بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العاصفة تهب – حول انهيار النموذج السوفييتي

« السابق التالي »

7- أوروپا الشرقية: انهيار تراكمي

ذهلت الأرثوذكسية اليسارية الرسمية بانهيار تجربة جورباتشوڤ لتستحيل إلى فوضى اقتصادية وأزمة اجتماعية، بل حتى حرب أهلية. لكن انهيار الأنظمة الأوروپية الشرقية قوَّض بدوره أهم الفروض النظرية لهذه الأرثوذكسية. ذلك أن اليسار الرسمي ألحّ دائما على أنه في أوروپا الشرقية كان هناك نمط إنتاج مختلف عن بقية العالم. يصدق هذا على كل من التفسيرات القائلة ﺒ “الاشتراكية”؛ و”الدولة العمالية المتدهورة” و”ما بعد الرأسمالية”؛ والتفسيرات التي تتزايد شعبيتها في السنوات الأخيرة والتي تتكلم عن شكل جديد من أشكال المجتمع الطبقي: الجماعية البيروقراطية، أو الدولوية، أو حتى طبعة حديثة من الاستبداد الشرقي.

لكن إذا كان أسلوب الإنتاج في أوروپا الشرقية مختلفا إلى هذا الحدّ عن ذلك الموجود في بقية العالم، فكيف يمكن تفسير تغيّرات الأشهر القليلة الأخيرة؟ كيف أمكن تطعيم أسلوب إنتاج “غير رأسمالي” إطلاقا بسمات مثل عضوية صندوق النقد الدولي، والإنتاج من أجل الربح، وإفلاس المشروعات التي لا يمكنها بيع منتجاتها عند “معدّل عائد” ملائم، والازدياد المفاجئ للبطالة، وحتى البورصة؟

حاول الماركسيون عادة أن يثبتوا أن الانتقال من أسلوب إنتاج إلى آخر يقتضي قطيعة عنيفة بين القديم والجديد. تروتسكي، على سبيل المثال، كان يلحّ على أنه لا يمكن أن تكون قد وقعت ثورة مضادة اجتماعية في الاتحاد السوڤييتي في العشرينيات لأنه، كما ادّعى، لم تكن هناك قطيعة عنيفة كهذه: الحديث عن تغيُّر في أسلوب الإنتاج بدون مثل هذه القطيعة هو “إصلاحية بالمقلوب”.

مع ذلك كان عنف “الثورة الثانية” لستالين في أواخر العشرينيات أكبر بكثير من أيّ شيء شهدناه في أوروپا الشرقية على مدار السنة الأخيرة. أرسل ستالين جيشا إلى الريف لطرد ملايين الفلاحين من الأرض، واستخدم الشرطة والجيش لتحطيم مقاومة الطبقة العاملة لاستقطاعات الأجور في المصانع، واستخدم الشرطة السرية – چي پي يو GPU -للتصفية الجسدية لأيّ شخص طرح للمناقشة أيّ سمة من سمات حكمه هو داخل الحزب الحاكم. وبكلمات تروتسكي، حفر ستالين نهرا من الدم بين الستالينية والبلشڤية. وكان هناك ملايين القتلَى في الحرب الأهلية التي كان جانب ستالين فيها مسلحا ولم يكن خصومه كذلك. على النقيض من ذلك، كانت التحولات في أوروپا الشرقية طوال السنة الأخيرة سلمية على نحو كاسح، باستثناء رومانيا وحدها.

بدأ مسار التغيير في پولندا والمجر. في پولندا كان هناك نهوض ضخم للمواجهة الاجتماعية في 80-1981 شلّ نشاط الدولة على مدى سنة وربع. لكن الانقلاب العسكري في ديسمبر 1981 قصم ظهر نقابة تضامن المستقلة، حتى وإن كان لم يستطع أن يحطم نفوذ المعارضة السرية للنظام. ثم وقعت في ربيع وصيف 1988 موجتان من الإضرابات. أدهشت هذه الإضرابات النظام وأغلب قيادة تضامن القديمة على السواء. وخلال الموجة الأولى كان هناك إحساس قويّ بين المستشارين الفكريّين لتضامن بأن الإضرابات كانت خاطئة. ولم يكن هناك مزيد من الحماس للموجة الثانية، رغم أن الزعيم القومي الشهير لتضامن -ليخ ڤاونسا Lech Walesa- أدرك أن مركزه السياسي يفرض عليه الاشتراك في احتلال ترسانة لينين في جدانسك.

