڤان فأردته قتيلا.
وفقا للسكان، خرجت القوات السوڤييتية إلى الشوارع يوم الأحد بينما كانت طائرات الهليكوبتر تحوم فوق المدينة. وذكرت التقارير أن تعزيزات ثقيلة من القوات تدفقت طوال الليل…[34].

في الصحافة الروسية، “أدانت كافة المقالات العديدة التي كانت تحلّل نداء مجلس الرئاسة المضربين الأرمن… ووُصف اﻟ 11 عضوا في لجنة إقليم كاراباخ بأنهم “مغامرون” ولا مسؤولون”[35].

لكنّ سپتمبر شهد مع ذلك مزيدا من الإضرابات في كل من إقليم كاراباخ وأرمينيا، رغم واقع أن المدن الرئيسية كانت تحت الاحتلال العسكري، وبدأ الأرمن يسلّحون أنفسهم ويتحدثون بازدراء عن طائرات الهليكوپتر الخاصة بالجيش الروسي على أنها “طيور الخطاف الخاصة بالپيريسترويكا”[36]. وعلى نحو منذر بالسوء، وقعت النزاعات الطائفية الأولى بين الأرمن والآذيريين في إقليم كاراباخ ومنطقة أجدام الآذربيچانية المجاورة، وبدأ الأرمن يفرُّون من المناطق الآذيرية والآذيريون من المناطق الأرمنية. وبحلول نهاية نوڤمبر كان هناك أكثر من مائة ألف لاجئ على الجانبين وكانت هناك إضرابات عامة ومظاهرات في كل من العاصمة الآذربيچانية، باكو، والعاصمة الأرمينية، يريڤان. وكانت الدبابات تقوم بالدوريات في شوارع كلتا المدينتين.

هدأ العنف الطائفي وكذلك الإضرابات والمظاهرات الجماهيرية مؤقتا مع زلزال أرمينيا في ديسمبر 1988. لكن قادة الاتحاد السوڤييتي لم يُبدوا سوى نفس العجز عن تقديم حلّ كما حدث على مدى الشهور التسعة السابقة. بدلا من ذلك استغل جورباتشوڤ زيارة قام بها إلى منطقة الزلزال في شجب لجنة إقليم كاراباخ الأرمينية في التليڤزيون الموجّه إلى كل أنحاء البلاد، وكان يضرب منضدة بقبضة يده بينما كان يفعل ذلك. وبينما اعتقلت القوات أعضاء اللجنة[37]، فهمت الصحافة الروسية الرسالة، وادّعت أن: “قادة إقليم ‘كاراباخ‘ يعملون بهمة -في حين أن مختلف المشعوذين الفاسدين والآباء الروحيين للمافيا المحلية يستأثرون بالثمار”[38].

في نهاية الأمر، فرض جورباتشوڤ في أوائل 1989 الحكم المباشر من موسكو على إقليم كاراباخ، كطريقة لتفادي الوقوف إلى جانب أيٍّ من أرمينيا أو آذربيچان. لكن ذلك لم يحلّ أيّ مشكلة من المشكلات. وفي الصيف والخريف نجحت منظمة آذيرية جماهيرية غير رسمية، الجبهة الشعبية الآذربيچانية، في تنظيم إضرابات أوقفت النقل بالسكك الحديدية على الحدود الأرمينية. كذلك لم تَحُلّ إعادة جورباتشوڤ إقليم كاراباخ إلى الحكم الآذربيچاني أيّ مشكلات أيضا. وبحلول يناير 1990 كان هناك ما يشبه حربا أهلية على الحدود بينما حملت المنظمات غير الرسمية على الجانبين السلاح كما وقعت مذابح متكرّرة للأرمن في باكو.

أرسل جورباتشوڤ عشرات الآلاف من القوات الثقيلة التسليح تساندها الدبابات إلى آذربيچان -لكن ليس لإنهاء المذبحة، التي كان أغلب سكان باكو من الأرمن قد هربوا منها في ذلك الحين قبل أن تفرض القوات حالة حصار على المدينة بوقت طويل. وأوضح جورباتشوڤ في التليڤزيون أنه خرج ليوقف محاولات إعلان استقلال الجمهورية عن الاتحاد السوڤييتي وهدم المواقع الحدودية التي تفصل آذربيچان السوڤييتية عن آذربيچان الإيرانية (ما يشير إليه السكان المحليون على أنه “سور آذربيچان”).

