بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

العاصفة تهب – حول انهيار النموذج السوفييتي

« السابق التالي »

8- إفلاس نظريتين

لكيْ يفهم اليسار ما حدث في أوروپا الشرقية يحتاج الأمر إلى نظرية يمكنها أن تفسّر في آن واحد حجم الأزمة التي أصابت مجتمعات أوروپا الشرقية والسهولة التي استطاعت بها معظم هذه المجتمعات التحوّل من وصف نفسها بأنها “الاشتراكية القائمة في الواقع الفعلي” إلى التقليد على نحو مكشوف لأساليب الرأسمالية الغربية.

والنظرية التي هيمنت تقليديا على اليسار، والتي وصفت هذه المجتمعات بأنها “اشتراكية”، أو “بعد-رأسمالية”، أو “دولا عمالية متدهورة” لا يمكنها أن تقدم هذا التفسير. أكدت هذه النظرية عادة أن اقتصاد هذه المجتمعات يمكنه أن يتوسّع بلا حدود، الأمر الذي نظرت إليه الأحزاب الشيوعية الغربية، بما في ذلك أجنحتها الأوروشيوعية، طويلا على أنه حقيقة إنجيلية. أذكر على سبيل المثال، أنني حضرتُ (كصحفي) مؤتمرا للحزب الشيوعي البريطاني في 1977. كان النقاش بين الأوروشيوعيين و”مجموعة الباحثين” الموالين لروسيا محتدما آنذاك. لكنْ لا أحد اعترض على الفرضيات الرسمية التي تقابل بين “التقدم الذي لا ينقطع” للاقتصاد الشرقي والأزمة في الغرب. كان هناك إيمان بأن الاتحاد السوڤييتي قد طوّر نظاما اقتصاديا متفوقا على النظام الاقتصادي للغرب الأمر الذي جعل من الممكن للأوروشيوعي البريطاني مونتي جونسون Monty Johnson أن يكتب أن ستالين كان محقا ضد تروتسكي في العشرينيات والثلاثينيات: “كان تروتسكي يعاني من أقصى الانهزامية” عندما أشار إلى “إمكانية أن تنمو إنتاجية العمل في البلدان الرأسمالية السائدة أسرع منها في روسيا… كان ستالين قادرا على القول بصواب بعد 1935 أن تروتسكي كان مخطئا وأن… الاشتراكية تم بناؤها في الواقع من الناحية الأساسية”[77].

انتهت الطبعة الأكثر شعبية للتفسير “التروتسكي” الذي يصف البلدان الشرقية بأنها دول عمالية متدهورة إلى استنتاجات مشابهة. كتب المنظّر الشهير لهذا الاتجاه، إرنست ماندل Ernest Mandel، في 1956:

يحتفظ الاتحاد السوڤييتي بإيقاع متوازن تقريبا للنمو الاقصادي، خطة بعد خطة، وعقدا بعد عقد، دون أن يُثقل التقدم المتحقق في الماضي على إمكانيات المستقبل… لقد جرى التخلّص من كافة قوانين تطور الاقتصاد الرأسمالي التي تؤدي إلى تباطؤ في سرعة النمو الاقتصادى[78].

كرّر ماندل زعمه هذا في الطبعة الأولى من كتابه عن الأزمة العالمية في 1978. زعم أن معدلات النمو التي حققتها الدول الشرقية دليل على “طابعها غير-الرأسمالي” وعلى تفوّقها “الكيفي على اقتصاد السوق الرأسمالي” في “قدرتها على أن تتفادَى بين أشياء أخرى التباطؤ والتقلبات الاقتصادية الكبرى، والبطالة”[79]. وأضاف أن “البلدان غير الرأسمالية” لم تعان إلا من آثار الأزمة الرأسمالية العالمية. لكن مثل هذا التفكير لا يمكنه ببساطة أن يفسّر لماذا كان على هذه الدول أن تدخل فجأة في أزمات اقتصادية، واجتماعية، وسياسية من النوع الذي شهدناه في السنوات الأربع الأخيرة.