كان موقف قيادة تضامن يعني أن الإضرابات محصورة في أربعة مراكز رئيسية ولم يجر تعميمها إلى أيّ شيء أشبه بنفس درجة 80-1981[57]. ولا شك في أن الإضرابات لم تكن بالحجم الضروري لتحطيم سلطة الطبقة الحاكمة وتثوير المجتمع. غير أن ما فعلته الإضرابات تمثَّلَ في إثارة مناقشة مريرة داخل الشرائح الحاكمة في المجتمع الپولندي حول الطريقة التي يمكنها أن تحمي بها مستقبلها هي.

في النهاية تبنَّوا الإستراتيچية التي اقترحها وزير الداخلية – كيچاك Kisczcak. وافقوا على مناقشات المائدة المستديرة مع المعارضة ومع “المستقلين” مقابل أن تطلب القيادة القومية لتضامن من العمال أن لا يُضربوا. تمخّض عن المائدة المستديرة اتِّفاق على انتخابات شبه حرّة وتمخّض عن هذه الأخيرة قبول قادة الحزب الحاكم القديم أن يصبح أحد مستشاري تضامن رئيسا للوزراء في حكومة ملتزمة بإعادة البناء، بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي، واقتصاد الأوامر، والخصخصة الواسعة النطاق.

ظل نفس الأشخاص كما كانوا من قبل مسؤولين عن المشروعات، والشرطة، والقوات المسلحة. وتم تطهير وسائل الإعلام من أولئك الذين كانوا قد ألقوا ثقلهم وراء الفترة السابقة من الحكم العسكري: الصحفيون الذين سبق فصلهم لتأييدهم لتضامن أعيد تعيينهم، لكنْ لم يكن هناك سوى قليل من التغييرات الأخرى في الأشخاص في الصحافة والتليڤزيون؛ أما القضاة فقد طلب منهم ببساطة أن يكونوا “محايدين سياسيا” من الآن فصاعدا. في الوقت ذاته، أخذ المديرون الذين كانوا قد صعدوا إلى مراكزهم كجزء من البيروقراطية العليا (النومينكلاتورا) القديمة يستخدمون الآن نفوذهم وثروتهم لشراء أقسام من الصناعة بالجملة. وأنشأ أعضاء البيروقراطية العليا ما يقدّر ﺒ 15 ألف تعاونية[58]. ومن الصعوبة بمكان أن نرى في هذا السياق للأحداث أيّ شيء يمكن وصفه -ولو من بعيد- ﺒ”ثورة” أو “ثورة مضادّة”.
في المجر حيث مضت التغيرات الاقتصادية إلى نفس المدى الذي بلغته في پولندا على الأقل، لم يكن هناك إلى ذلك الحين سوى مواجهة اجتماعية أقلّ. كانت المعارضة المنظمة في المجر، حتى وقت متأخر مثل 1987، صغيرة للغاية. وكانت محاولاتها لبناء ركيزة داخل الطبقة العاملة في أوائل الثمانينيات فاترة الهمة وفاشلة. ولم تتجاوز قوّة مظاهراتها الأولى في 1987 و1988 أكثر من آلاف قليلة وكانت تتألّف من الطلبة أساسا[59].

