بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العاصفة تهب – حول انهيار النموذج السوفييتي

« السابق التالي »

6- السياسة العالمية: سلاح ذو حدين

حقق جورباتشوڤ نجاحا واحدا كان بإمكانه أنْ يشير إليه حتى خريف 1989. ويتمثل هذا النجاح في سياسته الدولية. كان قد استطاع أنْ يخرج بالقوات السوڤييتية الأخيرة من أفغانستان في فبراير 1989 دون أن تنهار حكومة كابول في الحال. وكان قد استطاع أنْ يقوم بأول زيارة إلى الصين يقوم بها زعيم روسي منذ أيام خروشوڤ وأنْ يقوم بصياغة صلات جديدة مع النظام الإيراني. وقبل كل شيء كان قد استطاع أنْ يهدّئ “الحرب الباردة الجديدة” عن طريق سلسلة من اتفاقيات تحديد الأسلحة مع الولايات المتحدة الأمر الذي سمح بخفض في العبء العسكري الواقع على اقتصاد الاتحاد السوڤييتي كما كان قد استطاع، عن طريق سياسة جديدة للتعاون مع الولايات المتحدة، أنْ يقلّل المواجهات المحلية في أفريقيا الجنوبية وأمريكا الوسطى. كان بإمكانه أن يشير إلى شعبيته في الخارج كطريقة لدعم مركزه في بلاده؛ ولو أطاح به أحد لخاطر بأن ينفرط عقد ما بدا أنه إستراتيچية دولية بالغة النجاح.

غير أنه كان هناك ثمن لا بد من دفعه مقابل هذه الإستراتيچية. فهذه الأخيرة منحت القوى الغربية، خاصّة الولايات المتحدة، حقّ اعتراض (ڤيتو) جزئيا على قرارات السياسة الخارجية للاتحاد السوڤييتي. لم يكتف الاتحاد السوڤييتي بالموافقة على ألا يتدخل في شؤون الفناء الخلفي للولايات المتحدة في أمريكا الوسطى وعلى أن يساعد القوى الغربية على تحقيق الاستقرار في أفريقيا الجنوبية من خلال جمع بين الإصلاح والقمع -وهي سياسات سمحت للاتحاد السوڤييتي، كما حاول الإستراتيچيون الروس أنْ يثبتوا، بخفض الإنفاق فيما وراء البحار والموجّه إلى “حركات التحرّر” والحكومات الصديقة والذي لم يعد على الاتحاد السوڤييتي إلا بعائد ضئيل للغاية. بل قام جورباتشوڤ أيضا بوضع الاتحاد السوڤييتي في الوضع الذي كان عليه أن يكون فيه حذرا جدا في الإجراءات التي اتخذها للدفاع عن مجال نفوذه الخاص لكيْ لا تستخدمها حكومة الولايات المتحدة كذريعة للتنصُّل من الاتفاقات ولممارسة ضغط جديد على الإنفاق العسكري السوڤييتي.

والواقع أن ما يعنيه هذا تبدَّى بكل وضوح في خريف 1989. فالأنظمة التي جسَّدت النفوذ الروسي على أوروپا الشرقية بدأت تتداعي.

ومهما واصل وزير الخارجية السوڤييتي الحديث عن قدسية حدود ما بعد الحرب في أوروپا، فقد بدا أنه ليس بإمكانه هو أو جورباتشوڤ أن يفعلا شيئا ذا بال للحفاظ على تماسك الحكومات التابعة لهما. وقد تم استبعاد الإجراءات الحاسمة، والوحشية، التي كانت فعّالة للغاية في بوداپست في 1956 وپراغ في 1968.

وكان كلّ ما بقي هو محاولة التظاهر بأن كل شيء على ما يرام والترحيب بخسارة أغلب المكاسب الإستراتيچية التي تم إحرازها في الحرب العالمية الثانية؛ خاصّة عندما قام بتحوّل دپلوماسي مفاجئ في أواخر يناير 1990 وقال إن إعادة توحيد ألمانيا أمر حتمي. لكن هذا لم يكن بإمكانه أن يوقف مسألة أخرى أكثر حيوية في الواقع أخذت تبرز أمام حكام الاتحاد السوڤييتي. إذا كانوا لم يمكنهم أن يشرعوا في عمل مّا في أوروپا الشرقية خوفا من إثارة الحساسيات الغربية فهل أمكنهم الشروع في عمل ضد دول البلطيق؟ أم كانت سياسات جورباتشوڤ تقودهم نحو خسارة إمپراطوريتهم الداخلية بالإضافة إلى الخارجية؟

لا غرابة إذن في أنه مع بداية 1990 كان هناك تحرّر من الأوهام بشأن جورباتشوڤ سواء بين أولئك الذين كانوا يؤيدون مزيدا من المقرطة في الاتحاد السوڤييتي أو أولئك الذين كانوا يؤيدون “نظاما” من الطراز القديم. ولا غرابة في أن السبب الرئيسي وراء تصوّر الناس أن جورباتشوڤ لن يُطاح به هو غياب شخص يحلّ محلّه.

« السابق التالي »