بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العاصفة تهب – حول انهيار النموذج السوفييتي

« السابق التالي »

5- الاتحاد السوڤييتي: الإحساس بالقلق

القطار يحترق، لكن لا قاطرة تجرّنا بعيدا”. لخّصت هذه الكلمات من أغنية مجموعة الروكّ في لينينجراد “أكوارياس” الإحساس العام بالقلق في الاتحاد السوڤييتي مع بداية 1990. وبدا أن هذا الإحساس أصاب كل قطاع في الحياة الاجتماعية وكل فئة اجتماعية. كان الاقتصاد قد خرج عن السيطرة، إلى حدّ أن اقتصاديّ الإصلاح، وكيل الوزارة أبالكين Abalkin، اشتكى قائلا:

غمرت الاقتصاد موجة من الإضرابات. هناك إثارة متواصلة للتوتر، نوع متواصل من الابتزاز على طريقة “إنْ لم تقم بحلّ هذه المسائل، سنقوم بإضراب”[42].

كانت الأقليات القومية تعبِّر عن مظالمها من أقصى الاتحاد السوڤييتي إلى أقصاه. كانت هناك إضرابات في لاتڤيا، وإستونيا، ومولداڤيا، وچورچيا. وكانت لتوانيا تطالب باستقلالها. وروتْ پراڤدا أن “الشعب في طشقند ومدن أخرى عديدة في أوزبكستان لم يعرف سلاما على مدى شهور عديدة… ويجري باستمرار عقد الاجتماعات الجماهيرية الحاشدة -التي لم تعد محظورة- في الشوارع”[43].

وفي أرمينيا وآذربيچان كانت هناك حرب أهلية. وكان هناك في كل مكان نقص متزايد في أغلب المواد الأساسية، ومعه سخط متزايد. وفي المدن الروسية ڤولجوجراد (ستالينجراد سابقا)، تشيرنيجو، تيومن، وهي مركز هام، للپتروكيماويات أجبرت الاحتجاجات الجماهيرية لجان الحزب المحلي على الاستقالة[44]. وأجبرت مظاهرات مؤلفة من الآلاف في كراسنودار وستاڤروپول الجيش على إلغاء استدعائه للاحتياط للذهاب إلى القوقاز[45]. وحذّر إڤاشكو Ivashko، زعيم الحزب الأوكراني:

المزاج العام والوضع السياسي في أوكرانيا لم يكن بإمكانهما إلا أن يتأثرا بالأحداث في ليتوانيا، وما وراء القوقاز وفي أوروپا الشرقية. الناس قلقون. هناك عوامل كثيرة تجعلهم متقلقلين[46].

وحذر رئيس النقابات الرسمية التي توجهها الدولة في تلك الجمهورية قائلا: “السخط الشعبي يتزايد وقد يؤدّي إلى صراعات عمالية واسعة النطاق”[47]. وتحدّثت إزڤستيا عن “توتُّر عصبي في كل أنحاء مولداڤيا… إنّ مثال ما وراء القوقاز أمام أعين الجميع”[48]. وكتب المراسل السابق في وارسو لصحيفة كومسومولسكايا پراڤدا:

أحسّ أنني أتفرّج على إعادة لفيلم… بعد تسعة أعوام سيثبت عمال مناجم كوزباس ودونباس أن هناك أوجه شبه كثيرة مؤسفة بين احتجاجات بُناة سفن جدانسك واحتجاجات عمال مناجمنا[49].

أما المؤسسات الجديدة التي كان يُفترض فيها أنْ تجمع كلمة البلاد على أساس “الإجماع” -مؤتمر النوّاب ومجلس السوڤييت الأعلى المعدَّل- فكانت تعكس ببساطة الانقسامات في المجتمع ككلّ، وإنْ كان ذلك بطريقة أعطت انطباعا مُبالغا فيه عن تأثير الجهاز على الأحداث. كانوا منقسمين بين أقلية صغيرة من المصلحين الراديكاليين، وعلى يمينهم مجموعات بنفس الحجم من “المعتدلين” الموالين لجورباتشوڤ، والمحافظين الصريحين. أما فكرة أنه يقبض على “كل السلطة” إمّا المؤتمر أو مجلس السوڤييت الأعلى فقد بدت فارغة أكثر فأكثر عندما أخذ أعضاء كلٍّ من هاتين الهيئتين يتماحكون حول البنود التافهة المتعلقة بالإجراءات لكنهم سمحوا للمكتب السياسي بأن يفعل ما يشاء عندما انتقلوا إلى القضايا الكبرى.