لم يأت الانفتاح على “الديمقراطية” بسبب الضغط من تحت، بل لأن الاستدانة الدولية المتعاظمة والمخاوف من الأزمة الاقتصادية خلقت انقسامات بين كبار زعماء الحزب. تآمر حفنة من هؤلاء في مؤتمر الحزب في ربيع 1988 لطرد زعيم الحزب العجوز، يانوش كادار Yanos Kadar. كانوا يعتقدون أن من الضروري أن يدفعوا الإصلاح الاقتصادي حتى إلى مدى أبعد في اتجاه اقتصاد سوق بكل معنى الكلمة. وافقوا جميعا على ما كانوا يشيرون إليه صراحة على أنه سياسات “ثاتشرية”. كما وافقوا على أنهم بحاجة إلى أن يسمحوا بالتنظيمات السياسية إذا أرادوا الحصول على التأييد الذي يحتاجون إليه لتنفيذ هذه التدابير. لكن حينئذ جرت، كما في پولندا، مشاجرات مريرة في صفوف الجماعة الحاكمة الجديدة حول ما هو الاتجاه السياسي الذي ينبغي السير فيه. وسعى قسم منها، حول إيمري پوشجاي Imre Poszgay، إلى تعزيز سيطرته عن طريق التعاون مع أقسام من المعارضة.

في المناخ السياسي الجديد اندفع الناس الذين كانوا قد رفضوا الانضمام إلى جماعات المعارضة في الماضي، إما خوفا أو لأنهم كانوا يتوقون إلى الصعود الاجتماعي المفتوح أمام مؤيدي الحزب الحاكم،.. اندفعوا فجأة إلى الانضمام إليها، وفجأة كانت قوة المظاهرات السياسية للمعارضة بمئات الآلاف. حتى الوزراء انضموا إليها. وتكوّنت دزينة من الأحزاب الجديدة. وهُزم مرشحو الحزب الحاكم في سلسلة من الانتخابات الفرعية وعندئذ انقسم الحزب ذاته رسميا إلى حزبين.

لكن في كامل هذا المسار للتغيير دون مواجهة كان هناك خيط قويّ من الاستمرار. كتب جاسپار تاماسGaspar Tamas، أحد قادة أحد أحزاب المعارضة، الديمقراطيون الأحرار:

الجيش، والشرطة، والإدارة المدنية، لا تزال غير محايدة سياسيا.. الاقتصاد ستتم خصخصته اسميا، بنفس المديرين كمالكين حتى إذا كانوا لن يخاطروا بشيء من ثروتهم…

وأغلب ساسة المعارضة زائفون. وتأتي أعلى المهاترات صوتا ضدّ الماضي الشيوعي من أناس كانوا منذ أشهر أو أسابيع فقط ممثلين قياديّين للحزب وكان الشخص الثاني في حزب الديمقراطيين المسيحيّين مدعيا عامّا طوال 20 سنة[60].

كانت التغيرّات في المجر بمثابة العامل المساعد للتغيرات في ألمانيا الشرقية. فالحكومة المجرية، الضعيفة والمتطلّعة إلى المعارضة طلبا للمساعدة، لم تشعر بأنها في وضع تمنع فيه الألمان الشرقيين الذين كانوا قد دخلوا البلاد بصفتهم سائحين عابرين إلى الغرب. وبدأت ألمانيا الشرقية تعاني من استنزاف في العمل الماهر لأول مرة منذ بناء سور برلين في 1961.