كان قرارا لم يجلب له أيّ ثناء من أيّ شخص أو جماعة. فالعناصر المحافظة داخل البيروقراطية السوڤييتية، والتي تعارض أيّ تنازلات للأقليات القومية، لم يكن بإمكانها إلا أن تسأل لماذا لم يتحرك بصرامة أكثر وفي وقت مبكر أكثر لكيْ يسحق الانشقاق. وأشار الراديكاليون إلى أنه لم يحرّك القوات عندما كانت المذابح في ذروتها، بل فقط عندما بدأ الآذيريون يتحدثون عن الانفصال عن الاتحاد.
لم تكن النزاعات في أرمينيا وآذربيچان سوى أولى حركات قومية عديدة تُسَبِّب لجورباتشوڤ مشكلات. وقد شهد صيف 1988 الظهور المفاجئ لحركات في جمهوريات البلطيق الثلاث التي ألحقها ستالين بعد معاهدة ستالين-هتلر في سنة 1939 -لاتڤيا، إستونيا، ليتوانيا. وقامت سلسلة من المظاهرات الضخمة عندما وجد الناس أنفسهم قادرين للمرة الأولى، على أن يناقشوا بصراحة الدمج الإجباري لدولهم التي كانت مستقلة من قبل في الاتحاد السوڤييتي والترحيل اللاحق لعشرات الآلاف من الناس إلى سيبيريا. قام الناس بتكوين “حركات من أجل إعادة البناء” -التي سرعان ما عُرفت بوصفها جبهات شعبية- وجذبت لقاءاتُها الجماهيرية الحاشدة مئات الآلاف من الناس إلى الخروج إلى شوارع كل مدينة رئيسية في المنطقة. في البداية اعتقد جورباتشوڤ أن بإمكانه أن يحتوي بسهولة هذه الحركات. وأحلّ محلَّ القادة الحزبيين الموجودين آنذاك في هذه الجمهوريات مرشحيه هو، وهم عادة قوميون محليون أنجزوا أعمالا ناجحة في جهاز عموم الاتحاد، وحثهم على أن يضعوا أنفسهم في صدارة الحركة في سبيل الهوية القومية والتغيير. وفي أكتوبر 1988 ظهرت قيادات الحزب الشيوعي الجديدة في المؤتمرات التأسيسية للجبهات الشعبية، وقرأوا تصريحات تأييد لأهدافها، بموافقة جورباتشوڤ شخصيا[39].

لكنّ جورباتشوڤ كان، كما كان الحال في القوقاز، عاجزا عن إدراك الدينامية التي تقف وراء الحركات القومية. كان الإحساس بالضيم لدى السكان المحليين الليتوانيين، والإستونيين، واللاتڤيين، كبيرا إلى حدّ أن الجبهات الشعبية مرّت بتحوّل جذري كان من الصعب على القيادات الحزبية المحلية أن تجاريه. وقد فرضت عليهم محاولاتهم أنْ يفعلوا ذلك التسليم عمليا بالحرية الكاملة للتحريض وللصحافة. ومع بداية 1988 كانت محطات الإذاعة المحلية تذيع انتقادات صريحة للحكم السوڤييتي وكانت المنظمات شبه المحظورة في بقية أنحاء الاتحاد السوڤييتي، مثل الاتحاد الديمقراطي أو الجبهة الشعبية لبيلوروسيا، قادرة على الالتقاء علنا في جمهوريات البلطيق. لكن الأحزاب الشيوعية المحلية وجدت نفسها مع ذلك تفقد التأييد لصالح الجبهات الشعبية، التي فازت بأغلب المقاعد المحلية في انتخابات نواب المؤتمر في مارس 1989. أما أعضاء الحزب الذين تمّ إدخالهم في الجبهة الشعبية بهدف محاولة السيطرة عليها فقد انتهَى بهم الأمر إلى أن يتجاهلوا التوجيهات الحزبية تجاهلا كاملا وأن ينظروا إلى أنفسهم في المقام الأول على أنهم أعضاء في الجبهة. واشتكى جورباتشوڤ فيما بعد:

كانت قيادة الحزب الشيوعي في ليتوانيا -اللجنة المركزية- تفتقر إلى العزيمة والقوة الكافيتين لأن تكون في موقف الهجوم… وازداد الشلل التنظيمي والسياسي بعد انتخابات مارس. وفي أبريل 1989 اتخذت سايوديس [الجبهة الشعبية الليتوانية] قرارا بشأن استقلال الحزب الشيوعي في ليتوانيا [عن موسكو]… وبدأت عملية تفتُّت أقسام من الحزب الشيوعي إلى الحركات والمنظمات التي تتسم بمظهر قومي تكتسب قوة. وسقط الانضباط الحزبي بحدًة…[40].