امتد القلق إلى قلب الحزب الحاكم. وعلى مدى أكثر من 60 سنة كان الحزب قد فرض انضباطا حديديا على المصالح المختلفة داخل البيروقراطيتين الاقتصادية والحكومية، وكان يجمعهما في هيراركية واحدة تحت الأمين العام والمكتب السياسي. أما الآن فكان الحزب الحاكم ذاته يكفّ عن أن يعمل بطريقة موحّدة. هذا ما تبيّن في اجتماعات اللجنة المركزية، التي تجمع معا أولئك الذين يمدّون بالرجال جهاز الحزب ذاته، والمشروعات والوزارات الرئيسية، وقادة الشرطة والجيش. قال عالم اجتماع روسي حادّ الملاحظة:

أعراض… مواجهة متنامية بين الجهاز الحزبي على المستوى المحلي وهيئات القيادة المركزية للحزب… ظهرت في جلسة أبريل [1989] الكاملة للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوڤييتي، حيث جرى التعبير عن استياء صريح في كلمات عدد من الأعضاء وأمناء لجان المناطق الإدارية إزاء ما رأوه موقفا خاطئا للمكتب السياسي والسكرتارية في قيادة العمليات التي تجري في الحزب والبلاد. هذا الاستياء تم إبداؤه حتى إلى مدى أبعد في اجتماعات مناضلي الحزب والجلسات الكاملة للجان الحزب المحلي التي عقدت مؤخرا جدا[50].
كان المزاج السائد في جلسة يوليو الكاملة شبيها بذلك للغاية، رغم أن المناقشة في اجتماع ديسمبر كانت مريرة إلى حدّ أن قيادة الحزب نقضت ممارستها المعتادة فلم تنشر محضر الاجتماع. لكن التقارير توحي بأن الخطاب الافتتاحي لجورباتشوڤ أعقبه مباشرة وابل من النقد من مقاعد الأعضاء، بدأ بالرجل الذي كان جورباتشوڤ قد كلفه مؤخرا بمسؤولية لينينجراد، چيداسپوڤ Gidaspov. وقد عبّر أحد النواب عن انطباعاته في أنباء موسكو:

حتى الآن كنا نعرف أن “التفكير الجديد” كان يلقى معارضة في محليات كثيرة من جانب المحافظين والعقائديين. وعندئذ سمعتُ لأول مرة اتهامات ضدّ جورباتشوڤ، بأن خطه خاطئ وبأن “الوقت قد حان لنسير جميعا في الطريق الصحيح”[51].

مع نهاية السنة كان “الراديكاليون” و”المحافظون” داخل الحزب يسبوّن بعضهم علنا، وعلى نحو متزايد بدأ كلا الفريقين يوجّهان النار إلى جورباتشوڤ. ولسوء طالعه شهدت نهاية السنة اجتماعين حاشدين متنافسين في ثاني مدينة بالاتحاد السوڤييتي، لينينجراد، وكان كل منهما منظما من داخل جهاز الحزب المحلّي. وشهدت بداية السنة الجديدة التنظيم العلني لانشقاق راديكالي معارض، المنبر الديمقراطي[52]، الذي تحالف مع “الجماعات غير الرسمية” الراديكالية خارج الحزب لتنظيم كبرى مظاهرات موسكو حتى الآن في بداية فبراير.

كما أن القوات المسلّحة لم تكن محصنة ضدّ الإحساس بتفسّخ المجتمع ككل. ففي القاعدة كان الجنود العاديون منخرطين في مختلف الجبهات الشعبية، فكانوا يجلسون على الأرصفة، ويخطبون في اللقاءات، ويلتحقون بحركة إصلاحية، الترس[53]. وكانت هناك تقارير عن اجتماعات سرية لمندوبين من الآذيريّين من مختلف الوحدات في آسيا الوسطى[54]. وفي يريڤان كانت هناك طوال شهرين “مظاهرة اعتصام قام بها المجنَّدون… وكان عديد من المشاركين في إجازة مبيت ولا يريدون أن يعودوا إلى وحداتهم[55]. وعلى أعلى مستوى كانت هناك تقسيمات واضحة بين الضباط المتعاطفين مع أولئك المستائين من الإصلاح. وكانت صحيفة الجيش، كراسنايا زڤيزدا، واحدة من أكثر المطبوعات محافظة، لكنْ في المؤتمر الثاني للنواب، “كان الأفراد العسكريون في الپرلمان نشيطين بوجه خاص… وكان الصَّدْع بين المحافظين والوسط باديا بشأن كافة المسائل، لكنْ بوجه خاصّ بشأن المسائل العسكرية -حتى بين النواب العسكريين أنفسهم”[56].