منح الضعف المفاجئ لحكومة ألمانيا الشرقية عزما جديدا لجماعات المعارضة في البلاد، هذه الجماعات التي كانت صغيرة جدا والتي كان يجري قمعها بسهولة. قامت جماعات المعارضة بمظاهراتها الأولى، التي قدّرت قوتها بعدة آلاف، في درسدن في أوائل أكتوبر، هاتفةً: “سنبقى هنا”، و”جوربي جوربي” [جورباتشوڤ]. جذب عنف هجمات الشرطة على هذا الاحتجاج آلافا أخرى إلى الشوارع في اثنتي عشرة مدينة في الأيام التالية. فجأة أصبحت قيادة الحزب الحاكم معزولة ويائسة. بدأت مجموعة حول زعيم الحزب المسنّ، هونيكر Honecker، الإعداد لإطلاق الرصاص على المتظاهرين[61]. نظرت أقسام أخرى من القيادة إلى هذا الخيار على أنه بالغ الخطورة. لم يكن بمستطاعهم أن يتوقعوا التأييد من جورباتشوڤ، الذي كان لديه كل ما يدعو إلى أن يكره نظاما كان يتخذ صراحة موقفا نقديا إزاء سياساته، كما كان من شأن القمع الواسع النطاق أن يُفسد تماما العلاقات مع ألمانيا الغربية، التي كان يعتمد عليها النظام اقتصاديا اعتمادا متزايدا. أعدّ رئيس الأمن إيجون كرنتسEgon Krenz، انقلابا داخل المكتب السياسي طرد هونيكر ثم حاول أنْ يسترضي المتظاهرين بإصلاح مبشّر. فجأة كانت جماعات المعارضة تعمل بصفة قانونية وكان موظفو الحزب متوسطو المستوى ينضمون إلى مظاهراتها في محاولة للسيطرة عليها. لكن النتيجة المباشرة كانت إعطاء أعداد واسعة من الناس الإحساس، للمرة الأولى، بأن الاحتجاج أصبح آمنا لا ينطوي على مخاطرة. ولم يكن بوسع الحزب الحاكم أن يحتفظ إلا بمظهر سيطرة عن طريق تقديم المزيد والمزيد من التنازلات واعدا بحرية السفر، ملتزما بانتخابات حرة، مضحّيا بأعداد متزايدة من الزعماء القدامى وملقيا القبض على أكثرهم فسادا بصورة مكشوفة، بادئا في نهاية الأمر في تفكيك سور برلين. أما كرنتس، طارد هونيكر، فقد طرده بدوره مودروڤ Modrov عندما بدأت قيادة الحزب اجتماعات مائدتها المستديرة مع جماعات المعارضة والأحزاب التي كانت تشكل معها جبهة من قبل، والتي اتخذت بدورها موقفا مستقلا على نحو متزايد.

كانت التغيرات كافية لحثّ مديري المشروعات الضخمة التي تملكها الدولة في ألمانيا الشرقية على مضاعفة محاولاتهم لإقامة صلات مع الشركات الألمانية الغربية. أقامت “إنترفلوج” مشروعا استثماريا مشتركا مع “لوفتهانزا” لتطوير جهاز لإعداد بيئة اصطناعية للتدريب على الطيران[62] ووقّع فريدريش ڤوكوركا Friedrich Wokurka، عضو الحزب ورئيس “الروبوترون”. ثالث أكبر مشروع في ألمانيا الشرقية، اتفاقا مشتركا مع مجموعة “پليتس” لصنع أسطوانات (ديسكات) رقيقة في درسدن، مع «سيمنس» و«داتا پرنت» للمشروعات المشتركة لبرامج الكمپيوتر[63]؛ وكانت “ڤارتبورج” تناقش مشروعا مشتركا مع “فولكسڤاجن” لبناء اﻟ “پولو” Polo[64]. وفي اجتماع مشترك تم إبلاغ رؤساء اتحاد الصناعات الألماني الغربي “من جانب نظرائهم الألمان الشرقيين كم أن السوق الاجتماعي الألماني الغربي نموذج رائع”[65].

بدأ مديرو المشاريع الذين كانوا أعضاء في الحزب الحاكم ينتقلون إلى الأحزاب التي كانت تقيم معه جبهة، الاتحاد الديمقراطي المسيحي والديمقراطيون القوميون، الذين بدأوا بدورهم يطرحون الاندماج في ألمانيا الغربية. في الوقت ذاته، ضاعف قادة الحزب الحاكم اتصالاتهم على المستوى القومي والمحلي مع الساسة ورجال الأعمال الألمان الغربيين. وكما شرح اشتراكي ثوري ألماني شرقي، لم يكن رفض هؤلاء القادة للوحدة السياسية مع الدولة الغربية رفضا لإدماج الاقتصاد الألماني الشرقي في الاقتصاد الألماني الغربي. كان ببساطة طريقة للمحافظة على مركزهم الخاص كوسطاء سياسيين بين الاقتصاديْن[66]؛ وبحلول نهاية يناير 1990 كانوا يقدّمون خطتهم الخاصة للوحدة الألمانية.