هناك نظرية “بعد-رأسمالية” واحدة شدّدت على سمة النزوع إلى الأزمة في اقتصاد الاتحاد السوڤييتي -معالجة تروتسكي ذاته لنظرية الدول العمالية المتدهورة. أكد تروتسكي في الثلاثينيات أن البيروقراطية الحاكمة متناقضة مع إعادة التنظيم الاقتصادية التي أحدثتها ثورة أكتوبر. كان من شأن هذا أن يفضي إلى أزمة كارثية وليس بعد عقود عديدة بل في المستقبل القريب جدا وكتب قائلا أنه “لا بد للمزيد من نمو النزعة البيروقراطية دون عوائق أن يقود حتما إلى توقّف النمو الاقتصادي والثقافي، وإلى أزمة اجتماعية مفزعة، وإلى اندفاع المجتمع بأسره في طريق الانحدار”[80]. وتمثّلت إحدى حججه ضدّ “نظرية الطبقة الجديدة” التي طوّرها شاختمان Max Schachtman وآخرون في 1939 في أن الاشتراكيين الثوريين يمكن:

أن نضع أنفسنا في وضع يدعو إلى السخرية إذا نحن ألصقنا بالأوليجارشية البوناپرتية تسمية طبقة حاكمة جديدة قبل سقوطها الشائن بسنوات قليلة أو حتى بأشهر قليلة فقط[81].

ويقول في مكان آخر:

في حالة حرب طويلة الأمد مصحوبة بسلبية الپروليتاريا العالمية لا بدّ للتناقضات الداخلية في الاتحاد السوڤييتي من أن تُفضي -وليس فقط ربما- إلى ثورة مضادّة برچوازية-بوناپرتية[82].

لم يكن بإمكان مثل هذه التوقعات أنْ تبقى بعد تصنيع الاتحاد السوڤييتي في عهد ستالين، وإلحاقه الهزيمة بألمانيا النازية، وتوطيده للسيطرة على أوروپا الشرقية. تخلّى أتباع تروتسكي “الأرثوذكسيّون” عن تفسيره هو لنظريته وتبنّوا رأيا في اقتصاد المجتمعات الشرقية لا يختلف كثيرا عن الآراء التي تنادي بها الأحزاب الشيوعية. ويشير كل من “التروتسكيين” والستالينيين إلى التقدم الاقتصادي للاتحاد السوڤييتي كدليل على أنه شكل للمجتمع أعلى من ذلك الذي في الغرب. وكانت نقطة اختلافهم حول تقييمهم للبنية الفوقية للسياسة.
أدت المفاجآت التي كشفت عنها السنوات القليلة الأخيرة عن حجم الأزمة الاقتصادية في الدول الشرقية بزعماء الأحزاب الشيوعية الغربية إلى التخلّي عن نشوتهم الغامرة القديمة. أما أولئك الذين حاولوا أن يستخدموا صيغة تروتسكي فقد حذوا حذوهم، عائدين فجأة إلى تفسيره في الثلاثينيات دون أن يذكروا أبدا أنهم ألصقوا التفسير الخاطئ المناقض على النظرية على مدى 50 سنة. ويدّعي إرنست ماندل الآن أن “الاقتصاد بأسره” يفتقر إلى “أيّ صورة للعقلانية الاقتصادية” لأن “البيروقراطية عاجزة عن أن تقيم امتيازاتها المادية على أساس الأداء المتماسك (أيْ إعادة الإنتاج) للنظام الاقتصادي، لدوره في عملية الإنتاج”[83].

لكنْ قلب النشوة الغامرة القديمة رأسا على عقب لا يفسّر لماذا كان لابد لأزمة اقتصادية واجتماعية عامة أن تنشأ في البلدان الشرقية في العقد الأخير وليس في وقت أسبق. كما أنه لا يقدّم أيّ حجج مضادة لأولئك الذين يدّعون أن الرأسمالية الغربية، أيّا كانت عيوبها، تقوم على أساس من العقلانية الاقتصادية ولابدّ لها بالتالي من أن تكون نظاما أعلى. والواقع أن الرأي “بعد-الرأسمالي” ينقلب بكل سهولة يمينا لينتقل إلى قبول الحجج التي تنظر إلى الدول الشرقية على أنها أدنى من الرأسمالية الغربية. ولهذا فحتى طارق على، في كتابه الذي زعم أن إصلاحات جورباتشوڤ بإمكانها أن تنجح، يسلّم بأن أوضاع العمال الروس هي من بعض النواحي أسوأ مما في أفقر بلدان “العالم الثالث”.