مع نهاية 1989 كانت الجبهات الشعبية في الجمهوريات الثلاث ملتزمة علنا بالاستقلال التام عن الاتحاد السوڤييتي، وكانت تجبر قيادات الأحزاب الشيوعية المحلية على التحرّك في نفس الاتجاه. علاوة على ذلك، كان إقرار شرعية حركات البلطيق حافزا للشعور في أماكن أخرى في الاتحاد السوڤييتي. شعر المنشقون بالأمان فرفعوا مطالب كان من شأنها منذ زمن ليس بالطويل أن تعود عليهم بأحكام بالسجن، في حين اعتقد مسؤولو الجمهورية المحلية أن التاكتيك الصحيح يتمثل في الالتفاف حول مثل هذه المطالب بحيث يمكن الاحتفاظ بالتأييد الشعبي.

وسرعان ما توطدت حركات قومية تضارع في قوتها تلك التي في دول البلطيق في چورچيا ومولداڤيا، وكذلك في أرمينيا وآذربيچان، بحلول منتصف 1989. كما أن التحريض القومي كان يلقى صدًى قويا في بيلوروسيا وأوكرانيا الغربية، حتى وإنْ كان تأثيره لم يكتسح كل شيء أمامه. في نفس الوقت، كانت أعداد لا حصر لها من الحركات القومية الأخرى تنشأ -في صفوف الأوزبك، والطاچيك، والكازاخيين، والأتراك المسكيتيّين، والأبخازيين، وكثير من التجمعات الأخرى.

أظهرت الحركات الجديدة نوعين من الدينامية. الأولى والأكثر تهديدا للبيروقراطية المركزية في موسكو، والتي يقودها جورباتشوڤ، كانت في اتجاه الانفصال. وكانت الثانية في اتجاه نزاعات طائفية مريرة فيما بين هذه الحركات.

وعندما لعبت بيروقراطيّات الجمهوريات المحلية الورقة القومية، وبوجه خاصّ ورقة اللغة، لتعزيز شعبيتها ومكانتها، كانت العناصر المحافظة في البيروقراطية الروسية قادرة على أن تبنِّي “حركات اختراق” معارضة للتغيير تربط المديرين والعمال الناطقين بالروسية ربطا وثيقا وفي إستونيا ومولداڤيا نجحت هذه الحركات في 1989 في تحقيق عمل إضرابي حول الشعارات القومية الروسية. وساعد هذا بدوره العناصر المحافظة داخل الجزء المركزي الناطق بالروسية من الاتحاد السوڤييتي في إلهاب التحريض القومي الروسي، الذي يتغذَّى على أفكار شوڤينية غُرست في النفوس بعمق. كانت القيصرية والستالينية كلاهما تلقّنان أن الروس شعب متفوّق حمل عبء جلب “الحضارة” إلى الجماعات الإثنية الأخرى في الإمپراطورية الروسية، في حين عانَى الروس أنفسهم من تلاعب قوى أجنبية، أيْ يهودية، بهم.

من الصعوبة بمكان أن نعرف مدى انتشار وعُمق جذور نموّ الشوڤينية الروسية ومعاداة السامية في واقع الأمر. لكن لا يوجد أيّ شك في أنها كانت تخلق مخاوف حقيقية في صفوف أقسام من الإنتلچنسيا الموالية لجورباتشوڤ في أواخر 1989، كما بيّنت مناقشة جرت بين عدد منهم في أنباء موسكو.

كان هناك فزع تقريبا بشأن الطريقة التي قيل أن القوى المحافظة القديمة تحرّض بها أو تنتزع التأييد من الشعب. قال آمبارتسوموڤ Ambartsumov إن “آمالنا المحلّقة في مستهلّ الپيريسترويكا انقلبت اليوم إلى خيبة أمل وحتى إلى حقد أحيانا…” ووفقا لكارپنسكي Karpinsky:

يشير المحافظون إلى الصعوبات المعترف بها عالميا والتي تجتازها البلاد في الوقت الراهن -الأزمة في جوانب كثيرة من الاقتصاد، نقص الإمدادات، السوق غير المتوازنة، انهيار العلاقات القديمة قبل أن تحلّ محلها علاقات أخرى جديدة… وتزدهر العلاقات المحافظة في جوٍّ من التوقعات المشكوك فيها ونقص المؤن…

وتبذل الآن محاولة لربط مصالح الجهاز مع مواقف فئات بعينها من السكان…[41].

« السابق التالي »