لم تعن هذه التغيُّرات أيّ تغييرات كبيرة في الأشخاص الذين يديرون هياكل المجتمع الألماني الشرقي. ولم يلق مركز مديري المشروعات أيّ تحدّ على الإطلاق، كما حدث لمركز الجانب الأكبر من ضباط القوات المسلحة وبيروقراطية الدولة. بقيت وسائل الإعلام من الناحية الأساسية في نفس الأيدي التي كانت فيها من قبل، وإن كانت المعارضة قد سُمح لها ﺒ -وكان الصحفيون قادرين على- القيام للمرة الأولى، بكشف كثير من سمات المجتمع الأكثر إثارة للغثيان. وكما عبّر اشتراكي ثوري ألماني شرقي:

إلى الآن لم تُمسّ الهياكل الاقتصادية السابقة. هذا ملحوظ بوجه خاص في المصانع وفي المؤسسات المسؤولة عن الاقتصاد. هناك تغيُّرات في المصانع. على سبيل المثال، مجموعات الحزب الاشتراكي الألماني الموحّد في المصانع لم تعد تلعب أيّ دور. لكنْ حيث أن الإدارة الحالية تقوم بنفس الوظيفة. فلا شيء يتغيّر بالتالي تغيّرا أساسيا وإلى الآن لم يتم توجيه حركة الشعب إلا ضدّ بعض مراكز السلطة السياسية ومن خلال ضغط الجماهير مضى جيلٌ بعيدا وأتى الجيل التالي إلى السلطة ليعزّز مصالح أولئك الذين يديرون الاقتصاد[67]

كانت ديناميّة التغير في تشيكوسلوڤاكيا، في البداية على الأقل، شبيهة جدا بتلك الخاصة بألمانيا الشرقية. قرّر الطلبة متشجّعين بأحداث جرت في أماكن أخرى، أن يخططوا لمظاهرة في 17 نوڤمبر. كانت هناك مسيرات احتجاج سابقة -مثلا في 20 أغسطس للفت الأنظار إلى ذكرى الغزو الروسي في 1968- لكن الإجراءات الصارمة السابقة للشرطة أبقتها صغيرة نسبيا[68]. أشار الصحفيون الغربيون إلى أن معظم عابري السبيل احتفظوا بمسافة كافية تماما من المتظاهرين[69]. لكنْ كانت هناك هذه المرة ذريعة قانونية للمظاهرة: كانت منظمة الشباب التابعة للحزب الحاكم قد قرّرت إحياء ذكرى تاريخ الاحتجاجات الطلابية على استيلاء النازي على البلاد منذ 50 سنة. كانت المظاهرة أضخم مما توقعت الحكومة والمعارضة على السواء، وأرسلت الحكومة قوة غير معروفة من قبل من “قوات مكافحة الإرهاب” لتهاجم وتسحق المتظاهرين.