بعد أن كان يبدو وكأنه سيّد الأحداث في 1987 و1988، بدا جورباتشوڤ على نحو متزايد وكأنه أسيرها. أحال إلى التقاعد قسما بكامله من اللجنة المركزية وقام بتعديل المكتب السياسي، وأتى بأشخاص يدينون له بترقيتهم وفصل “محافظين” قدامى مثل شتشيربتسكسي Schcherbitsksy وتشبريكوڤ Chebrikov. لكن قدرته على توجيه الأحداث تضاءلت مع ذلك. وقَّع مرسوما بحظر “المظاهرات غير المصرّح بها”؛ واندلعت على نطاق أوسع من ذي قبل. قام بحظر “الأعمال المتعمَّدة التي تهدف إلى إثارة العداء أو الشّقاق القومي أو العرقي”؛ وتعاظم “الشقاق القومي” كما لم يحدث أبدا من قبل. مرّر قانونا بشأن الإضرابات؛ وأضرب الناس رغم أنفه.
وفي أواخر أغسطس صدّق على رسالة إلى قيادات جمهوريات البلطيق محذرا إيّاها ضدّ الاستسلام للضغوط القومية. وقد نظر كلّ المعنيين إلى هذا التقرير على أنه تهديد مبطّن بإرسال قوات روسية إلى هناك. لكنْ عندما وُوجه بقرار من الحزب الليتواني بإعلان استقلاله عن الحزب الشيوعي السوڤييتي في ديسمبر، كان كلّ ما بدا جورباتشوڤ قادرا على أنْ يفعله هو أن يمرِّر قرارا آخر من خلال اللجنة المركزية وأن يناشد القادة الليتوانيين أن يعيدوا التفكير.

لم تتجاهل القيادة الحزبية والقيادة العسكرية ببساطة القلق المتنامي من تحت. فقد اتَّخذت فعلا إجراء قاسيا جدا في محاولة لسحق الحركات. وقامتا فعلا بحظر المطبوعات، وإنهاك جماعات المعارضة، ووضع حدّ للمظاهرات. وفي أبريل قامت القوات الخاصة التابعة لوزارة الداخلية بالقتل الوحشي لعشرات من المتظاهرين في تيبليسي؛ كانت هذه القوات تعمل طوال أكثر من 18 شهرا في أرمينيا وكاراباخ؛ وتحرّكت لتحطيم المظاهرات القومية بعد تحطيم احتفالات 7 نوڤمبر في مولداڤيا بأيام قليلة. لكن القمع لم يكن أكثر تماسكا مما كانت الجلاسنوست و”المقرطة”؛ كان قاسيا بما يكفي لخلق مرارة هائلة، لكنه لم يكن قاسيا بما يكفي لكسر العزم على تحويل تلك المرارة إلى عمل أبعد.

كانت وسائل الإعلام الغربية منذ وقت طويل أنصارا متحمسين لجورباتشوڤ. لقد نظرت إليه على أنه يتخذ موقفا ثوريا حازما عندما قرّر تعديل المادة السادسة في دستور الاتحاد السوڤييتي حول الدور القيادي للحزب في أوائل فبراير 1990 والواقع أنه لم يكن أكثر حزما ولا أكثر حسما من قراره، قبل ذلك بأسبوعين، بالقيام بمحاولة لحلّ عسكري في القوقاز. وقد أتى كلا القرارين وسط غليان متزايد من أقصى الاتحاد السوڤييتي إلى أدناه. كان كلا القرارين يمثلان محاولتين يائستين لترميم الشروخ التي أحدثها هذا الغليان في الصرح السياسي. والواقع أنّ كلا القرارين لم يكن بمستطاعهما إلا أنْ يؤديا إلى تفاقم المشكلات الطويلة الأمد لهذا النظام.

« السابق التالي »