رجل عامل في كلكتا أو امرأة تبيع الخزف في كشك في شارع في مكسيكوسيتي يتمتعان بحرية اختيار أوسع بكثير فيما يشتريان… من عامل سيارات سوڤييتي في تولياتيجراد أو عامل صلب في سڤيردلوڤسك[84].

أدَّى إفلاس التفاؤل المرتبط بالتحليلات “بعد-الرأسمالية” للدول الشرقية بكثيرين إلى تأييد نظريات تنظر إلى هذه المجتمعات على أنه تديرها “طبقة جديدة”، تستغل جماهير السكان لكنها ليست الرأسمالية. مثل هذه النظريات قدمها ريتزي Bruno Rizzi وشاختمان في أواخر الثلاثينيات، وچيلاس Djilas في الخمسينيات، وفي العقدين الأخيرين تيكتين Hillel Ticktin، بنس Bence، وكيس Kis، وبارو Bahro، وكارلو Carlo، وكاجارليتسكي، وآخرون كثيرون. صبّ كلّ هؤلاء الكتاب ازدراءهم على الزعم القائل بأن الدول الشرقية مجتمعات لا طبقية، لكنهم لم يكونوا بحال أكثر نجاحا من أنصار النظريات “بعد-الرأسمالية” في الوصول إلى فهم صحيح للدينامية الحقيقية للتطوّر الاقتصادي والاجتماعي.

كانت أقدم طبعة للنظرية تؤمن، في الواقع، بنفس الرأي القائل بالطابع التقدّمي اقتصاديا للدول الشرقية والذي تؤمن به النظريات بعد-الرأسمالية. وأكدّ برونو ريتزي أن “البرنامج الاقتصادي الخاص ﺒ الطبقة الحاكمة الجديدة” كان “تقدّميا”[85]. وردّد هذا الرأي ماكس شاختمان في كتاباته في 40-1941. وهكذا كتب يقول إن:

الجماعيّة البيروقراطية جزء -وهو جزء غير متوقّع، ومهجَّن، ورجعي، لكنه جزء مع ذلك -من العهد الجماعي للتاريخ الإنساني. والنظام الاجتماعي للجماعية البيروقراطية يتميز من النظام الاجتماعي للرأسمالية في المقام الأول بأن الأول يقوم على شكل جديد وأكثر تقدّما من أشكال الملكية، أيْ ملكية الدولة. أما واقع أن هذا الشكل للملكية -وهو من مكتسبات الثورة البلشڤية- تقدمي، أيْ أعلى تاريخيا من الملكية الخاصة، فقد أثبتته الماركسية نظريا كما أثبته امتحان الممارسة العملية[86].

أما المجريّان، بنس وكيس، اللذان كتبا في منتصف السبعينيات تحت الاسم المستعار راكوڤسكي Rakovsky، فكانا يعتقدان أن الدول الشرقية كانت ذات تطور تكنولوچي أبطأ من الرأسمالية الغربية. لكنهما أيضا افترضا أن أيّ اختلالات اقتصادية قد تظهر يمكن التغلب عليها بسهولة. وأكدا أنه “بالنسبة للجماهير… يجري إشباع الحاجات الاستهلاكية الأساسية بصورة متواصلة نسبيا” وأنه “ليس لدينا أيّ مبرر على أساس نموذجنا لأن نتنبأ بأن انهيار التنمية الاقتصادية للمجتمعات ذات النمط السوڤييتي أمر حتمي”[87]. وانتهيا إلى أن الطبقة العاملة لم يكن بإمكانها أن تنظم نفسها إلى أن وقع انقسام – “استقطاب” -داخل الطبقة الحاكمة، وإلى أنه “لا اتجاهات إنمائية يمكن استنتاجها من الهيكل العام للنظام من شأنها أن تشير إلى تعاظم احتمال استقطاب كهذا مع الوقت”[88]. ولا غرابة في أن مثل هذه الاستنتاجات قادت بنس وكيس إلى محاولة إثبات أن الماركسية ليس لديها ما تقدمه للمعارضين الأوروپيين الشرقيين مما ليس بوسعهم الحصول عليه من “العلماء الاجتماعيين الآتين من خلفية مختلفة”[89].

من ناحية أخرى، تؤمن أحدث طبعات نظرية “الطبقة الجديدة” بأن اقتصاد الدول الشرقية أقلّ دينامية بصورة متأصلّة من الرأسمالية الغربية. كان هذا موقف شاختمان من أواسط الأربعينيات فصاعدا[90] وكان هذا استنتاجا انتهَى إليه كتاب چيلاس “الطبقة الجديدة.