يُشار الآن في براغ إلى ذلك الهجوم على أنه “مذبحة 17 نوڤمبر”. في الواقع لم يمت أحد ولم يكن هجوم الشرطة مختلفا كثيرا عن ذلك الذي تشنه قوات “القانون والنظام” في الدول الغربية (على سبيل المثال، على عمال في بريطانيا يرابطون عند وارينجتون، وأورجريڤ، وواپنج). لكن مشهد المحتجّين، الذين لا يزالون عادة في أواخر مراهقتهم، وهم يتعرّضون لمثل ذلك الانقضاض كان كافيا ليحفز إلى العمل عددا أوسع كثيرا من الناس. في عطلة نهاية الأسبوع تلك بدأ الطلبة إضرابا في كلّ أنحاء تشيكوسلوڤاكيا. اتخذ طلبة المسرح قرارا بالانضمام إلى هذا الإضراب؛ حفز بدوره الممثلين والمخرجين والفنيين المسرحيين إلى الانضمام إليه. فجأة استحال كل مسرح في براغ إلى مركز للمناقشة والنشاط المعارض. انضم مئات الآلاف من الناس إلى المظاهرات. خرجت فرق تألفت على نحو مرتجل إلى كل موقع عمل وكل مدينة وقرية في البلاد لشرح ما يجري في قلب براغ. فجأة أصبحت الجماعة المعارضة، المنتدى المدني، حركة جماهيرية أظهرت قوتها في 27 نوڤمبر عن طريق تنظيم إضراب ناجح للغاية لمدة ساعتين في كل أنحاء البلاد.

كما في ألمانيا الشرقية، كانت هناك شائعات بأن قيادة الحزب بحثت إطلاق الرصاص بالجملة. لكنْ، مرة أخرى كما في ألمانيا الشرقية، سرعان ما قام أنصار المصالحة بطرد أنصار هذا النهج. كان قادة الحزب والوزراء يأتون ويذهبون بسرعة مذهلة قبل أن يتم تشكيل حكومة ائتلافية تشتمل على معارضين و”مستقلّين”، وجرى الوعد بانتخابات حرة وتم انتخاب السجين السياسي السابق ڤاتسلاڤ هاڤيل Vaclav Havel لرئاسة الجمهورية من قبل الپرلمان الذي اختار النظام القديم ذاته أعضاءه بكل عناية.

بمعنًى مّا كان هناك تناقض حادّ بين الأحداث في تشيكوسلوڤاكيا وتلك التي جرت في پولندا والمجر. هنا كانت توجد عناصر كثيرة لثورة حقيقية. خرجت الجماهير إلى الشوارع وانتزعت التنازلات من النظام القديم. وكان هناك تحريض متواصل في الشوارع. وكان قلب براغ، بكلياته ومسارحه المحتلّة، أشبه أكثر من أيّ شيء آخر بپاريس في مايو 1968. نشأت لجان المنتدى المدني ولجان الإضراب في أماكن العمل ووسائل الإعلام وكذلك في المحليات. وعندما سئل المعارض الماركسي التشيكي المحنَّك، ڤلاديمير ريها Vladimir Riha، عَمّّنْ نظم الحركة، لم يكن بوسعه إلا أن يجيب: “لا أحد. كل شخص فعل ما أراد أن يفعل. لكنها لم تكن فوضى. كانت ثورة”[70].

مع ذلك، إذا كانت هذه ثورة فقد كانت كذلك فقط بأضيق معنًى لتغيير سياسي جزئي مفروض من تحت. كانت مثل 1830 في فرنسا، عندما أقنعت ثلاثة أيام من المظاهرات چنرالات الملك بإحلال أسرة مالكة محلّ أخرى، أو 1848 في برلين عندما أقنع قتال الشوارع الملك الپروسي بأن يَعِدَ بدستور لكنه لم يحطم السلطة الملكية بمجملها. وقد اعتاد تروتسكي أن يميز بين الثورة السياسية، التي تترك علاقات الإنتاج دون تغيير، والثورة الاجتماعية مثل ثورتي 89-1794، و1917. ومن الجلي أن الثورة التشيكوسلوڤاكية كانت مثالا للأولى وليس للثانية.

يتحدث الاشتراكي الثوري التشيكوسلوڤاكي، پيتر كلوڤارت Peter Kluvart، الذي يعمل في مركز براغ للتدفئة، عن مدى ضآلة تغيّر الأوضاع في المصانع: لجان الإضراب لا تزال موجودة في أغلب أماكن العمل، تعمل تارة جنبا إلى جنب مع لجان المنتدى المدني، وتندمج فيها تارة أخرى، لكنْ لم يلق تحدّيا إلى الآن سوى قليل من امتيازات الإدارة[71]. حتى وكالة أمن الدولة سي تي بي StB، والشرطة السرية وجهاز المخابرات -باقية لم تُمس. “كانت تراقب وتضايق رئيسنا- لم يكونوا أصدقاءنا. لكن أمن الدولة ينبغي حمايته”، يقول ريتشارد زاخر Richard Sacher وزير الداخلية غير الشيوعى[72].

في بلغاريا كانت التغيرات التي جرت في الأشهر الأخيرة من 1989 أقرب إلى أحداث المجر منها إلى الأحداث في ألمانيا الشرقية وتشيكوسلوڤاكيا. أزيح من السلطة فجأة زعيم الحزب على مدى اﻟ 30 سنة الأخيرة، چيڤكوڤ Zhivkov، بواسطة منافسين في المكتب السياسي أخذوا يكشفون حينئذ كيف أنه هو وابنه كانا ينهبان من البلاد ملايين الدولارات[73]. كانت قد وقعت مظاهرة معارضة في شوارع العاصمة، صوفيا، قبل ذلك بأيام قليلة -بخصوص البيئة. لكنْ لا يبدو أنها كانت من الضخامة بما يكفي لأن تكون في حد ذاتها قد أدّت إلى التغيرات السياسية، التي يبدو أنها كانت ثمرة التقاءٍ بين وصولية الزعماء الجدد والخوف من النتائج المنطقية بينما كانت الفائدة على الدين الأجنبي المتزايد بسرعة تلتهم نصف عوائد البلاد من التصدير[74].

لكن الأزمة السياسية المفاجئة أمدّت المعارضة فعلا بفرصة لم يسبق لها مثيل للتعبئة. كان بمستطاعها فجأة أن تنظم نفسها بصفة قانونية وأن تحصل على شيء من الذكر في وسائل الإعلام. مع نهاية السنة أحسّت بأنها قوية بما يكفي لأن تهدّد بإضراب عام إنْ لم يسمح الجهاز، الذي وصفته بأنه «لا يزال شموليا» بمقرطة أوسع. وحصلت على وعد بتنازلات مقابل سحب الدعوة إلى الإضراب[75].
كانت رومانيا البلد الوحيد الذي اقترنت فيه التغيرات السياسية بصراع مسلّح، وقعت من خلاله ثورة عنيفة. كانت السلطة مركزة في يدي رجل واحد، شاوشيسكو Ceausescu، على نطاق أكبر مما في أيّ مكان آخر. وكان يستخدمها ليسحق بصورة وحشية أيّ عنصر مقاومة. ولهذا أرسل شرطة أمنه لتقتل وتجرح بالرصاص المضربين من مصنع جرارات النجم الأحمر في براسوف في ديسمبر 1987 وكرّر هذا التاكتيك عندما خرج أهالي مدينة تيميشوارا إلى الشوارع احتجاجا على اضطهاد قسيس پروتستانتي ناطق باللغة المجرية في منتصف ديسمبر 1989.

لكن القمع، في هذه المرة، لم يسحق الحركة في الحال. في تيميشوارا نفسها أجبرت تهديدات العمال بتفجير مصنع پتروكيماوي الجيش على الانسحاب. وعندما بدأت الشائعات عن الاضطرابات تنتشر في أنحاء العاصمة، بوخارست، أحسّ شاوشيسكو بأنه مجبر على التدخل بنفسه. أمر زبانيته بأن يجمعوا وفودا من مواقع العمل بالمدينة لحضور اجتماع جماهيري حاشد تأييدا له. تجمّع الحشد في 21 ديسمبر، كما كان يحدث غالبا في الماضي، وهلّل كما أُمرعندما بدأ شاوشيسكو يتكلّم. لكنْ في غضون دقائق انقلبت الهتافات إلى أصوات ساخرة وأناشيد عن “تيميشوارا”. قُطع البثّ التليڤزيوني الحي للاجتماع الجماهيري الحاشد بسرعة، بينما بدا على شاوشيسكو المصاب بالدوار، الذهول والخوف إزاء غضب الحشد بينما كان ينسحب من الشرفة التي كان يتكلم منها.