وفي الآونة الأخيرة برز هذا الموقف في كتابات أولئك الملتفين حول هيليل تيكتين ومجلة كريتيك Critique. يكتب تيكتين على سبيل المثال، قائلا أن: “السمة الاقتصادية الرئيسية للاتحاد السوڤييتي اليوم هي طابعه التبديدي الهائل وربما وجود ميل إلى التبديد المتزايد”[91]. وقد ذهب أحيانا بعيدا إلى حدّ وصف الاتحاد السوڤييتي بأنه “اقتصاد قطع الغيار”[92].

ويتبنَّى تحليل تيكتين، بالجملة تقريبا، منظّر آخر من منظّري الطبقة الجديدة، فوريدي Furedi[93]. وهو يرى أن شكل التنظيم الاقتصادي لا عقلاني على الإطلاق:

ليست هناك آلية يُحدَّد بها وقت عمل المجتمع[94]… الأفراد المنعزلون والوحدات الإنتاجية يديرون شؤونهم بطريقة عشوائية على نحو متزايد بدون أي آلية فعالة لضبط المدخلات أو المخرجات… التكوين الاجتماعي السوڤييتي لا ينطوي على أيّ ميل متأصّل إلى إضفاء الطابع الاجتماعي على العمل أو إلى توطيد تقسيم قومي للعمل[95].

حقا ليس هناك أيّ دافع نحو التجديد أو الدينامية على مستوى المشروع[96].

هذه اللاعقلانية تعني “أن الافتقار إلى دينامية إنمائية هو الذي يُملي سلوك البيروقراطية”[97]؛ وتتمثل ناحية يختلف فيها هذا “التكوين الاجتماعي” اختلافا جوهريا عن الرأسمالية، في نظر فوريدي، في أنه “في الاتحاد السوڤييتي يظلّ من غير المقبول سياسيا الاستغناء عن أعداد ضخمة من العمال”[98].

أما التحليلات التي تؤكّد أن اقتصاد الدول الشرقية كان دائما في أزمة فمن الصعوبة بمكان أن تُفسر لماذا أخذ الوضع يزداد سوءا فجأة في السنوات الأخيرة أكثر من تلك التحليلات التي أنكرت إمكانية الأزمة. علاوة على ذلك، تنكر هذه التحليلات الواقع التاريخي البسيط المتمثل في أن هذه المجتمعات عرفت عقودا من النمو الاقتصادي. هكذا يزعم فوريدي أن “الميل إلى الانكماش الاقتصادي كان السمة السائدة للنظام السوڤييتي دائما منذ 1958″[99]. مثال على هذا الانكماش: تدّل أرقام وكالة المخابرات المركزية على أن الاقتصاد السوڤييتي تضاعف حجمه وأكثر خلال فترة اﻟ 30 سنة تلك![100]

لقد أبدت طبقات رأسمالية الدولة الحاكمة حقا ثقة عالية بالنفس على مدى فترة تاريخية بأسرها – بانية درجة من القاعدة الاجتماعية الداخلية لحكمها وخالقة مزيجا من الخوف والإعجاب بين الحكام في بقية أنحاء العالم. وإذا عبرنا عن الحجة ببساطة، فإن الاتحاد السوڤييتي هزم فعلا ثاني أقوى اقتصاد رأسمالي في العالم في حرب جبارة شاملة. لم يكن “اقتصاد قطع غيار” ذلك الذي كسب معركة ستالينجراد وسبق الأمريكيين في إدخال سپوتنيك في الفضاء[101].

وأيّ نظرية عن الدول الشرقية لا تفسّر في آن معا ديناميتها على مرّ العقود وأزمتها الراهنة لا يمكنها أن تكون نظرية وافية. ومنظّرو الطبقة الجديدة المتشائمون وأولئك المنظّرون “بعد – الرأسماليين” الذين انقلبوا ليقبلوا أهم استنتاجاتهم يحققون شعبية لأنهم يمضون مع ما يغدو على نحو متزايد أرثوذكسية كل من وسائل الإعلام الغربية ومستشاري الحكومات الشرقية: القائلة بأن رأسمالية السوق من الطراز الغربي أكثر فعالية ودينامية من الناحية الجوهرية من أيّ بديل.

« السابق التالي »