كانت هناك مظاهرات طوال تلك الليلة حيث كان ينضم إلى الحشد القادم من ذلك الاجتماع الجماهيري الحاشد مئات الآلاف من الناس الذين أمكنهم أن يُدركوا من البثّ التليڤزيوني أن النظام في ورطة. وبدت شرطة الأمن غير قادرة على إغلاق الشوارع في وجههم[76]. في اليوم التالي تجمع المتظاهرون عند مبنَى اللجنة المركزية للحزب الحاكم. وسرعان ما شقّ أولئك الذين كانوا في الصدارة طريقهم إلى الداخل، واستولوا على أسلحة شرطة الأمن، الذين فرّوا مذعورين.

هرب شاوشيسكو وزوجته من سطح المبنَى بهليكوپتر، تاركيْن المركز الرسمي للسلطة السياسية في أيدي الشعب. في داخل مبنَى اللجنة المركزية بدأ ممثلو الحشد الجماهيري في الخارج يناقشون كيف ينبغي ملء فراغ السلطة.

عند هذه النقطة قام قادة القوات المسلّحة بتحرّكهم. فبعد أن أيَّدوا شاوشيسكو في البداية ثم اتخذوا موقفا محايدا بصورة متعمدة بينما كانت شرطة الأمن تقاتل المتظاهرين من أجل السيطرة على الشوارع، أعلنوا الآن تأييدهم للثورة. بدأ الجيش ينتزع السيطرة من أولئك الذين كانوا قد أقدموا في الواقع على كل المخاطرات خلال اليومين السابقين. وسرعان ما أصبح مجلس للإنقاذ الوطني مسؤولا رسميا كان مؤلفا من چنرالات، ومن زملاء الديكتاتور العجوز الذين تشاجروا معه قبل النهاية، ومن حفنة من ممثلي الطلبة والمتظاهرين في الشوارع.

أمر الچنرالات في مجلس الإنقاذ الوطني قواتهم بأن يحبطوا محاولة مستميتة مضادة للثورة من جانب شرطة أمن شاوشيسكو، التي شرعت في سلسلة من الهجمات الإرهابية على المتظاهرين المدنيين. حاكموا وأعدموا الزوجين شاوشيسكو في 25 ديسمبر لمنعهما من أن يقوما بدور بؤرة للمعادين للثورة. لكن الچنرالات شرعوا أيضا في الوقت ذاته في إضعاف أقوى قوّة مؤهلة ضدّ الثورة المضادة، النشاط الشعبي العفوي الذي كان قد حطم سلطة شاوشيسكو قبل ذلك بثلاثة أيام فقط. وفي يوم إعدام شاوشيسكو أعلن مرسوم من مجلس الإنقاذ الوطني:

الجيش وحده يحق له أن يحوز أسلحة… كل أولئك الذين حدث أن حازوا أسلحة وذخيرة بغض النظر عن الظروف التي حدث فيها ذلك يجب أن يُسلِّمُوها في تمام الساعة 12. ومن يتخلّف عن احترام هذه التدابير الاحتياطية سيُعاقب بمنتهى الصرامة.

بعد ذلك بأسبوعين كان مجلس الإنقاذ يحظر على الطلبة عقد لقاءات جماهيرية في وسط بوخارست وكانت أحزاب المعارضة تشكو من أن إمكانية استخدامها لوسائل الإعلام لا تزال مقيدة.

ما حدث في رومانيا أبرز بكل جلاء كثيرا من السمات الكلاسيكية لثورة. مع ذلك كانت التغيرات لا تزال سياسية أكثر منها اجتماعية. بقيت السيطرة على المشروعات في ذات الأيدي، وكانت القرارات التي تؤثر في الاقتصاد ككل يتخذها أشخاص كانوا شخصيات قيادية في الحزب الحاكم القديم قبل الشجار مع شاوشيسكو.

« السابق التالي »